وهذه نادرة تدلنا على مدى ما للمظاهر من تأثير في النفوس ، وهي حادثة جرت للشيخ في دمشق الشام مع الشيخ البوريني الصفوري(1) يحكيها لنا المحبي(2) وخلاصتها:
أن الشيخ البهائي لما ورد دمشق نزل عند بعض التجار الكبار في محله تبريز، واجتمع مع صاحب الروضات في مزارات تبريز الحافظ حسين الكربلائي القزويني التبريزي(3).
ثم إن الشيخ طلب من مضيفه الاجتماع بالشيخ البوريني ، فأعد التاجر .
دعوة تأنق فيها، ودعا غالب أهل الفضل من محلته ومنهم البوريني دخل البوريني المجلس ، والبهائي بهيئة السياح متصدراً له ، والجمع محدق به بأدب .
عجب البوريني من ذلك ، لعدم معرفته وسماعه بقدوم الشيخ ، فلم يعبأ به، ونحاه عن مجلسه ، وجلس فيه غير ملتفت إليه ، شارعا في بث معارفه الى أن حانت صلاة العشاء.
____________
(1) بدر الدين ،الحسن بن محمد بن محمد البوريني الشافعي ، ولد في قرية صفورية، وهاجر الى دمشق ، ومنها الى بيت المقدس ، اشتغل بالدرس والوعظ في مدارس ومساجد الشام ، كان عالماً محققاً، فصيح العبارة، طليق اللسان ، له : تراجم الأعيان ، ديوان شعر، ومن بديع شعره :
يقولون : في الصبح الدعاء مؤثر * فقلت : نعم ، لو كان ليلي له صبح
ومنه
أيا قمراً بت في ليل هجره * اراقب أسراب الكواكب حيرانا
خبأتك في عيني لتخفى الورى * لذلك قالوا: إن في العين إنسانا
ويروى الشطر الثاني :
................................ * وما كنت أدري أن للعين إنسانا
مات سنة 1024 هـ .
خلاصة الأثر 2: 51/ ريحانة الألباء 1 : 42 .
(2) محمد أمين بن فضل الله المحبي الاموي الدمشقي ، مؤرخ أديب شاعر، مشارك ، له : نفحة الريحانة ، خلاصة الأثر، ديوان شعر، وغيرها توفي سنة 1111 هـ - 1699 م .
سلك الدرر 4 : 86 | معجم المؤلفين 9 : 78 | هدية العارفين 2: 307
(3) انظر الذريعة 11: 279 رقم 1711 و280 رقم 1714.

( 34 )
ثم جلسوا، فابتدر الشيخ البهائي في نقل بعض القضايا والأبحاث ، وهكذا الى أن أورد بحثاً في التفسير عويصا، فتكلم عليه بعبارة سهلة فهمها الجميع ، ثم دقق العبارة حتى لم يفهم ما يقوله إلا البوريني ، ثم أغمض في العبارة فلم يفهم حتى البوريني .
هذا والجمع صموت جمود، لا يدرون ما يقولون ، غير أنهم يسمعون تراكيب واعتراضات وأجوبة تأخذ بالألباب .
عندها نهض البوريني واقفا على قدميه فقال : إن كان ولابد فأنت البهائي الحارثي ، إذ لا أحد اليوم بهذه المثابة إلا هو.
فاعتنقا، وأخذا في إيراد أنفس ما يحفظان .
وسأله الشيخ البهائي كتمان أمره ، وافترقا، ولم يقم بعدها، بل رحل الى حلب (1).
ويذكر العرضي (2) في ترجمته قال : قدم (حلب ) مستخفيا في زمن السلطان مراد بن سليم (3) ، مغيراً صورته بصورة رجل درويش ، فحضردرس الوالد الشيخ عمر(4) ، وهولايظهر أنه طالب عالم ، حتى فرغ من الدرس .
فسأل الوالد عن أدلة تفضيل الصديق على المرتضى، فذكر أحاديث منها حديث «ما طلعت الشمس » وغيرها.
فرد عليه ، ثم ذكرأشياء كثيرة تقتضي التفضيل للمرتضى، فشتمه الوالد!!! وقال له : رافضي شيعي ، وسبه وسكت !!
____________
(1)خلاصة الأثر 3 : 443 ، وانظر: سانحات دمى القصر 2 : 127 .
(2)أبوالوفاء بن عمر بن عبدالوهاب الشافعي العرضي ، عالم فاضل ، مشارك ، مفتي الشافعية بحلب ، له : معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب ، طريق الهدى، شرح الألفية ، حاشية على أنوار التنزيل ، وغيرها .
توفي سنة: 1071هـ -1661م .
كشف الظنون 1: 148/ هدية العارفين 2: 288/ ريحانة الألبا 1 : 269 رقم 39 خلاصة الأثر 1 : 148| معجم المؤلفين 13 : 165 وغيرها .
(3)هو السلطان مراد بن السلطان سليم بن السلطان سليمان القانوني المتوفى 4 ج 1 سنة 1003.
(4)تقدمت ترجمته صحيفة : 4 .

( 35 )
ثم إن الشيخ البهائي أمر بعض التجار أن يصنع وليمة يجمع فيها بين الشيخ عمر وبينه .
امتثل التاجر ذلك ، ودعاهما وأخبر الشيخ الوالد أن هذا هو الملا بهاء الدين عالم بلاد العجم .
وعندما استقر المقام بهما .
قال الشيخ البهائي للوالد: شتمتمونا.
فقال : ما علمت أنك الملا بهاء الدين !!! ولكن إيراد مثل هذا الكلام بحضور العوام لايليق !
بعد هذه الفترة الطويلة عاد الى محطته الاولى أصفهان ، فتوجهت اليه أنظار الأعاظم ، منتهلة من نميره الصافي العذب ، مستفيدة من أنوار أفكاره البكر، حتى اختصه الشاه عباس الصوفي حضراً وسفراً حتى صحبه معه في سفره الى التربة المقدسة، حيث مرقد الإمام الثامن سيراً على الأقدام وفاءاً لنذر كانه نذره .
وقد اشتهرت عنه حكايات في سياحته كثيرة، منها ممكنة، ومنها مستبعدت أو ملحقة بالخرافات .
* * *


( 36 )
ايات المدح وجمل الثناء
اعترف عامة من ترجم للمصنف -قدس سره - بل وجميع من تأخرعنه ، بعظم شخصيته العلمية العملاقة في افق العلم ، وسماء المعرفة، تقدم اليك نبذاً يسيرة:
قال شيخ الحفاظ والمحدثين العلامة الأميني :
. . . بهاء الملة والدين ، واستاذ الأساتذة و المجتهدين ، وفي شهرته الطائلة وصيته الطائر في التضلع من العلوم ، ومكانته الراسية من الفضل والدين ، غنى عن تسطير ألفاظ الثناء عليه ، وسرد جمل الإطراء له .
فقد عرفه من عرفه ، ذلك الفقيه المحقق ، والحكيم المتأله ، والعارف البارع ، والمؤلف المبدع ، والبحاثة المكثر المجيد، والأديب الشاعر، والضليع من الفنون بأسرها، فهو أحد نوابع الامة الإسلامية، والأوحدي من عباقرتها الأماثل (1) .
ويصفه المحبي بقوله :
.. . بطل العلم والدين الفذ، صاحب التصانيف والتحقيقات ، وهو أحق من كل حقيق بذكر أخباره ، ونشر مزاياه ، واتحاف العالم بفضائله وبدائعه .
وكان امة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم ، والتضلع بدقائق الفنون ، وما أظن الزمان سمح بمثله ، ولا جاد بنده ، وبالجملة فلم تتشنف الأسماع بأعجب من أخباره(2) . وقال شيخ الأمل في ترجمته :
حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر وعظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً منشئاً
____________
(1) الغدير 11 : 249 .
(2) خلاصة الأثر 3: 440 .

( 37 )
ثقة، عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضي وغيرها(1).
ويطريه السيد التفرشي بقوله :
جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرة علومه ووفور فضله وعلو رتبته في كل فنون الاسلام كمن له فن واحد، له كتب نفيسة جيدة (2) .
وأما الأردبيلي فيطريه قائلاً:
جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرة علومه ووفورفضله ، وعلومرتبته أحدا في كل فنون الاسلام كمن كان له فن واحد، له كتب نفيسة جيده منها. .. (3) .
ويصفه المجلسي الأول قائلاً:
الشيخ الاعظم ، والوالد المعظم ، الامام العلامة، ملك الفضلاء والادباء والمحدثين ، بهاء الملة والحق والدين .. (4) .
وفي مورد اخر يقول :
شيخنا واستاذنا ومن استفدنا منه ، بل كان الوالد المعظم ، كان شيخ الطائفة في زمانه ، جليل القدر، عظيم الشأن ، كثير الحفظ ، ما رأيت بكثرة علومه ، ووفورة فضله ، وعلو مرتبته أحداً ‎.. (5) .
ووصفه السيد المدني في سلافته قائلاً:
«علم الائمة الأعلام ، وسيد علماء الاسلام ، وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه ، وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه ، وطود المعارف الراسخ ، وقضاؤها الذي لاتحد له فراسخ ، وجوادها الذي لايؤمل له لحاق ،
____________
(1) أمل الآمل 155:1.
(2) نقد الرجال : 303 رقم 260 .
(3) جامع الرواة 2 : 100 .
(4) روضة المتقين 1: 22 .
(5) روضة المتقين 14 :434 .

( 38 )
وبدرها الذي لا يعتريه محاق ، الرحلة الذي ضربت اليها أكباد الابل ، والقبلة التي فطركل قلب على حبها وجبل .
فهو علامة البشر، ومجدد دين الأئمة على رأس القرن الحادي عشر، اليه انتهت رياسة المذهب والملة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة،جمع فنون العلم وانعقد عليه الاجماع ، وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والأسماع ،فما من فن إلا وله فيه القدح المعلى والمورد العذب المحلى، إن قال لم يدع قولاً لقائل ، أو طال لم يأت غيره بطائل ، وما مثله ومن تقدمه من الأفاضل والأعيان إلا كالملة المحمدية المتأخرة عن الملل والاديان ، جاءت اخر ففاقت مفاخراً وكل وصف قلته في غيره فإنه في تجربة الخواطر» (1) .
ويطريه صاحب نسمة السحر قائلاً:
« . . . رجل الدهر، وجامع الفخر، ورب الشوارد، وقيد الأوابد، فهو وارث علم الرئيس ابن سينا في تلك الفنون والحال لاهل الطريقة حقيقة نور طور سيناء فيه يهتدون ، لم يلحق في طريق ، ولم يرفع في فريق ، فهوحيناً وزير السيف والعلم ، وإذ به وزير الدفتر والنون والقلم » (2) .
ويطريه شيخ الخزانة الشيرازي بقوله :
«بهاء الحق وضياؤه ، وعزالدين وعلاؤه ، وافق المجد وسماؤه ، ونجم الشرف وسناؤه ، وشمس الكمال وبدره ، وروض الجمال وزهره ، وبحر الفيض وساحله ، وبر البر ومراحله ، وواحد الدهر ووحيده وعماد العصر وعميده ، وعلم العلم وعلامته ، وراية الفضل وعلامته ، ومنشأ الفصاحة ومولدها، ومصدر البلاغة وموردها، وجامع الفضائل ومجمعها، ومنبع الفواضل ومرجعها، ومشرق الافادة ومشرعها، وسلطان العلماء وتاج قمتهم ، وبرهان الفقهاء وتتمة أئمتهم ، وخاتم المجتهدين وزبدتهم ، وقدوة المحدثين وعمدتهم ، وصدر المدرسين واسوتهم ، وكعبة الطالبين وقبلتهم ، مشهورجميع الآفاق ، وشيخ الشيوخ على الاطلاق ، كهف
____________
(1) سلافة العصر: 289 .
(2) نسمة السحر: 303 مخطوط

( 39 )
الاسلام والمسلمين ، مروج أحكام الدين ، العالم العامل الكامل الأوحد بهاء الملة والحق والدين » (1) .
ويطريه الخفاجي قائلاً:
«.. . زين بمآثره العلوم النقلية والعقلية، وملك بنقد ذهنه جواهرها السنية، لاسيما الرياضيات . . . وهوفي ميدان الفصاحة فارس وأي فارس ، وإن غصنه أينع وربا بربوة فارس فإن شجرته نبتت عروقها بنواحي الشام الزاهية المغارس ، والعرق نزاع وإن أثر الجوارفي الطباع » (2) .
وهذا الحنفي في شرحه على رائية المصنف والمسماة «وسيلة الفوز والامان » يقول في حقه :
« . . . صاحب التصانيف والتحقيقات ، وهوم حق من كل حقيق بذكر أخباره ونشر مزاياه ، واتحاف العالم بفضائله وبدائعه ، وكان امة مستقلة في الأخذ بأطراف العلوم والتضلع من دقائق الفنون ، وما اظن أن الزمان سمح بمثله ولا جاد بنده ، وبالجملة فلم تتشنف الأسماع بأعجب من أخباره » (3) .
وقد ذكره الشهاب في كتابيه وبالغ في الثناء عليه (4) وقد أطال أبو المعالي الطالوي في الثناء عليه وكذلك البديعي (5) .
هذا غيض من فيض مما قيل أويمكن أن يقال في حق شيخنا المصنف ، علم الأعلام ومن عرفت مكانته السامية في دنيا الفضل والفضيلة والدين ، حتى قيل في حقه : « .. . لايدرك بحر وصفه الاغراق ، ولا تلحقه حركات الأفكار،
____________
(1) خزانة الخيال : 421.
(2) إشارة للحديث الشريف « العرق دساس » وانظر ريحانة الألبا 1 : 207 .
(3) فتح المنان شرح قصيدة الفوز والأمان : 367 من الطبعة الاولى، حيث إن الطبعة الملحقة بالكشكول والتي بتحقيق طاهرأحمد الزاوي - طالتها يد الخيانة العلمية فحرفتهما ، وأسقطت منها مواردة احداها ترجمة الشيخ المصنف .
(4) أي في ريحانة الألباء 1: 207 رقم 72 ونفحة الريحانة 2 : 282 رقم 94 .
(5) سانحات دمي القصر 2 : 126 . والبديعي ، هو يوسف بن عبدالله الدمشقي الحلبي ، ولعل ذلك في حدائق الأدب - انظر معجم المؤلفين 13 : 280 .

( 40 )
ولو كان في مضمار الدهر لها السباق »(1) .
نعم هناك من اجترأ الوقيعة فيه ، وما ذاك إلا لقلة دين ، وإلا فلم ؟!!!!
هذا يوسف المغربي (2) له هجاء للشيخ البهائي ، وليس ذلك لسبب ظاهر سوى الغيرة والحسد من علمه ومعرفته وشهرته ، أو لغلبته له في ميادين العلم حيث يقول :

إن اليهــودي غـدا عاملاً * في الناس بالحــور بالباطل
يـعـمـل في الدين كما * يشتهي فلعنة الله على العاملي (2)

هذا، ولون اخرمن الوقيعة فيه ، هو للمحبي مع اعترافه بفضله وعلمه ، ومع هذا ينسبه الى الغلو في الحب ! حب من ؟ حب آل البيت عليهم السلام ، وينسب الزندقة الى موال آخر، ويعتذر للشيخ حيث يقول : « ... إلا أنه لم يكن على مذهب الشاه في زندقته !! ! - والسبب في ذلك - انتشار صيته - البهائي - في سداد دينه إلا أنه غالى في حب ال البيت »(4) .
نعم ، ما أجرأه على الوقيعة في مؤمن يقول : ربي الله .
لكن الرجل مندفع بدافع البغضاء ، فيقذف ولا يكترث ، ويقول ولا يبالي .
وليت شعري أي غلو وقف عليه في حب الشيخ الأجل -البهائي - لآل بيت نبيه الأطهر؟!
نعم ، لم يجد شيئاً من الغلو، لكنه يحسب كل فضيلة رابية جعلها الله سبحانه لآل الرسول صلى الله عليه وآله ، وكل عظمة اختصهم بها غلواً، وهذا من
____________
(1) ريحانة الالبا1: 207.
(2) يوسف بن زكريا المغربي، شاعر، نزل مصر للدراسة، له مؤلفات ، توفي سنة 1019 .
له ترجمة في خلاصة الأثر 4 : 501-503/ نفحة الريحانة 4: 406 -409الاعلام 8: 231/ هدية العارفين 2 : 566/ معجم المؤلفين 13: 301/ كشف الظنون 1 : 829 ريحانة الألبا 2 : 32 رقم 186.
(3) بهاء الدين العاملى: 30 .
(4) خلاصة الاثر 3 : 441 .

( 41 )
عادة القوم سلفا وخلفا، والى الله المشتكى(1).
نعم ، إنها وكما قيل :
. . . . . . . . . . . * شنشنة أعرفها من أخزم (2)

ولعل بهذا أمكن القارىء من تكوين صورة واضحة عن الشيخ البهائي قدس سره .
** ثم إن بعض الحوادث والقصص فيها من الدلالة على سمو الخلق وصفاء الباطن الشيء الكثير، بالخصوص سموخلق العلماء، فانه فوق كل اعتبار.
والقصة هي :
أن الشاه عباس ركب يوماً إلى بعض متنزهاته ، وكان الشيخ البهائي وألمير الداماد في موكبه ، إذ كان لايفارقهما غالباً، وكان الداماد عظيم الجثة، والبهائي نحيفها .
فأراد الشاه أن في خبر صفاء الخواطر بينهما .
فقال للداماد وهو راكب فرسه في مؤخرة الجمع ، وقد ظهرت عليه اثار الإعياء والتعب ، والبهائي في مقدمة الجمع :
يا سيدنا، ألاتنظر الى هذا الشيخ كيف تقدم بفرسه ، ولم يمش على وقار كما تمشي أنت ؟
فقال الداماد: أيها الملك ، إن جواد الشيخ قد استخفه الطرب بمن ركبه ، فهو لايستطيع التأني ، ألا تعلم من الذي ركبه ؟
ثم قال الملك للبهائي : يا شيخنا ألا تنظرالى هذا السيد كيف أتعب مركبه بجثمانه الثقيل ؟ والعالم ينبغي أن يكون مرتاضاً مثلك خفيف المؤنة .
فقال البهائي : أيها الملك إن جواد الشيخ أعيى بما حمل من علمه الذي لايستطيع حمله الجبال .
فعند ذلك نزل الشاه عن جواده وسجدلله شكراً على ان يكون علماء دولته بهذا الصفاء.
____________
(1) الغدير 11 : 252 بتصرف .
(2) أنظر: «مجمع ألأمثال 1: 361/1933

( 42 )
فأكرم به من ملك كامل وسلطان عادل ! وأكرم بهما من عالمين مخلصين!
لكن هناك من يدعي وجود نفرة بينما، وهي بعيدة كل البعد، ويدلنا على ذلك صورة رسالة عثرنا عليها(1) موجهة من الشيخ البهائي الى السيد الداماد قدس سرهما اليك هي :
طوبى لك أيها المكتوب ، حيث تتشرف بملامسة سيدنا ومخدومنا، بل مخدوم العالمين ، سمي خامس أجداده الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين (2) .
سلام الله عليكم .
لاحاجة الى ما استقرعليه العرف العام ، واستمربه الرسم بين الأنام ، من توشيح الخطاب ، وترشيح مبتدأ الكتاب ، بذكر المزايا والألقاب ، ونشر معالي المآثرفي كل باب ، إذ هو فيما نحن فيه كفت شهرته مؤنة التصدي لتحريره ، وأغنى ارتكازه في الخواطر عن التعرض لشرحه وتقريره ، ولوأنا أطلقنا عنان القلم في هذا المضمار، وأجرينا فلك البيان في ذا البحر الزخار لكنا بمنزلة من يصف الشمس بالضياء، أوينعت حاتم بالسخاء ، ولنا دنيا المقام بأفصح لسان ، إن العيان يغني عن البيان .
وأما شرح شدة التعطش الى رشف راح الوصال ، وحدة التحرق والتلهف الى شرف الإتصال فأعظم من ان يحويه نطاق الكلام ، أو تنبىء عنه ألسنة ألأقلام ، فلذلك طوينا كشحاً عن مد أطناب الاطناب في ذلك ، فضربنا صفحاً عن إنارة شهاب الاسهاب في تلك المسالك ، واقتصرنا على إهداء طرائف صحائف تسليمات تنهل عن رياض الوداد هواطلها ، وشرائف لطائف تحيات تتبختر في مسالك الاتحاد قوافلها وخوالص خصائص دعوات تتهادى في جادة
____________
(1) نبهنا عليها فضيلة العلامة المحقق الحجة السيدعبد العزيز الطباطبائي . والنسخة محفوظة في مكتبة ملك بطهران ضمن مجمو‎عة برقم2842 تسلسلها 103 في الصفحة 177-178 انظرفهرستها 137:6 .
(2) هذا مما تعارفت على المظروف في تلك الحقبة .

( 43 )
الاخلاص رواحلها وتصدح في حدائق المودة والاخلاص بلابلها .
هذا وإن مجاري أحوال المحب القديم ، الذي هو خالص بالوداد، مقيم على ما يوجب مزيد الحمد ويستدر أخلاف الشكر، والأوقات ! - بتوفيق الله سبحانه - مصروفة في تدارك ما فات ، والاستعداد لما هوعن قريب آت .
والمأمول من الألطاف القدسية الاجراء على صفحة الخاطر الأنور ، والضمير الأطهر بما يسنح من صوالح الدعوات المعطرة مشام الاجابات ، وفتح أبواب المكاتبات والمراسلات الجالية عن القلب صدأ الآلام والكربات ، الجالبة الى النفس أعظم الأفراح والمسرات .
والسلام عليكم وعلى العاكفين ببابكم ، واللائذين بأعتابكم ورحمةالله وبركاته .

مخلصكم حقا وصدقاً
بهاء الدين


أما جواب السيد الداماد قدس سره فهو اية من آيات الود والصفاء والمحبة والاخلاص اليك هو وإنك خيرحكم :
ياليتني كنت شيئا من هذه الأرقام ، حيث يلحظها بعين عنايته شيخنا الأفخم الأعظم ، ومخدومنا الأعلم الأكرم ، نطاق الايمان ، وعروة الدين ، قدوة أهل الحق واسوة أهل اليقين ، لازال مجده وبهاؤه ممدوداً بالتظليل على رؤوس المؤمنين وعلى مفارق العالمين (1) .

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد هبت ريح الانس من سمت القد س ، فاتتني بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها بروق العقل بوموضها، وكأنها بمطاويها أطباق الأفلاك بدواريها، وكأن أرقامها باحكامها طبقات الملك والملكوت بنظامها، وكأن ألفاظها برطوباتها أنهار العلوم بعذوباتها ، وكأن معانيها بأفواجها بحار الحقائق بأمواجها . وأيم الله إن
____________
(1) تقدم انه مما يكتب على المظروف .

( 44 )
طباعها من تنعيم ، ومزاجها من تسنيم ، وإن نسيمها من جنان الومضوت ، وإن رحيقها لمن دنان الملكوت .
فاستقبلتها القوى الروحية، وبرزت اليها القوى العقلية، ومدت لها، قطنة سوامع الشعر أعناقها من كوى الحساس ، وروازن المدارك وشبابيك المشاعر، وكادت حمامة النفس الناطقه تطير من وكرها شغفاً وهزازا، وتستطار الى عالمها شوقا واهتزازا، فلعمري لقد ترويت ولكني لفرط ظمئي ما ارتويت .

شربت الحب كأساً بعد كاس * فما رويت وقد نفد الشراب

فلازالت مراحمكم الجبليلة مدركة للتائقين بأضواء الألطاف الخفية والجلية .
ثم إن صورة مراتب الشوق والإخلاص ، التي هي ما وراء ما يتناهى بما لايتناهى، أظنها لهي المنطبعة كما هي عليها في خاطركم الأقدس الأنور، الذي هو لاستجرار الوجوه كمرآة مجلوة، ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاة مسطرة .
وإنكم لأنم بمزيد فضلكم المؤملون لامرار المخلص على حواشي الضمير المقدس المستنير عند صوالح الدعوات السانحات في مئنة الاستجابة ومظنة الاجابة، بسط الله ظلالكم وخلد مخدمكم وخلانكم .
والسلام على جنابكم الأرفع الأبهى، وعلى من يلوذ ببابكم الألمع الأسمى، ويعكف بفنائكم الأوسع الأسطع الاسنى ، ورحمة الله وبركاته أبداً سرمدا.

مخلصكم الملتاع
محمد باقر الداماد الحسيني


وحكايات ما وقع بينهما من المصافاة والمصادقة كثيرة، وهكذا يسعد الزمان وأهله بامثال هؤلاء العلماء وهؤلاء الملوك .
( 45 )
** ويؤكد ذلك السمو والصفاء أيضا ما نقله السيد الأمين عن المنشىء في عالمه حيث يقول :
** تقلد الشيخ منصب شيخ الإسلام في اصفهان ، زمن الشاه عباس الكبير خلفاً للشيخ علي المنشار، وتبوأ مكانته المعروفة في عهد الشاه المذكور، ولم يكن لأحد من كبار الرجال الصفويين مركز يداني مركزه ، ولذلك كثر حساده ومناوئوه وكثر الدس حوله ، حتى تمنى أن والده لم يخرج به من جبل عامل الى الشرق ، في كلمة قوية عبر بها عن تبرمه من فساد الأخلاق في كثيرمن أبناء زمانه و معاصريه .
فقال طيب الله ثراه : لولم يأت والدي قدس الله روحه من بلاد العرب ، ولولم يختلط بالملوك، لكنت من اتقى الناس وأعبدهم وأزهدهم ، لكنه طاب ثراه أخرجني من تلك البلاد وأقام في هذه الديار، فاختلطت بأهل الدنيا، واكتسبت أخلاقهم الرديئة، واتصفحت بصفاتهم ، ثم لم يحصل لي من الاختلاط بأهل الدنيا إلا القيل والقال ، والنزاع والجدال ، وآل الأمر أن تصدى لمعارضتي كل جاهل ، وجسرعلى مباراتي كل خامل (1) .
هذا نص عبارة الشيخ ، وهي نفثة مصدور، عبربها - كما قلنا - عن آلامه وامتعاضه وتكاثر حساده ومنافسيه وما كان أكثر هؤلاء الحساد والمنافسين بلا شك إلا من ذوي الأطماع وعباد المصالح الشخصية والجاه الزائف ، ولكنهم مع ذلك لم ينالوا منه منالا ولا استطاعوا أن يزعزعوا من مركزه الكبير.
انظره يقول :
قد جرى ذكري يوماً في بعض المجالس العالية، والمحافل السامية، فبلغني أن بعض الحضار- ممن يدعي الوفاق وعادته النفاق ، ويظهر الوداد ودأبه العناد- جرى في ميدان البغي والعدوان ، وأطلق لسانه في الغيبة والبهتان ، ونسب إلي من العيوب ما لم تزل فيه ، ونسي قوله تعالى : (أيحب أحدكم أن يأكل لحم
____________
(1) الكشكول 1 : 213، اعيان الشيعة 9 : 240، ولم اعثر عليه في عالم آرا وانظر 1 :155 وانظر ريحانة الأدب 3 : 403 .

( 46)
أخيه)(1).
فلما علم أني علمت بذلك ، ووقفت على سلوكه في تلك المسائل ، كتب إلي رقعة طويلة الذيل ، مشحونة بالندم والويل ، يطلب فيها الرضا، ويلتمس الاغماض عما مضى .
فكتبت اليه في الجواب : جزاك الله خيراً فيما أهديت إلي من الثواب ، وثقلت به ميزان حسناتي يوم الحساب ، فقد روينا عن سيد البشر، والشفيع المشفع في المحشر أنه قال :
(يجاء بالعبد يوم القيامة، فتوضع حسناته في كفة، وسياته في كفة، فترجح السيئات فتجيء بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها. فيقول : يارب ما هذه البطاقة؟!! فيقول غزوجل : هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء ).
فهذا الحديث قد أوجب بمنطوقه علي أن أشكر ما أسديته من النعم إلي ، فكثرالله خيرك وأجزل مبرك .
مع أني لو فرض أنك شافهتني بالسفاهة والبهتان ، وواجهتني بالوقاحة والعدوان ، ولم تزل مصراً على شناعتك ليلاً ونهاراً، مقيما على سوء صناعتك سراً وجهاراً، ما كنت اقابلك إلا بالصفح والصفا، ولا اعاملك إلا بالمودة والوفاء، فإن ذلك من أحسن العادات ، وأتم السعادات ، وإن بقيت مدة الحياة أعز من أن تصرف في غيرتدارك ما فات ، وتتمة هذا العمر القصير لاتسمع مؤاخذة احد على التقصير(2) .
نعم هذه أخلاق لومزجت بها البحر لعذب ماؤه طعماً.
وكان ذلك من بواعث تنغيص عيشه ، وتكدير صفو حياته أحياناً، وطالما نفس عن كربه بالعزلة أو بالسياحة والرحلة .
____________
(1) الحجرات ، مدنية ، 49 : 12 .
(2) الكشكول 1 : 210| سلافة العصر: 292

( 47 )
أدبه
إن شيخنا المصنف قدس سره على توغله في العلوم عامة، وتسنمه المناصب العالية، لم يكن تاركاً لحلبة الأدب نظماً ونثراً. يصف أدبه المدني قائلاً:
« . . . وأما أدبه فالروض المتأرج أنفاسه ، المتضوع بنثره ونظمه ورده وآسه ، المستعذب قطافه وجناه ، والمستظرف لفظه ومعناه..» (1) .
لم لايكون كذلك وهو«تسجيل حي لخواطر يعيشها الأديب وتثيرها أماني مضطرمة، والام محمومة ، فينظمها ليؤدي بها خدمة انسانية، وواجباً أخلاقياً أصلاحياً بطريقة النقد البناء» (2) .
نعم إن «شعره الحسن النائب مناب سلامة الرحيق ، فيه ماشئت من رقة الألفاظ ولطافة معان تتعلم منها السحر غمزات وألحاظ وتفنن » (3) .
هذا وقد نظم الشيخ قدس سره باللغتين الفارسية والعربية فأجاد فيها وأفاد .
وأما نثره ، فهوكما قال المحبي :
« . . . إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنية الغروس ، سجدت لها، الأقلام سجدة الشكرفي محاريب الطروس ، فأقلام إفاداته لانسب باعياء قط ، وصحائف فجره لم تسنن من حسود بنقط . . . »(4).
مع كل هذا لم نجد لم ديوان شعرمجموع ، غير أن شعره مبثوث في كشكوله وغيره من مؤلفاته ، نعم جمع شعره بالعربية الشيخ محمد رضا بن الشيخ الحر العاملي في ديوان (5) ، ولم نعثر عليه .
____________
(1) سلافة العصر: 291 .
(2) مقدمة الكشكول : 92، بتصرف .
(3) نفحة الريحانة : 2 :293 .
(4) نفحة الريحانة : 2 :293 .
(5) أمل الآمل 157/1 .

( 48 )
وقد تجمع لدينا مجموع لابأس به ، نرجو التوفيق لجمع أكثر منه ونشره مع شرح قصيدته -التي هي من غررشعره - رائيته الشهيرة التي يمدح فيها الامام الحجة المنتظر صلوات الله عليه وعجل فرجه تناهز الخمسين بيتاً.
وهي :
سرى البرق كل من نجد فجدد تذكاري * عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
وهيج من أشواقنا كل كامن * واجج في احشائنا لاهب النار
ألا يا لييلات الغوير وحاجر * سقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمأزمين خيامهم * عليكم سلام الله من نازح الدار
خليلي مالي والزمان كأنما * يطالبني في كل وقت باوتار
فابعد أحبابي واخلى مرابعي * وابدلني من كل صفو باكدار
وعادل بي من كان اقصى مرامه * من المجد أن يسموإلى عشر معشاري
ألم يدر أني لا اذل لخطبه * وإن سامني بخسًا وارخص اسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الذي * يؤثره مسعاه في خفض مقداري
واني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي * ولاتصل الأيدي الى سر أغواري
اخالط أبناء الزمل بمقتضى * عقولهم كي لا يفوهوا بانكار
واظهر اني مثلهم تستفزني * صروف الليالي باحتلاء وامرار
واني ضاوي القلب مستوفز النهي * اسر بيسر أوامل باعسار
ويضجرني الخطب المهول لقاؤه * ويطربني الشادي بعود ومزمار
ويصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب * باسمر خطار واحور سحار
واني سخي بالدموع لوقفة * على طلل بال ودارس احجار
وماعلموا اني امرؤ لا يروعني * توالي الرزايا في عشي وابكار
إذ دك طورالصبر من وقع حادث * فطوراصطباري شامخ غير منهار
وخطب يزيل الروع ايسر وقعه * كؤود كوخز بالأسنة سعار
تلقيته والحتف دون لقائه * بقلب وقور في الهزاهز صبار
ووجه طليق لا يمل لقاؤه * وصدر رحيب من ورود واصدار
ولم ابده كي لا يساء لوقعه * صديقي ويأسي من تعسره جاري

( 49 )
ومعضلة دهماء لا يهتدى لها * طريق ولايهتدى الى ضوئها الساري
تشيب النواصي دون حل رموزها * ويحجم عن اغوارها كل مغوار
اجلت جياد الفكر في حلباتها * ووجهت تلقاها صوائب انظاري
فابرزت من مستورها كل غامض * وثقفت منها كل قسور سوار
أأضرع للبلوى واغضي على القذى * وارضى بما يرضى به كل مخوار
وافرح من دهري بلذة ساعة * واقنع من عيشي بقرص واطمار
إذلا ورى زندي ولا عز جانبي * ولا بزغت في قمة المجد اقماري
ولابل كفي بالسماح ولا سرت * بطيب احاديثي الركاب واخباري
ولا انتشرت في الخافقين فضائلي * ولاكان في المهدي رائق اشعاري
خليفة رب العالمين وظله * على ساكني الغبراء من كل ديار
هوالعروة الوثقى الذي من بذيله * تمسك لا يخشى عظائم اوزار
امام هدى لاذ الزمان بظله * والقى اليه الدهر مقود خوار
ومقتدر لو كلف الصم نطقها * باجذارها فاهت إليه بأجذار
علوم الورى في جنب ابحر علمه * كغرفة كف أو كغمسة منقار
فلو زار افلاطون اعتاب قدسه * ولم يعشه عنها سواطع انوار
رأى حكمة قدسية لا يشوبها * شوائب انظار وادناس افكار
بإشراقها كل العوامل اشرف * لما لاح في الكونين من نورها الساري
امام الورى طود النهى منبع الهدى * وصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتلي * على العالم العلوي من غير انكار
ومنه العقول العشر تبغي كمالها * وليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقت * على نقض مايقضيه من حكمه الجاري
لنكس من ابراجها كل شامخ * وسكن من افلاكها كل دوار
ولانتثرت منها الثوابت خيفة * وعاف السرى في سورها كل سيار
أياحجة الله الذي ليس جارياً * بغير الذي يرضاه سابق اقدار
ويامن مقاليد الزمان بكفه * وناهيك من مجدبه خصه الباري
اغث حوزة الايمان واعمر ربوعه * فلم يبق منها غير دارس آثار

( 50 )
وانقذ كتاب الله من يد عصبة * عصوا وتمادوا في عتو واصرار
يحيدون عن اياته لرواية * رواها أبو شعيون عن كعب الأحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبطوا * بآرائهم تخبيط عشواء معسار
وانعش قلوباً في انتظارك قرحت * واضجرها الأعداء أية اضجار
وخلص عباد الله من كل غاشم * وطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون باسرهم * وبادرعلى اسم الله من غير انظار
تجدمن جنود الله خيركتائب * واكرم اعوان وأشرف انصار
بهم من بني همدان اخلص فتية * يخوضون اغمار الوغى غير فكار
بكل شديد الباس عبل شمردل * الى الحتف مقدام على الهول صبار
تحاذره الأبطال في كل موقف * وترهبه الفرسان في كل مضمار
أياصفوة الرحمن دونك مدحة * كدر عقود في ترائب ابكار
يهنا ابن هاني ان اتى بنظيرها * ويعنو لها الطائي من بعد بشار
اليك البهائي الحقير يزفها * كغانية مياسة القد معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمها * بنفحة ازهار ونسمة اسحار
إذا رددت زادت قبولاً كانها * أحاديث تجد لا تمل بتكرار

وقد جاراها جمع وشرحها آخرون فممن جاراها :
العلامة الأمير السيد علي بن خلف المشعشعي الحويزي (1) بقصيدة مطلعها:

هي الدار ما بين العذيب وذي قار * عنت غير سحم ماثلات وأحجار

____________
(1) السيد علي خان بن خلف المطلب بن حيدر بن محمد بن فلاح الموسوي الحسيني المشعشعي الحويزي ، والي الحويزة ، شاعر أديب جليل القدر، له تصانيف ، منها: النور المبين ، ديوان شعر، خير المقال شرح القصيدة المقصورة في الأدب ، وغيرها.
له ترجمة في أمل الآمل 186 | 2 ت 554 | رياض إلعلماء 77 | 4، سلافة العصر: 545 الفوائد الرضوية : 290 | أعيان الشيعة 235 | 8 | الاجازة الكبيرة للسيد الجزائري : 81 | معجم المؤلفين 86 | 7.

( 51 )
والعلآمة الشيخ جعفر بن محمد الخطي المعاصرللشيخ البهائي إجتمع معه في اصفهان فانشده الشيخ رائيته طالباً منه مجاراتها، فطلب الشيخ الخطي تاجيله ثلاثة أيام ثم لم يرتض ذلك لنفسه فقام في المجلس مرتجلاً قصيدته العصماء التي أولها :

هي الدار تستسقيك مدمعك الجاري * فسقيا فخير الدمع ما كان للدار

ومنهم الشاعر الفذ الفاضل علي بن زيدان العاملي المتوفى 1260 بمعركة (جنوب لبنان ) جارى قصيدة الشيخ بعصماء أولها:

حنانيك هل من وقفة أيها الساري * على الدار في حكم الصبابة من عار؟

وممن شرحها:
الشيخ أحمد بن علي المنيني الدمشقي وطبع الشرح آخر الكشكول في الطبعة المحرفة المصرية .
ومنهم العلامة الجليل حجة البحث والتأريخ الشيخ جعفر النقدي قدس سره وبكتابه الذي أسماه منن الرحمان .
يقع بجزين طبع في النجف الأشرف سنة 1344 في المطبعة المرتضوية، والان قيد التحقيق نأمل من العلي القدير التوفيق لا تمامه .

* * *

( 52 )
مؤلفاته وآثاره
مما لاشك فيه أن تأريخ العلم ومعاجم التراجم تحفل بذكر عدد كبير من علماء المسلمين ، منهم من نراه قد اقتصرعلى فن من فنون المعرفة، أوعالم من علوم الشريعة؛ ومنهم من انقطع لعلوم الدنيا لاغير، وكل منهم عاش إطارفنه وعلمه وما كتبه فيه .
ولكن نرى الشيخ البهائي قدس سره جمع من العلوم أكثرها، واختص بكتابة المختصرات الحاوية لعصارة مجلدات وتفوق فيها .
فنراه فقيها مع الفقهاء، محدثاً مع أهل الحديث ، مفسراً مع المفسرين ، أديبا مع الادباء، ورياضياً وفيلسوفاً مع أصحاب التعاليم ، وو وو. . . وإن قسما من آثاره في الرياضيات والفلك لازالت مرجعاً لكثيرين من علماء المشرق والمغرب ومعيناً يرتشف منه طلاب المدارس والجامعات وعلوم الدين .
وما ذاك إلا لأنه «زين بماثره العلوم العقلية والنقلية، وملك بذهنه جواهرها السنية ، لا سيما الرياضيات فانه راضها وغرس في حدائق الألباب رياضها » (1) .
إذن هو بحق مشارك عجيب في جميع ألوان الصرفة والعلوم من عقلية ونقلية، وقد وفق في أغلب ما كتبه ، بدليل ما نراه من اهتمام العلماء في شرح كتبه واثاره ، وفعاليتها مع مرور الزمن ، وبقاؤها جديدة طريفة .
عزيزي القارئ كنا قد هيئنا سرداً لما عثرنا عليه من أسماء مؤلفات الشيخ وشروحها وما علق عليها، وحيث اقترح علينا بعض .الفضلاء إلحاقها بأمكنة وجود المخطوط منها وبيان المطبوع ، ارتأينا إرجاء نشرها حيث لنا موعد مع الشيخ المصنف في شرح قصيدته (سرى البرق) فإلى هناك آملين منها الدعاء بالتوفيق للوصول للمأمول .
____________
(1) ريحانة الألباء 1: 207 .