كتاب الايمان والكفر وآثارهما على الفرد والمجتمع ::: 21 ـ 30
(21)
الهدى من أحبهم ذاق طعم الاِيمان قال أبو عبدالله عليه السلام : « إنّه لا يجد عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم أنّ ما لآخرنا لاَوّلنا » (1).
     ولا يكفي الحب المجرّد بل لا بدَّ من الاتّباع وتحمل تبعات هذا الحب ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إنّا لا نعدُّ الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع أمرنا متّبعاً مريداً » (2). وعن الاِمام الباقر عليه السلام : « لا يبلغ أحدكم حقيقة الاِيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال : حتى يكون الموت أحبّ إليه من الحياة ، والفقر أحبّ إليه من الغنى ، والمرض أحبّ إليه من الصحة. قلنا : ومن يكون كذا ؟! قال : كلّكم ! ثم قال : أيّما أحبُّ إلى أحدكم يموت في حبّنا أو يعيش في بغضنا ؟ فقلت : نموت والله في حبّكم ؟ قال : وكذلك الفقر ... » قلتُ : إي والله (3).
     فالمقياس النبوي الدقيق لمعرفة حقيقة الاِيمان إذن هو حب أهل البيت عليهم السلام والتزام طاعتهم ، والتبرّي من أعدائهم ، وقد عرفنا من خلال بعض ما مرَّ أنه المقياس السليم الذي يتم به الكشف عن حقيقة الاِيمان الكامل.
     ويمكن تصوير الاِيمان والكفر ـ بدليل ما تقدم ـ بميزان ذي كفتين : كفة بيضاء نقية تشتمل على حب أهل البيت عليهم السلام ؛ وهي كفة الاِيمان الصادق ، واُخرى سوداء مظلمة من بغضهم عليهم السلام ؛ وهي ليس إلاّ الكفر والنفاق والمروق من الدين.
1 ـ الاختصاص ، للشيخ المفيد : 268.
2 ـ اُصول الكافي 2 : 78/13 كتاب الاِيمان والكفر.
3 ـ معاني الاخبار : 189.


(22)
     خامساً : التدبر والنظرة الواعية :
    قد تظهر حقيقة إيمان الاِنسان من خلال نظرته الفاحصة الواعية لمن حوله ، فحينما يرى الناس منهمكين في إعمار دنياهم وتخريب دينهم ، فيأثرون الفاني على الباقي ، يدرك ـ حينئذٍ ـ أنّ هؤلاء عقلاء في دنياهم حمقاء في دينهم. فهذه النظرة وذلك الاِدراك يكشفان عن وصول الاِنسان لحقيقة الاِيمان الواعي. ومن هنا قال الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم لاَبي ذر الغفاري رحمه الله : « يا أبا ذرّ لا تصيب حقيقة الاِيمان حتى ترى الناس كلّهم حمقاء في دينهم ، عقلاء في دنياهم » (1). وقد ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام ما يشير إلى ذلك بقوله : « لن تكونوا مؤمنين حتى تعدّوا البلاء نعمة والرَّخاء مصيبة » (2).
     ولا تكفي ـ بطبيعة الحال ـ النظرة الواعية في تحقق الاِيمان الكامل بل لا بدَّ من موقف معاكس ومخالف لما عليه عامة الناس وهو إيثار الباقي على الفاني والعزوف عن الدنيا الفانية..
     لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً حارثة.. فقال له : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ فقال : أصبحت يا رسول الله مؤمناً حقاً ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : إنَّ لكلِّ إيمان حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ قال : عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري فكأني بعرش ربي وقد قرب للحساب وكأني بأهل الجنة فيها يتراودون ، وأهل النار فيها يعذّبون.
     فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنت مؤمن نور الله الاِيمان في قلبك ، فاثبت ثبتك
1 ـ مكارم الاَخلاق ، للطبرسي : 465.
2 ـ تحف العقول : 377.


(23)
الله » (1).

سادساً : السلوك العبادي السوي :
    قد تبرز حقيقة الاِيمان في سلوك عبادي سويّ ، من خلال العمل بأوامر الله واجتناب نواهيه والنصيحة لاَهل بيت رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وفي هذا الصدد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله وخزن لسانه وكفَّ غضبه واستغفر لذنبه وأدّى النصيحة لاَهل بيت رسوله فقد استكمل حقائق الاِيمان وأبواب الجنة مفتحة له » (2). وقد تظهر حقيقة إيمان العبد في ضبطه لجوارحه وخاصة لسانه ، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله : « لا يعرف عبدٌ حقيقة الاِيمان حتى يخزن من لسانه » (3).

سابعاً : الموقف الاجتماعي :
    وقد تظهر حقيقة الاِيمان في موقف إجتماعي مشرّف كأن ينفق المؤمن على ذوي الفاقة على الرغم من ضيق ذات يده ، أو أن ينصف الناس من نفسه فلا يُسيء لهم ولا يظلمهم ، أو يبذل علمه للجاهل منهم. كل موقف من هذا القبيل قد يأخذ بيد المؤمن إلى مراقي الصعود في درجات الاِيمان ، ويشكّل بمفرده حقيقة من حقائقه الناصعة ، يقول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « ثلاث من الاِيمان : الاِنفاق من الاِقتار ، وبذل السلام للعالم ، والانصاف من نفسك » (4).

ثامناً : حالة الخوف والرجاء :
    قد تتمثل حقيقة الاِيمان في الجانب النفسي عندما يكون المؤمن في حالة نفسية بين الخوف والرجاء عاملاً
1 ـ تحف العقول : 377.
2 ـ أمالي الصدوق : 273.
3 ـ اُصول الكافي 2 : 114/7 كتاب الاِيمان والكفر.
4 ـ كنز العمال 1 : 44/88.


(24)
وفق مقتضياتهما. قال أبو عبدالله الصادق عليه السلام : « لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً ، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو » (1).

المبحث الثالث : مراتب الاِيمان :
     إذا كان الاِيمان هو العلم بالشيء مع الالتزام به بحيث تترتب عليه آثاره العملية ، وكان كل من العلم والالتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف ، كان الاِيمان المؤلف منهما قابلاً للزيادة والنقيصة والشدة والضعف ، فاختلاف المراتب وتفاوت الدرجات من الضروريات التي ينبغي أن لايقع فيها اختلاف. هذا ماذهب إليه الاَكثر ، وهو الحق. ويدل عليه من النقل قوله تعالى : ( ليزدَادُوا إيماناً مع إيمانِهِم ) وغيره من الآيات.
     كما ورد في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام الدالة على أنّ الاِيمان ذو مراتب (2).
     كالذي رواه عبدالعزيز القراطيسي قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام : « ياعبدالعزيز أنّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلَّم يصعد منه مرقاة بعد مرقاة فلا يقولنَّ صاحب الاثنين لصاحب الواحد لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشر » (3).
     وكذلك ما ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام أنه قال : « الاِسلام درجة
1 ـ اُصول الكافي 2 : 71.
2 ـ تفسير الميزان 18 : 259. والآية من سورة الفتح 48 : 4.
3 ـ اُصول الكافي 2 : 45/2 كتاب الاِيمان والكفر باب آخر من درجات الاِيمان.


(25)
والاِيمان عن الاِسلام درجة. واليقين على الاِيمان درجة. وما أوتي الناس أقلَّ من اليقين » (1).
     وعن أبي عمرو الزبيدي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : « .. الاِيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه ، قلت : إنَّ الاِيمان ليتم وينقص ويزيد ؟ قال عليه السلام : نعم .. قلت : .. فمن أين جاءت زيادته ؟ فقال عليه السلام : قول الله عزَّ وجلَّ : ( وإذا ما أُنزلت سُورةٌ فمنهُم من يقُولُ أيُّكُم زادتُهُ هذه إيماناً فأمَّا الَّذينَ آمنُوا فزادتهُم إيماناً وهُم يستبشرُونَ * وأمّا الَّذينَ في قُلوبِهِم مرضٌ فَزَادتهُم رجِساً إلى رِجسِهِم ) (2). وقال : ( نحنُ نقُصُّ عليكَ نبأهُم بالحقِ إنّهُم فتيةٌ آمنُوا بربّهِم وزدناهُم هُدىً ) (3). ولو كان واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لاَحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه ولاستوى الناس وبطل التفضيل ، ولكن بتمام الاِيمان دخل المؤمنون الجنة ، وبالزيادة في الاِيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرّطون النار » (4).
     ومن كلِّ ما تقدم تبين أنّ الاِيمان له مراتب ودرجات متفاوتة بتفاوت العلم والمعرفة والعمل الصالح ، والناس يختلفون تبعاً لذلك قال تعالى : ( هُم درجاتٌ عندَ اللهِ واللهُ بَصيرٌ بما يَعمَلُونَ ) (5).
1 ـ تحف العقول : 358.
3 ـ سورة التوبة 9 : 124 ـ 125.
4 ـ سورة الكهف 18 : 13.
5 ـ اُصول الكافي 2 : 33 ، 37/1 كتاب الاِيمان والكفر.
6 ـ سورة آل عمران 3 : 163.


(26)
     وروى الفضيل بن يسار عن الاِمام الرضا عليه السلام قوله : « إنَّ الاِيمان أفضل من الاِسلام بدرجة ، والتقوى أفضل من الاِيمان بدرجةٍ ، ولم يُعط بنو آدم أفضل من اليقين » (1).
     ولا شكّ أنّ أكثر الخلق إيماناً بالله تعالى هم الاَنبياء والاَوصياء عليهم السلام ، لاَنهم صفوة الخلق من العباد ، ثم يليهم رتبة من خلص لله سراً وعلانية.
     ومنهم دون ذلك ، يقول الاِمام الصادق عليه السلام : « إنَّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلّم ، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة .. وكان المقداد في الثانية ، وأبو ذر في التاسعة ، وسلمان في العاشرة » (2).
     ومنهم من عصفت بهم موجة الشك في أوقات الشدّة والعسر.
     ولا بدَّ من التنويه على أنّ الترقي الممدوح هو أن يرتفع المؤشر البياني للاِيمان ؛ لاَنّ كل هبوط فيه إنّما هو نتيجة الشك أو الشبهة مما يكسب ذلك صاحبه المذمة والملامة ويبعده عن ساحة الحق تعالى.
     عن الحسين بن الحكم قال : كتبت إلى العبد الصالح عليه السلام ـ الاِمام الكاظم ـ أُخبره إنّي شاك وقد قال إبراهيم عليه السلام : ( ... ربِّ أرِنِي كيفَ تُحيي الموتى ) (3) وإنّي أحبُّ أن تريني شيئاً ، فكتب عليه السلام : « إنّ إبراهيم كان مؤمناً وأحبَّ أن يزداد إيماناً وأنت شاك والشاك لا خير فيه ... » (4).
1 ـ تحف العقول : 445.
2 ـ الخصال ، للشيخ الصدوق : 448/87 باب العشرة.
3 ـ سورة البقرة 2 : 260.
4 ـ اصول الكافي 2 : 399/ 1 كتاب الايمان والكفر.


(27)
عوامل زيادة الاِيمان :
     هناك عوامل رئيسية تسهم في إيصال الاِنسان إلى أعلى درجات الاِيمان ، يمكن الاِشارة إليها بالنقاط التالية : ـ

أولاً : العلم والمعرفة :
    لما كان العلم رأس الفضائل صار أمل المؤمن ، لكونه المرتقى الذي يتجه به صعوداً إلى الدرجات الرفيعة ، قال تعالى : ( يَرفَعِ اللهُ الَّذينَ آمنُوا مِنكُم والّذينَ أوتُوا العلمَ دَرجَاتٍ .. ) (1).
     فالعلم هو الذي يكسب صاحبه الشرف والسؤدد ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « .. لا شرف كالعلم » (2)وقال ـ أيضاً ـ موصياً بضرورة اقتران العلم بالاَدب : « يا مؤمن إنّ هذا العلم والاَدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلّمهما ، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد من ثمنك وقدرك ، فإنَّ بالعلم تهتدي إلى ربّك ، وبالاَدب تحسن خدمة ربّك » (3).
     فالاِمام عليه السلام يضع ميزاناً لا يقبل الخطأ وهو كلّما تصاعد المؤشر البياني للعلم المقترن بالاَدب في نفس المؤمن كلما زيد في قيمته ومكانته أكثر فأكثر. ومن أجل ذلك كان العلماء أقرب الناس إلى درجة النبوة ، بدليل قول الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ، أما أهل العلم فدّلوا الناس على ما جاءت به الرسل ، وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل » (4).
1 ـ سورة المجادلة 58 : 11.
2 ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 488/حكم 113.
3 ـ روضة الواعظين ، الفتال النيسابوري 1 : 11 في فضل العلم.
4 ـ المحجة البيضاء ، للفيض الكاشاني 1 : 14.


(28)
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله تعالى ولم يكن بينه وبين النبيين إلاّ درجة النبوة » (1).
     وفي القرآن الكريم آيات عدة تشير إلى دور العلم وأهميته في حقل الاِيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله ، ومن الآيات الصريحة جداً بهذا المجال قوله تعالى : ( إنّما يَخشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلماءُ ) (2)ومن هنا نجد وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الكثيرة في طلب العلم ، وكذلك وصايا أهل البيت عليهم السلام نكتفي بما قاله أمير المؤمنين عليه السلام : « تعلم العلم فإنَّ تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة وهو عند الله لاَهله قربة ... يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة ... » (3).

ثانياً : العمل الصالح :
    وهو العنصر الثاني الذي يقترن بالاِيمان ويسهم في إيصال المؤمن إلى أعلى الدرجات ، قال تعالى : ( ومَن يأتِهِ مؤمِنَاً قد عَمِلَ الصَّالِحاتِ فأُولئِكَ لهُمُ الدَّرجاتُ العُلى ) (4).
     وإذا كان الاِيمان يمنح الشخصية الاِيمانية الرؤية الصحيحة وسلامة التصور ونقاء الاعتقاد فإنَّ العمل الذي هو شعار المؤمن يفجّر طاقتها الابداعية ، فتنطلق في آفاق أرحب وتحيى حياة طيبة ، يقول عزَّ من قائل : ( مَن عَمِلَ صالِحاً من ذَكرٍ أو أُنثى وهوَ مؤمِنٌ فلنُحِيينَّهُ حياةً طيّبةً ولنُجزينَّهُم أجرَهُم بأحسنِ ما كانُوا يعملُونَ ) (5). فالاِسلام لا يريد من المؤمن أن ينعزل
1 ـ كنز العمال 10 : 160/28831.
2 ـ سورة فاطر 25 : 28.
3 ـ روضة الواعظين : 9 في فضل العلم.
4 ـ سورة طه 20 : 75.
5 ـ سورة النحل 16 : 97.


(29)
عن الحياة ويكتفي بالاِيمان المجرَّد الذي يقصره البعض وفق نظره القاصر على الاعتقاد القلبي أو التلفظ اللساني ، وإنّما يُريد المؤمن أن يترجم إيمانه إلى عمل صالح يحقق النقلة الحضارية التي تتطلع إليها الاُمّة الاِسلامية كأُمّة رائدة.
     ومن يتدبر في قوله تعالى : ( .. ويَستخلِفَكُم في الاَرضِ فينظُرَ كيف تَعمَلونَ ) (1) ، يلاحظ أنه استعمل لفظة « كيف » ولم يقل « كم » تعملون ، لاَن الاَهم هو نوعية العمل وأبعاده الحضارية وليس كميته. فمبيت الاِمام علي عليه السلام ـ على سبيل المثال ـ ليلة واحدة في فراش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنقذت الرسول والرسالة ، وضربته يوم الخندق كانت تعادل عبادة الثقلين !.
     فالاِنسان يرتفع بنوعية العمل الذي ينجزه على صعيد الواقع ، ومن هنا ركّزت مدرسة أهل البيت عليهم السلام على « الثنائي الحضاري » المتمثل بالاِيمان المقترن بالعمل ، وفي هذا الصدد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل .. يحبُّ الصالحين ولا يعملُ عملهم ... » (2).
     ومن المعروف أنّ بعض الناس يتّكلون على أحسابهم الرّفيعة في كسب المكانة الاجتماعية ، ولكن الاِمام علياً عليه السلام ركّز على مقياس العمل وأعطاه الاَولوية في تكامل الاِنسان ورفعته ، فقال عليه السلام : « من أبطأ به عمله ، لم يسرع به حسبه » (3).
     وكان أئمة أهل البيت عليهم السلام على الرغم من شرف حسبهم ، وسمو
1 ـ سورة الاَعراف 7 : 129.
2 ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح : 497/حكم 150.
3 ـ نهج البلاغة ، صبحي الصالح/472/حكم 23.


(30)
مقامهم الاجتماعي ، يجهدون أنفسهم في العمل ، فعلى سبيل الاستشهاد أنّ الاِمام عليّاً عليه السلام قد أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة ، ووقف أراضي كثيرة وعيناً استخرجها وأحياها بعد موتها (1). وسلك ذات المسلك ولده من بعده ، كانوا يعملون لخدمة الناس فينقلون على ظهورهم الجراب وفيها الدقيق والاَطعمة إلى المحتاجين والفقراء. وكانوا يعملون بأيديهم الكريمة في الشمس المحرقة حباً للعمل واحتساباً لله ، حتى عرّضوا أنفسهم في بعض الاحيان لسهام النقد المسمومة وقوارص الكلام ، ومن الشواهد ذات الدلالة ما ورد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إنَّ محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أنّ مثل علي بن الحسين عليه السلام يدع خلفاً لفضل علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي فأردت أن أعظه فوعظني فقال له أصحابه بأي شيء وعظك ؟ قال : خرجتُ إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيتُ محمد بن علي عليهما السلام وكان رجلاً بديناً وهو متكىء على غلامين له أسودين أو موليين له ، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدّنيا لاَعظه فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليَّ بنهر وقد تصبب عرقاً فقلتُ أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدنيا لو جائك الموت وأنت على هذه الحال قال : فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال لو جائني والله الموت ، وأنا في هذه الحال جائني وأنا في طاعة من طاعات الله أكف بها نفسي عنك وعن الناس وإنّما كنت أخاف الموت لو جائني وأنا على معصية من معاصي الله فقلت يرحمك الله أردت أن أعظك
1 ـ الفصول المختارة : 103.
الايمان والكفر وآثارهما على الفرد والمجتمع ::: فهرس