كتاب كشف الغطاء ::: 571 ـ 580
(571)
معلوم ». (1)
     فمرتبة الترقّي من حال إلى حال ومن نقص إلى كمال مختص بالإنسان.
     قال الله تعالى : « قد أفلح المؤمنون * الّذين هم في صلاتهم خاشعون ... ـ إلى قوله ـ أولئك هم الوارثون » (2) وصفهم بالفلاح أوّلاً ووراثة الفردوس الذي هو شهود نور الله والقرب من جواره أخيراً.

المطلب الخامس
     ينبغي لإمام الجماعة اختصاصه بمزيد صفاء القلب وسائر الآداب المتقدّمة من بينهم ، لأنّه الجاذب لنفوسهم إلى الله ، فما أقبح ذهوله عن الله ووقوعه في أودية الوساوس الباطلة مع خشوع بعض من يقتدي به واتّصافه بما تقدّم ، وما أفضح حاله مع تعلّق باله والتفات خياله إلى المأمومين الذين لايقدرون على نفعه وضرّه وعدم التفاته إلى مالك الرقاب وخالق الأسباب وربّ الأرباب العالم بضمائر العباد والمطّلع على سرائرهم ، أو لايستحيي من رسول الله وخلفائه الراشدين (3) فيحلّ محلّهم مع هذا البون الشديد وعدم المناسبة أبداً؟ فليمتحن كلّ ديّن نفسه أوّلاً ، فإن لم يتّصف بهذه الصفات فليترك ولايهلك نفسه.
     ومن جملة الامتحان أن يكون فرحه بإمامة غيره باطناً أكثر من إمامة نفسه لحصول المقصود من إجراء السنّة مع السلامة عن الغوائل المحتملة ، ولايكون قصده منها الا القربة وطلب الثواب ، فلو كان في زوايا قلبه داع خفي آخر من الشهرة والجاه وانتظام أمر المعاش فله الويل والثبور ، وعليه وزر كلّ المأمومين ، وهو الذي يصير رقبته جسراً لرقابهم ، كما ورد في الآثار.
1 ـ الصافّات : 164.
2 ـ المؤمنون : 1 ـ 10.
3 ـ يعنى الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

(572)
     المطلب السادس
     ثم الحاضر إلى الجمعة والعيدين يستحضر كونها أياماً شريفة وأعياداً كريمة خص الله بها هذه الأمة وجعلها سبباً لقربه وثوابه والأمن من عذابه وحثهم فيها على الإقبال والإتيان بصالح الأعمال وتلافي التفريط الصادر عنهم في خلال سائر الأيام والليالي فلا جرم ينبغي مزيد الاهتمام بصلاتها بالتهيؤ والاستعداد للقاء الله والتمثل في حضرته ، فليجتهد بعد الإتيان بالو ظائف الظاهرة المذكورة في كتب الادعية وغيرها في تخليص النية وحضور القلب والخشوع والابتهال ، ويستحضر قسمة الجوائز والعطايا على من تقبلت طاعته ، فيكبر الله قبل الصلاة وفيها وبعدها مراراً ويبتهل ويجد في سؤال العفو عن تقصيراته من حياء وخوف تام من خسران صفقته وظهور أسفه وحسرته يوم يفوز الفائزون ويسبق السابقون ويخسر الخاسرون.

المطلب السابع
     وإذا ظهرت الآيات من الكسوف والزلازل وغيرها استحضر أهوال يوم القيامة وزلازله وتكور الشمس والقمر وظلمة القيامة فإنه يوم عظيم « تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ». (1)
     ويستحضر أن ذلك علامة لغضبه تعالى على عباده بمعاصيهم أو تنبيه لهم عليها كما ورد في الأخبار ، فليستشعر من نفسه خوفاً وخشية وهيبة وندماً وتوبة ومن الله كمال القدرة والعظمة ، فيكثر في صلاتها من الدعاء والتضرع والابتهال والخشوع والخضوع وسؤال النجاة من تلك الأهوال مع انكسار وإطراق رأس دال على الخجالة والحياء.
     قال الرضا عليه السلام : « إنما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات الله لايدرى للرحمة ظهرت أم للعقاب ، فأحب النبي صلى الله عليه وآله أن يفزع أمته إلى
1 ـ الحج : 2.
(573)
خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرّها ويقيهم مكروهما ، كما صرف عن قوم يونس حين تضرّعوا إلى الله تعالى ». (1)

فصل
     في الذكر والدعاء ، وهما ممّا ينبغي إكثارهما للمؤمن ، سيّما عقيب الصلوات المفروضة ، والآيات والأخبار الدالة على فضلهما كثيرة غنيّة عن البيان ، والنافع من الذكر ما كان دائماً أو غالباً حتّى يتمكّن في القلب مع حضوره وفراغ البال والإقبال إلى ذي الجلال حتّى يتجلّى له عظمته وجلالته فينشرح صدره بنوره ، وهو غاية الغايات ونهاية ثمرة العبادات.
     وأوّل الذكر يوجب الأنس والحبّ ، وآخره يوجبانه ، وهما المقصد الأصلي منه ، لأنّ العبد في بدو الأمر متكلّف في صرف القلب واللسان عن الوسواس والوصول إلى ذكر الله ، فإذا حصل الأنس حصل الصرف والانقطاع القلبي ، فعند الموت الذي يحصل به الانقطاع الحسّي أيضاً يتمتّع بما كان آنساً به ، ويتلذّذ من انقطاع ما كان منقطعاً عنه في حياته أيضاً ، وإنّما كانت ملابسته لها من باب الضرورات الصادّة عن ذكر الله وبالموت انقطعت الضرورة أيضاً ، فكأنّما خلّي بينه وبين محبوبه فخلص من سجن الحاجب والمانع ، وهذا التلذّذ باق له بعد الموت إلى أن ينزل في جوار الله ويترقّى من الذكر إلى اللقاء.
     والأذكار كثيرة كالتهليل والتمجيد والتسبيح والتكبير والحولقة (2) والتسبيحات الأربع وأسماء الله الحسنى وغيرها.
     وقد ورد في فضل كلّ منها أخبار لاتحصى.
     والمداومة على كلّ منها توجب صفاء للنفس وانشراحاً للصدر ، وكلّما
1 ـ الفقيه : 541 ، باب صلاة الآيات ، ح 1510 ، مع اختلاف.
2 ـ كذا ، والصحيح : الحوقلة.

(574)
كانت دلالته على جلاله وعظمته أكثر كان أفضل ، ولذا صرّحوا بأنّ أفضل الأذكار التهليل لدلالته على التوحيد المشتمل على كلّ صفة كمال.
     وقد تقدّم في بحث الوساوس أنّ للذكر مراتب أربعاً فانظر إليه.
     وأمّا الدعاء فهو محلّ (1) العبادة ، ولذا ورد في فضله ما ورد ، والأدعية المأثورة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام كثيرة مذكورة في كتب الأدعية المشهورة ، ولايتصوّر شيء من مطالب الدنيا والآخرة الا وقد وردت منهم عليهم السلام فيه أدعية متكرّرة فليأخذها طالبها من مظانّها.
     وله آداب وشروط كالترصّد للأوقات والأماكن المشرّفة ، والتطهّر ، واستقبال القبلة ، ورفع اليدين بحيث يرى باطن الإبطين ، وخفض الصوت بين الجهر والإخفات ، وأن لايتكلّف السجع في الدعاء ، وأن يكون في غاية الخضوع والخشوع واليقين بإجابة الدعاء ، وصدق الرجاء ، والإلحاح فيه وتكريره ثلاثاً ، وافتتاحه بالذكر والتمجيد ، ولايبتديء بالسؤال ، وأن يتوب ويردّ مظالم العباد ، ويقبل إلى الله بكنه الهمّة ، وهو السبب القريب للإجابة ، وأن يكون طعمه ولبسه من الحلال ، وهو أيضاً من عمدة الشرائط. ففي النبوي صلى الله عليه وآله : « أطب طعمتك تستجب دعواتك ». (2)
     وتسمية الحاجة والتعميم في الدعاء والبكاء وهو أيضاً سيّد الآداب ، وأن يقدّمه على حصول الحاجة ، وأن لا يعتمد في حوائجه على غيره تعالى.
     قال الصادق عليه السلام : « احفظ أدب الدعاء وانظر من تدعو؟ وكيف تدعو؟ ولماذا تدعو؟ وحقّق عظمة الله وكبرياءه وعاين بقلبك علمه بما في ضميرك واطّلاعه على سرّك [ وما تكنّ فيه من الحقّ والباطل ] (3) ... واعرف طريق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو الله بشيء عسى فيه هلاكك وأنت تظنّ أنّ فيه نجاتك ».
1 ـ كذا ، والظاهر : « مخّ العبادة » كما في الخبر.
2 ـ المحجّة البيضاء : 3/204.
3 ـ ساقط من « الف » و« ب ».

(575)
     قال الله تعالى : « ويدع الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولاً ». (1)
     وتفكّر ماذا تسأل؟ وكم تسأل؟ ولماذا تسأل؟ والدعاء استجابة للكلّ منك للحقّ ، وتذويب المهجة في مشاهدة الربّ وترك الأختيار جميعاً وتسليم الأمور كلها ظاهراً وباطناً إلى الله ، فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنتظر الإجابة ، فإنّه يعلم السرّ وأخفى ، فلعلّك تدعوه بشيء قد علم من نيّتك خلاف ذلك.
     واعلم أنّه ولو لم يكن الله أمرنا بالدعاء لكنّا إذا أخلصنا الدعاء تفضّل علينا بالإجابة فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء؟
     وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن اسم الله الأعظم ، فقال صلى الله عليه وآله : « كلّ اسم من أسماء الله أعظم ، ففرّغ قلبك عن كلّ ماسواه وادعه بأيّ اسم شئت ». (2)
     وقيل له عليه السلام : ما لنا لايستجاب لنا؟ قال : « لأنّكم تدعون من لاتعرفونه وتسألون من لاتفهمونه ، فالاضطرار عين الدين ، وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من علامة الخذلان ، من لم يعرف ذلّة نفسه وقلبه وسرّه تحت قدرة الله حكم على الله بالسؤال ، وظنّ أنّ سؤاله دعاء ، والحكم على الله من الجرأة على الله ». (3)

فصل
     في تلاوة القرآن ، ولا حدّ لثوابه ، والأخبار فيه كثيرة لاتحصي ، وكيف لايعظم أجره وهو كلام الله ربّ العالمين ، حامله روح الأمين ، والمرسل إليه محمّد بن عبدالله خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله ، وهو مشتمل على حقائق وأسرار لاتحملها الا قلوب الأحرار.
1 ـ الإسراء : 11.
2 ـ مصباح الشريعة : الباب 19 ، في الدعاء ، مع اختلاف.
3 ـ جامع السعادات : 3/367.

(576)
     وبالجملة؛ يشهد بتأثيره الكامل في القلب العقل والنقل والاعتبار ، إلا أن لها آداباً ظاهرة وباطنة.
     فمن الأولى : الوضوء والوقوف على هيئة الأدب والطمأنينة قائماً كان أو جالساً ، مستقبل القبلة مطرقاً رأسه غير متربع ولا متكيء ، والترتيل والبكاء والجهر المتوسط لو أمن من الرياء ، وإلا فالسر ، وتحسين القراءة ، ومراعاة حق الآيات ، فإذا مر بآية السجود سجد ، وآية العذاب استعاذ ، وآية الرحمة طلب ، وآية التسبيح أو التكبير سبح أو كبر ، وآية الدعاء والاستغفار دعا واستغفر ، وافتتاح القراءة بالاستعاذة ، وعند الفراغ « صدق الله [ العلي ] العظيم وصدق رسوله الكريم » ، وسائر ما ورد من الأدعية المأثورة.
     ومن الثانية : فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله ولطفه بنزوله من عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه.
     فانظر كيف لطف بهم في إيصال نبذ من آثار حكمته وعلمه إليهم في طي حروف وأصوات هي من صفات البشر ، ولولا استتار كنه جلاله بكسوة الحروف والأصوات لما ثبت لسماع كلامه العرش والثرى وما بينهما ، بل تلاشت من عظمته وسبحات نوره.
     « لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ». (1)
     فلو لا تثبيته لموسى عليه السلام لم يطق سماع كلامه ، كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حتى صار دكاً.
     وهذا كما أن الانسان إذا أراد تفهيم الطيور أو البهائم بما يزيد على إقبالها وإدبارها وكان تمييزها قاصراً عن فهم كلامه الصادر عن عقله مع حسنه وترتيبه وبديع نظمه تنزل إلى درجاتها وأوصل مقاصده إليها بأصوات
1 ـ الحشر : 21.
(577)
تليق بها من النقر والصفير وما يشبه بأصواتها وتطيق حمله ، فكذا الناس لمّا عجزوا عن حمل كلام الله بكنهه وكمال صفاته تنزّل إلى درجة أفهامهم فتجلّي في مظاهر الحروف والاصوات ، وقد يشرّف الصوت للحكمة المخبوّة فيه كما يكرم البدن لكرامة الروح ، فالكلام عاللي المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان في إنفاذ الحكم في الحقّ والباطل ، عدل في أمره ونهيه ، لا طاقة للباطل في قيامه قدّامه كما لا طاقة للظلمة قبل الشعاع ، ولا طاقة لبصائر الناس أن تنفذ نور الحكمة كما لا طاقة لأبصارهم أن تنفذ نور الشمس ، وإنما ينال كلّ بقدر قوّة بصره.
     فالكلام للبصائر كالملك المحجوب الغائب وجهه المشاهد أمره ، فهو مفتاح نفائس الخزائن ، وشراب الحياة الذي لايموت شاربه ولايسقم.
     ثم تعظيم المتكلّم فيحضره في قلبه عند الشروع ، وأنّه ليس من كلام البشر ، بل تلاوته في غاية الخطر ، فكما لاينبغي مس جلده وورقه وحروفه بالبشرة المتنجّسة بخبث أو حدث ، فكذا لاينبغي قراءته بلسان مستقذر بآفات معاصيه ، وقلب مكدّر بذمائم الصفات ، بل باطن معناه محجوب عن بواطن القلوب الا من استنار قلبه بأنوار الغيوب ، وتطهرّت نفسه وجوارحه عن الأخلاق الخبيثة والذنوب ، ولولا تعظيم المتكلّم لم يتمكّن من تعظيم الكلام.
     والعلاج في تحصيله مع الغفلة التفكّر في صفاته وأفعاله المورث لاستشعار عظمته ، ولذا كان بعض السلف إذا نشر المصحف غشي عليه وقال : هو كلام ربّي.
     ومنها : الخضوع والرقّة.
     قال الصادق عليه السلام : « من قرأ القرآن ولم يخضع له أو لم يرقّ لقلبه له ولم ينشىء حزناً ووجلاً في سرّه فقد استهان بعظم شأن الله ، وخسر خسراناً


(578)
مبيناً فمن تفرّغ قلبه عن الأسباب واعتزل عن الخلق بعد أن أتى بالخصلتين (1) استأنس روحه بالله ووجد حلاوة مخاطباته لعباده الصالحين ولطفه بهم ومقام اختصاصه بهم بقبول كراماته وبدائع إشاراته ، فإذا شرب من هذا المشرب كأساً لم يختر عليه شيئاً أصلاً ورأساً ، بل آثره على كلّ طاعة وعبادة ، لأنّ فيه مناجاة مع الربّ بلا واسطة ». (2)
     ولذا قال الصادق عليه السلام : « كنت أردّدها حتّى سمعت من المتكلّم بها ». (3)
     ومنها : حضور القلب ، وهو يترتّب على التعظيم ، فإنّ من عظّم شخصاً لم يغفل عنه سيّما إذا كان كلامه ممّا يستأنس به القلب ويفرح.
     ومنها : التدبّر زائداً على حضور القلب ، إذ التالي [ ربما ] لم يتفكّر في غيره ، ولكن اقتصر على سماعه من نفسه بدون تدبّر ، والمقصود هو التدبّر.
     قال تعالى : « أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ». (4)
     وقال علي عليه السلام : « لا خير في قراءة لا تدبّر فيها ». (5)
     وإن توقّف على التكرير والترديد ردّد كما حكيناه عن الصادق عليه السلام وحكايته عن الأكابر كثيرة.
     ومنها : التفهّم ، أي أن يستوضح من كلّ آية مايليق بها لاشتمال القرآن على ذكر صفات الله وأفعاله وأحكامه وأحوال النشأة الاخروية والقرون السالفة من الأنبياء والأمم وغير ذلك ، فإن مرّ بصفة تفكّر في معناها لينكشف
1 ـ المراد من الخصلتين خشوع القلب وفراغ البدن.
2 ـ ففي الكافي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قلت : إنّ قوماً إذا ذكروا شيئاً من القرآن أو حدّثوا به صعق أحدهم حتّى يرى أنّ أحدهم لو قطعت يداه أو رجلاه لم يشعر بذلك. فقال عليه السلام : « سبحان الله ذاك من الشيطان ، ما بهذا نعتوا ، إنّما هو اللينوالرقّة الدمعة والوجل » (الكافي : 2/616).
3 ـ مصباح الشريعة : الباب 14 ، في قراءة القرآن مع اختلاف كثير وراجع المحجّة : 1/352.
4 ـ محمّد صلى الله عليه وآله : 24.
5 ـ المحجّة البيضاء : 2/237.

(579)
له أسرارهأن ، فإنّها لاتكشف إلا للمؤيّدين في فهم كتابه ، وإن مرّ بفعل كخلق السماء والأرض وغيرهما تفكّر في عظمته ، إذ عظمة الفعل تدلّ على عظمة الفاعل ، وينبغي شهوده الفاعل في الفعل ، إذ من عرف الحقّ رآه في كلّ شيء ، لأنّ كلّ شيء منه وله وبه وإليه ، فهو واحد في الكلّ ، فمن لم يره فيما يراه لم يعرفه.
     وإذا تلا شيئاً من عجائب صنعه فليتأمّل فيها ثم يترقّى منها إلى أعجابها أي الصفة الصادرة عنه هذه الأعاجيب ، وإذا سمع وصف الجنة والنار فليتذكّر أنّه لا نسبة لما في هذا العالم إلى عالم الآخرة ، فلينتقل منه إلى عظمته تعالى مع الانقطاع إليه ليخلص من عقوبات تلك النشأة ويصل إلى لذّاتها. ولايمكن استقصاء مايفهم من القرآن ، إذ لانهاية له.
     « قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ». (1)
     الا أنّ كلّ واحد يستفيد منه بقدر استعداده وصفاء نفسه.
     ومنها : التخلّي عن موانع الفهم من التعصّب والتقليد لما عرفت من كونهما حجابين لمرآة النفس يحجبانها عن انعكاس غير ماتعتقده فيها ، وكذا الجمود على التفاسير الظاهرة ظنّاً أنّ غيرها تفسير بالرأي وصرف الهمّة نحو تحقيق الحروف وما شاع بين القرّاء ، فإنّ ذلك أيضاً مانع عن انكشاف الحقائق والإصرار على الذنوب الظاهرة والباطنة المظلمة للقلب الباعثة لحرمانه عن انكشاف الأسرار والحقائق فيه.
     قال الله تعالى : « وما يتذكّر الا من ينيب » (2) « تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب » (3) « إنّما يتذكّر أولوا الألباب » (4)
1 ـ الكهف : 109.
2 ـ غافر : 13.
3 ـ ق : 8.
4 ـ الزمر : 9.

(580)
     ومنها : التخصيص ، أي تقدّر أنك المقصود بكلّ خطاب فيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، إذ ما من شيء في القرآن الا وسياقه لفائدة في حقّ النبي صلى الله عليه وآله وأمّته. قال تعالى : « لنثبّت به فؤادك ». (1)
     فالقرآن كلّه هدى وشفاء ورحمة ونور وموعظة ، فقدّر أنّ مولاك كتب لك كتاباً لتدبّره وتعمل بمقتضاه.
     ومنها : التأثّر ، أي يتأُثّر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات ، فيكون له بحسب كلّ فهم حال من الخوف والحزن والوجد والفرح والرجاء والقبض والانبساط ، فإذا سمع المخوّف اضطرب قلبه وتضاءل من الخوف كأنّه يموت ، وإن سمع الرحمة والمغفرة فليفرح ويستبشر كأنّه يطير من الابتهاج ، وإذا سمع صفات جلاله تطأطاً خضوعاً واستشعاراً لعظمته ، وإذا سمع ذكر الكفّار وما يصفون به الله من الأولاد غضّ صوته بانكسار في قلبه وحياء من قبح مقالتهم ، وكذا غيرها ، ومهما تمّت المعرفة كان الغالب على القلب الخشية ، لكون التضييق غالباً في القرآن ، فلا ترى ذكر الرحمة والمغفرة الا مقروناً بشروط يقصر أغلب الناس عن نيلها ، ولذا كان بعض الأكابر يغشى عليه من استماعها ، بل مات بعضهم منه.
     وبالجملة؛ المقصد الأصلي استجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به ، والا فالمؤونة بتحريك اللسان خفيفة ، وحقّ التلاوة اشتراك اللسان والعقل والقلب فيها فاللّسان حظّه تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظّ العقل إدراك المعاني ، وحظّ القلب تأثّره بالحالات المذكورة.
     ومنها : الترقّي ، أي يرقى إلى أن يسمع الكلام من الله لا من نفسه ، وله درجات ثلاث ، أدناها تقدير العبد قراءته واقفاً بين يدي الله وهو ناظر إليه مستمع له ، فحاله حينئذ التملّق والتضرّع والسؤال ، وأعلى منه أن يرى بقلبه ربّه يخاطبه بألطافه يناجيه بإحسانه ، فمقاومه الهيبة والحياء والتعظيم
1 ـ الفرقان : 32.
كشف الغطاء ::: فهرس