كتاب كشف الغطاء ::: 81 ـ 90
(81)
الباب الخامس
في المعالجات المختصّة
برذائل القوّة العاقلة
وذكر ما يقابلها من الفضائل


(82)
     قد أشرنا إلى أنّ العلم بالفضيلة ومحاسنها أعون شيء على إزالة ضدّها ، فإنّ تقوية أحد الضدّين يوجب ضعف الآخر ، كما أنّ ضعف الآخر يستلزم تقويته ، وأيضاً فإنّ التخلّي عن الرذائل كما أنه مأمور به لقبحها وايجابها للهلاكة ، فكذا التحلي بالفضائل مرغوب فيه لحسنها واستلزامها السعادة ، بل ربّما كان الثاني أهمّ وأشرف ، وإن كان متأخرّاً عن الأوّل في الوجود ، فإنّ قبح الرذيلة والمنع عن التّصاف بها ليس غالباً الا لقبح لوازمها وفساد آثارها المترتّبة عليها ، وحسن الفضيلة لذاتها وإن ترتّبت عليها الآثار الحسنة أيضاً الا أنّ الفرق بينهما بحسب التعقّل والاعتبار ، لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر في الخارج ، ولذا عدّ كلّ منهما علاجاً للآخر ، ولأجل تأخّرها في الوجود عنها ناسب ذكرها عقيب ما يقابلها من الرذائل مع بيان ماهيّتها وما يكون باعثاً لتحصيلها مع الحثّ عليها حتّى يكون معيناً للطالب عليه ومحرّكاً له إليه ، حيث إنّها المطلوب الحقيقي ، وبها يستعان على معالجة تلك الرذائل أيضاً ، فهنا مقامان :


(83)
المقام الأوّل
في ذكر الرذائل ومعالجاتها
     وإذ قد عرفت أنّ لكلّ فضيلة رذيلتين جنساً ولهما أنواع ولوازم كثيرة لاتحصى ، فلابدّ من ذكر الجنسين من رذائل العاقلة مع ماهو من أعظم أنواعها ولوازمها في عدّة فصول :

فصل
     أوّل الجنسين الجربزة الباعثة لعدم الوقوف على شيء وعدم الاستقرار عليه فيؤدّي إلى الإلحاد وفساد الاعتقاد في الأصول وإلى الوسواس في الفروع ، وينجرّ بسببه إلى الحرمان من معظم الطاعات والعبادات ـ وعلاجها ـ بعد التذكّر لقبحها وما يترتّب عليها من المفاسد ، وما دلّ على مدح العلم وشرفه ، وذمّ الجهل ونقصه ، حيث إنّه خلوّ النفس عن الجزم بما يطابق الواقع سواء خلت عن مطلق الجزم خاصّة ، أو مع الشكّ أيضاً ، أو اشتملت عل الجزم بما يخالفه فيشمل الجنسين معاً ـ هو عرض ما فهمه على الأفهام السليمة والأذهان المستقيمة وعقائد أهل الحقّ والأخذ بما وافقها وطرح ما خالفها ، ولايزال يكرّر ذلك مكلّفاً نفسه عليه حتّى تعتاد بالقيام على الوسط. وربّما كان الاشتغال في العلوم الرياضيّة من الحساب والهندسة والاعتياد عليها نافعاً في رفع هذا المرض. ولما كان الغالب من حال من ابتلي بها الشكّ والحيرة ، فكلّ ما يعلج به ذاك فهو علاجها.

فصل
     ثاني الجنسين البلادة المستلزمة لخلوّ النفس عن العلم أيضاً ، وهو


(84)
الجهل ، وعلاجها ـ بعد التذكّر لما يستلزمه من النقص وعدم الوصول إلى المارف الحقّة ، وما يدلّ على شرف العلم وقبح الجهل عقلاً ونقلاً ـ تصقيل الذهن بالفكر دائماً مع رياضة النفس بالتقليل في المنام والمطعم مع الاحتراز عن الأطعمة المبخّرة الغليظة رأساً والجماع ، فإنّ كثرته تورث البلادة والنسيان ، وكذا سائر المشتهيات الشاغلة للنفس عن الفكر والنظر ، مع التضرّع والابتهال والاستمداد من النفوس القدسيّة والاجتهاد في ذلك إلى أن يفتح الله عليه أبواب فيضه وفضله ، قال تعالى : « والّذين جاهدوافينا لنهدينّهم سبلنا ». (1)
     وقد جرّبنا أنّ كثيراً نم المحصّلين في بدو اشتغالهم كانوا في غاية البلاهة وجمود القريحة ، ثمّ وصلوا بالرياضة والفكر إلى أعلى مراتب الفضيلة.

فصل
     الجنس الشامل لهما الجهل أي خلوّ النفس عن العلم وأحسن أنواعه البسيط منه وهو في بدو الخلقة غير مذموم لكونه فطريّاً ، ولتوقف التعلّم عليه ، لكن الثبات عليه من المهلكات. وعلاجه ـ بعد التذكّر لما يدلّ على ذمّه من الآيات والأخبار الكثيرة ومدح العلم وشرفه ممّا سيذكر نبذ منها في المقام الثاني ـ أن يتفكّر فيما يترتّب عليه من القبائح عقلاً ، فيتأمّل في أنّ شرافة الانسان على سائر الحيوانات بخاصيته المختصّة به ، رأي النطق وقوّة التمييز كما أشرنا إليه ، فإذا كان عادماً لها كان منها.
     وممّا يزيده كشفاً أنّه لو جلس والحال هذه في مجلس العلماء لم يقدر على الخوض معهم فيما يتذاكرون ، ولم يكن له بدّ عن السكوت والتألّم من العجز عن درك ما يتحاورون ، فما أشبه ما كان يتنطق به في غير ذلك المجلس بأصواب البهائم ، إذ لو كان نطقاً حقيقياً لكان قادراً على استعماله مع أولئك
1 ـ العنكبوت : 69.
(85)
الأعاظم ، وما أحراه حينئذ أن يكون أطلاق الانسان عليه كإطلاقه على التماثيل المنصوبة في الجدران ، بل لو كان منصفاً اعترف بأنّه ليس من هو أدون منه في عالم الأكوان ، لتنزّله بفقد خواصّ الانسانيّة عن مرتبتها ، فهو من هذه الحيثيّة يشبه البهائم.
     وتنزّله بوجود الخواصّ البهيميّة التي هي غاية وجودها فيها وفقد ما هو غاية وجوده فيه عن المرتبة البهيميّة فهو من هذه الحيثية يشبه الجمادات.
     وتنزّله عن المرتبة الجمادية بظهور غايات وجود الجمادات فيها دونه وهكذا.
     وأدون أنواعه المركّب ، أي خلوّ النفس عن العلم بالشيء والعلم بأنّه لا يعلمه ، وعلاجه في غاية الصعوبة ، إذ مالم ينكشف للنفس خلوّها عن الكمال لم تمل إلى نيلها ، فتبقى على ضلالتها مادامت متعلّقة بالبدن.
     وأنفع شيء في علاجه إن كان الباعث عليه اعوجاج السليقة تعلّم الرياضيّات ، لأنّها تورث الألف باليقينيّات واستقامة السليقة ، فيتنبّه على فساد العقيدة ، فيصير بسيطاً ، فيسهل رفعه بالطلب.
     وإن كان من رسوخ الشبهات الفاسدة عرضها على أولي الأفهام السليمة والأذهان المستقيمة ممّن يقرّ بجودة قريحتهم مع استعمال القواعد المنطقيّة باحتياط بليغ واستقصاء تامّ ، وليكلّف نفسه على تصديق ما اختاره قسراً إلى أن يتأنّس بالأدلّة التحقيقيّة ، ويعتدل سليقته.
     وإن كان من العصبيّة والتقليد فليجتهد في إزالتهما.

فصل
     الحيرة إن كان الباعث عليها الجربزة كانت من لوازمها ، وإن كان العجز عن ترجيح الأدلّة أو عن الدليل الموصل إلى الحقّ المثمر لليقين كانت من لوازم جنس التفريط ، أعني البله والبلادة ، وهي أيضاً من المهلكات ، لأنّ ها


(86)
ضدّ اليقين الذي هو مناط الايمان.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا ترتابوا فتشكّوا ولا تشكّوا فتكفروا ». (1)
     وهو يدلّ على كفر الشاكّ ، وبمضمونه أخبار كثيرة.
     وفي حديث أبي بصير عن الصادق عليه السلام في من شكّ في الله تعالى قال : « كافر ، قال : فشكّ في الرسول ، فقال : كافر ، ثمّ التفت إلى زرارة فقال : إنّما يكفر إذا جحد » (2).
     وليس المراد من الجحود الإنكار الصريح ، أي الجزم بخلاف الحقّ وإن أدّى الشك إليه أحياناً ، والا لزم أن لا يكون كافراً ما لم يجزم به ، مع أنه ليس كذلك جزماً ، إذ الكفر ما قابل الإيمان ، واليقين مناطه ، فالشاكّ الذي لايقين له لاإيمان له ، ومن لاإيمان له فهو كافر ، بل المراد جحود كون الحكم يقينيّاً (3) وإنكار كون دليله مثمراً لليقين.
     واعلم أنّ هذا الشكّ الموجب للكفر غير الوسوسة وحديث النفس الحاصل أحياناً لعدم منافاتهما للايمان ، كما سيجيء.
     وعلاجه أن يتذكّر أنّ النقيضين لا يجتمعان ولايرتفعان ، فيحصل له العلم من ذلك بكون إحدى المحتملات مطابقة للواقع ، وبطلان باقيها.
     ثمّ يتصفّح أدلّة كلّ منهما ويعرضها على القياسات المنطقيّة باحتياط تامّ واستقصاء بليغ ، حتّى يطّلع على موضع الخطأ ، ويقف على ماهو الحق ، وهذه فائدة المنطق. ولو لم يقدر على ذلك واظب على مطالعة الأخبار ومجالسة العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار من أهل اليقين والاستبصار ، حتّى ترتفع ظلمانيّة نفسه بنورانيّة نفوسهم ، وتقتبس من مشكاة يقينهم.
1 ـ الكافي : 2/399 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الشك ، ح2.
2 ـ المصدر : ح3.
3 ـ فيه نظر ، لأن الظاهر أن هذه الرواية بقرينة حصر الذيل في بيان ضابطة الارتداد وأنّه إنّما يكون بالشك المضمّ إليه الجحود ، وأنّ الشك المحض من دون إنكار باللسان لايوجب الكفر ، فهي على خلاف ما ذكره المصنّف أدلّ منها على مقصوده.

(87)
فصل
     الخاطر ما يعرض للقلب من الأفكار.
     فإن لم يكن مبدأ لفعل سميّت بالأماني ، سواء كانت من قبيل التمنّي مطلقاً ، أو تذكّر اللذّات الحسّية الحاصلة له بالفعل أو الائتة عنه ، أو البلايا الواردة عليه بالفعل أو الزائلة عنه ، أو التطّير بالأمور الاتّفاقية ، أو التفؤّل بها ، أو وسوسة في العقائد بما لاتؤدّي إلى شكّ مزيل لليقين كما عرفت.
     وإن كانت محرّكة للارادة إلى الفعل ـ فإنّها أوّل مبادية ، ويتلوها الرغبة ، ثمّ العزم ، ثمّ النية ، فينبعث منها ـ فإن كانت مبدأ للخيرات سميّت إلهاماً ، وما يستعدّ به القلب له لطفاً وتوفيقاً ، والا وسواساً ، وما يتهيّؤ به القلب له إغواء وخذلاناً ، فإنّها لحدوثها تحتاج إلى سبب ، إمّا الملك أو الشيطان.
     ثم النفوس في بدو الخلقة قابلة لهما بالنظر إلى القوى الثلاثة ، ولما كانت بينهما مدافعة ومنازعة ، فإن غلبت العاقلة على الأخنريين وصار لها السلطان في مملكة النفس لم تتمكّن الأخريان عن الذهاب في ودية الخواطر بدون رأيها ، فتتوجّه إلى ضبطهما وأمرهما بالخواطر المحمودة وصوالح الأعمال ، ومنعهما عن الخواطر الفاسدة وذمائم الأفعال ، إلى أن يحصل لهما ملكة الانقياد ، بحيث لايحدث منهما خاطر سوء في حال من الأحوال ، بل لم يخطر الا الخير من خزائنه الغيبية الفائضة من الواهب المفضال ، فلايبقى للشيطان مجال فيها الا على سبيل الاختلاس لامتلائها حينئذ من الخواطر المحمودة من المعارف الحقّة ومحاسن الأفعال ، فهي حينئذ مقرّ الملائكة ومهبطهم ومطلع الأنوار القدسيّة الفائضة من مشكاة الربوبيّة ، ولا مجال للشيطان حينئذ فيها ، كما لامجال لدخول الهواء في الاناء المملوّ من الماء.
     وإن غلبت الأخريان عليها صارت من حزب الشيطان ومراتع جنوده ،


(88)
وانسدّت حينئذ أبواب الملائكة ، وامتلأت جوانبها من الظلمات ، وانطفت أنوار اليقين والايمان ، وصارت محلاً للوساوس الشيطانيّة أبداً ، ولم يبق حينئذ مجال لدخول الملائكة فيها.
     وإن لم تحصل السلطنة والملكيّة التامّة المستقرّة لإحديهما ، بل كانت النفس مضماراً لمعركتهما ومحلاً لمنازعتهما فتارة تسوق العاقلة خصيميها وتطردهما فتخطر فيها خواطر الخير وتبعثها إليه ، وتارة بالعكس ، فتخطر فيها خاطر السوء وتدعوها إليه ، ولاتزال النفس متجاذبة من الطرفين إلى أن تصل إلى ما خلقت لأجله. (1)
     لكنّك عرفت أن جند الشيطان أكثر ، وموافقة الطبيعة لها أظهر ، ومسالكه أسهل وأجلى ، فسلطنته سارية لناريّته ودوام حركته وطيرانه في دم الإنسان ولحمه ، ومحيطة بمجامع قلبه وبدنه ، ولذا قال :
     « لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم » (2)
     ولأجله ملكوا جلّ القلوب وفتحونها ، قلاعها ، وتمكّنوا في مساكنها ، وتوطّنوا في مواطنها ، وتصرفوا في حصونها ، فبعد ما صيّروا أبوابها بالغلبة مفتوحة لم يبق لأربابها عن وساوسهم مندوحة ، فلا منجى عنهم ولا مفزع منهم الا بالرياضة التامّة ، والمجاهدة العظيمة التي تحصل بها بصيرة مشرقة باطنية وقوّة قدسيّة ملكوتيّة على سدّ تلك الأبواب ، وفتح ذلك الباب بتأييد غيبيّ من المعين الوهّاب.
     ثم لكلّ منهما أمارات ، كاليقين والهوى ، والتفكر في آيات الأنفس والآفاق على نظام يزيل الشك والشبهة ويحدث المعرفة والحكمة في القوّة
1 ـ لم يخلق الله نفساً لأجل الشر والسوء والشاء وإنّما خلقها الله مختارة وأعطاها ما به تختار الخير أو الشر من الحياة والقدرة والعلم وسائر ما تحتاج إليه في الوصول إلى القرب والسعادة ، فإن اختارت الشر حينئذ بسوء اختياره وصلت إلى ما اختياره وصلت إلى ما اختارت لا إلى ما خلقت لأجله « وما ربّك بظلّام للعبيد ».
2 ـ الأعراف : 17.

(89)
العاقلة ، فإنّها مبادي اليقينيات كالعقول والنفوس المجرّدات ، والنظر إليها بعين الغفلة الحادثة منه الشبهة والوسوسة ، لكونها مبادي السفسطيات كالشياطين والنفوس الخبيثة ، وكالايمان والطاعة والانقياد لكلام الله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ، والكفر والجحود لما ورد عنهم من آثار الحكمة ، وكتحصيل العلوم المفيدة الباحثة عن الأعيان الرشيفة والموضوعات العالية ، وما هي من قبيل السفسطة ، أو أنواع الادراكات المؤدّية إلى المكر والحيلة والخدعة في الأمور الدنيويّة.
     ثمّ علاج القسم الثاني أن يتذكّر لسوء عاقبة المعصية ، وعظيم حقّ الله سبحانه ، وجسيم ثوابه ، وأليم عقابه ، فإذا عرفها بنور الايقان بعد عن وسواس الشيطان ، لأنّ نيّرات البراهين بمنزلة الشهب الثاقبة للشياطين.
     وأمّا الأوّل فدفعه مشكل ، بل قطعه بالكلّية متعذّر الا لمن وفّق لمرتبة الفناء المحض في الله تعالى وقطع العلائق الدنيوية باسرها ، وامتلأ قلبه من حبّ الله وأنسه وجلاله وعظمته ، واستغرق في بحر كبريائه ، فلا يبقى للشيطان مجال فيه.
     وأمّا من كان قلبه فارغاً عنه تعالى ولو في بعض الأحيان ، فلا محالة يدخل فيه الشيطان كدخول الهواء في الاناء الخالي عن الماء.
     « ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين ». (1)
     فهذا القسم وإن أمكن معالجته ببقطع العلائق كلها والتجرّد والانزواء والتفكّر في عجائب صنع الله تعالى ، أو الأذكار والأوراد مع التوجّه القلبي إليها ، لكن لامخلص له مع ذلك من اختلاساته الحاصلة احياناً من حادث يشغله عن فكره وذكره ، كمرض وخوف أو حفض ما يحتاج إليه في معيشته.
     ثمّ إنّ محصّل العلاج المذكور ثلاثة أشياء :
     سلب الرذائل باسرها ، فإنّها الأبواب التي تدخل منها الشياطين في
1 ـ الزخرف : 36.
(90)
القلوب.
     والتحلّي بما يقابلها من الفضائل حتّى ينفتح له باب التوفيق والوصول إلى المطلوب ، وبهذين يزول ملكيّته للقلوب وسلطنته عليها ، وتنقطع تصرّفاته الدائمية فيها ، لكن تبقى خطراته واختلاساته.
     فبالمداومة على الأذكار القلبيّة واللسانية يحصل له أثر كلّي في دفعها ولا أقلّ من ضعفها وقلّتها ، لكنّها تنفع بعد الأولين ، ولو لاهما كانت حديث نفس لم يندفع بها تسلّطه وملكيّته ، فإنّ قولك للكلب الجائع « اخسأ » إنّما ينفع إذا رأى معك مايزجره ويؤذيه ، ولم يكن معك ما يميل إليه ويشتهيه. على أنّها من الفضائل التي لاينفع التحلّي بها الا بعد التخلّي عمّا يقابلها ، كما لا ينفع الغذاء المقوّي الا بعد نقاء البدن عن الأخلاط الفاسدة.
     قال تعالى : « إنّ الّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون ». (1)
     ولو نفعت في دفع سلطنته لكان أولى الأذكار أعني الصلاة به أحرى ، مع أنّ تسلّطه فيها على القلب ومزاحمة جنوده وتقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال أشدّ وأقوى.
     ثمّ إنّ للذكر مراتب أربعة :
     أحدها : اللساني فقط.
     وثانيها : ما يسري إلى القلب مع عدم التمكّن منه ، بحيث يحتاج إلى مراقبته حتّى يحضر معه ولو خلاه استرسل في أودية الخواطر.
     وثالثها : هو مع التمكّن بحيث لا يصرفه عنه بسهولة.
     ورابعها : تمكّن المذكور في القلب بحيث لايلتفت إلى نفسه ولا إلى الذكر ، بل يستغرق في المذكور ، ويكون التفاته إلى الذكر حجاباً شاغلاً.
1 ـ الأعراف : 201.
كشف الغطاء ::: فهرس