الرفق في المنظور الاسلامي ::: 41 ـ 50
(41)
     إنّها تحملكم وتحمل أثقالكم ، وكلّ عزائها أن تمرّ بأرض مخصبة تنهش منها أو ترتع فيها فتقوى على أمرها وتخفّف العناء عن نفسها ، فلاتصنعوا معها صنع الحانق الناقم ، أو الغافل الذي همّه نفسه وقد هيّأ لها الماء والزاد والراحلة دون أن يشعر بأن راحلته لها روح مثله ، فهي تضمأ وتجوع وتجهد مثله..
     وفي المعنى ذاته قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « إذا سرت في أرض خصبة فارفق بالسير ، واذا سرت في أرض مجدبة فعجّل بالسير » (1).
     وذاك الذي همّه نفسه ، سيهرع إذا بلغ مقصده إلى أدنى فراش طلباً للاسترخاء ، ويدعو عاجلاً بالماء والطعام فلقد أضناه السفر.. تاركاً وراءه ظهراً حمله الطريق كلّه ، لاَنّه لا يملك نطقاً يفصح فيه عن عنائه وحاجته ، وربما لو نطقت أيضاً لما كان حظّها أحسن عند هؤلاء !! ولهؤلاء يقول رسول الاِسلام صلى الله عليه وآله وسلم : « من سافر منكم بدابةٍ فليبدأ حين ينزل بعلفها وسقيها » (2) قبل ان ينشغل بطعام نفسه وسقيها..

     حقوق الحيوان :
     إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة معقولة وعليها جَهازها ، فقال: « أين صاحب هذه الراحلة ، ألا تتقي الله فيها ، إما أن تعلفها ، وإما أن ترسلها حتى تبتغي لنفسها » (3). هذه هي العدالة النموذجية.

1 ـ من لا يحضره الفقيه 2 : 190 | 6 باب 91.
2 ـ من لا يحضره الفقيه 2 : 189 | 5 باب 91.
3 ـ كنز العمال : خبر 24983.


(42)
     النبي ينصب محكمة لمن يترك الحمل على البعير في حالة توقفه عن السير ولا يدعه يستريح خلال هذا التوقف.

     لا تتخذوها كراسي :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « اركبوا هذه الدواب سالمة وتَّدعوها سالمة ، ولاتتخذوها كراسي لاَحاديثكم في الطرق والاَسواق ، فربّ مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً لله تبارك وتعالى منه » (1) !.
     فليس من حق المستخدم للدابة في الحمل والتنقل أن يتخذ منها كرسياً لحديثه وتأمّله وتفرّجه ، فيوقفها وهو على ظهرها من أجل التأمل بمنظر أو الحديث مع شخص ، بل يلزمه النزول من على ظهرها حتى يقضي حاجته ثم يمتطيها لسفره.
     ثم يلزمه أن لا يركبها إلاّ وهي سالمة حتى لا يجهدها ويشق عليها ، ويضيف بذلك علة مرضية اُخرى إلى علتها الاولى كما هو ملزم أيضاً أن ينزل من عليها وهي سالمة وهذا يعني مراعاتها في سفره في الاكل والشرب والراحة.

     ضرب الدابة :
     حج علي بن الحسين عليهما السلام على ناقة أربعين حجة فما قرعها بسوط (2).
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « اضربوها على النفار ولا تضربوها على العثار » (3).

1 ـ كنز العمال : خبر 24957. مستدرك الوسائل 2 : 50.
2 ـ وسائل الشيعة 8 : 352.
3 ـ الكافي 6 : 539 | 12 باب نوادر في الدواب كتاب الدواجن.


(43)
     وضربها على النفار تأديب لها على الوضع الطبيعي الذي لا يخرجها عن مهمتها التي شاءها الله لها في الطاعة عند التسفير من حيثُ كونها مسخرة للانسان ، وقد ذللها الله له ، أي جعلها سهلة الانقياد ، والضرب ُ حال ترويضها وتأديبها عندما تنفر لا يمنع منه الاِسلام ويقبله العقل. أما في حالة عثارها فهذا أمر لا يتعمده الحيوان بل هو يجري عليه دون اختيار. كما يحصل للانسان ، أيضاً فمن المنطقي أن لا يؤاخذ عليه الحيوان ، وهذا ما جاءت به الشريعة الغراء.
     هذه التعاليم المباركة قد لا يجد فيها إنسان العصر الحديث شيئاً جديداً في الرفق واللطف ، أما في ذلك الزمن البعيد وقبل أربعة عشر قرن فهي تعاليم جديدة أوقدت مصباح الرفق في دنيا الغلظة وحنادس الجهل (1).

     ست خصال :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « للدابة على صاحبها ست خصال : يعلفها إذا نزل ، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به ، ولا يضربها إلاّ على حقّ ، ولا يُحمّلها ما لا تطيق، ولا يكلفّها من السير إلاّ طاقتها ، ولا يقف عليها أفواقاً » (2).

     داجن البيت :
     وفي حديث وفاة أمير المؤمنين عليه السلام قالت أم كلثوم : « ثم نزل إلى الدار
1 ـ للمزيد راجع حقوق الدابة المندوبة والواجبة في كتاب وسائل الشيعة 8 : باب 9.
2 ـ مستدرك الوسائل 2 : 50. أفواق : جمع فواق بضم الفاء وهو الوقت بين الحَلبتين ، إشارة إلى الوقت القليل جداً.


(44)
وكان في الدار وز قد أُهديَ إلى أخي الحسن عليه السلام فلما نزل خرجن وراءه وصحن في وجهه وكنّ قبل تلك الليلة لم يصحن ، ثم قال : « يابنية بحقي عليك إلاّ ما اطلقتيه فقد حبستِ ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش ، فأطعميه واسقيه ، وإلاّ خلّي سبيله يأكل من حشائش الاَرض » » (1).

     عُذبت امرأةٌ في هرّة :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « رأيت في النار صاحبة الهرة تنهشها مقبلةً ومدبرة ، كانت أوثقتها ، فلم تكن تطعمها ولم تُرسلها تأكل من حشائش الاَرض » (2). فالعدل الالهي إذن بالمرصاد لمن لا يرفق بالحيوان.

     غُفر لامرأة في كلب :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « غفر الله لامرأة مومسة مرّت بكلب على رأس رَكِيٍّ ، يلهث كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك » (3). فاللطف والرحمة والعفو والمغفرة اذن تشمل المومسة إذا صدر عنها مثل هذا الرفق بالحيوان ، فما بال من يدرك ذي لهفة من بني الاِنسان ويرفق بالضعيف والمحتاج واليتيم والارملة وما شاكل ذلك ؟

     قتل الحيوان بغير حق :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما من دابة ، طائرٍ ولا غيره ، يُقتل بغير الحق إلاّ
1 ـ مستدرك الوسائل 2 : 58.
2 ـ مستدرك الوسائل 2 : 58.
3 ـ كنز العمال : خبر 16354 ، 43068. رَكِيٍّ : حافة البئر.


(45)
ستخاصمه يوم القيامة » (1). نعم ، ( وإذَا الوحُوشُ حُشِرَتْ ) (2) وحشر الناس لربِّ العالمين ستظهر العدالة الكاملة في يوم التغابن فلا مظلومية يعفو عليها الزمان حتى مظلومية الحيوانات.. « ما من إنسان يقتل عصفوراً فما فوقها بغير حقّها إلاّ سأله الله عنها يوم القيامة » (3).

     أحسنوا الذبح :
     إذا كان الله تعالى قد كرّم الاِنسان وسخّر له ما في السموات وما في الاَرض ، بما في ذلك أصناف من الحيوان يتقوّت بلحومها ، يضع حدّاً لحياتها من أجل أن يقيم حياته ، فإنّه تعالى برٌّ رؤوف رحيم بهذه المخلوقات التي أدّت رسالة خُلقت لاَجلها ، فلا يرضى استغلال اباحتها بما يتنافى مع الرحمة والرأفة والرفق بها ، فأمر عباده على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، صاحب الخُلق العظيم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إذ قال : « إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، ليحدّ أحدكم شفرته ، ليريح ذبيحته » (4).

     قتل العصفور :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من قتل عصفوراً عبثاً عج إلى الله يوم القيامة منه يقول : ياربِّ إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني لمنفعة » (5).

1 ـ كنز العمال : خبر 39968.
2 ـ التكوير 81 : 5.
3 ـ كنز العمال : خبر 39970.
4 ـ التفسير الكاشف 2 : 188.
5 ـ كنز العمال : خبر 39971.


(46)
     قتل المؤذي :
     وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « نهى عن قتل كل ذي روح إلاّ ان يؤذي » (1).
     وبهذه التعاليم المسالمة والرحيمة بالحيوان يربي الاِسلام أتباعه على الهدفية النافعة غير العبثية ، ويصنع من أحدهم مخلوقاً وديعاً رؤوفاً رحيماً يرفق بالضعيف ولا يطغى عليه.. فهنيئاً لمن صاغ الاِسلام شخصيتهم على فضائله ومكارم أخلاقه حتى صاروا وجوداً نافعاً لا ضرر فيه.

     حضارة الغرب والرفق بالحيوان :
     لعلّ الحضارة الغربية التي تتبجح بتأسيسها جمعيات الرفق بالحيوان وإنفاقها الكثير في توفير الخدمات الصحية للحيوان وحمايته وتحسين أحواله المعيشية.. لكنّها..
     أولاً : هل تملك مثل هذا الرصيد في عمق التأريخ ، تستند إليه في طروحاتها المعاصرة ... ؟!
     وثانياً : هل تستطيع أن تفتح للاِنسان اُفق السماء ، وتعِده بالعفو والمغفرة الاِلهية والنعيم الاَبدي بغير الرجوع إلى الاِسلام ؟!
     وثالثاً : أليس الاَجدر بدعاة الرفق بالحيوان الاعتزاز بمن دعا إلى ذلك في عمق الزمان ، والانتساب إليه في المبدأ والطروح ، والاخذ عنه بما هو أهم من ذلك فيما يعود للانسان ؟!
     ورابعاً : وأخيراً ، هل يخفى على الضمير الحيّ هذا التناقض البشع
1 ـ كنز العمال : خبر 39981. الوسائل 8 : 297.

(47)
المريع بين مايدّعونه وينفقونه في خدمة الحيوان عامة ، والكلاب خاصّة، وبين واقعهم الوحشي الذي قام وتنامى على دماء الشعوب البريئة وطاقاتها ؟
     إنّ اللبنة الاُولى التي أنشأت عليها الحضارة الغربية المعاصرة كانت تجارة الرقيق ! العمل الوحشي المشين ! الذي ما كان يجري ـ مع بشاعته ـ إلاّ بأبشع الاَساليب وأكثرها همجيّةً وعدواناً ، إذ يباغتون أبناء القرى الضعيفة في افريقيا ، فيقتطعون منهم من شاءوا من الشباب والنساء ، غير مبالين بأطفال يفصلون بهذه الطريقة عن اُمّهاتهم ، ولا بالاُمهات يُسَقن قسراً تحت وقع السياط بعيداً عن أطفالهن وازواجهن وبيوتهن !
     لقد عرفت هذه الحضارة لكلاب اُوربا من الحقوق ما لا تعرفه لجميع شعوب العالم ! ولم تنته سياسة امتهان الشعوب وسحق الاطفال والنساء في عالم يدّعي مناصرة الطفل والمرأة ويعلن حروباً تحت هذا الستار ، لم تنته هذه السياسة بانتهاء زمن تجارة الرقيق ، بل هي السياسة القائمة اليوم في ظل ما يسمى بـ (النظام الاَمني الجديد) ! إنّه التناقض المفضوح ، ولكنه تناقض الاَقوياء الذين يغلّفون سوءاتهم بما يمتلكون من قوّة وبطش وقدرة على إلجام الضعفاء.


(49)
الفصل الثالث
الـرفق
آفاقه وفلسفته
أ ـ إرفق يرفق بك :
     لما كان الله جل شأنه رفيق ويحب الرفق فلا شك أنّه سبحانه سيقابل رفق الاِنسان بأخيه الاِنسان ، ورفق الاِنسان بالحيوان بالرفق واللطف والسماحة والتجاوز. فيما يخص تعامل الخالق مع مخلوقه في الدنيا أو ما يعود لمحاسبته في الاخرى قال تعالى : ( هَل جَزَاءُ الاِحسَانِ إلاّ الاِحسَانُ ) (1).
     فعن زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام إنه قال : « من وصايا الخضر لموسى عليه السلام ، ... ما رفق أحد في الدنيا إلاّ رفق الله عزَّ وجل به يوم القيمة » (2).

1 ـ الرحمن 55 : 60.
2 ـ بحار الانوار 72 : 286.


(50)
     فمن أراد أن يرفق الله به فما عليه إلاّ ان يرفق بغيره.

     ب ـ قد يكون الرفق خرقاً:
     إذا ادلهمت النفوس بآثامها واُطفيء مصباح فطرتها وعمت بصيرتها عن معرفة الصواب وضلت عن درب رشدها وسبيل تكاملها لما تجمع من صدأ الذنوب على أفئدتها ( كَلا بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (1). فعند ذلك لا تستذوق تلك النفوس الفاسقة المنحرفة حلاوة الرفق الذي يستعمل معها ويستخدم من أجل خيرها وصلاحها ، فهي تقابل الرفق واللين واللطف والرحمة والسماحة والتجاوز أو العطف والرأفة بما يضاد ذلك من الخرق والشدة والغلظة والقسوة وتتبع العثرات والمحاسبة على الزلات والنقمة واللؤم.
     والحكمة تقتضي التعامل مع هذه النوعية من النفوس الخائبة الخاسرة بما يناسب ذلك مما يؤدي إلى تأديب نزقها وتعديل مسارها ، وتقويم أعوجاجها فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « وإذا كان الرفق خرقاً كان الخرق رفقاً » (2).
     وعليه فان من لا يصلحه الرفق أصلحته الشدّة ، ومن لم يتقوّم بالمسامحة تَقوّم بالمحاسبة ، ومن إذا ما رفقت به اندفع في غيّه وعناده وغروره وغطرسته ولم ينتفع بما تقدّمه له من علاج ناجح ودواء نافع فما عليك إلاّ تركه في مستنقع مرضه الاخلاقي وسقمه السلوكي وداءه الذي
1 ـ المطففين 83 : 14.
2 ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 16 : 97 كتاب 31.
الرفق في المنظور الاسلامي ::: فهرس