كتاب فقه الحضارة ص 172 ـ ص 189


الفصل السادس
مظاهر الحياة العامة والعلاقات المحرمة
والجائزة


1ـ علاقة المسلم بسواه من غير المسلمين
2ـ الاختلاط المزدوج في المدارس والمسابح والحفلات
3ـ الإحساس الجنسي ودرجات التلذذ الشهوي
4ـ ما لا يجوز للمرأة وما يجوز
5ـ مشاهد المجون والرقص والموسيقى والغناء والقمار


( 173 )

(1)
علاقة المسلم بسواه من غير المسلمين

الإسلام دين الاجتماع والتآلف والحب المتبادل ، والمسلم الملتزم هو الذي يطبق على نفسه وعائلته الظواهر الإنسانية التي يدعو إليها الدين الحنيف ، ومع اتساع خطوط الاتصال في شرق الدنيا وغربها ، تتلاحم القوى البشرية فيما بينها صلة ومعروفاً وإنسانية ، ولمّا كان الإسلام دين المودّة الخالصة والحب المتبادل ، وشريعته شريعة اليسر والسماح ، فما على المسلم من بأس أن يتخذ له أصدقاء وأحباء من غير المسلمين ، لا أولياء بالمعنى الشرعي المحدد ، فالصداقة شيء ، والموالاة شيء آخر ، وإباحة الصداقة لا تعني إباحة الموالاة ، وفي هذا الضوء فلا مانع من الاتصال المباشر وغير المباشر مع غير المسلمين ، إذا كانوا لا يعادون الإسلام ، وإنما هم من سائر الناس في الشعور والتفكير والمعاناة ، يحترمون شعائر الآخرين ، ولا يكيدون للإسلام والمسلمين ، وفي هذا المضمار قد تستحسن مجاملتهم بل والإحسان إليهم تحبيباً للإسلام من نفوسهم ، واحتفاءً بالمسلمين في شمائلهم ومشاعرهم ، وقد دأب سماحة سيدنا المفدى دام ظله


( 174 )

الشريف على استيعاب أكبر عدد متعاطف مع المسلمين من كل الجنسيات والديانات فذهب إلى طهارة الكتابيين من اليهود والنصارى ، ولكنه لم يترك الاحتياط الاستحبابي في الموضوع ، وكان سيدنا الإمام الحكيم قدس سره العظيم قد أفتى من ذي قبل بطهارتهم خلافاً للمشهور ، أما سيدنا السيستاني فقد أفتى : « وأما الكتابي : فالمشهور نجاسته ، ولكن لا يبعد الحكم بطهارته ، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه »(1). وقد حاول سيدنا المفدى أن تكون العلاقات العامة بين المسلمين وسواهم قائمة على أساس التفاهم والودّ البريء ، فسيّر بذلك الفتاوى الآتية ضمن الإجابة عن الأسئلة الموجهة لسماحته :
1ـ هل يجوز تبادل الودّ والمحبة مع غير المسلم ، إذا كان جاراً ، أو شريكاً في عمل ، أو ما شابه ذلك ؟
* إذا لم يظهر المعاداة للإسلام والمسلمين بقول أو فعل ، فلا بأس بالقيام بما يقتضيه الودّ والمحبّة من البرّ والإحسان إليه ، قال تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ).
2ـ هل يجوز السير في موكب جنازة غير مسلم لتشييعه ، إذا كان جاراً مثلاً ؟
* إذا لم يكن هو ، ولا أصحاب الجنازة ، معروفين
____________
(1) السيستاني | المسائل المنتخبة |82.
( 175 )

بمعاداتهم للإسلام والمسلمين ، فلا بأس بالمشاركة في تشييعه ، ولكن الأفضل المشي خلف الجنازة ، لا أمامها.
3ـ هل يجوز دخول أصحاب الديانات السابقة من الكتابيين ، ودخول الكفّار من غيرهم ، المساجد ودور العبادة الإسلامية ؟ وهل يجب علينا إلزام غير المحجبات بارتداء الحجاب ، ثم الدخول إذا كان دخولهن جائزاً ؟
* لا يجوز على الأحوط دخولهم في المساجد ، وأمّا دخولهم في دور العبادة وغيرها ، فلا بأس به ، وتلزم النساء بالتحجب ، إذا لزم من تركه الهتك.
4ـ هل يجوز التصدّق على الكفّار الفقراء كتابين كانوا أو غير كتابيين ؟ وهل يثاب المتصدّق على فعله هذا ؟
* لا بأس بالتصدق على من لا ينصب العداوة للحق وأهله ، ويثاب المتصدّق على فعله ذلك.
5ـ هل يجوز إزعاج الجار اليهودي ، أو الجار المسيحي ، أو الجار الذي لا يؤمن بدينٍ أصلاً ؟
* لا يجوز إزعاجه من دون مبرّر.
6ـ هل يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا كان المأمور ليس موالياً لأهل البيت ( عليهم السلام ) أو كان من الكتابيين الذين يحتمل التأثير فيهم مع الأمن من الضرر ؟
* نعم يجبان مع توفر بقية الشروط في وجوبهما ، ومنها أن لا يكون الفاعل معذوراً في ارتكاب المنكر أو ترك المعروف ،


( 176 )

ومن غير المعذور الجاهل المقصّر ، فيرشد إلى الحكم أولاً ، ثم يؤمر أو ينهى إن أراد مخالفته.
هذا ولو كان المنكر مما أحرز أن الشارع لا يرضى بوقوعه مطلقاً ، كالإفساد في الأرض ، وقتل النفس المحترمة ، ونحو ذلك فلا بد من الردع عنه ، ولو كان الفاعل جاهلاً قاصراً(1).
7ـ هل يجوز للمسلم أن يسرق من الكفّار في بلادهم ( أوروبا ) أو أن يحتال عليهم في أخذ الأموال بالطريقة المتعارفة لديهم ؟
* لا تجوز السرقة من أموالهم الخاصة والعامة ، وكذا إتلافها إذا كان ذلك يسيء إلى سمعة الإسلام والمسلمين بشكل عام ، وكذا لا يجوز إذا لم يكن كذلك ، ولكن عدّ غدراً ونقضاً للأمان الضمني المعطى لهم حين طلب رخصة الدخول في بلادهم ، أو طلب رخصة الإقامة فيها ، لحرمة الغدر ونقض الأمان بالنسبة إلى كل أحد(2).
8 ـ هذا ، ولو أن كتابياً أو كافراً محترم المال ، أو حربياً مباح المال ، قد أودع مسلماً وديعة ما ، فيجب ردها ، ويحرم خيانته بجحدها ، وإذا طالبه بها فالواجب عليه رفع يده عنها ، والتخلية بين المالك وبينها ، وهذه فتوى السيد : يجب ردّ الوديعة عند المطالبة في أول وقت الإمكان ، وإن كان المودّع كافراً محترم
____________
(1) فقه المغتربين |223 وما بعدها.
(2) المستحدثات من المسائل الشرعية |24.

( 177 )

المال ، بل وإن كان حربياً مباح المال ، فإنه تحرم خيانته ، ولا يصح تملك وديعته ولا بيعها على الأحوط ، والواجب عليه رفع يده عنها ، والتخلية بين المالك وبينها لا نقلها إلى المالك ، فلو كانت في صندوق مقفل أو بيت مغلق ففتحهما عليه فقال ها هي وديعتك خذها ، فقد أدى ما هو تكليفه ، وخرج عن عهدته(1).
____________
(1) السيد السيستاني | منهاج الصالحين 2|197.
( 178 )

(2)
الاختلاط المزدوج في المدارس والمسابح والحفلات

تقتضي مظاهر الحياة العامة ، وتفرض طبيعتها في أوروبا ، الاختلاط بين الجنسين في المعاهد والمدارس وحفلات الرقص والموسيقى وأضراب ذلك ، وهذا وإن اعتبر طبيعياً عند الأوروبيين ولكن عليه كثيراً من التحفظ والرفض عند المسلمين بعامة ، والملتزمين منهم بخاصة ، وقد عالج سماحة السيد دام ظله جملة من هذه المظاهر ، وشدد في النكير على الشاذ منها ، وما كان منها على سبيل لا يختلف مع سنة الدين أباحه ، وقد التزم دام ظله بالتفريق الدقيق بين الحالات التي قد تبدو متماثلة ولكنها في واقعها غير متماثلة ، وإن كانت متقاربة ، ولكنها تختلف في وجه أو وجوه ، ولك أن تلمس هذا من خلال الفتاوى الآتية :
1ـ هل يجوز اختلاف الجنسين في المدارس المتوسطة والثانوية إذا علم الإنسان أن ذلك الاختلاف سيؤدي حتماً في يوم ما إلى وقوع محرم لطالب أو طالبة ، ولو كان بالنظر المحرم ؟
* لا يجوز في الصورة المذكورة.


( 179 )

2ـ هل يجوز للرجل المسلم أن يذهب إلى المسابح المختلطة ، خصوصاً وأنهن قد ألقين جلباب العفاف عن أنفسهن ، وممن لا ينتهين إذا نهين ؟
* النظر من دون ريبة ولا تلذذ شهوي إلى المكشفات اللأئي لا ينتهين إذا نهين عن التكشف وإن كان جائزاً ، ولكن الحضور في هذه الأماكن الخلاعية غير جائز مطلقاً على الأحوط.
3ـ هل يجوز للساكنين في الغرب إرسال بناتهم المحجبات إلى مدارس مختلطة للتعلم في ظل إلزامية التعليم أو عدمها مع وجود مدارس غير مختلطة ولكنها غالية ، أو بعيدة ، أو ضعيفة المستوى ؟
* لا يجوز إذا كانت تفسد أخلاقهن فضلاً عما إذا كانت تضر بعقائدهن والتزامهن الديني كما هو كذلك عادة.
4ـ هل يجوز اصطحاب الفتيات اللواتي يدرسن مع الشاب المسلم في الجامعات الأجنبية لغرض التنزّه في السفرات السياحية وغيرها ؟
* لا يجوز ، إلا مع الأمن من الوقوع في الحرام.
5ـ مدرسة أوروبية في ملاكها مدرسون لا يؤمنون بدين ينكرون أمام التلاميذ وجود الله ، فهل يجوز إبقاء الطلاب المسلمين بها ، رغم أن تأثرهم بأساتذتهم محتمل جداً ؟
* لا يجوز ، وولي الطفل يتحمل كامل المسؤولية عن ذلك.


( 180 )

6ـ هل تجوز السباحة في مسبح مختلط من دون أن يكون القصد من السباحة هو التلذذ ؟
* لا يجوز الذهاب إلى أماكن الفساد مطلقاً على الأحوط.
7ـ هل يجوز قصد سواحل البحر والحدائق العامة في الأيام المشمسة للتنزه ، وفيها مشاهد مخلّة بالآداب العامة ؟
* لا يجوز مع عدم الأمن من الوقوع في الحرام.
8 ـ في بعض الدول يصافح القادم كل الجالسين حتى النساء دون تلذذ ، ولو امتنع عن مصافحة النساء أثار سلوكه الاستغراب ، وغالباً ما يعد إساءة للمرأة واحتقاراً لها ، مما ينعكس سلباً على نظرتهم إليه ، فهل يجوز مصافحتهن ؟
* لا يجوز ، وليعالج الموقف بترك مصافحة الجميع أو بلبس الكفوف مثلاً ، ولو لم يتيسر له ذلك ووجد أن في الامتناع عن المصافحة حرجاً شديداً لا يتحمل عادة ، جازت له عندئذ ، هذا كلّه على فرض ضرورة تدعو للحضور في مجلس كهذا ، وإلاّ فلو لم يمكنه اجتناب الحرام لم يجز له الحضور.
9ـ تعتبر المصافحة من وسائل التحية والسلام في البلدان الغربية ، وقد يؤدي تركها إلى الطرد أو الحرمان من فرص العمل أو الدراسة أحياناً ، فهل يجوز للمسلم مصافحة المرأة ؟ أو المسلمة مصافحة الرجل في الحالات الاضطرارية ؟
* إذا لم يمكن التخلص من الملامسة بلبس الكفوف أو نحوه جازت حيث يؤدي تركها إلى ضرر معتد به أو حرج شديد لا يتحمل عادة.


( 181 )

10ـ يدرس الطالب في المدارس الرسمية البريطانية وربما غيرها ، مادة تهتم بتعلم الطالب ( الرقص ) على أنغام موسيقى خاصة ، توجه حركات الراقصين أثناء الرقص :
أـ فهل يجوز حضور درسٍ كهذا ؟
ب ـ وهل يجب على الوالدين منع أولادهم من الحضور للدرس إذا رغب الشاب أو الشابة بذلك ؟
* أـ لا يجوز إذا كانت تؤثر سلباً على تربيتهم الدينية ـ كما هو الغالب ـ بل مطلقاً على الأحوط.
ب ـ نعم يجب.
11ـ هل يجوز إقامة حفلات راقصة ، يرقص فيها كل زوج مع زوجته فقط على أنغام موسيقى هادئة ، وبملابس غير مبتذلة ؟
* لا يجوز.
12ـ هل يجوز رقص النساء أمام النساء ، أو رقص الرجال أمام الرجال ، في حفلة غير مختلطة مع الموسيقى أو بدونها.
* رقص النساء أمام النساء ، أو رقص الرجال أمام الرجال محل إشكال ، فالأحوط تركه ، وقد مرّ حكم الموسيقى.
13ـ تجبر المدارس في بعض البلاد الغربية الطلاب والطالبات على تعلم فن الرقص ، هذا الرقص ليس مقترناً بالغناء المتعارف ، وليس من أجل اللهو ، وإنما هو جزء من المادة الدراسية ، فهل يحرم على الآباء السماح لأبنائهم وبناتهم بالحضور في هذه الدروس ؟


( 182 )

* نعم يحرم ، إذا كانت تنافي التربية الدينية ، بل مطلقاً على الأحوط مع فرض بلوغ المتعلم ، إلا إذا كانت له حجة شرعية على جواز تعلمه ـ كأن كان يقلّد من يفتي بالجواز ـ فإنه لا مانع حينئذٍ من السماح له بذلك(1).
14ـ هل يجوز للرجل المسلم أن يذهب للمسابح المختلطة ( رجالاً ونساءً ) من دون قصد الريبة ، خصوصاً وأنهن قد ألقين جلباب العفاف عن أنفسهن ، وممن لا ينتهين إذا نهين ؟
* النظر دون ريبة ولا تلذذ شهوي إلى المكشفات اللائي لا ينتهين إذا نهين عن التكشف وإن كان جائزاً ، ولكن الحضور في هذه الأماكن الخلاعية غير جائز مطلقاً على الأحوط.
15ـ هل يجوز للمسلم أن يرسل ابنه إلى إحدى المعاهد الموسيقية لتعلم فنون الموسيقى كفن على شرط أن لا يستعمل فنه في الحرام ؟
* لا مانع من تعلم الموسيقى المحللة في حد ذاته ، ولكن لإرسال الأطفال إلى المعاهد الموسيقية لا بد من إحراز أن ذلك لا يؤثر سلباً على نشئتهم الدينية ، والله العالم(2).
16ـ هل يجوز للمرأة المسلمة الالتحاق بالكليات المختلطة في الغرب، رغم وجود تحلل في سلوك بعض الطلاب والطالبات هناك؟
____________
(1) فقه المغتربين | 225ـ227 ، 266 ، 291 ، 319 ، 320.
(2) المستحدثات من المسائل الشرعية | 25 ، 17.

( 183 )

* إذا كانت تثق مع ذلك بتمكنها من الحفاظ على سلامة دينها ، والقيام بالتزاماتها الشرعية ومنها الحجاب ، والتجنب عن النظر واللمس المحرمين ، وعدم التأثر بما يحيط بها من أجواء التحلل والانحراف ، فلا بأس به ، وإلاّ لم يجز(1).
____________
(1) فتوى خطية في حوزة المؤلف | وانظر : فقه المغتربين 304.
( 184 )

(3)
الإحساس الجنسي ودرجات التلذذ الشهوي

الحاجة إلى الجنس حاجة فسلجية لا تقل عن حاجة الجسم إلى الغذاء والماء ، ولقد ذهب الدور الذي يتحاشى فيه الفقيه الخوض في موضوعاته الصارخة ، وعاد من المنطق الالتفات إلى مجمل مشكلاته الكبرى ، ووضع الحلول المناسبة لها في ضوء معطيات الشريعة الغراء.
وقد كثر القول في رسائل الفقهاء : النظر بلا ريبة ، النظر دون شهوة ، النظر دون تلذذ ، النظرة المحرمة ، النظرة الأولى ، النظرة الثانية ، التلذذ الشهوي ، الإحساس الجنسي ، التلذذ الجنسي ، وأمثال ذلك من التعبير الفقهي المهذّب الذي لا يجرح عاطفة ، ولا يمس شعوراً بخدش ، وكل ذلك من التعبير الرقيق الذي يناسب موضوعه الرقيق أيضاً.
ولقد وجهت إلى سماحة سيدنا المفدى أطال الله أيام إفاضته الشريفة ، عدة استفتاءات من شرق الأرض وغربها ، فكان دقيقاً في الإجابة ، رفيقاً بالمشاعر ، ناهضاً بعبء المسؤولية


( 185 )

الشرعية ، ومن أبرز فتاواه ما أحاول أن أضعه أمامك مع أسئلته المثيرة أحياناً عملاً بالقاعدة الأصل : لا حياء في الدين.
1ـ ما هو حدّ اللذة المحرمة ؟
* أدنى حدّها ـ إن أريد بالحدّ المرتبة ـ هو أول درجة من الإحساس الجنسي.
2ـ في حرمة النظر للمرأة ترد عبارات غير واضحة الحدود عند الكثيرين. فما معنى الريبة والتلذذ والشهوة ؟ يرجى إيضاح ذلك للمكلفين ، وهل هذه كلها بمعنى واحد ؟
* التلذذ والشهوة يراد بهما التلذذ الجنسي الشهوي لا مطلق التلذذ ، ولا التلذذ الجبلّي للبشر الحاصل من النظر إلى المناظر الجميلة ، والمراد بالريبة خوف الافتتان والوقوع في الحرام.
3ـ ما المقصود بالقول المأثور ( النظرة الأولى لك والثانية عليك ) وهل يجوز إطالة النظرة الأولى للمرأة والتمعن بها بحجة أنها لا زالت نظرة أولى جائزة كما يدعّي البعض ؟
* الظاهر أن المقصود بالقول المذكور هو التفريق بين النظرتين من حيث الأولى اتفاقية عابرة فتكون بريئة ، ولا يقصد بها التلذذ الشهوي ، بخلاف الثانية فإنها تكون مقصودة وهادفة طبعاً ، فتقترن بنوع من التلذذ ، وبذلك تكون خسارة ، ومن هنا ورد في بعض النصوص عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) أنه قال « النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة ».
وكيفما كان ، فمن الواضح أن القول المذكور ليس في مقام تحديد النظر السائغ على أساس العدد بحيث يعني تجويز النظرة


( 186 )

الأولى وإن كانت هادفة وغير بريئة في أول حدوثها ، أو انقلبت إلى ذلك في حالة بقائها واستمرارها ، لأن الناظر لا تطاوعه نفسه من غمض النظر عن المنظور إليها ، وتحريم النظرة الثانية وإن كانت للحظة واحدة بلا تلذذ أصلاً(1).
لقد اقتصر النظر بغير شهوة على المحارم والمُماثل في الشرعية ، وبشهوة على الزوجة فحسب ، وههنا مسائل أدلى بها سماحة السيد دام ظله :
1ـ يجوز للرجل أن ينظر إلى جسد محارمه ـ ما عدا العورة ـ من دون تلذذ شهوي ولا ريبة ، والمراد بالمحارم من يحرم عليه نكاحهن أبداً من جهة النسب أو الرضاع او المصاهرة دون غيرها كالزنا واللواط واللعان.
2ـ لا يجوز للرجل أن ينظر إلى ما عدا الوجه والكفين من جسد المرأة الأجنبية وشعرها ، سواء أكان بتلذذ شهوي أو مع الريبة أم لا ، وكذا إلى الوجه والكفين إذا كان النظر بتلذذ شهوي أو مع الريبة ، وأما بدونهما فلا يبعد جواز النظر ، وإن كان الأحوط تركه أيضاً.
3ـ يحرم على المرأة النظر إلى بدن الرجل الأجنبي بتلذذ شهوي أو مع الريبة ، بل الأحوط لزوماً أن لا تنظر إلى غير ما جرت السيرة على عدم الالتزام بستره كالرأس واليدين والقدمين ونحوها وإن كان بلا تلذذ شهوي ولا ريبة ، وأما نظرها إلى هذه
____________
(1) فقه المغتربين | 285 وما بعدها.
( 187 )

المواضع من بدنه من دون ريبة ولا تلذذ شهوي فالظاهر جوازه ، وإن كان الأحوط تركه أيضاً.
4ـ يجوز لمن يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إلى محاسنها كوجهها وشعرها ورقبتها وكفّيها ومعاصمها وساقيها ونحو ذلك ، ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها ورضاها.
نعم يشترط : أن لا يكون بقصد التلذذ الشهوي وإن علم أنه يحصل بالنظر إليها قهراً. وأن لا يخاف الوقوع في الحرام بسببه. كما يشترط أن لا يكون هناك مانع من التزويج بها فعلاً مثل ذات العدة وأخت الزوجة . ويشترط أيضاً أن لا يكون مسبوقاً بحالها ، وأن يحتمل اختيارها وإلاّ فلا يجوز ، والأحوط وجوباً الاقتصار على ما إذا كان قاصداً التزويج بها بالخصوص فلا يعم الحكم ما إذا كان قاصداً لمطلق التزويج ، وكان بصدد تعيين الزوجة بهذا الاختبار ، ويجوز تكرر النظر إذا لم يحصل الاطلاع عليها بالنظرة الأولى.
5ـ يجوز سماع صوت الأجنبية مع عدم التلذذ الشهوي ولا الريبة ، كما يجوز لها إسماع صوتها للأجانب إلاّ مع خوف الوقوع في الحرام ، نعم لا يجوز لها ترقيق الصوت وتحسينه على نحو يكون عادة مهيجاً للسامع ، وإن كان محرماً لها(1).
وهناك أسئلة أجاب عنها سماحة سيدنا دام ظله في ضوء متطلبات الحياة العامة ، ولكنها متقيدة بالشروط نفسها في عدم
____________
(1) السيد السيستاني | منهاج الصالحين 3|12 ـ 15.
( 188 )

التلذذ الشهوي ، أو الريبة المحرمة ، أو الأفتان.
1ـ هل يجوز التحدث مع النساء حديثاً غزلياً دون ريبة أو تلذذ ؟
* لا يجوز على الأحوط.
2ـ هل يجوز التغزل نظماً أو نثراً بامرأة غير معينة أو بالنساء عموماً ؟
* إذا خلا عن تمني الحرام ونحوه ، ولم تترتب عليه مفسدة أخرى ، فلا بأس به.
3ـ هل يجوز التحدث مع النساء من دون تلذّذ شهوي وبقصد الاقتناع بواحدة منهن ، ثم طلب عقد الزواج المؤقّت منها ؟
* إذا خلا الحديث عمّا لا يجوز التحدث بشأنه مع المرأة الأجنبية ، فلا مانع منه.
4ـ هل يجوز النظر لصورة أمرأة محجبة معروفة ظهرت في الصورة دون حجاب.
* الأحوط ترك النظر إلى ما سوى الوجه والكفين منها ،أما هما فيجوز من دون ريبة أو تلذذ شهوي.
5ـ هل يجوز النظر إلى صورة لصبية أجنبية وهي الآن بالغة ومحافظة على سترها ؟
* إذا كانت الصورة لا تطابقها وهي بالغة لتغيّر أوصافها فلا يبعد جواز النظر إلى الصورة في حد ذاته وأما لو كانت


( 189 )

تطابقها فالاحوط وجوباً ترك النظر. نعم النظر إلى الوجه والكفين من الصورة لا مانع منه.
6ـ تصنع بعض الشركات جهازاً يشبه مهبل المرأة يضعه بعض الرجال على أجهزتهم التناسلية أثناء النوم للذة ، فهل يعدّ هذا من أنواع الاستمناء المحرّم ؟
* حرام إذا استتبع الإمناء مع كونه مقصوداً له ، أو كان من عادته ذلك ، بل الأحوط لزوماً الاجتناب عنه حتى مع الاطمئنان بعدم حصول الأمناء.
8 ـ ما حكم عناق الرجل للرجل بشهوة ، وتقبيل بعضهم بعضاً مع الالتذاذ الجنسي ، وماذا لو زاد الأمر عن هذا الحد ؟ فدخل في خانة الفعل الشاذ ؟
* يحرم ذلك كله ، وإن تفاوت في درجات الحرمة(1).
____________
(1) فتاوى خطية بحوزة المؤلف ، وانظر : فقه المغتربين | 287 ـ 292.