ولما ذكر السيوطي في كتابه « تاريخ الخلفاء » أوليات عمر نقلا عن العسكري قال : هو اول من سمي امير المؤمنين ، الى ان قال : واول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » ، واول من حرم المتعة ، واول من جمع الناس في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات الخ.
    وقال محمد بن سعد « حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات » وهو اول من سن قيام شهر رمضان « بالتراويح » وجمع الناس على ذلك وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة اربع عشرة ، وجعل للناس بالمدينة قارئين قارئا يصلي « التراويح » بالرجال وقارئا يصلي بالنساء.. الخ.
    واخرج البخاري « في اواخر الجزء الأول من صحيحه في كتاب صلاة التراويح » ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال : فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة ابي بكر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عمر .
    وأخرج مسلم « في باب الترغيب في قيام رمضان من الجزء الأول من صحيحه » ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرغّب في قيام رمضان من غير ان يأمرهم فيه بعزيمة ، فيقول : من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » قال : فتوفي صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك .
    واخرج البخاري في كتاب صلاة التراويح من صحيحه عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاريّ (8) قال : خرجت مع عمر ليلة في رمضان الى المسجد ، فاذا الناس
____________
(8) « عبد القاري » بتنوين عبد وتشديد ياء القاري نسبة الى قاره ، وهو ابن ديش بن محلم بن غالب المدني. كان عبد الرحمن هذا عامل عمر

=


( 87 )

أوزاع متفرقون... الى أن قال : فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد كان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. « قال » ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، قال عمر (رض) نعمت البدعة هذه ـ الحديث.
    وقال العلامة القسطلاني « في أول الصفحة الرابعة من الجزء الخامس من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري » عند بلوغه الى قول عمر في هذا الحديث « نعمت البدعة هذه » ما هذا نصه : سماها بدعة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسن لهم الاجتماع لها ، ولا كانت في زمن الصديق ولا أول الليل ، ولا كل ليلة ، ولا هذا العدد الخ.
    وفي تحفة الباري مثله فراجع. وهذا أمر لا يناقش فيه أحد من المسلمين وحسبك به دليلا على معذرة المتأولين.
    ومنها تأولهم آية الزكاة ، إذ أسقطوا منها سهم المؤلفة قلوبهم مع نص الكتاب والسنة على ثبوته ، وكونه معلوما بحكم الضرورة من دين الاسلام ، وقد أجمعت كلمة المسلمين واتفقت جميع طوائفهم على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطيهم منها حتى لحق بربه عز وجل ، وأنه لم يعهد الى احد من بعده باسقاط سهمهم ؛ وقد ذكر (9) صاحب كتاب الجوهرة النيّرة على مختصر
____________
=
على بيت المال وهو حليف بني زهرة روى عن عمر ، وابي طلحة ، وابي ايوب ، وابي هريرة ، وروى عنه ابنه ، محمد والزهري ، ويحيى بن جعدة بن هبيرة مات سنة ثمانين ، وله ثمان وسبعون سنة.
(9) وذكر المؤرخون نظير هذه الحكاية أيضا ، اذ قالوا جاء عيينة بن حصين والاقرع بن حابس الى أبي بكر ، فقالا له : ان عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلا ولا منفعة ، فان رأيت ان تقطعناها لعل الله ان ينفع بها بعد اليوم. فقال أبو بكر لمن حوله : ما تقولون ؟ قالوا : لا بأس ، فكتب لهما

=


( 88 )

القدوري (10) في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول : ان المؤلفة قلوبهم جاءوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى ابي بكر رضي الله عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب الى عمر (رض) ليأخذوا خطه على الصحيفة ، فمزقها وقال : لاحاجة لنا بكم فقد اعز الله الاسلام واغنى عنكم ، فان اسلمتم والا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا الى ابي بكر فقالوا له : انت الخليفة ام هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله وامضى ما فعله عمر واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على اسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة عندهم باعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة.
    ومنها تأولهم آية الخمس ، وهي قوله تعالى في سورة الانفال : « واعلموا انما غنمتم (11) من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين
____________
=
بها كتابا فانطلقا الى عمر ليشهد لهما فيه ، فأخذه منهما ثم تفل فيه فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، ثم ذهبا الى أبي بكر وهما يتذمران فقالا : والله ما ندري أانت الخليفة ام عمر ؟ فقال : بل هو ، وجاء عمر حتى وقف على ابي بكر وهو مغضب فقال : اخبرني عن هذه الارض التي اقطعتها هذين اهي لك خاصة ام بين المسلمين ؟ فقال : بل بين المسلمين. فقال : ما حملك على ان تخص بها هذين ؟ قال : استشرت الذين حولي. فقال : اوكل المسلمين وسعتهم مشورة ورضا ؟ فقال أبو بكر (رض) : فقد كنت قلت لك انك اقوى على هذا الامر مني لكنك غلبتني.
    نقل هذه القضية ابن ابي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح النهج في صفحة 108 من المجلد الثالث ، والعسقلاني في ترجمة عيينة من اصابته وغيرهما. وليته كان يوم السقيفة وسع كل المسلمين مشورة ، ويا حبذا لو تأنى حتى يفرغ بنو هاشم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(10) هو من أشهر الكتب الحنفية يتبركون به ، ولمصنفه شأن عظيم ، وما نقلناه هنا عنه مصرح به في كلمات المحدثين والفقهاء كما لا يخفى.
(11) الغنيمة لغة هي الفوز بالشيء ، وذلك أعم من غنائم دار الحرب ، وبهذا تعلم دلالة الآية على مذهبنا في الخمس.

( 89 )

وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله (12) وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير » حيث صرفوا الخمس الى خلاف منطوقها.
    فذهب الامام مالك « كما هو معلوم من مذهبه » الى ان الخمس بأسره مفوض الى السلطان يصرفه كيف شاء وانه لاحق لأحد بالمطالبة فيه ، وذهب الامام ابو حنيفة « كما هو بديهي من مذهبه » الى انه يقسم ثلاثة اسهم : فيعطى لمطلق ايتام المسلمين سهم ، ولمطلق مساكينهم سهم ، ولمطلق ابناء السبيل منهم سهم ، ولا فرق عنده في ذلك بين ذي القربى منهم وغيره.
    وانت ترى نص الكتاب قد فرض لذي القربى في الخمس حقا قصره عليهم ، وتعلم ان السنة المطهرة قد جعلت لهم فيه سهما لن تبرأ الذمة إلا بدفعه اليهم ، وقد اجمع كافة اهل القبلة من اهل كل مذهب منهم ونحلة على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يختص بسهم من الخمس ويخص منه اقاربه بسهم آخر ، ولم يعهد بتغيير ذلك الى احد حتى لحق بربه عز وجل فلما ولي ابو بكر (رض) تأول الأدلة فأسقط سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ذوي القربى ، ومنع « كما في تفسير هذه الآية من الكشاف وغيره » بني هاشم من الخمس.
    وفي اواخر باب غزوة خيبر من صحيح البخاري في صفحة 36 من جزئه الثالث ان فاطمة ارسلت الى ابي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فأبى ابو بكر أن يدفع اليها شيئا ، فوجدت عليه فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ، ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها ـ الحديث. وهو موجود ايضا في باب قول النبي « لا نورث ما تركناه فهو
____________
(12) معنى هذا الشرط ان الخمس مصروف الى هذه الوجوه الستة فاقطعوا عنه اطماعكم وادوه لأربابه ان كنتم آمنتم بالله ، وفيه من البعث على اداء الخمس والانذار لتاركيه ما لا تسع بيانه عبارة.
( 90 )

صدقة » من صحيح مسلم في صفحة 72 من جزئه الثاني ، وفي مواضيع أخر من الصحيحين كما لا يخفى.
    وأخرج مسلم في أواخر كتاب الجهاد والسير من الجزء الثاني من صحيحه عن قيس بن سعد عن يزيد بن هرمز قال : كتب نجدة بن عامر ( الحروري الخارجي ) الى ابن عباس قال ( يزيد بن هرمز ) فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه. قال : فقال ابن عباس : والله لولا ان ارده عن نتن يقع فيه ما كتبت اليه ولا نعمة عين. قال : فكتب اليه إنك سألت عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله من هم ؟ وإنا كنا نرى ان قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم نحن ، فأبى ذلك علينا قومنا ـ الحديث (13).
    وأخرجه ايضا الإمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر صفحة 294 من الجزء الأول من مسنده ، ورواه المحدثون بطرق كلها صحيحة ، وهذا هو مذهب أهل البيت والمتواتر عن أئمتهم عليهم السلام.
    ومنها اقتصارهم في صلاة الجنائز على اربع تكبيرات ، كما هو معلوم من فقه أهل المذاهب الأربعة وسيرتهم ، واول من جمع الناس على ذلك عمر بن الخطاب (رض) كما نص عليه جماعة كثيرون ، منهم السيوطي حيث ذكر أوليات عمر في تاريخ الخلفاء ، وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تأريخه روضة المناظر (14) وغيرهما من أهل الأخبار.
    ويدلك على تأولهم في هذه المسألة ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث زيد ابن أرقم في صفحة 370 من الجزء الرابع من مسنده عن عبد الاعلى قال : صليت
____________
(13) فراجعه في أول صفحة 105 من ج 2 من صحيح مسلم المطبوع سنة 1327 على نفقة الحلبي وأخويه.
(14) وهو مطبوع في هامش ابن الاثير وما نقلناه عنه هنا موجود في صفحة 122 من جزء 11.

( 91 )

خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا ، فقام اليه أبو عيسى عبدالرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال : نسيت ؟ قال لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى الله عليه وآله وسلم فكبر خمسا فلا أتركها ابدا .
    ومنها تأولهم في البكاء على الميت حيث حرمه الخليفة الثاني ، حتى أخرج الطبري عند ذكر وفاة أبي بكر في حوادث سنة 13 من الجزء الرابع من تأريخه بالاسناد الى سعيد بن المسيب قال : لما توفي أبو بكر اقامت عليه عائشة النوح فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء على أبي بكر فأبين ان ينتهين فقال عمر لهشام بن الوليد : أدخل فأخرج الي ابنة أبي قحافة. فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : اني أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك. فدخل هشام فأخرج ام فروة اخت ابي بكر الى عمر فعلاها بالدرة فضربها ضربات فتفرق النوح حين سمعوا ذلك .
    هذا مع ما أخرجه الامام احمد من حديث ابن عباس في صفحة 335 من الجزء الأول من مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكاء النساء عليها قال : فجعل عمر يضربهن بسوطه فقال النبي دعهن يبكين ، وقعد على شفير القبر وفاطمة الى جنبه تبكي. قال : فجعل النبي يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة .
    واخرج أحمد أيضا من حديث ابي هريرة في صفحة 333 من الجزء الثاني من مسنده حديثا جاء فيه انه : مر على رسول الله جنازة معها بواكي فنهرهن عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : دعهن فإن النفس مصابة والعين دامعة.
    واخرج الامام احمد من حديث ابن عمر في صفحة 40 من مسنده قال : رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ولكن حمزة لا بواكي له قال : ثم نام


( 92 )

فانتبه وهن يبكين حمزة قال : فهن اليوم إذا بكين يندبن حمزة ـ وهذا الحديث مستفيض بين المسلمين ، وقد ذكره ابن جرير ، وابن الأثير ، وصاحب العقد الفريد ، وجميع أهل السير والأخبار.
    وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلا عن الواقدي ، قال : لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله « لكن حمزة لا بواكي له » الى اليوم إلا بدأت بالبكاء على حمزة. وذكر ابن عبد البر في ترجمة جعفر من استيعابه قال : لما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعي جعفر اتى امرأته اسماء بنت عميس فعزاها. قال ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مثل جعفر فلتبك البواكي.
    وأخرج البخاري في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه انه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على زيد وجعفر ، وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه انه صلى الله عليه وآله وسلم بكى على جعفر وزيد ، وقال : اخواي ومؤنساي ومحدثاي. وبكى على ولده إبراهيم فقال له عبد الرحمن بن عوف ( كما في الجزء الأول من صحيح البخاري ) وانت يا رسول الله ؟ قال : يابن عوف انها رحمة ، ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ بأخرى فقال : إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون.
    وقد علم الناس كافة بكاءه على عمه حمزة حتى قال ابن عبد البر في ترجمته من الاستيعاب : لما رأى النبي حمزة قتيلا بكى ، فلما رأى ما مثل به شهق.
    وذكر الواقدي ( كما في اواخر صفحة 387 من المجلد الثالث من شرح النهج ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يومئذ اذا بكت صفية يبكي وإذا نشجت ينشج ، قال : وجعلت فاطمة تبكي فلما بكت بكى رسول الله.
    وبكى صلى الله عليه وآله وسلم على صبي مات لاحدى بناته ، فقال له


( 93 )

سعد ( كما في صحيحي البخاري ومسلم ) ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ـ الى مالا يحصى من قبيل هذه الأحاديث المشهورة ، مما لا يمكن استقصاؤه وفي هذا المقدار كفاية.
    وأما ما جاء في الصحيحين من ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، وفي رواية ببعض بكاء اهله عليه ، وفي رواية ببكاء الحي ، وفي رواية يعذب في قبره بما نيح عليه ، وفي رواية من يبك عليه يعذب ، فإنه خطأ من الرواي بحكم العقل والنقل.
    قال الفاضل النووي ( عند ذكر هذه الروايات في باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه من شرح صحيح مسلم ) : هذه الروايات كلها من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله. قال : وانكرت عائشة عليهما ، ونسبتهما الى النسيان والاشتباه واحتجت بقوله تعالى : « ولا تزر وازرة وزر اخرى ».
    قلت : وانكر هذه الروايات ايضا ابن عباس واحتج على خطأ راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه المسألة على طرفي نقيض حتى ناحت على ابيها يوم مات ، فكان بينها وبين عمر ما قد سمعت ، والتفصيل في رسالتنا « الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة » وفي مقدمة مجالسنا الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (15).
    وللسلف تأولات غير الذي ذكرناه كتأخيرهم مقام ابراهيم الى موضعه اليوم (16) وكان ملصقا بالبيت ، وتوسعتهم المسجد الحرام سنة 17 للهجرة
____________
(15) المطبوعة سنة 1332.
(16) أخره الخليفة الثاني كما هو مستفيض عنه فراجع صفحة 113 من المجلد الثالث من شرح النهج الحديدي طبع مصر ، ومادة « الديك » من حياة الحيوان للفاضل الدميري. وقال ابن سعد في ترجمة عمر من

=


( 94 )

باضافة دور جماعة من حوله اليه ، وكانوا أبوا بيعها فهدمها الخليفة الثاني عليهم (17) ووضع اثمانها في بيت المال حتى اخذوها ، وكحكمه على اليمانيين بدية أبي خراش الهذلي الشاعر الصحابي المشهور (18) إذ باتوا ضيوفا عنده ، فذهب يستقي لهم فمات من حية نهشته في الطريق ، وكنفيه نصر بن الحجاج بن علابط السلمي الى البصرة (19) إذ تغنت به امرأة في دارها وكان في غاية من الحسن والجمال (20) وكقضاياه المختلفة في ميراث الجد مع الأخوة (21) حتى رجع الى رأي زيد بن ثابت الانصاري.
    وكتأوله آية التجسس ، إذ رأى فيه صلاح المملكة ونفع الرعية ، فكان
____________
=
طبقاته ما هذا لفظه : وهو الذي أخر مقام ابراهيم الى موضعه اليوم وكان ملصقا بالبيت ـ ونقل السيوطي ذلك في أحوال عمر من تاريخ الخلفاء.
(17) نص على ذلك جميع أرباب السير كابن الاثير في حوادث تلك السنة من كامله وغيره.
(18) ذكر هذه القضية ابن عبد البر في ترجمة ابن خراش من كتاب الكنى من الاستيعاب ، ونقلها عنه الدميري في مادة « الحية » من كتاب حياة الحيوان.
(19) هذه القضية مستفيضة فراجع صفحة 99 من المجلد الثالث من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر تجد تفصيلها ، وقد ذكرها ابن خلكان في ترجمة نصر بن الحجاج من وفياته تفصيلا.
(20) وكنفيه ضبيع التميمي الى البصرة أيضا بعد ضربه الضرب المبرح اذ سأله عن تفسير آية من القرآن في قضية ذكرها ابن أبي الحديد في صفحة 122 من المجلد الثالث من شرح نهج البلاغة.
(21) في صفحة 173 من الجزء الثاني المطبوع في هامشه كتاب عوارف المعارف..

( 95 )

يتجسس نهارا ويعس ليلا ، حتى ذكر الغزالي في احياء العلوم (22) انه سمع وهو يعس بالمدينة صوت رجل يتغنى في بيته فتسور عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو الله اظننت ان الله يسترك وانت على معصيته ؟ فقال : ان كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته انت في ثلاثة. قال الله : « ولا تجسسوا » وقد تجسست ، وقال : « وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها » وقد تسورت عليّ ، وقال « لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم » الآية ، وقد دخلت بيتي بغير اذن ولا سلام. فقال عمر (رض) : هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال : نعم فتركه وخرج ، الى غير ذلك من مصاديق اجتهاداته وموارد تأولاته التي عدل بها عن ظواهر الأدلة حرصا على توطيد دعائم السياسة وابتغاء لتنظيم شؤونها ، وتقديما لمصلحة المملكة ، وايثارا لتقوية الشوكة من وضعه الخراج على السواد ، وكيفية ترتيبه للجزية وعهده بالشورى على الوجه المعلوم ، وقوله (23) يومئذ : « لو كان سالم ( ابن معقل مولى ابي حذيفة ) حيا استخلفته » مع انعقاد الاجماع (24) نصا وفتوى على عدم جواز عقد الامامة لمثله ، ضرورة انه من اهل فارس ، إما من اصطخر أو من كرمد ، استرقته زوجة أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت من الأنصار.
____________
(22) روى ذلك طارق بن شهاب الزهري ، والتفصيل في مادة « الحية » من حياة الحيوان للدميري.
(23) هذا القول متواتر عنه ، وهو موجود في كامل ابن الاثير وغيره من كتب السير والاخبار حتى صرح ابن عبدالبر ، حيث أورد هذه المقالة في ترجمة سالم من استيعابه بأنها عن رأي رآه عمر واجتهاد ادى اليه نظره ، وأخرج احمد من حديث عمر في صفحة 20 من مسنده انه قال : لو ادركني احد رجلين لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة.
(24) صرح بانعقاد الاجماع على ذلك جماعة كثيرون ، منهم النووي في أول كتاب الامارة من شرحه لصحيح مسلم ، ولو راجعت ذلك الكتاب في صحيح مسلم لازددت بصيرة في ائمتك الاثني عشر عليهم السلام..

( 96 )

    تنبيه :
    أفادتنا سيرة بعض الصحابة انهم إنما كانوا يتعبدون بالنصوص ويجمدون عليها إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الاخروية ، كنصه صلى الله عليه وآله وسلم على صوم شهر رمضان دون غيره ، واستقبال القبلة في الصلاة لا غيرها ، ونحو ذلك من أوامره المتمحضة للنفع الاخروي ، أما ما كان منها متعلقا بالسياسة كالولايات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وتسريب الجيش ، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه ، بل جعلوا لأفكارهم فيه مسرحا للبحث ومجالا للنظر والاجتهاد ، فكانوا إذا رأوا في خلافه رفعا لكيانهم أو نفعا في سلطانهم عدلوا عنه الى ما يرفعون به كيانهم أو ينتفعون به في سلطانهم ، ولذلك عدل هؤلاء في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها فجعلوها للخلفاء الثلاثة (رض) واحدا بعد واحد ، مع عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها الى أخيه ووليه ، ووارثه ووصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
    لم يكونوا غائبين عن عهد النبي بها اليه ، ولا جاهلين بنصوصه (1) المتواترة عليه. وكانت تترى من مبدأ أمره بأبي هو وأمي الى آخر عمره ، كما أوضحناه في مراجعاتنا الأزهرية وفي سبيل المؤمنين ، وانما غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا ترتضيه مالكا لأزمة الحكم عليها حيث انه وترها في سبيل الله وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله ، وكشف القناع منابذا لها في نصرة الحق حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور.
    فهم لا يطيعونه إلا عنوة ولا يخضعون لامامته إلا بالقوة ، وقد عصبوا به كل
____________
(1) لم نذكر شيئا من هذه النصوص هنا اكتفاء بمراجعاتنا الازهرية ومناظراتنا المصرية ، وقد استقصيتها بأسانيدها المعتبرة عند أهل السنة ، وسنطبع تلك المناظرات وكل قريب آت الا أن يشاء الله تعالى.
( 97 )

دم أراقه الاسلام أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم جريا على عادتهم في أمثال ذلك ، إذ لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عشيرته أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره ، لانه الأمثل في عشيرته والأفضل في قبيلته ، ولذلك تربصوا به الدوائر وقلبوا له الأمور وأضمروا له ولذريته كل حسيكة ووثبوا عليهم كل وثبة ، وكان ما كان مما طار في الأجواء وطبق رزؤه الأرض والسماء.
    وأيضا فإن قريشا خاصة والعرب عامة كانت تنقم من علي شدة وطأته على اعداء الله ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله أو يهتك حرماته عز وجل ، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وتخشى عدله في الرعية ومساواته بين الناس في كل قضية ، ولم يكن لها فيه مطمع ولا لأحد عنده هوادة ، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه ، فمتى تخضع الاعراب لمثله ( وهم أشد كفرا ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله ) ، ( ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) وفيها بطانة لا يألونها خبالا.
    على ان قريشا وسائر العرب كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، حيث بلغ في علمه وعمله رتبة عند الله ورسوله تقاصر عنها الافران وتراجع عنها الاكفاء ، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه منزلة تشرئب اليها أعناق الاماني وشأوا تنقطع دونه هوادي المطامع ، وبذلك دبت عقارب الحسد له في قلوب المنافقين واجتمعت على نقض مجده كلمة الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، فاتخذوا النص ظهريا وكان لديهم نسيا منسيا.

وكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

    على ان قريشا وسائر العرب كانوا قد تشوفوا الى تداول الخلافة بين


( 98 )

قبائلهم واشرأبت الى ذلك اطماعهم ، فأمضوا نياتهم عليه ووجهوا عزائمهم اليه ، فتصافقوا على تناسي النص وعدم ذكره بالمرة ، وتبايعوا على صرف الخلافة من اول ايامها عن وليها المنصوص عليه من نبيها ، فجعلوها بالاختيار والانتخاب ليكون لكل حي من احيائهم امل في الوصول اليها ولو بعد حين ولو عملوا بالنص فقدموا عليا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة ، حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب وجعلها قدوة لأولي الألباب الى يوم الحساب ، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص بعد أن طمحت اليها الابصار من كافة قبائلها وحامت عليها النفوس من جميع أحيائها.

وقد هزلت حتى بدا من هزالها * كلاها وحتى استامها كل مفلس

    ومن ألمّ بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام يعلم انهم لم يخضعوا للنبوة الهاشمية إلا بعد أن تهشموا ولم يبق فيهم من رمق ، فكيف يرضون باجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم وقد قال الخليفة الثاني لابن عباس في كلام دار بينهما : ان قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فتجحفون على الناس.
    والسلف الصالح لم يتسن له أن يقهرهم يومئذ على التعبد بالنص فرقا من انقلابهم إذا قاومهم وخشية من سوء عواقب الاختلاف في تلك الحال وقد ظهر النفاق بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقويت بفقده شوكة المنافقين وعتت نفوس الكافرين وتضعضعت اركان الدين وانخلعت قلوب المسلمين ، حيث صاروا بعده كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب كاسرة ووحوش ضارية ، وقد ارتدت طوائف من العرب وهمت بالردة أخرى وعظم قلق السلف الصالح على الاسلام واشتد فرقهم على أمة سيد الأنام فصبروا على مخالفة النص بقيا على المسلمين واحتياطا على الدين ـ صبروا وفي أعينهم من ذلك قذى وفي حلوقهم منه شجى كما قالوا عليهم السلام ـ وأشفق علي امير المؤمنين أن يظهر


( 99 )

أرداة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والآجلة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا ، يعضون عليهم الانامل من الغيظ وأهل الردة على ما بينا والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير و. و. فدعاه النظر للدين الى الكف عن الاظهار والتجافي عن الأمور ، وعلم أن طلب الخلافة والحال هذه يستوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة فاختار الكف ضنا بالدين وايثارا للآجلة على العاجلة.
    غير أنه قعد في بيته ( ولم يبايع حتى أخرجوه كرها ) احتفاظا بحقه واحتجاجا على من عدل عنه ، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان ، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من امرة المؤمنين ، فدل ذلك على اصالة رأيه ورجاحة علمه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وقلة حرصه ، ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له وأعود المقصودين عليه.
    أما الخليفة الأول وأتباعه (رض) أجمعين فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها ، ولا عجب منه في ذلك بعد الذي نبهناك اليه من عدم تعبدهم بما كان من نصوصه صلى الله عليه وآله وسلم ، متعلقا بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة واليك مضافا الى ما تلوناه نبذة من موارد تأولهم تكون نموذجا لرأيهم في تلك النصوص ، وحسبك بها أدلة على معذرة المتأولين ، وهي كثيرة :
    فمنها سرية أسامة بن زيد بن حارثة الى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي اهتماما عظيما ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهاقا لعزائمهم واستنهاضا لهممهم ، فلم يبق أحدا من وجوه المهاجرين


( 100 )

والأنصار كأبي بكر وعمر (2) وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم إلا وقد عبأه بالجيش (3) وكان ذلك لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة (4) فلما كان من الغد دعا اسامة فقال له : سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحا على أهل أبنى (5) وحرق عليهم ، وأسرع
____________
(2) أجمع أهل السير والاخبار على ان ابا بكر وعمر كانا في الجيش ، وارسلوا ذلك في كتبهم ارسال المسلمات ، وهذا مما لم يختلفوا فيه ، فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية كطبقات ابن سعد وتاريخي الطبري وابن الاثير والسيرة الحلبية والسيرة الدحلانية وغيرها لتعلم ذلك ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه. قال : ان الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى اياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبي وخلفه اربعمائة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين ـ اي اللحى ـ أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟ ثم التفت اليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال : سني أطال الله بقاء أمير المؤمنين سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشا فيه أبو بكر وعمر. فقال : تقدم بارك الله فيك. قال الحلبي : وكان سنه سبع عشرة سنة .
(3) كان عمر يقول لاسامة : مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانت علي أمير. نقل ذلك عنه جماعة من الاعلام كالحلبي في سرية اسامة من سيرته الحلبية وغير واحد من المحدثين والمؤرخين.
(4) هذا بناء على ما صرح به كثير من أعلام السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته والحلبي والدحلاني في هذه السرية من سيرتيهما ، وقد اعتمدنا في شؤون هذه السرية على هاتين السيرتين.
(5) ابنى بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها الف مقصورة ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام.

( 101 )

السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع معك. فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم مرض الموت فحمّ بأبي هو وأمي وصدع ، فلما أصبح يوم التاسع والعشرين ووجدهم متثاقلين خرج اليهم فحضهم على السير وعقد صلى الله عليه وآله وسلم اللواء لأسامة بيده الشريفة تحريكا لحميتهم وارهافا لعزيمتهم ، ثم قال : اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه الى بريدة وعسكر بالجرف ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا ـ مع ما وعوه ورأوه من النصوص الصريحة في وجوب اسراعهم كقوله صلى الله عليه وآله وسلم « أغز صباحا على أهل أبنى » وقوله « واسرع السير لتسبق الأخبار » الى كثير من أمثال هذه الأوامر التي لم يعملوا بها في تلك السرية ـ وطعن قوم منهم في تأمير أسامة كما طعنوا من قبل في تأمير أبيه ، وقالوا في ذلك فأكثروا مع ما شهدوه من عهد النبي له بالامارة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ « فقد وليتك هذا الجيش » ورأوه يعقد له لواء الامارة وهو محموم بيده الشريفة فلم يمنعهم ذلك من الطعن في تأميره حتى غضب صلى الله عليه وآله وسلم من طعنهم غضبا شديدا فخرج بأبي هو وأمي معصب الرأس (6) مدثرا بقطيفته محموما ألما ، وكان ذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول قبل وفاته بأبي هو وأمي بيومين (7) فصعد المنبر فحمد
____________
(6) كل من ذكر هذه السرية من المحدثين وأهل السير والأخبار نقل طعنهم في تأمير اسامة وانه صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضبا شديدا فخرج على الكيفية التي ذكرناها فخطب الخطبة التي أوردناها ، فراجع سرية اسامة من طبقات ابن سعد وسيرتي الحلبي والدحلاني وغيرها من المؤلفات في هذا الموضوع.
(7) هذا بناء على ما ذكره الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ورواه المحدثون من أهل السنة كابن سعد في سرية اسامة من طبقاته ، وهي في آخر القسم الأول من الجزء الثاني من الطبقات.

( 102 )

الله وأثنى عليه ثم قال فيما اجمع اهل الأخبار على نقله واتفق أولوا العلم على صدوره : أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري اسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله ان كان لخليقا بالامارة وان ابنه بعده لخليق بها.. وحضهم على المبادرة الى السير فجعلوا يودعونه ويخرجون الى العسكر بالجرف وهو يحضهم على التعجيل ، ثم ثقل ( بأبي هو وأمي ) في مرضه فجعل يقول جهزوا جيش اسامة أنفذوا جيش اسامة أرسلو بعث اسامة ـ يكرر ذلك وهم متثاقلون ، فلما كان يوم الأثنين الثاني عشر من ربيع الأول دخل اسامة من معسكره على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره بالسير قائلا له أغد على بركة الله تعالى ، فودعه وخرج الى العسكر ثم رجع ومعه عمر وأبو عبيدة فانتهوا اليه بأبي هو وأمي وهو يجود بنفسه فتوفي ، ( روحي وأرواح العالمين له الفداء ) في ذلك اليوم (8) فرجع الجيش باللواء الى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على الغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في انفاذه وعنايته التامة في تعجيل ارساله ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الأخبار وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد الى أسامة في أمره وعقد لواءه بيده الى أن احتضر بأبي هو وأمي فقال « اغد على بركة الله تعالى » كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث وحل اللواء لكنه أبى عليهم ذلك ، فلما رأوا منه العزم على ارسال البعث جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الأنصار أن يعزل اسامة ويولي غيره.
    هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه من طعنهم في تأمير أسامة ،
____________
(8) وهذا أيضا بناء على ما في سيرتي الحلبي والدحلاني ورواية المحدثين من أهل السنة كابن سعد وغيره ، والمأثور عندنا أنه توفي صلى الله عليه وآله وسلم لليلتين بقيتا من صفر.