(2)
أروى بنت الحارث

أروى بنت الحارث بن عبد الملطب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، ابنة عم رسول الله صلى الله عليه وآله .
قال ابن سعد في الطبقات : اُمها تخزيه بنت قيس بن طريف بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر .
تزوجها أبو وداعة بن صبرة بن سعيد بن سعد بن سهم ، فولدت له : المطلب ، وأبا سفيان ، واُم جميل ، واُم حكيم والربعة بني أبي وداعة (1) .
وهي من ربات الفصاحة والبلاغة والشعر ، كانت أغلظ الوافدات على معاوية بن أبي سفيان ، حيث أسمعته ومن معه كلاماً قارصاً .
قال ابن طيفور في بلاغات النساء : روى ابن عائشة ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : دخلت أورى بنت الحارث بن عبد الملطب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم وهي عجوز كبيرة ، فلما رآها قال : مرحباً بك يا عمة .
قالت : كيف أنت يا ابن أخي ؟ لقد كفرت بعد بالنعمة وأسأت لابن عمّك الصحبة ، وتسميت بغير أسمك ، وأخذت غير حقك ، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام (2). ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله ،
____________
(1) الطبقات الكبرى 8 : 50 .
(2) في العقد الفريد : من غير دين كان منك ولا من آبائك ، ولا سابقة في الإسلام .

( 38 )

فأتعس الله منكم الجدود ، واصعر منكم الخدود (1) ، حتى ردّ الله الحق إلى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون .
فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً ، حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفوراً ذنبه ، مرفوعاً درجته ، شريفاً عند الله مرضياً ، فصرنا أهل البيت فيكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون ، يذبحون ابناءهم ، ويستحيون نساءهم ، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى ، حيث يقول : يابن اُم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ، ولم يجتمع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لنا شمل ، ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة وغايتكم النار .
قال عمرو العاص : أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك ، وغضي من طرفك .
قالت : ومن أنت لا اُم لك ؟
قال : عمرو بن العاص .
قالت : يابن اللخناء النابغة (2) أتكلمني ؟ ! أربع على ضلعك (3) ، وأعن بشأن نفسك ، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ، ولا كريم منصبها ، ولقد
____________
(1) في العقد الفريد : فأتعس منكم الجدود ، وأضرع منكم الخدود .
الجَدّ : الحظ والسعادة . لسان العرب 3 : 108 ( جدد )
أضرع : أذل . لسان العرب 8 : 221 ( ضرع ) .
(2) في العقد الفريد : النباغة .
قال الطريحي في مجمع البحرين 5 : 16 ( نبغ ) : نبغ الشيء ينبغ نبوغاً : أي ظهر . ومنه ( ابن النابغة ) لعمرو بن العاص لظهورها وشهرتها في البغي .
علماً بأن أسم اُم عمرو بن العاص هو النابغة من بني عنزة ، كما قاله ابن حجر في الإصابة 3 : 2 .
(3) أربع على ضلعك : أفعل بقدر ما تطيق ، ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق . لسان العرب 8 : 244 « ضلع » .

( 39 )

إدعاك ستة من قريش كلهم يزعم أنه أبوك (1) ، ولقد رأيت اُمك ايام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتم بهم فإنك بهم أشبه .
فقال مروان بن الحكم : أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك ، مع ذهاب عقلك فلا تجوز شهادتك .
قالت : يا بني أتتكلم ؟ ! فوالله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم ، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك ، مع قصر قامته وظاهر دمامته ، ولقد رأيت الحكم ماد القامة ظاهر الامة وسبط الشعر ، وما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الظامر من الأتان المقرب ، فاسأل اُمك عما ذكرت لك فإنها تخبرك بشأن ابيك إن صدقت .
ثم التفتت إلى معاوية فقالت : والله ما عرضني لهؤلاء غيرك ، وان اُمك هذه للقائلة يوم أحد في قتل حمزة رحمه الله :

نَحــنُ جَزَيْناكم بيــوم بـدر * والحرب يوم (2) الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبـر * أبي وعمي وأخــي وصهــري
شفيت وحشي غليل صــدري * شفيت نفسي وقضــيت نــذري
فشكـر وحشي عليّ عمــري * حتى تغيب (3) أعظمي في قبـري

فأجبتها :

يــا بنت رقـاعٍ عظيم الكفر * خزيت في بـدر وغيــر بــدر

____________
(1) في العقد الفريد : فسألت اُمك عنهم ، فقالت : كلهم أتاني ، فانظروا أشبههم به فألحقوه ، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به .
(2) في العقد الفريد : بعد .
(3) في العقد الفريد : ترم .
ورمت عظامه : وأرمّت : اذا بليت . لسان العرب 12 : 253 « رمم » .

( 40 )

صبحـك الله قبيل الفجــر * بالهاشميين الطوال الزهـــر
بكــل قطـاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلي صقـــري
إذ رام شبيـب وأبوك غدري * أعطيتي وحشي ضمير الصدر
هتـك وحشـي حجاب الستر * ما للبغايا بعدها من فخـــر

فقال معاوية لمروان وعمرو : ويلكما أنتما عرضتماني لها واسمعتماني ما أكره .
ثم قال لها معاوية : عفا الله عما سلف ، يا خالة هات حاجتك .
قالت : مالي أليك حاجة ؛ وخرجت عنه .
فقال معاوية لأصحابه : والله لو كلمها من في المجلس جميعاً لأجابت كل واحد بغير ما تجيب به الآخر ، وان نساء بني هاشم لأفصح من رجال غيرهم .
وبعث لها قبل رحيلها فأكرمها وعادت إلى المدينة .
وفي رواية قال لها معاوية : يا عمة أقصدي قصد حاجتك ودعي عنك اساطير النساء .
قالت : تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار .
قال : ما تصنعين يا عمة بألفي دينار ؟
قالت : أتشري بها عيناً خرارة في أرض خوراة (1) ، تكون لولد الحارث بن عبد المطلب .
قال : نعم الموضع وضعتيها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟
قالت : أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم .
قال نعم الموضع وضعتيها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟
____________
(1) أرض خوارة : لينة سهلة . لسان العرب 4 : 262 « خور » .
والخرارة : عين الماء الجارية ، سميت خرارة لخرير مائها وهو صوته ، لسان العرب 4 : 234 « خرر » .

( 41 )

قالت : أستعين بها على عسر المدينة وزيارة بيت الله الحرام .
قال : نعم الموضع وضعتيها ، هي لك نعم وكرامة .
ثم قال : أما والله لو كان علي ما أمر لك بها .
قالت : صدقت ، إن علياً أدى الأمانة ، وعمل بأمر الله وأخذ به . وأنت ضيعت أمانتك ، وخنت الله في ماله ، فأعطيت مال الله من لا يستحقه ، وقد فرض الله في كتابه الحقوق لأهلها وبيّنها فلم تأخذ بها ، ودعانا إلى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا ، فشُغل بحربك عن وضع الاُمور مواضعها . وما سألتك من مالك شيئاً فتمن به ، إنما سألتك من حقنا ، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا ، أتذكر علياً فض الله فاك ، وأجهد بلاءك ثم علا بكاؤها وقالت :
ألا يا عين ويحــك اسعدينــا * ألا وابكـي أميــر المؤمنينــا
رُزينا خيــر من ركب المطايا * وفارسها ومـن ركب السفينــا
ومن لبس النعـــال أو احتذاها * ومن قرأ المثـانــي والمئينــا
إذا استقبلت وجه أبي حســـن * رأيت البـدر راع الناظــرينـا
ولا والله لا أنسى عليـــــاً * وحسن صلاتـه في الراكعينــا
أفي الشهر الحرام (1) فجمعتمونا * بخير النـاس طُــرا اجمعينـا

فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار ، وقال لها : يا عمة أنفقي هذه في ما تُحبين فإذا احتجتيني فاكتبي إلى إبن أخيك يحسن صفدك (2) ومعونتك إن شاء الله .
____________
(1) هكذا ورد في المصدر ، والصحيح : شهر الصيام .
(2) الصفد : العطاء . الصحاح 2 : 498 « صفد » ، تاج العروس 2 : 400 « صفد » .

( 42 )

ومن شعرها قالت ترثي أباها :

عينـي جودا بدمــع غير ممنون * إذ أنهما لا بدمع العيـن يشفينــي
إنــي نسيـت أبا أروى وذكرته * عن غيــر ما بغضة ولا هــون
ومال زال أبيـض مكراماً لاُسرته * رحب المحاسن في خصب وفي لين
من آل عبد منـافٍ إن مهلكــه * ولو بقيت رغوب الدهر يعصيــني
مـن الذين متـى ما تغش ناديهم * تلقى الحضارمة الشم العرانيـــن

روى ذلك أيضاً ابن عبد ربة ـ في العقد الفريد ـ ضمن الوافدات على معاوية عن العباس بن بكار ، قال : حدثني عبدالله بن سليمان المدني وأبو بكر الهذلي : أن أروى بنت الحارث بن عبد الملطب دخلت على معاوية وهي عجوز ، فلما رآها معاوية قال : مرحباً بك وأهلاً يا عمة . . .
وقال الزركلي في أعلامه : إنها توفيت حدود سنة خمسين هجرية (1) .
____________
(1) انظري : الأربعين حديثاً لمنتجب الدين ، الحكاية العاشرة ص : 89 ، أعيان الشيعة 3 : 245 ، أعيان النساء : 24 ، أعلام النساء 1 : 29 ، الدر المنثور : 25 ، رياحين الشريعة 3 : 333 ، الأعلام للزركلي 1 : 290 ، بلاغات النساء : 27 ، الإصابة في تمييز الصحابة 4 : 227 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 50 ، العقد الفريد 1 : 357 .