كتاب فقه الحضارة ص 132 ـ ص 148


الفصل الرابع
السفر إلى أوروبا والخطوط الجوية والقبلة في نيويورك


1ـ السفر إلى البلدان الأوروبية والأجنبية
2ـ حركة السفر الجوية في تأصيل حضاري
3ـ القبلة في نيويورك
4ـ متفرقات في أحكام السفر


( 133 )

(1)
السفر إلى البلدان الأوروبية والأجنبية

تقتضي حياة الإنسان الاقتصادية أو السياسية أو المَرضية أن يهجر بلده الإسلامي هجرة موقتة أو دائمة ، وهذا مما لا مانع فيه بشروطه وأحكامه كما سيأتي ، بل قد يستحسن إذا كان الهدف منه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة شرائع الدين ، ولكنه قد يحرم إذا استلزم التعرب بعد الهجرة ، ونقص الدين ، والاستهتار بشريعة سيد المرسلين ، نعم إذا حكمت الضرورة على المسلم أن يهاجر إلى البلاد غير الإسلامية مع علمه بأن تلك الهجرة تستوجب نقصاناً في دينه ، كما لو سافر لإنقاذ نفسه من الموت المحتّم أو غير ذلك من الأمور المهمة ، جاز له السفر حينئذٍ بالقدر الذي يرفع الضرورة دون ما يزيد عليها(1). ولكن لا مانع أن يقيم في البلدان الأوروبية والاجنبية وهو ملتزم بدينه ، غير مخلًّ بواجباته الشرعية ، وغير معرض نفسه وأهله وأبناءه لمخاطر الانحراف عن الجادة السليمة. أما إذا لم يأمن مع بقاءه بتلك
____________
(1) فتوى خطية مصورة لسماحة السيد في حوزة المؤلف.
( 134 )

البلدان على دينه ولم يأمن أن يؤدي إلى تقصير شرعي في أداء واجباته ، أو يؤدي إلى عدم حفاظ أبنائه وعائلته على المستلزمات الشرعية ، فيجب عليه العودة إلى بلاده حيث لا يحتمل تفريطه بالدين(1).
ومن هنا فقد أفتى سماحة السيد دام ظله ، وقال :
يحرم السفر إلى البلدان غير الإسلامية أينما كانت في شرق الأرض وغربها ، إذا استوجب ذلك السفر نقصاناً في دين المسلم ، سواء أكان الغرض من ذلك السفر : السياحة أم التجارة أم الدراسة أم الإقامة الموقتة أم السكنى الدائمة ، أم غير ذلك من الأسباب(2).
هذا المناخ المتقلب في ظروفه ودواعيه ومشكلاته أولاه سماحة السيد دام ظله العالي أولويات اهتماماته العلمية من أجل إيضاح الأمر بين يدي السالكين ، وليكون كل عند موقعه المناسب معرفة بأحكامه الشرعية ، ومتدبراً لأمره فلا ينقض اليوم ما أبرمه بالأمس ، ولا يتجاوز حدود ما سمحت به الشريعة الغراء ، ليكون على سلامة من دينه ، وبصيرة من أمره ، وقد أجاب سماحة السيد دام ظله الوريف على عدة مسائل في هذا الشأن ، نختار أعلقها بالموضوع صلة :
1ـ ما معنى التعرب بعد الهجرة الذي هو من الذنوب الكبيرة ؟
____________
(1) مضمون فتاوى خطية لسماحة السيد في حوزة المؤلف.
(2) فقه المغتربين |54.

( 135 )

* قيل إنه ينطبق في هذا الزمان على الإقامة في البلاد التي ينقص فيها الدين ؛ والمقصود هو أن ينتقل المكلّف من بلد يتمكن فيه من تعلم ما يلزمه من المعارف الدينية والأحكام الشرعية ، ويستطيع فيه أداء ما وجب عليه في الشريعة المقدسة ، وترك ما حُرّمَ عليه فيها إلى بلد لا يستطيع فيه على ذلك كلاً أو بعضاً.
2ـ يشعر الساكن في أوروبا وأمريكا وأضرابهما بغربته عن أجوائه الدينية التي نشأ عليها وتربى فيها ، فلا صوت للقرآن يسمع ، ولا صوت الأذان يعلو ، ولا الزيارة للمشاهد المقدسة وأجوائها الروحية موجودة. فهل يعدّ تركه لأجوائه الإسلامية في بلده وما يصاحبها من أعمال خيرية ، ثم معيشته هنا بعيداً عنها ، نقصاناً في الدين ؟
* ليس ذلك نقصاناً يحرم بسبب السكن في تلك البلدان نعم الابتعاد عن الأجواء الدينية ربما يؤدي بمرور الزمن إلى ضعف الجانب الإيماني في الشخص إلى الحد الذي يستصغر معه ترك بعض الواجبات ، أو ارتكاب بعض المحرمات.
فإذا كان المكلّف يخاف أن ينقص دينه بالحد المذكور جرّاء الإقامة في تلك البلدان ، لم يجز له الإقامة فيها.
3ـ ربما لا يقع الساكن في أوروبا وأمريكا وأضرابهما بمحرمات لا يقع بها لو بقي في بلده الإسلامي ، فمظاهر الحياة العادية بما فيها من إثارة ، تجرّ المكلّف إلى الحرام عادةً ، حتى لو لم يكن راغباً بذلك.
فهل يعدّ هذا نقصاناً في الدين يوجب حرمة السكن تبعاً ؟


( 136 )

* نعم ، إلا إذا كانت من الصغائر التي تقع أحياناً ومن غير إصرار.
4ـ لو ازدادت حالات الوقوع في الحرام عما كانت عليه سابقاً من مبلّغ إسلامي حريص على دينه ، وذلك لخصوصيات البيئة والمجتمع ، كانتشار حالات التبرج وأمثالها.
فهل يحرم عليه البقاء في بلدان كهذه ، فيتحتم عليه ترك التبليغ والعودة لوطنه ؟
* إذا كان يبتلى ببعض الصغائر اتفاقاً ، لم يحرم عليه البقاء فيها ، إذا كان واثقاً من عدم انجراره إلى ما هو أعظم من ذلك.
5ـ لو خاف المهاجر من نقصان دين أولاده ، فهل يحرم عليه البقاء في بلدانٍ كهذه ؟
* نعم كما في الحال بالنسبة إلى نفسه.
6ـ لو استطاع المكلّف أن يدعو غير المسلمين للإسلام ، أو أن يزيد في تثبيت دين المسلمين في البلدان غير الإسلامية من دون خوف من النقصان في دينه ، فهل يجب عليه التبليغ ؟
* نعم يجب كفايةً عليه ، وعلى سائر من يستطيع ذلك.
7ـ هل يجوز البقاء في دول غير إسلامية على ما فيها من منكرات تعرض للإنسان في الشارع أو المدرسة أو التلفزيون أو ما شاكل ذلك ، مع إمكانه الانتقال إلى دول إسلامية ، ولكن الانتقال يسبب له مشاكل في الإقامة وخسارة مادية ، وضيقاً في الأمور الدنيوية ، ونقصاً في الرفاهية ، وإذا كان لا يجوز له البقاء ، فهل


( 137 )

يجوزه له كونه مهتماً بأمور التبليغ بين المسلمين هنا ، مذكراً لهم ببعض واجباتهم ، ومنبهاً إلى ما يجب عليهم تركه من محرمات ؟
* لا تحرم الإقامة في تلك البلاد إذا لم تكن عائقاً عن قيامه بالتزاماته الشرعية بالنسبة إلى نفسه وعائلته فعلاً ومستقبلاً ، وإلاّ فلا تجوز وإن كان قائماً ببعض الأمور التبليغية ، والله العالم(1).
____________
(1) فقه المغتربين | 57 ـ 61.
( 138 )

(2)
حركة السفر الجوية في تأصيل حضاري

تطورت حركة السفر بين الأقطار والأقاليم ، فانتقلت من الوسائل البدائية إلى السيارات والقاطرات والطائرات ، واستقر التنقل في المسافات البعيدة بل وحتى القريبة على الخطوط الجوية بمختلف وسائلها العاديّة المحركات والنفاثة التصميم ، وما يدرينا فلعل هذا النوع من التنقل الذي أصبح اعتيادياً ، أن يتطور في قفزة أخرى إلى ما هو أكثر سرعة قد لا تحد بحدود ، وكان هذا التقدم الحضاري في المواصلات قد فرض كيانه في استحصال طائفة من الأحكام المتعلقة به ، فكان الفقه الحضاري مواكباً لهذا الازدهار الحضاري . وقد حدب سماحة السيد دام ظله الشريف أن يتعقب ما يجري على الساحة التكنولوجية والصناعية متابعاً تطورها وتسابقها في مجال التأهيل الصناعي واقعاً وافتراضاً باحتمال تطوره أكثر فأكثر ، وكان هذا الالتفات يشكل انعطافاً فقهياً جديداً يحقق آمال المعنيين في الشؤون الدينية طلباً لأحكامهم الشرعية في ضوء هذه المستجدات المعاصرة ، لأنها تفرض بطبيعتها مرونة جديدة تسايرها فيها


( 139 )

الأحكام مسايرة الظل للشاخص ، وهي تؤثر في ديناميكية الحكم الشرعي في ضوء ظروفه الجديدة ، لا سيما في الأركان التي يقوم عليها الدين في أصوله الأولى كالصلاة والصيام وجزئيات أحكامهما التي يعنى بها المسلمون تعبداً وتكليفاً ، فكان لا بد للشرع الشريف أن يعطي رأيه في ذلك لأنه محل ابتلاء العاملين بمسائل الدين ، ولقد استقصى سماحة السيد دام ظله الوارف احتمالات هذا التطور ، وقلّب الأمر على وجوهه كافة ، فخرج بطائفة يعتد بها من المسائل والأحكام التي قد تعرض للمسلم المعاصر ، فوضع في نصابها ، وترجمها بأبوابها ، فكان منها :
1ـ لو سافر الصائم في شهر رمضان جواً بعد الغروب ـ ولم يفطر في بلده ـ إلى جهة الغرب ، فوصل إلى مكان لم تغرب الشمس فيه بعد ، فهل يجب عليه الإمساك إلى الغروب ؟
الظاهر عدم الوجوب وإن كان ذلك أحوط.
2ـ لو صلى المكلّف صلاة الصبح في بلده ، ثم سافر إلى جهة الغرب فوصل إلى بلد لم يطلع فيه الفجر بعد ، ثم طلع. أو صلى صلاة الظهر في بلده ، ثم سافر جواً فوصل إلى بلد لم تزل الشمس فيه بعد ، ثم زالت. أو صلى صلاة المغرب فيه ، ثم سافر فوصل إلى بلد لم تغرب الشمس فيه ، ثم غربت. فهل تجب عليه إعادة الصلاة في جميع هذه الفروض ؟
وجهان : الأحوط الوجوب ، والأظهر عدمه.
3ـ لو خرج وقت الصلاة في بلده ـ كأن طلعت الشمس أو غربت ولم يصل الصبح أو الظهرين ـ ثم سافر جواً فوصل إلى بلد


( 140 )

لم تطلع الشمس فيه ، أو لم تغرب بعد ، فهل عليه الصلاة أداءً أو قضاءً أو بقصد ما في الذمة ؟
فيه وجوه ، والأحوط هو الاتيان بها بقصد ما في الذمة ، أي الأعم من الأداء والقضاء.
4ـ إذا سافر جواً بالطائرة وأراد الصلاة فيها ، فإن تمكّن من الإتيان بها إلى القبلة واجداً لشرطَي الاستقبال والاستقرار ولغيرهما من الشرائط صحّت ، وإلا لم تصح ـ على الأحوط ـ إذا كان في سعة الوقت ، بحيث يتمكن من الإتيان بها واجدة للشرائط بعد النزول من الطائرة.
وأمّا إذا ضاق الوقت ، وجب عليه الإتيان بها فيها ، وعندئذٍ إن علم بكون القبلة في جهة خاصة صلى إليها ، ولا تصح صلاته لو أخلّ بالاستقبال إلاّ مع الضرورة ، وحينئذٍ ينحرف إلى القبلة كلّما انحرفت الطائرة ، ويسكت عن القراءة والذكر في حال الانحراف ، وإن لم يتمكن من استقبال عين القبلة فعليه مراعاة أن تكون بين اليمين واليسار ، وإن لم يعلم بالجهة التي توجد فيها القبلة بذل جهده في معرفتها ، ويعمل على ما يحصل له من الظّن ، ومع تعذره يكتفي بالصلاة إلى أي جهة يحتمل وجود القبلة فيها ، وإن كان الأحوط الإتيان بها إلى أربع جهات.
هذا فيما إذا تمكن من الاستقبال ، وإن لم يتمكن منه إلاّ في تكبيرة الإحرام اقتصر عليه ، وإن لم يتمكن منه أصلاً سقط.
والأقوى جواز ركوب الطائرة ونحوها اختياراً قبل دخول


( 141 )

الوقت وإن علم أنه يضطر إلى أداء الصلاة فيها فاقداً لشرطي الاستقبال والاستقرار.
5ـ لو ركب طائرة كانت سرعتها سرعة حركة الأرض ، وكانت متجهة من الشرق إلى الغرب ، ودارت حول الأرض مدة من الزمن ، فالأحوط الإتيان بالصوات الخمس بنية القربة المطلقة في كل أربع وعشرين ساعة ، وأما الصيام فيجب عليه قضاؤه.
وأما إذا كانت سرعتها ضعف سرعة الأرض فعندئذٍ ـ بطبيعة الحال ـ تتم الدورة في كل اثنتي عشر ساعة ، وفي هذه الحالة هل يجب عليه الإتيان بصلاة الصبح عند كل فجر ، وبالظهرين عند كل زوال ، وبالعشائين عند كل غروب ؟
فيه وجهان : الأحوط الوجوب.
ولو دارت حول الأرض بسرعة فائقة حيث تتم كل دورة في ثلاث ساعات مثلاً أو أقل ، فالظاهر عدم وجوب الصلاة عليه عند كل فجرٍ وزوالٍ وغيروب ، والأحوط حينئذٍ الإتيان بها في كل أربع وعشرين ساعة بنية القربة المطلقة ، مراعياً وقوع صلاة الصبح بين طلوعين ، والظهرين بين زوال وغروب بعدها ، والعشائين بين غروب ونصف ليل بعد ذلك.
ومن هنا يظهر حال ما إذا كانت حركة الطائرة من الغرب إلى الشرق ، وكانت سرعتها مساوية لسرعة حركة الأرض ، فإن الأظهر حينئذ الإتيان بالصلوات في أوقاتها.
وكذا الحال فيما إذا كانت سرعتها أقل من سرعة الأرض ، وأما إذا كانت سرعتها أكثر من سرعة الأرض بكثير ، بحيث تتم


( 142 )

الدورة في ثلاث ساعات مثلاً أو أقلّ ، فيظهر حكمه مما تقدم.
6ـ من كانت وظيفته الصيام في السفر ، وطلع عليه الفجر في بلده ، ثم سافر جواً ناوياً للصوم ، ووصل إلى بلد آخر لم يطلع في الفجر بعد ، فهل يجوز له الأكل والشرب ونحوهما ؟ الظاهر جوازه.
7ـ من سافر في شهر رمضان من بلده بعد الزوال ووصل إلى بلد لم تزل فيه الشمس بعد ، فهل يجب عليه الإمساك وإتمام الصوم ؟ الأحوط ذلك.
8ـ من كان وضيفته الصيام في السفر ، إذا سافر من بلده الذي رؤي فيه هلال رمضان إلى بلد لم يُرَ فيه الهلال بعد ، لاختلافهما في الأفق ، لم يجب عليه صيام ذلك اليوم.
ولو عيّد في بل رؤي فيه هلال شوال ، ثم سافر إلى بلد لم يُرَ فيه الهلال ، لاختلاف أفقهما ، فالأحوط له الإمساك بقية ذلك اليوم وقضاؤه.
9ـ إذا فُرِضَ كون المكلّف في مكان نهاره ستة أشهر ، وليله ستة أشهر مثلاً ، فالأحوط له في الصلاة ملاحظة أقرب الأماكن التي لها ليل ونهار كل أربع وعشرين ساعة ، فيصلي الخمس على حسب أوقاتها بنية القربة المطلقة ، وأما في الصوم فيجب عليه الانتقال إلى بلد يتمكن فيه من الصيام إمّا في شهر رمضان او من بعده ، وإن لم يتمكن من ذلك فعليه الفدية بدل الصوم.
وأما إذا كان في بلد له في كل أربع وعشرين ساعة ليل


( 143 )

ونهار ـ وإن كان نهاره ثلاثاً وعشرين ساعة ، وليله ساعة أو العكس ـ فحكم الصلاة يدور مدار الأوقات الخاصة فيه.
وأمّا صوم شهر رمضان فيجب عليه أداؤه مع التمكن منه ، ويسقط مع عدم التمكن ، فإن تمكن من قضائه وجب ، وإلاّ فعليه الفدية بدله(1).
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 1|464 ـ 467.
( 144 )

(3)
القبلة في نيويورك

ما زالت القبلة في الولايات المتحدة وفي نيويورك بخاصة مثار جدل واختلاف نظر عند الفقهاء ، فبعضهم يرجح فيها الاتجاه إلى المشرق المتمايل إلى الجنوب بحجة أن مكة المكرمة تقع تحت خط عرض ( 22 ) ونيويورك تقع فوق خط عرض ( 40 ) ولازم هذا التدقيق أن اتجاه الكعبة في نيويورك بالنسبة للمتجه إليها متمايلاً إلى الجنوب دون الشمال ، بينما الذي يختاره سماحة السيد دام ظله الشريف الاتجاه نحو الشمال الشرقي باعتبار أن الخطوط المتوازية بالنسبة لبدن المصلي تكون في خط مقوس نظراً لتقوس ظهر الأرض فتصل إلى الكعبة ولو احتمالاً ، وهو في هذا الضوء يعطي التفصيل الآتي تغطية لأبعاد الموضوع من وجهاته كافة.
يرى سماحة السيد أعز الله مجده الوريف : أنّ استقبال القبلة في الأماكن البعيدة التي يجول بينها وبين الكعبة المعظمة تقوس الأرض إنما يتحقق بأن تتجه الخطوط المتوازية المبدوءة من مقاديم بدن المصلي والمقوسة بتقوّس سطح الأرض إلى الجهة


( 145 )

التي تقع فيها الكعبة المعظمة بحيث تنتهي إليها ولو احتمالاً ، ويتضح جلياً اتجاه هذه الخطوط إذا ربطنا بين موقف المصلي والكعبة المعظمة على الخارطة الكروية بخيط ، مراعين استقامته وعدم انحرافه يميناً أو شمالاً ، وحسب اختبارنا يكون اتجاه هذا الخيط في مثل نيويورك من مناطق أمريكا الشمالية نحو الشرق المتمايل إلى الشمال بالمقدار الذي يشير إليه الخط المذكور.
وأمّا ما يقال من أن مكة المكرمة تقع تحت خط عرض ( 22 ) ونيويورك تقع فوق خط العرض ( 40 ) ولازمه أن يكون الواقف في نيويورك إلى جهة الكعبة المشرفة متمايلاً إلى الجنوب دون الشمال.
فالجواب عنه أن هذا إنما يصح بالنظر إلى الخارطة المسطحة دون الكروية ، بل إن تغيّر اتجاه الخيط المذكور في الخارطة الكروية إنما نشأ من اختلاف أجزائه الواقعة بين النقطتين إذا لوحظت بالقياس إلى قطبي الشمال والجنوب.
والشاهد عليه أنا لو أغمضنا النظر إلى الجهات الأربع الثابتة للكرة ولم نأخذها بعين الاعتبار ، وأدرنا الخارطة الكروية وجعلنا مكة المكرمة واقعة في قمتها بمنزلة قطب الشمال ، لاحظنا أن اتجاه الخيط المذكور هو نفس الاتجاه السابق الذكر من دون تغيّر ، وأن الواقف في نيويورك إذا أراد التوجه نحو الكعبة المعظمة يلزمه الوقوف باتجاه هذه الخط لا منحرفاً عنه إلى جانب اليمين.
والحاصل أن الأرجح في النظر بناءً على ما تقدم في كيفية


( 146 )

الاستقبال هو ما ذكرناه بل الظاهر أنه هو الأرجح أيضاً بناءً على لزوم رعاية الخط الوهمي المارّ في عمق الأرض مستقيماً بين موقف المصلي والكعبة المعظمة ، فإن هذا الخط بما أنه لا يمكن التوجه نحوه حال الصلاة فيتعين الاتجاه نحو الخط المقوس الموازي له والمار على سطح الأرض. والخط الموازي المذكور هو نفس الخط الذي مرّ ذكره والذي يكون اتجاهه في نيويورك نحو الشمال الشرقي هذا ، ومع ذلك تكون صلاة من يتجه إلى الشرق المتمايل إلى الجنوب عملاً بالحجة الشرعية القائمة عنده على ذلك. والله أعلم(1).
____________
(1) المستحدثات من المسائل الشرعية | 9 ـ 11.
( 147 )

(4)
متفرقات في أحكام السفر

تعرض للإنسان حالات يحتاج معها إلى الدليل الكاشف بين يديه لامتثال أمره تعالى ، وفي السفر في الوسائل الحديثة والخطوط الجوية قد يواجه بعض الإشكالات ، منها ما يأتي :
1ـ كيف نُصلّي صلاتنا الواجبة في الطائرة والقبلة مجهولة والطمأنينة مفقودة ؟
* أما القبلة فيمكن تحديد جهتها بالسؤال من القبطان أو المضيفين ، فإنّ أجوبتهم تورث ـ في الغالب ـ الاطمئنان أو الظن فليزم العمل وفقه. وأما الاستقرار فتسقط شرطيته مع عدم إمكان التحفظ عليه ، ولكن لا بد من رعاية سائر الشروط حسب المستطاع ، ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في كل الأحوال.
2ـ كيف نصلي صلاتنا في القطارات والسيارات ؟ وهل يجب أن نسجد على شيء ، أو لا يجب ذلك ويكفي الانحناء.
* يجب أداء الصلاة فيها وفق صلاة المختار إن أمكن ، فتلزم رعاية الاستقبال في جميع حالات الصلاة إن تيسرت ، وإلا


( 148 )

ففي حال تكبيرة الإحرام مع التمكن منه ، وإلا تسقط شرطية الاستقبال ، كما أنه مع التمكن من الإتيان بالركوع والسجود الاختياريين يتعين الإتيان بهما ـ كما لو تيسرت الصلاة في ممر القطار أو الباص ـ وأمّا مع عدم التمكن منهما ، فإن تيسر الانحناء بمقدار صدق اسميهما لزم وتعين . ويراعى في السجود وضع الجبهة على المسجد ولو برفعة ، ومع عدم تيسر الانحناء بالمقدار المذكور يكفي الإيماء بدلاً عنهما(1).
3ـ لو سافر مسافرٌ من بلده بعد أذان الظهر مباشرة من دون أن يصلي ، ووصل لمقصده بعد الغروب ، فهل يأثم ؟ وهل يجب عليه قضاء صلاة الظهر ؟
* نعم هو آثم بتركه الفريضة في الوقت ، وعليه قضاؤها(2).
____________
(1) فقه المغتربين | 96 ـ 97.
(2) المرجع نفسه | 93.