دروس في الأخلاق ::: 201 ـ 210
(201)
     وأن من لا يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه (1).
     وأن الإعجاب يمنع من الازدياد (2).
     وأن عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله (3).
     وأنه : من المهلكات (4).
     وأنه : لا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله ، فإن الله لا يعبد حق عبادته (5).
     وأنه قال الله تعالى : « إن من عبادي من يسألني الشيء من طاعتي لا حبه فأصرف ذلك عنه ؛ لكيلا يعجبه عمله » (6).
     وأنه : قل يا رب لا تخرجني من التقصير ، فكل عمل تريد به الله فكن فيه مقصراً عند نفسك (7).
1 ـ معاني الأخبار : ص244 ـ وسائل الشيعة : ج8 ص468 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص316.
2 ـ نهج البلاغة : الحكمة 167 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص316.
3 ـ نهج البلاغة : الحكمة 212 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص317.
4 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص321.
5 ـ الكافي : ج2 ، ص72 ـ وسائل الشيعة : ج1 ، ص71 ، بحار الأنوار : ج72 ، ص322.
6 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص322.
7 ـ الكافي : ج2 ، ص73.


(202)

(203)
الدرس السابع والثلاثون
في الشكوى إلى الله وإلى الناس
     الشكوى والشكاية : مصدران من : شكى يشكوا إلى زيد : تظلم إليه ، وأخبره بسوء الحوادث ، فالمخبر شاك وزيد مشكو إليه ، والمخبر عنه مشكو منه ، والإخبار شكاية. والشكوى إن كانت إلى الله تعالى أو إلى عبده المؤمن فهي حسن جميل ، سواء كانت من ظلم الناس أو مكاره الدهر. وأن كانت من الله ومن الحوادث الراجعة إليه تعالى ، فإن كانت إلى المؤمن فلا ذم ، وأن كانت إلى غيره فهي مذمومة. وقد ورد في الكتاب الكريم قول يعقوب عليه السلام : ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) (1).
     وورد في النصوص : أنه : من شكى إلى أخيه فقد شكى إلى الله ، ومن شكى إلى غير أخيه فقد شكى الله (2).
     وأن أبغض الكلام إلى الله التحريف ، وهو قول الرجل : إني مجهود ، ومالي ، وما عندي (3).
1 ـ يوسف : 86.
2 ـ وسائل الشيعة : ج2 ، ص632 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص325 وج81 ، ص207.
3 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص325.


(204)
     وأنه : إذا ضاق المسلم فلا يشكون ربه وليشك إلى ربه الذي بيده مقاليد الأمور وتدبيرها (1). وأنه : من لم يرض بما قسم الله له من الرزق وبث شكواه ولم يصبر ولم يحتسب لم ترفع له حسنة ، وهو عليه غضبان ، إلا أن يتوب (2).
1 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص326.
2 ـ من لا يحضره الفقيه : ج4 ، ص13 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص326.


(205)
الدرس الثامن والثلاثون
في اليأس من روح الله والأمن من مكره
     روح الله تعالى هو : رحمته وفرجه وإحسانه في الدنيا ، وشفاعتة أنبيائه وملائكته ، وغفرانه وجنته في الآخرة. والمكر : أخذه في الدنيا بنحو الإستدراج وغيره ، وعقابه في الآخرة.
     ويظهر من النص والفتوى تحريم الأمرين ، وقد عدهما أصحابنا في الفقه من المعاصي الكبيرة ، وظاهرهما كون نفس الحالتين معصية محرمة فتحرم التسبيب لحدوثهما ، ويجب السعي في إزالتهما لو اتفق حصولهما بالتأمل والتفكر في مفاد النصوص الواردة فيه ، في الكتاب والسنة والعقل الحاكم بقبحهما بعد ملاحظة سعة رحمة الله تعالى وشمول عفوه وغفرانه ، وبعد التوجه إلى قدرته وسطوته وما يقتضيه ذنوب عباده ، ولو لم يقدر على التأمل في ذلك فعليه أن يراجع أهله من علماء الدين ورواة الأحاديث وحملة العلوم والمعارف الاسلامية ، وأطباء النفوس من علماء الأخلاق وغيرهم.


(206)
     وقد قال تعالى : ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ، (1) وقال : ( فلا تكن من الفانطين ... قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) (2) ، وقال : ( والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي ) ، (3) وقال : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) ، (4) وقال : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ). (5)
     وروي : أن الله يبعث المقنطين يوم القيامة مغلّبة وجوههم ، يعني : غلبة السواد على البياض ، فيقال لهم : هؤلاء المقنطون من رحمة الله (6).
1 ـ يوسف : 87.
2 ـ الحجر : 55 ـ 56.
3 ـ العنكبوت : 23.
4 ـ الزمر : 53.
5 ـ الأعراف : 99.
6 ـ بحار الأنوار : ج2 ، ص55 وج72 ، ص338.


(207)
الدرس التاسع والثلاثون
في الدنيا وحبها وذمها
     هنا أمور : الأول : الدنيا في اللغه : اسم تفضيل مؤنث ادنى ، تستعمل تارة بمعنى : الأقرب زماناً أو مكاناً ، ويقابله الأبعد ، وأخرى بمعنى : الأرذل والأخس ، ويقابله الخير ، وثالثة بمعنى الأقل ويقابله : الأكثر. والكلمة تطلق بمعانيها على هذه الدنيا في مقابل الآخرة ، فإنها الأقرب وجوداً والأرذل جوهراً قيمةً ، والأقل كماً وكيفاً.
     وقد استعمل في الكتاب الكريم في كل من المعاني.
     والدنيا المصطلح عليها عند الشرع وأهله لها إطلاقات ثلاثة :
     أحدها : الدنيا المستعملة مطلقة في مقابل الآخرة ، وهي : عبارة عن كل ما يرتبط بالانسان وله مساس به قبل موته في هذا العالم مما هو في داخل وجوده : كتصوراته وتصديقاته وأقواله وأفعاله ، ومما هو خارج عنه متأصلاً كان ، كمآكله وملابسه ومسكانه ، أو غير متأصل ، كمناصبه وولاياته ونحوها ، وتقابله الآخرة


(208)
على نحو الاطلاق ، وهي : العالم المحيط به بعد موته.
     وثانيها : الدنيا المذمومة ، وهي أخص من الأولى ، فإنها عبارة عنها ، أو عن بعض مصاديقها مع انطباق بعض العناوين عليها وعروض بعض الحالات والإضافات لها كما ستعرف.
     وثالثها : الدنيا الممدوحة ، وسيأتي ذكرها في ضمن الروايات. والكلام هنا في القسم الثاني ، وهو : الدنيا التي نطق الكتاب الكريم بذمها وتحقيرها ، وحثت النصوص المتواترة على تركها والإعراض عنها. وهذا القسم يشمل جميع ما يتعلق بالانسان من تنعّماته وانتفاعاته ، وما يسعى في تحصيله من علومه وفنونه ومناصبه ، وما يحصله ويعده لنفسه من أمواله وأولاده وكل ما يملكه ويدخره لينتفع به ، كل ذلك إذا حصلت من الوجه المحرم ، أو كانت مقدمة للحرام ، أو لوحظت بنحو الاصالة في الحياة ، وكانت مبلغ علم الإنسان ومنتهى همته ، فتطلق على الحياة المقرونة بجميع ذلك والمشتملة عليها حياة الدنيا ، وعلى نفس تلك الأمور عرض الحياة وزينتها ومتاعها وحطامها وما أشبهها من التعابير القرآنية.
     وظواهر الكتاب والسنة بعضها مسوق لبيان حال اشتغال الإنسان بها وذم حبها ، وتزينها في القلب ورضا الإنسان بها ، وطمأنينته إليها وإيثارها على الآخرة وابتغائها والفرح بها واستحبابها ، أي : ترجيحها على الآخرة والإشراف بها وكونها لعباً ولهواً وتفاخراً وتكاثراً ، وغير ذلك من التعابير الكاشفة عن حالات الإنسان ونفسياته المتعلقة بها والمذمومة في الشرع.
     وبعضها مسوق لبيان ما يرجع إلى حال نفس أعراضها وأمتعتها. وأنها حقيرة صغيرة ، وأنها غرارة ملهية فانية زائلة ، وأنها تنفد ولا تبقى ، وأنها متاع قليل ، ونحو ذلك من التعابير ، فمن الطائفة الاولى قوله تعالى : ( زين للناس حب


(209)
الشهوات ) (1) أي : زين نفس شهوات الدنيا ومشتهياتها ، وقال : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) (2) أي : نفس الحياة أو ما يقارنها مما عرفت آنفاً ، وقال : ( ومن كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ) (4) وقال : ( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ) (5) وقال : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) (6) وقال : ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) (7) وقال : ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ) (8) وقال : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) (9) وقال : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ) (10).
     ومن الطائفة الثانية قوله : ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) (11) وقال تعالى في توضيح مشتهيات الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث : ( ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) (12) وقال : ( وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما
1 ـ آل عمران : 14.
2 ـ البقرة : 212.
3 ـ آل عمران : 152.
4 ـ الإسراء : 18.
5 ـ الشورى : 20.
6 ـ يونس : 7.
7 ـ رعد : 26.
8 ـ النازعات : 37 ـ 38.
9 ـ النحل : 107.
10 ـ الحديد : 20.
11 ـ التوبة : 38.
12 ـ آل عمران : 14.


(210)
عند الله خير ) (1) وغير ذلك من الآيات.
     وورد في النصوص : أن حب الدنيا رأس كل خطيئة (2) ، فالشقاء والشرور والخطايا والمفاسد كلها مطوية تحت عنوان الدنيا ، وذمائم الخصال ورذائلها محوية في صفة حبّها والميل إليها.
     وأنه : ما فتح الله على عبد باباً من أمر الدنيا إلا فتح عليه من الحرص مثله. وأن (3) من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه (4) ( أي : كلما صرف همه وعمره في تحصيلها زاده الله حرصاً وحاجة وفقرا ).
     وأن : أبعد ما يكون العبد من الله إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه (5).
     وأن : من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها (6).
     وأن للدنيا شعباً منها : الكبر ، وهو : أول ما عصى الله ، والحرص ، وهو : عصيان آدم وحواء ، والحسد وهو : معصية ابن آدم (7).
     وأن الله قال : « جعلت الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي ، وأن عبادي زهدوا في الدنيا بقدر علمهم ، وسائر الناس رغبوا فيها بقدر جهلهم ، وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها ولا يحقرها أحد إلا انتفع بها » (8).
     ( قال المجلسي قدس سره : قوله : ( ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي ) هذا معيار كامل
1 ـ القصص : 60.
2 ـ الخصال : ص25 ـ المحجة البيضاء : ج5 ، ص353 ـ الوافي : ج5 ، ص889 ـ بحار الأنوار : ج51 ، ص258 وج78 ، ص54.
3 ـ الكافي : ج2 ، ص319 ـ الوافي : ج5 ، ص896 ـ بحار الأنوار ـ ج73 ، ص16.
4 ـ الكافي : ج2 ، ص319 ـ بحار الأنوار : ج73 ، ص17.
5 ـ الكافي : ج2 ، ص319 ـ وسائل الشيعة : ج11 ، ص318 ـ بحار الأنوار : ج73 ، ص18.
6 ـ الكافي : ج2 ، ص320 ـ الوافي : ج5 ، ص897 ـ بحار الأنوار : ج72 ، ص54.
7 ـ الكافي : ج2 ، ص316 ـ بحار الأنوار : ج73 ، ص19.
8 ـ الكافي : ج2 ، ص317 ـ بحار الأنوار : ج73 ، ص21.
دروس في الاخلاق ::: فهرس