غزوة الغابة *

الغابة : : موضع قرب المدينة من ناحية الشام ، فيه شجر كثيف ومرعَّى خصب للإِبل ، وكان للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عشرون لقحة *1 ترعى في مكان يقال له : البيضاء . *2 فلما أجدب قربوها للغابة تصيب من أثلها وطرفائها . فكان الراعي يؤوب بلبنها كل ليلة عند المغرب .
وفي ذات يوم استأذن أبو ذر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يذهب إلى تلك الإِبل ليحتلبها ويغدو بلبنها إليه ، فقال له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اني اخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك ـ ونحن لا نأمن من عيينة بن حصن وذويه ! هي في طرف من أطرافهم .
فألح عليه أبو ذر فقال : يا رسول الله إإذن لي .
فلما ألح عليه قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لكاني بك قد قتل إبنك ، وأخذت إمرأتك ، وجئت تتوكأ على عصاك *3
يقول ابو ذر : والله انا لفي منزلنا ، ولقاح رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد
____________
* ـ وقعت في السنة السادسة للهجرة ، وتسمى أيضاً : غزوة ذي قرد .
*1 ـ اللقحة : الواحدة من الإبل الحامل ، ذات اللبن ، جمعها : لقاح .
*2 ـ البيضاء : موضع تلقاء حمى الربذة .
*3 ـ وكان أبو ذر يقول في ذلك : عجباً لي ! إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول « لكأني بك » وأنا ألح عليه ، فكان والله على ما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

(110)

رُوِّحت ، وعطنت وحلبت عتمتها (1) ونمنا ، فلما كان الليل أحدق بنا عُيينة في أربعين فارساً ، فصاحوا بنا وهم قيام على رؤوسنا فأشرف لهم ابني فقتلوه ، وكانت معه إمرأته وثلاثة نفر فنجوا ، وتنحيت عنهم ، وشغلهم عني إطلاق عُقل اللقاح ، ثم صاحوا في أدبارها فكان آخر العهد بها . ونترك لأبي معبد يكمل القصة :
قال المقداد بن عمرو : لما كانت ليلة السَّرح ، جعلت فرسي سبحة لا تقر ضرباً بأيديها وصهيلاً ، فيقول أبو معبد (2) : والله إن لها شأناً ! فننظر آريَّها (3) فإذا هو مملؤ علفاً ! فيقول : عطشى ! فيعرض الماء عليها فلا تريده ، فلما طلع الفجر اسرجها ولبس سلاحه ، وخرج حتى صلى الصبح مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلم يرَ شيئاً ، ودخل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بيته ، ورجع المقداد إلى بيته ، وفرسه لا تقر ، فوضع سرجها وسلاحه واضطجع ، وجعل إحدى رجليه على الأخرى ، فأتاه آتٍ فقال : إن الخيل قد صيح بها .
وكان سلمة بن الأكوع قد غدا قاصداً الغابة ليأتي بلبن اللقاح إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلقي غلاماً في ابل لعبد الرحمن بن عوف ، فأخبره أن عيينة بن حصن قد اغار في اربعين فارساً على لقاح رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأنه قد رأى مدداً بعد ذلك أمد به عيينة .
قال سلمة : فاحضرت فرسي راجعاً إلى المدينة حتى وافيت على ثنية الوداع (4) فصرخت بأعلى صوتي : يا صباحاه ! ثلاثاً ، أسمِعُ من بين
____________
1 ـ العتمة : ظلمة الليل ، وكانت العرب تسمي الحلاب باسم الوقت .
2 ـ هو نفسه المقداد ، وهنا انتقل بحديثه من صيغة المتكلم الى الغائب مبالغةً في الأهمية .
3 ـ الآري : حبل تشد به الدابة في محبسها .
4 ـ ثنية الوداع : عن يمين المدينة ودونها ، وهي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة .

(111)

لابَتْيها . (1)
ثم نادى : الفَزَع ! الفَزَع ! ثلاثاً * ثم وقف واقفاً على فرسه حتى طلع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الحديد مُقَنّعاً فوقف واقفاً . فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو ، عليه الدرع والمغفر شاهراً سيفه . فعقد له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لواءً في رمحه ، وقال :
امضِ حتى تلحقك الخيول ، ونحن على أثَرِك .
قال المقداد : فخرجت وأنا أسال الله الشهادة حتى أدرك اخريات العدو ، وقد أذمَّ (2) بهم فرس لهم فاقتحم فارسه وردف أحد أصحابه ، فأخذُ الفرس المذّم فإذا هو ضَرع (3) أشقر ، عتيق ، لم يقوَ على العدو ، وقد غدوا عليه من أقصى الغابة فحسِر (4) فأربط في عنقه قطعة وترٍ وأخليّه ، وقلت : إن مرَّ به أحد فأخذه جئته بعلامتي فيه ، فأدرك مسعدةَ فأطعنه برمح فيه اللواء ، فزلَّ الرمح وعطف علي بوجهه فطعنني ، وآخذُ المرحَ بعضدي فكسرته ، وأعجزني هرباً ، وأنصبُ لوائي ، فقلت : يراه أصحابي ! ويلحقني أبو قتادة معلماً بعمامةٍ صفراء على فرس له ، فسايرته ساعةً ونحن ننظر إلى دبر (5) مسعدة فاستحث فرسه ، يعني أبو قتادة ـ فتقدم على فرسي ، فبان سبقه ، فكان أجود من فرسي حتى غاب عني فلا أراه . ثم ألحقه فإذا هو ينزع بردته ، فصحت : ما تصنع ؟ قال : خيراً ، أصنعُ كما
____________
1 ـ يا صباحاه : كلمة كان العرب يستعملونها لإِستنفار الناس فيما إذا دهمتهم غارةٌ . و « لابتيها » كناية عن انه اسمع جميع من في المدينة .
* ـ في السيرة النبوية : وبلغ رسول الله صياح ابن الأكوع ، فصرخ بالمدينة : الفزع ! الفزع إلخ (3 ـ 76 ) وأظنه أشتباه ، لأن مثل هذا بعيد على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
2 ـ أذّم : أعيى وتأخر .
3 ـ الضرع : الضعيف .
4 ـ حسرْ : تعب وأعيا .
5 ـ الدبر : من الأدبار وهو الهرب .

(112)

صنعت بالفرس . فإذا هو قد قتل مسعدة وسجاه ببردِه .
ورجعنا ، فإذا فرس في يد عُلبةَ بن زيد الحارثي ، فقلت : فرسي هذا ، وعلامتي فيه !
فقال : تعال إلى النبي ، فجعله مغنماً .
وخرج سلمة بن الأكوع على رجليه يعدو ليسبق الخيل مثل السبع .
قال سلمة : حتى لحقت القوم ، فجعلت أرميهم بالنبل واقول حين أرمي : خذها مني وأنا ابن الأكوع ، فتكر علي خيل من خيلهم ، فإذا وجَّهت نحوي انطلقت هارباً فاسبقها واعمد إلى المكان المعور *1 فاشرف عليه وأرمي بالنبل إذا امكنني الرمي وأقول :

خـذهـا ، وأنـا ابـن الأكوع * والـيـوم يـوم الـرُّضـع

فما زلت أكافحهم وأقول : قفوا قليلاً يلحقكم أربابكم من المهاجرين والأنصار ، فيزدادون علي حنقاً فيكرون علي ، فاعجزهم هرباً حتى انتهيت بهم إلى ذي قَرَد *2
ولحِقَنَا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والخيول عشاءً ، فقلت : يا رسول الله ، إن القوم عطاش وليس لهم ماءٌ دون أحساء كذا وكذا *3 فلو بعثتني في مائة رجل ، استنقذت ما بأيديهم من السرح ، وأخذت باعناق القوم .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ملكت ، فأسجح *4 ، ثم قال النبي
____________
*1 ـ المعور : المكمن للستر .
*2 ـ ذي قرد : مكان يبعد عن المدينة مسيرة يوم وقيل يومين .
*3 ـ دون أحساء كذا وكذا : أي دون بلوغهم مكان كذا وكذا .
*4 ـ ملكت فاسجح : أي قدرت ، فسهل ، وأحسن العفو . وهو مثل معروف .

(113)

( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنهم ليُقرَونَ في غطفان (1)
قال : ثم توافت الخيل وهم ثمانية : المقداد وأبو قَتَادة ، ومُعاذ بن ماعِص وسعد بن زيد ، وأبو عيَّاش الزُرَقي ، ومُحرِز بن نَضلَة ، وعُكاشة بن مِحصَن ، وربيعة بن أكثَم .
ولم تزل الأمداد تترى ، حتى إنتهوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذي قرد ، فاستنقذوا عشر لقائح ، وافلت القوم بما بقي ، وهي عشر .
وقتل في هذه المعركة من المسلمين واحد ، وهو محرز بن نضلة . قتله مسعدة .
وقتل من المغيرين خمسة مسعدة بن حكمة ، قتله أبو قتادة ، وأوثار وابنه عمرو بن أوثار ، قتلهما عكاشة بن محصن ، وحبيب بن عيينة كان على فرس له ، قتله المقداد بن عمرو ، وكذلك فَرقَة بن مالك قتله المقداد أيضاً .
وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة ، قول حسان بن ثابت .
لولا الـذي لاقـت ومـسَّ نسورهـا * بجنـوب سـاية أمـس فـي الـتقـواد (2)
لـلـقينـكم يحمـلـن كـل مدجـَّج * حـامـي الـحقيقـة مـاجـد الأجـداد (3)
ولـسـر أولاد الـلـقيطـة أنـنـا * سـلـم غـداة فـوارس الـمـقــداد (4)
كنـا ثمـانيـةً وكـانـوا جَـحفـلاً * لـجبـاً فـشكـوا بـالـرمـاح بـداد (5)

____________
1 ـ يقرَون : يُضيفون .
2 ـ ساية : اسم وادٍ بالحجاز .
3 ـ الحقيقة : ما يحق عليك أن تحميه .
4 ـ وقد اعترض سعيد بن زيد على حسان حيث جعل المقداد هو القائد ـ وسعيد هذا أنصاري ـ والمقداد مهاجري ، فاعتذر إليه حسان . راجع السيرة 3 / 180 والمغازي / 548 .
5 ـ اللجب : الجلبة والصياح . وبداد : يقال جاءت الخيل بَدادِ بَدادِ أي متفرقة .

(114)

كـنا من القـوم الـذيـن يلـونهـم * وَيُقـدمـون عـِنـان كـلِ جـوادِ
كلا ورب الراقـصـات إلـى منـىً * يقطعن عـرض مخـارم الأطـواد (1)
حتى نبيل الخيل في عـرصـاتكـم * ونـؤوب بـالـملـكـات والأولاد (2)
رهواً بـكـل مقـلـصٍ وطـمـرة * في كـل معتـرك عطفـن روادي (3)
أفـنى دوابـرها ولاح مـتـونـهـا * يـوم تـقـاد بـه ويـوم طِـرِاد
فـكذاك إن جـيـادنـا ملـبـونـة * والحـرب مشعلـة بـريح غـواد (4)
وسيوفنـا بيض الحدائـد تجتـلـي * جُنَنَ الحـديـد وهامةَ المـرتـادِ

____________
1 ـ الراقصات : يقصد بها الإبل . ومخارم الأطواد : شقوق الجبال ، ويقصد بها الطرق .
2 ـ نبيل الخيل : نجعلها تبول في دياركم .
3 ـ الرهو : المشي الهادئ . المقلَّص : المشمر . والطِّمرة : الفرس الجواد . وروادي : سريعة .
4 ـ ملبونة : الملبون : من به كالسِّكر من شرب اللبن . وغواد : من الغادية وهي السحابة .
5 ـ تجتلي : تقطع . جنن الحديد : ما ستره الحديد ، أو المقصود به الترس خاصة . راجع المغازي للواقدي من صفحة 537 إلى 549 للتفصيل ، وكذا السيرة لإبن هشام 3 / 175 الى 181 والكامل 2 / 188 ـ 190 .

(115)

غزوة خيبر *

وقد وقعت في السنة السادسة للهجرة أيضاً . وذلك :
إن النبي صلى الله عليه وآله كان قد قصد مكة في أوائل شهر ذي القعدة من نفس هذه السنة لأداء مناسك الحج ، فصدته قريش عن دخولها ، فكان أن أبرمت وثيقة الصلح المسمى بصلح « الحديبية » بعد مشاورات طويلة بين وفود الطرفين .
ورجع النبي إلى المدينة ، وفي طريقه أنزل الله عليه سورة الفتح ، فتلاها على المسلمين مستبشراً بالنصر .
وكان صلى الله عليه وآله قد إطمأن بعد صلح الحديبية إلى حدّ ما من ناحية قريش والعرب الذين كانوا لا يزالون على الشرك ، إلا إنه ظل يراقب اليهود الذين كانوا خارج المدينة ، ويخشى غدرهم لأنه لمس منهم انهم لا يلتزمون بعهدٍ ولا بحلف ، لذلك صمم على غزوهم ومحاربتهم ، فلم يلبث في المدينة اكثر من شهر حتى أعلن رأيه هذا لأصحابه ، وأمرهم ان يتجهزوا لغزو خيبر .
____________
* ـ قال في معجم البلدان : وتشتمل خيبر ـ هذه الولاية ـ على سبعة حصون ، ومزارع ، ونخل كثير . واسماء حصونها : حصن ناعم . وعنده قتل محمود بن مسلمة ، والقموص ، وحصن الشق ، وحصن النطاة . وحصن السلالم وحصن الوطيح ، وحصن الكتيبة ، وأما لفظ خيبر ، فهو بلسان اليهود : يعني الحصن . ولكون هذه البقعة تشتمل على هذه الحصون سميت خيابر . 2 / 409 .
(116)

فخرج من المدينة في ألف وستمائة مقاتل ، ومضى في طريقه الى خيبر ، وقطع المسافة التي بينها وبين المدينة في ثلاثة أيام ، ودخل إلى مشارفها ليلاً ، وكانت خيبر تترائ للمسلمين واحةً تمتد بين تلال الحرّة وصخورها السوداء ، وكأنها بحيرة من الزمرد الأخضر . . وأقام المسلمون تلك الليلة على مشارفها مخيمين هناك يستريحون من عناء الرحلة ، حتى إذا تمطى الليل عن الصبح ، وانتشرت أشعة الشمس المشرقة تكسو آعالي النخيل بلون ذهبي جميل ، انتشر عمال خيبر ـ كعادتهم ـ خارجين من قلاعهم الى بساتينهم يحملون محافرهم وفؤوسهم ، وقد علقوا السلال باكتافهم ، فبصروا بجند المسلمين الآتين من الحرّة ، ومعهم الرماح والسيوف المتوهجة في أشعة الشمس ، فصاحوا : « محمد ، والخميس (1) معه ! » وأدبروا هاربين مخلفين المحافر ، والفؤوس والسلال .
فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « الله اكبر ؛ خربت خيبر ؛ إنا إذا نزلنا بساحةِ قوم فساءَ صباح المنذرين . » .
ووقف العرب عامة ، وبخاصة قريش ، يتطلعون بشوق ولهفة إلى نتائج هذه الغزوة ، وفي حسابهم أن الدائرة ستدور على محمد وأصحابه .
أما اليهود ، فقد تشاوروا فيما بينهم ، واتفقوا أخيراً على القتال ، فأدخلوا نساءهم وذراريهم وأموالهم حصن « الوطيح والسلالم » وأدخلوا ذخائرهم حصن « ناعم » ودخلت المقاتلة في حصن « نطاة » والتقى الجمعان حول هذا الحصن ، واقتتلوا قتالاً شديداً حتى جرح عدد كبير من المسلمين ، واستبسل الفريقان ، وظلوا على ذلك شطراً من النهار .
____________
1 ـ الخميس : الجيش .
(117)

وقتل في ذلك اليوم محمود بن مسلمة ، كان حين أنهكه التعب قد استظل بجدار الحصن فالقى عليه يهودي رحى من أعلى الحصن فقتله .
وأظهرت قلاع « النطاة » وناعم صموداً أمام معسكر المسلمين ما لبث أن إنهار بعد أيام أمام ضرباتهم واصرارهم العنيد ، ولكن خيبر لم تفتح ، فقد بقي من قلاعها قلعة « القموص » وهي أهم قلاعها ، كانت قائمة على قمة تل صخري أملس رأسي الحواف ، محاطة بجدار ضخم مرتفع ، وقد اشتهرت بالقوة والمناعة ، وكان يدافع عنها « مرحب » البطل الشهير .
وطال الحصار ، ودبت المجاعة بالجيش ، ففترت همة الجند ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلما أعطى الراية لبعض أصحابه يرجع منهزماً كاسفاً . فرأى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يحشد كل قواه الضاربة لفتح هذا الحصن ، فاجتماع اليهود فيه يجعلهم أقدر على الفتك بالمسلمين .
وجمع محمد جيشه ، وأمرهم أن يقتحموا الحصن ، وسلم أبا بكر راية الجيش ، ولكن أبا بكر لم يستطع أن يصنع شيئاً ولا أن يقتحم الحصن ، فبعث في اليوم الثاني عمر ابن الخطاب ، فكان نصيبه كنصيب صاحبه . « فقد انكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما في رواية الطبري : يجبنه أصحابه ويجبنهم » وظل القتال مستمراً وكلما أعطى الراية إلى أحد ، رجع خائباً ، أو فاراً . (1)
ولما بلغ الجهد بالمسلمين مبلغاً تخشى عواقبه وساء رسول الله ذلك . فقال : لأعطين الراية غداً رجلاً ، كرّاراً غير فرّاراً ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ولا يرجع حتى يفتح الله على يده » (2) فتطاولت لها
____________
1 ـ راجع سيرة المصطفى / 549 .
2 ـ إعلام الورى / 107 وغيره .

(118)

قريش ، ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب الراية وكان علي في تلك الحال أرمد لا يكاد يبصر أمامه ، ولما سمع مقالة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : اللهم لا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت » .
فأصبح رسول الله واجتمع إليه الناس كل يرجوها له ، حتى روي عن عمر أنه قال : إني ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم ، وتمنيت أن أعطى الراية بعد أن سمعت ذلك من رسول الله .
قال سعد بن أبي وقاص : جلست نصب عينيه ، ثم جثوت على ركبتي ثم قمت على رجلي قائماً رجاء أن يدعوني ! فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إدعوا لي عليّاً . فصاح الناس من كل جانب : إنه أرمد رمداً لا يبصر موضع قدمه . فقال : إرسلوا إليه وادعوه ! فأتي به يُقاد . فوضع رأسه على فخذه ، ثم تفل في عينيه ، فقام وكأن عينيه جزعتان . وبرء من ساعته ، وقال له : خذ الراية ، ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك .
فقال له عليّ : على ماذا أقاتلهم يا رسول الله .
قال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله ، وأني رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم . ثم دعا له .
قال سلمة بن الأكوع ، فانطلق عليّ عليه السلام يهرول هرولةً ونحن خلفه نتتبع أثره ، حتى ركز الراية بين حجارة مجتمعة تحت الحصن ، فاطلع إليه يهودي من أعلى الحصن وقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب . قال اليهودي : « عَلوتم ! وما أنزل على موسى !! »(1) وخرج إليه اليهود يتقدمهم أبطالهم ، وفيهم الحارث أخو
____________
1 ـ وفي الكامل 2 / 220 : فاشرف عليه رجل من يهود فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب . فقال اليهودي غُلبتم يا معشر اليهود . وفي بقية المصادر والمراجع بمضمون واحد . وقوله : وما انزل على موسى : أي قسماً بما أنزل على موسى .
(119)

مرحب وكان من شجعانهم المعروفين ، فحمل بمن معه على المسلمين ، فوثب علي عليه السلام وضربه بسيفه ، فخر صريعاً ، ثم كر بأصحابه على اليهود ، فتفرقوا بين يديه وانخذلوا بعد مقتل الحارث وجماعة منهم ، وولوا منهزمين الى داخل الحصن .
فاستعظم ذلك قائدهم « مرحب » بعد أن شهد مصرع أخيه وهزيمة من معه . فخرج يطلب الثأر « وكان هو حقاً سيد فرسان خيبر ، ولكنه خرج إلى علي بطيئاً ، في كبرياءٍ وثقةٍ مطمئنة ، مهيباً ضخماً ، بيده حربة ذات ثلاث رؤوس ، وكل جسده الفارع الشاهق ، في الزرد ، والحديد يغطي رأسه وساقيه ، وليس في كل بدنه ثغرة ينفذ منها سيف » . فجعل يرتجز ويقول :

قد علمت خيبـر أنـي مرحـب * شـاكـي السـلاح بطـل مجـرب
إذا السيـوف أقبـلـت تلـتهب * أطعـن أحيـانـاً وحينـاً أضـرب

فبرز إليه علي وهو يقول :

أنا الـذي سمـتني أمي حيـدرة * كليث غـابـات شـديـد قسـورة
أكـيلـكم بـالسيـف كيـل الـسنـدرة


وتقدم إليه علي بقامته المعتدلة ، وهو بلا درع ، وفي يده السيف وحده ، وتوقع المسلمون واليهود جميعاً أنها نهاية علي عليه السلام ، ولكن علياً إستطاع أن يحسن الإستفادة من تخففه من الدرع والزرد ، وترك مرحباً يتقدم بدرعه وزرده وحربته ، حتى إذا أوشك سِن الحربة أن يمس صدر علي ( عليه السلام ) تراجع على فجأةً ثم قفز في الهواء متفادياً حربة مرحب ، ثم إقتحم وأهوى بكل قوته على رأس مرحب بالسيف ، فانفلق الحديد من على رأس مرحب ، وسقط سيف علي على الجمجمة


(120)

فشقها نصفين وهوى مرحب وسط ذعر اليهود وعجبهم ، وصيحات النصر ترتفع من معسكر المسلمين .
ثم إقتلع علي عليه السلام باب الحصن ـ وكان حجراً طوله أربعة أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع ـ فرمى به الى خلفه ، ودخل الحصن هو والمسلمون . (1)
وبعد فتح حصن « القموص » . أيقن سكان خيبر بالهلكة ، وكانت قلاع « الوطيح والسلالم » لم تسقط بعد ، فأرسلوا الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يطلبون الصلح ـ بعد أن حاز النبي أموالهم كلها بالشق ونطاة ، والكتيبة . ـ على أن يحقن دماءهم . فقبل النبي بذلك ، وأبقاهم على أرضهم التي آلت له بحكم الفتح على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم .
وقسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أموال خيبر ونتاجها الزراعي على المسلمين . « فأطعم كل إمرأةٍ من نسائه ثمانين وسقاً * من تمر وعشرين وسقاً شعيراً . وللعباس بن عبد المطلب مائتي وسق ، ولفاطمة وعلي عليهما السلام من الشعير والتمر ثلاثمائة وسق . . . وللمقداد بن عمرو خمسة عشر وسقاً شعيراً . » (2)
وفي السيرة لإبن هشام : قسم لنسائه من القمح مائة وثمانين وسقاً ، ولفاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خمسة وثمانين وسقاً ، ولأسامة بن زيد أربعين وسقاً ، ولمقداد بن عمرو خمسة عشر وسقاً ولأم رميثة خمسة أوسق . (3)
____________
1 ـ اليعقوبي 2 / 56 وغيره .
* ـ الوسق : ستون صاعاً أو حمل البعير .
2 ـ الواقدي : 693 .
3 ـ السيرة النبوية لإبن هشام 3 / 229 .

(121)

قال الواقدي : وحدثني موسى بن يعقوب ، عن عمته ، عن أمها ، قالت :
بعنا طعمة المقداد بن عمرو من خيبر « خمسة عشر وسقاً شعيراً » من معاوية ابن أبي سفيان بمائة ألف درهم . (1)
____________
1 ـ المغازي / 694 .