كتاب فقه الحضارة ص 108 ـ ص 120


الفصل الثالث
تخطيط المدن واستصلاح الأراضي


1ـ الشوارع العامة في مظاهرها المتعددة
2ـ الطرق المشتركة في الإعمار والأستثمار
3ـ الشوارع المفتوحة من قِبل الدولة
4ـ المياه والأنهار والآبار والعيون
5ـ إحياء الأرض الموات


( 109 )

(1)
الشوارع العامة في مظاهرها المتعددة

يتحقق لغة واصطلاحاً اسم الشارع العام ، إذا توافرت المواصفات السكانية والعمرانية والتخطيطية فيه كالآتي :
1ـ كثرة الاستطراق والتردد ومرور القوافل في الأرض المَوَات.
2ـ جعل الإنسان ملكه شارعاً وتسبيله تسبيلاً دائمياً لسلوك عامة الناس ، فإنه يصير طريقاً.
وليس للمسبّل الرجوع بعد ذلك.
3ـ قيام شخص أو جهة بتخطيط طريق في الأرض الموات وتعبيده وجعله طريقاً لسلوك عامة الناس.
4ـ إحياء جماعة أرضاً مواتاً وتركهم طريقاً نافذاً بين الدور والمساكن(1).
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 2|269.
( 110 )

والشارع قد يتسع عرضاً وقد يتضيق ، ولكل منهما أحكامه الخاصة كما سيأتي ، وقد يكون مسبّلاً وقد يكون أحياءً ولكل منهما أحكامه الخاصة به كما سترى ، وقد تستمر به المارّة في الاستطراق وقد تنقطع ، وكل له أحكامه ، وقد فصل سماحة السيد دام ظله الشريف القول في كل ذلك ، وكشف المجهول في ارتياد مظان البحث الموضوعي ، والمسائل الآتية فتوائياً تضع الشيء في نصابه :
1ـ لو كان الشارع العام واقعاً بين الأملاك فلا حدّ له ، كما إذا كانت قطعة أرض موات بين الأملاك عرضها ثلاثة أذرع أو أقلّ أو أكثر ، واستطرقها الناس حتى أصبحت جادة ، فلا يجب على المالكين توسيعها ، وإن تضيقت على المارة.
وكذا الحال فيما لو سبّل شخصٌ في وسط ملكه ، أو من طرف ملكه المجاور لملك غيره مقداراً لعبور الناس.
2ـ إذا كان الشارع العام محدوداً بالموات من أحد طرفيه أو كليهما ، وكان عرضه أقلّ من خمسة أذرع ، لم يجز إحياء الأراضي المتصلة به بحيث يبقى ضيّقاً على حاله بل لا بد من مراعاة أن لا يقلّ الفاصل المشتمل عليه عن خمسة أذرع ، والأفضل أن لا يقلّ عن سبعة أذرع ، فلو أقدم أحدُ على إحياء حريمه متجاوزاً على الحد المذكور لزم هدم المقدار الزائد.
هذا إذا لم يلزم ولي المسلمين حسب ما يراه من المصلحة أن يكون الفاصل أزيد من خمسة أذرع ، وإلاّ وجب أتّباع أمره ، ولا يجوز التجاوز على الحد الذي يعيّنه.


( 111 )

3ـ إذا انقطعت المارّة عن الطريق ولم يرج عودهم إليه جاز لكل أحد إحياؤه ، سواء أكان ذلك لعدم وجودهم ، أو لمنع قاهر أياهم ، أو لهجرهم إياه واستطراقهم غيره ، أو لغيرها من الأسباب. هذا إذا لم يكن مسبّلاً ، وإلاّ ففي جواز إحيائه من دون مراجعة ولي الأمر إشكال.
4ـ إذا زاد عرض الطريق عن خمسة أذرع ، فإن كان مسبّلاً لم يجز لأحد اقتطاع ما زاد عليها وإخراجه عن كونه طريقاً ، وأمّا أذا كان غير مسبّل فإن كان الزائد مورداً لاستفادة المستطرقين ـ ولو في بعض الأحيان والحالات ـ لم يجز ذلك أيضاً ، وإلاّ في جوازه إشكالٌ ، والأحوط العدم(1).
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 2|269 ـ 270.
( 112 )

(2)
الطرق المشتركة في الإعمار والاستثمار

يشترك المسلمون في الإفادة من الطرق العامة النافذة اشتراكاً فعلياً في الإعمار والاستثمار شريطة أن لا يضر بالمستطرقين سلوكاً واستطراقاً وعائدية ، والطريق بعامة على قسمين : نافذ وغير نافذ ، وقد أولى الشرع الشريف عناية فائقة بالقسمين.
أولاً : الطريق النافذ ، وهو الشارع العام ؛ والناس فيه شرع سواء ، ولا يجوز التصرف لأحد في أرضه ببناء حائط ، أو حفر بئر ، أو شق نهر ، أو نصب دكة ، أو غرس أشجار ونحو ذلك ، وإن لم يكن مضرّاً بالمستطرقين ، نعم لا بأس بما يعدّ من مكملاته ومحسناته ، ومنها : أن يشق فيه المجاري لتجتمع فيها مياه الأمطار ونحوها ، ومنها أن يجعل فيه حاويات الأزبال والنفايات ، ومنها غرس الأشجار ، ونصب المضلات وأعمدة الإنارة في الأماكن المناسبة منه كما هو المتعارف بالنسبة إلى جملة من الشوارع والطرق في العصر الحاضر ، فإن هذا كله مما لا بأس به إذا لم يكن مضراً بالمستطرقين.


( 113 )

وههنا مسائل محكمة في الموضوع :
1ـ يجوز الاستفادة من فضاء الطرق النافذة والشوارع العامة بإحداث جناح أو نحوه إذا لم يكن مضراً بالمستطرقين بوجه ، وليس لأحد منع القائم بذلك حتى صاحب الدار المقابلة ، وإن استوعب الجناح عرض الطريق بحيث كان مانعاً عن إحداث جناح في مقابله ما لم يضع منه شيئاً على جداره ، نعم إذا استلزم الإشراف على دار الجار ففي جوازه إشكال ، وإن قيل بجواز مثله في تعلية البناء في ملكه ، فلا يترك الاحتياط.
2ـ لو أحدث جناحاً على الشارع العام ثم انهدم أو هُدم ؛ فإن كان من قصده تجديده ثانياً ؛ فالظاهر أنه لا يجوز للطرف الآخر إشغال ذلك القضاء ، وإن لم يكن من قصده تجديده جاز له ذلك.
3ـ لو أحدث شخص جناحاً على الطريق العام فلا إشكال في أنه يجوز للطرف المقابل إحداث جناح آخر في طرفه سواء أكان أعلى من الجناح الأول أو أدنى منه ، أو موازياً له ، بشرط أن لا يكون مانعاً بوجه من استفادة الأول من جناحه كما هو الحال في الشوارع الوسيعة جداً.
وأمّا إذا كان مانعاً منها ولو بلحاظ إشغال الفضاء الذي يحتاج إليه صاحب الجناح الأول بحسب العادة ، ففي جواز إحداثه من دون إذنه إشكال بل منع.
4ـ كما يجوز إحداث الأجنحة على الشوارع العامة يجوز فتح الأبواب المستجدة فيها سواء أكانت له باب أخرى أم لا ،


( 114 )

وكذا فتح الشبابيك والروازن عليها ، ونصب الميزاب فيها ، وكذا بناء ساباط عليها إذا لم يكن معتمداً على حائط غيره مع عدم إذنه ، ولم يكن مضرّاً بالمارة ولو من جهة الظلام ، وإذا فرض أنه كما يضرهم من جهة ينفعهم من جهة كالوقاية من الحرّ والبرد ، فلا بدّ من مراجعة ولي الأمر ليوازن بين الجهتين ، ويراعي ما هو الأصلح ، وكذا يجوز نقب سرداب تحت الجادة مع إحكام أساسه وبنيانه وسقفه بحيث يؤمن من الثقب والخسف والانهدام(1).
ثانياً : الطريق غير النافذ ، وهو الذي لا يسلك منه إلى طريق آخر ، أو أرض مباحة ، لكونه محاطاً بالدور من جوانبه الثلاثة ، وهو المسمى بالسكة المرفوعة ( الدريبة ) هذا الطريق عائد إلى مستطرقيه ، وهم أرباب الدور المفتوحة أبوابها إليه ، دون كل من كان حائط داره إليه ، وهو مشترك بينهم في حق الاستطراق بمقدار ما يشتركون في استطراقه ، فيكون أوله مشتركاً بين جميعهم ، ويقل عدد الشركاء كلما قرب إلى آخره ، وربما ينحصر ذو الحق في واحد ، وهو فيما إذا اختص آخر الدريبة بفتح باب واحد إليه.
هذا إذا لم يعلم كون الدريبة عائدة لبعضهم بالخصوص ، أو عائدة للجميع على وجه التساوي أو التفاضل وإلا ترتبت أحكامه. وههنا مسائل في المقام :
1ـ لا يجوز لمن له باب في الدريبة فتح باب آخر فيها أُدخِل من الباب الأول ، سواء مع سدّ الباب الأول أم بدونه ، إلا
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 2|266 ـ 267.
( 115 )

مع الاستئذان في ذلك ممن له حق الاستطراق في المكان الثاني من أرباب الدور.
2ـ لا يجوز لمن كان حائط داره إلى الدريبة إحداث جناح ، أو بناء ساباط ، أو نصب ميزاب ، أو ثقب سرداب ، أو غير ذلك من التصرفات فيها إلا بإذن أربابها ، كما لا يجوز له فتح باب إليها للاستطراق إلا بإذنهم ، نعم له فتح ثقبة وشباك إليها ، وأما فتح باب لا للاستطراق بل لمجرد التهوية أو الاستضاءة فلا يخلو عن إشكال.
3ـ يجوز لكل من أصحاب الدريبة استطراقها والجلوس فيها من غير مزاحمة المستطرقين ، وكذا التردد منها إلى داره بنفسه وعائلته وضيوفه وكل ما يتعلق بشؤونه من دون إذن باقي الشركاء وإن كان فيهم القصّر ، ومن دون رعاية المساواة معهم(1).
وأما الانتفاع العام فمظنته الشوارع العامة ، إذ يجوز لكل أحد الجلوس فيها أو النوم أو الصلاة أو البيع أو الشراء أو نحو ذلك ما لم يكن مزاحماً للمستطرقين ، وليس لأحد منعه عن ذلك وإزعاجه.
وههنا ثلاث مسائل :
1ـ إذا جلس أحد في موضع من الطريق ثم قام عنه ، فإن كان جلوسه جلوس استراحة ونحوها جاز لغيره أن يشغل موضع جلوسه ، وإن كان لحرفة ونحوها فإن كان قيامه بعد استيفاء
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 2|267 وما بعدها.
( 116 )

غرضه ، أو أنه لا ينوي العود كان الحال كذلك وليس للأول منعه ، وإن كان قيامه قبل استيفاء غرضه وكان ناوياً للعود فعندئذٍ إن بقي منه فيه متاع أو رحل أو بساط لم يجز لغيره إزاحته وإشغال ذلك الموضع ، وإلا ففي جوازه إشكال ، والاحتياط لا يترك فيما إذا كان في يوم واحد ، وأما إذا كان في يوم آخر فالظاهر إنه لا إشكال في جوازه.
2ـ كما لا يجوز مزاحمة الجالس في موضع جلوسه ، كذلك لا يجوز مزاحمته فيما حوله قدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه ووقوف المتعاملين فيه ، بل ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع من رؤية متاعه أو وصول المتعاملين إليه.
3ـ يجوز للجالس للمعاملة أو نحوها أن يظل على موضع جلوسه بما لا يضر المارة بثوب أو بارية أو نحوهما ، وليس له بناء دكة ونحوها فيه(1).
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 2|268 وما بعدها.
( 117 )

(3)
الشوارع المفتوحة من قبل الدولة

بغية تخطيط المدن تخطيطاً عمرانياً ، ونتيجة للكثافة السكانية ، وحلاً لظاهرة تزاحم المواصلات ، فقد تلجأ الدول إلى فتح الشوارع العامة فتستملك الدور والعقارات ، وتعوّض عادة المالكين ، وقد يشمل هذا الفتح المساجد والمعابد ضمن مساحات تلك الأراضي المستملكة ، ويترتب على ذلك حكم هذه الأرض ، فهل ترتب عليها آثار المسجدية أو آثار الوقفية ، وكيف ؟ وما هو شأن أنقاضها في الأحكام ، فهل تصرف بأعيانها على عمارة مسجد آخر ، وهل يجوز بيعها من قبل المتولي إذا رأى المصلحة في ذلك ، وإلى ماذا تكون عائدية ثمنها ، فهل تصرف على مسجد آخر ، أم تعود للأوقاف العامة ، وما هو شأن المقابر الموجودة في تلك الطرق ، وما هو شأن المدارس والحسينيات الواقعة في الشوارع أو المتبقي شيء منها في أرصفتها المستحدثة ، وأخيراً ما هو حكم الاستطراق والمرور ، وأحكام الفضلات المتصلة بالأرصفة ، وغير هذا ما تجيب عليه المسائل الآتية المعبرة عن الحكم الشرعي عند سماحة السيد دام ظله.


( 118 )

1ـ يجوز استطراق الشوارع والأرصفة المستحدثة الواقعة على الدور والأملاك الشخصية للناس التي تستملكها الدولة وتجعلها طرقاً . نعم من علم أن موضعاً خاصاً منها قد قامت الدولة باستملاكه قهراً على صاحبه من دون إرضائه بتعويض أو ما بحكمه ، جرى عليه حكم الأرض المغصوبة ، فلا يجوز له التصرّف فيه حتى بمثل الاستطراق إلا مع استرضاء صاحبه أو وليّه ـ من الأب أو الجدّ أو القيّم المنصوب من قبل أحدهما ـ فإن لم يعلم صاحبه جرى عليه حكم المجهول مالكه ، فيراجع بشأنه الحاكم الشرعي ، ومنه يظهر حكم الفضلات الباقية منها ، فإنه لا يجوز التصرف فيها إلا بإذن أصحابها.
2ـ يجوز العبور والمرور من أراضي المساجد الواقعة في الطرق ، وكذا يجوز الجلوس فيها ونحوه من التصرفات ، وهكذا الحال في أراضي الحسينيات والمقابر وما يشبههما من الأوقاف العامة.
وأما أراضي المدارس وما شاكلها ففي جواز التصرّف فيها بمثل ذلك لغير الموقوف عليهم إشكال.
3ـ المساجد الواقعة في الشوارع والأرصفة المستحدثة لا تخرج عرصتها عن الوقفية ، ولكن لا تترتب عليها الأحكام المترتبة على عنوان المسجد الدائرة مداره وجوداً وعدماً ، كحرمة تنجيسه ، ووجوب إزالة النجاسة عنه ، وعدم جواز مكث الجنب والحائض والنفساء فيه ، وما شاكل ذلك.
وأمّا الفضلات الباقية منها ، فإن لم تخرج عن عنوان


( 119 )

المسجدية ترتبت عليها جميع أحكامه ، وأمّا إذا خرج عنه ـ كما إذا جعلها الظالم دكّاناً أو محلاً أو داراً ـ فلا تترتب عليها تلك الأحكام ، ويجوز الانتفاع منها بجميع الانتفاعات المحللة الشرعية إلاّ ما يعدّ منها تثبيتاً للغصب ، فإنه غير جائز.
4ـ الأنقاض الباقية من المساجد بعد هدمها ـ كأحجارها وأخشابها ، وآلاتها : كفرشها ، ووسائل إنارتها وتبريديها وتدفئتها ـ إذا كانت وقفاً عليها وجب صرفها في مسجد آخر ، فإن لم يمكن ذلك جعلت في المصالح العامة ، وإن لم يمكن الانتفاع بها إلا ببيعها باعها المتولي أو من بحكمه وصرف ثمنها على مسجد آخر.
وأمّا إذا كانت أنقاض المسجد ملكاً له ، كما لو كانت قد اشتريت من منافع العين الموقوفة على المسجد ، فلا يجب صرف تلك الأنقاض بأنفسها على مسجد آخر ، بل يجوز للمتولي أو من بحكمه أن يبيعها إذا رأى المصلحة في ذلك ، فيصرف ثمنها على مسجد آخر.
وما ذكرناه من التفصيل يجري أيضاً في أنقاض المدارس والحسينيات ونحوهما من الأوقاف العامة الواقعة في الطرقات.
5ـ مقابر المسلمين الواقعة في الطرق : إن كانت من الأملاك الشخصية أو من الأوقاف العامة ، فقد ظهر حكمها ممّا سبق ، هذا إذا لم يكن العبور والمرور عليها هتكاً لموتى المسلمين ، وإلاّ فلا يجوز.
وأمّا إذا لم تكن ملكاً ولا وقفاً فلا بأس بالتصرف فيها ما


( 120 )

لم يكن هتكاً. ومن ذلك يظهر حال الأراضي الباقية منها ، فإنها على الغرض الأول لا يجوز التصرف فيها وشراؤها إلا بإذن مالكها.
وعلى الغرض الثاني لا يجوز ذلك إلا بإذن المتولي ومن بحكمه ، فيصرف ثمنها في مقابر أخرى للمسلمين مع مراعاة الأقرب فالأقرب على الأحوط.
وعلى الغرض الثالث ، يجوز ذلك من دون حاجة إلى إذن أحد ، ما لم يستلزم التصرّف في ملك الغير كآثار القبور المهدّمة(1).
____________
(1) السيستاني | منهاج الصالحين 1|462 وما بعدها.