نظرات في الرأي
نُقل عن المستشرق (جولد تسيهر) أنّه ذهب إلى أنّ الرأي لميكن على عهد النبيّ، بل هو ممّا طرأ لاحقاً على الشريعة. وقد نقل هذا الرأي عنه الدكتور محمّد يوسف موسى بقوله:
«نعم إنّ هذا المستشرق البحّاثة الحفيّ بالدراسات الاِسلاميّة يرى أنّه قد حصل العمل بالرأي في الجيل الاَوّل من التاريخ الاِسلاميّ. ولكنّ الرأي في هذه المرحلة كان غامضاً، عارياً عن التوجيه الاِيجابيّ، وبعيداً عن المذهب والطريقة الخاصّة به، ثمّ اكتسب في العصر التالي تحديداً معيّناً، وبدأ يتحرّك في اتّجاه ثابت، وحينئذٍ أخذ هذه الصيغة المنطقيّة: القياس»(3).
ثمّ تهجّم الدكتور موسى على (جولد تسيهر) وشكّ في قيمة رأيه ورأي زملائه المستشرقين، لبعدهم عن فهم روح الاِسلام، مُعلّلاً بأنّ الروايات التي ذكرها ابن القيّم كافية للدلالة على ذلك. إلاّ أنّه عاد فقاربه بقوله: حقّاً أنّ الرأي
____________
(1) المائدة : 3 .
(2)الطلاق : 1 .
(3) محاضرات في تاريخ الفقه الاِسلاميّ للدكتور محمّد يوسف موسى: 24 كما في مقدّمة النصّ والاجتهاد: 52 للسيّد محمّد تقي الحكيم.

( 234 )
في هذه الفترة من فترات تاريخ الفقه الاِسلاميّ ليس هو القياس الذي عُرف فيما بعد في عصر الفقهاء ـ أصحاب المذاهب الاَربعة المشهورة ـ ولكنّ الرأي الذي استعمله بعض الصحابة لا يبعد كثيراً عن هذا القياس إن لم يَكُنه، وإن كانوا لميُؤْثَر عنهم في العلّة ومسالكها وسائر البحوث التي لابُدّ منها لاستعمال القياس شيء ممّا عرفناه في عصر أُولئك الفقهاء(1).
ومهما تكن قيمة شكّ الدكتور، فلا يهمّنا أن نعرفه بقدر ما يهمّنا أن نعرف موقف الشيخين من الرأي، وهل كانا حقّاً يذهبان إليه عند عدمعلمهم بحكمالله ورسوله؟ أم كانا يَرَيان لآرائهما الحجّيّة مع وجود نصّ من القرآن وأثر عن رسول الله؟
أكّدت النصوص السابقة على أنّهم كانوا يقولون بالرأي مع وجود النصّ؛ إذ لايعقل أن يخفى قوله تعالى: (والّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُم ويَذَرُونَ أزواجاً يَتَرَبصْنَ بأنْفُسِهنّ أربعةَ أشْهُرِ وَعَشْراً)(2)على أبي بكر في قضيّة خالدبن الوليد الذي دخل بزوجة مالك بن نويرة، وهي في العدّة!
وكيف يقول الخليفة أبو بكر لعمر: ما كنت أقتله؛ فإنّه تأوّل فأخطأ(3)، مع وقوفه على النصّ؟
ألم يكن هذا هو الاجتهاد قبال النصّ بعينه؟
وليتني أعرف هل خفيت الآية على الخليفة، أم أنّه رأى المصلحة فيما ذهب إليه؟
وهل المصلحة والقياس يُعمل بهما عند فقدان النصّ أم يَرِدان حتّى مع وجود النصّ؟
وإليك مجمل خبر خالد في رواية الطبريّ، قال: «فلمّا دخل (خالد) المسجد، قام إليه عمر فانتزع الاَسهُم من رأسه فحطّمها، ثمّ قال: أرئاءً؟! قتلت أمرءاً مسلماً ثمّ نزوتَ على امرأته! والله لاَرجمنّك بأحجارك. ولايكلّمه
____________
(1) المصدر نفسه.
(2) البقرة: 234.
(3) الاِصابة 3: 357.

( 235 )
خالدبن الوليد ولا يظنّ إلاّ أنّ رأي أبي بكر على مثل ما رأى عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر، فلمّا...»(1).
وروى الطبريّ: أنّ عمر بن الخطّاب2 لقي في خلافته رجلاً له قضيّة نَظَرَ فيها عليّبن أبي طالب، فسأله عمر: ماذا صنعت؟
فقال: قضى عليٌّ بكذا.
قال عمر: لو كنتُ أنا لقضيت بكذا!
قال الرجل: فما يمنعك والاَمر إليك؟
قال عمر: لو أردّك إلى كتاب الله أو سنّة رسوله لفعلت، ولكنّي أردّك إلى رأي، والرأي مشترك، ولست أدري أيّ الرأيين أحقّ(2).
وجاء في «الاِحكام» لابن حزم: (قال أبو محمّد: فقد ثبت أنّ الصحابة4 لم يُفتوا برأيهم على سبيل الاِلزام، ولا على أنّه حقّ، لكن على أنّه ظنّ يستغفرون الله تعالى منه، أو على سبيل صلح بين الخصمين)(3).
وقال ابن حزم: وليس في تعليم عمر رضي الله عنه الناس التشهّد على المنبر ما يدلّ على أنّه عن النبيّ (ص). وقد نهى عمر وهو على المنبر عن المغالاة في مهر النساء، وعلّم الناس ذلك. ولا شكّ عند أحد في أنّ نهيه عن ذلك ليس عن النبيّ (ص)، وأنّ ذلك من اجتهاد عمر فقط، وقد أمر؛ بذلك في ذلك الوقت، ورجع عن النهي عنه، إذ ذُكِّر أنَّ نهيه مخالف لِما في القرآن.
وأمّا التشّهدات المرويّة عن ابن عبّاس وعائشة وابن مسعود وأبي موسىـ رضوان الله عليهم ـ فهي التي لا يحلّ تعدّيها لصحّة سندها إلى النبيّ. وقد خالف تشهّد عمر ـ الذي علّمه للناس على المنبر ـ ابنُه عبدالله وابن مسعود وابن عبّاس وعائشة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شَهِدوه يخطب به...)(4)..

____________
(1) تاريخ الطبريّ وغيره .
(2) الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة : 47 .
(3)الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة : 47 .
(4) الاِحكام في أُصول الاَحكام 2 : 188 .

( 236 )
وقالت الدكتورة نادية العمريّ، وهي بصدد نفي ما قيل عن عمر: إنّه إذا أعياه أن يجد حكماً في القرآن والسنّة نظر: هل فيه لاَبي بكر قضاء؛ فإنْ وجد له قضاء اتّبعه، قالت:
«وبناء على ذلك لم يكن يلتزم (أي عمر) برأي أبي بكر التزاماً مطلقاً، برغم مكانته الكبيرة في نفسه، إلاّ إذا استند إلى نصّ من كتاب أو سنّة. وهو في هذا الالتزام إنّما يتّبع هذا النصّ في الحقيقة، كما حصل بعد وفاة الرسول (ص) عندما ذكّره أبو بكر بآية من القرآن. أمّا حين يصبح الاَمر شورى ورأياً خاصّاً، فإنّ الرأي مشترك، كما قال عمر. وقد خالف أبا بكر في مسألة إقطاع المؤلّفة قلوبهم، التي رجع أبو بكر فيها إلى رأي عمر، وخالفه أيضاً في الاستخلاف حين جعل الاَمر شورى. وعلى هذا فإنّ عمر كان يستأنس برأي أبي بكر، ولكن لايأخذه على سبيل الاِلزام كالنصوص القرآنيّة والنبويّة، بدليل مخالفته له في أكثر من قضيّة وأكثر من موطن»(1).
والآن نتساءل كيف يمكننا الاَخذ بسيرة الشيخين ونرى الاختلاف بين نُقولهما واجتهاداتهما؟ وكيف يمكن تصحيح ما نُسب إلى رسول الله: (اقتدوا بالذين من بعدي) وقوله (عضّوا عليها بالنواجذ)(2)وقد رأيت الاختلاف بينهم واضحاً بيّناً وفي أكثر من قضيّة وموطن؟!
أفَتُرى أنّ رأي أبي بكر في قضيّة خالد هو الحجّة أم هو رأي عمر؟
وهل يُعقل أن يفرِض علينا النبيّ اتّباع رأي شخص غير معصوم وهو المطِّلع على آرائه واجتهاداته في الشريعة أيّام حياته (ص)؟!
وماذا يمكننا أن نقول عن اجتهاد عمر ـ كما يقولون ـ في ردّ سهم المؤلّفة قلوبُهم، وصريح القرآن يفرض الصدقات في قوله: (إنّما الصدَقات للفقراء والمَساكين والعاملين عليها والمؤلَّفة قلوبُهم...)(3)؟
وكيف يمكن تفسير رأيه في ميراث الجدّ مع الاِخوة، والطلاق ثلاثاً،
____________
(1) اجتهاد الرسول: 299 ـ 300.
(2) مسند أحمد 4 : 126 .
(3) التوبة:60.

( 237 )
وبيع أُمّهات الاَولاد، وعول الفرائض، وعدم وجوب التيمّم للصلاة مع فقدان الماء، ونهيه عن الصلاة بعد العصر، وصلاته على الجنائز أربعاً، وفي كلّ ذلك نصوص عن النبيّ تخالفه؟!
ليت شعري كيف يُعذر الشيخان ويصير ما قالاه حسناً مع تصريح الخليفة عمربن الخطّاب أنَّ صلاة التراويح كانت بدعة، ونعمت البدعة هي؟!
ثمّ يأتي العلماء ليفسّروا البدعة بمعناها اللغويّ لا الشرعيّ فيذكرون خبراً عن الرسول ـ في شرعيّة صلاة التراويح ـ مجمله: أنّه خرج ليلاً للصلاة في المسجد فائْتَمَّ به الناس، وفي اليوم الثاني كثر العدد، وفي اليوم الثالث أكثر حتّى خرج بهم إلى خارج المسجد، فترك الرسول الخروج إلى المسجد ولم يَنْه عنها ثمّ يفسّرو البدعة بمعناها اللغويّ!
فلو كان الاَمر في صلاة التراويح شرعيّاً ولم ينه عنه الرسول(ص) فما معنى حمل كلام عمر على معناه اللغويّ عند الاَعلام؟!
وإن كان الخليفة عمربن الخطّاب يعني معناه الشرعيّ، فما معنى ما يقولونه في تأويل فعل عمر؟ إنّها تناقضات الاَخبار والمعاذير المختلقة للاَشخاص وهي مشهودة للباحث.
لا أدري: أتُصَدَّق النصوص وما جاء في تراثنا الغابر، أم ما يقوله الاَساتذة من مبرّرات للشيخين؟!
أترى أنّ الله قد عصمهما من الخطأ وخُصّا بدليل يجوّز اجتهادهما ولزوم التعبّد برأيهما دون الآخرين، كما روي من قوله(ص): (عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي)(1)؟
أكان هذا النقل صحيحاً عن رسول الله، أم يُستشمّ منه وجود نهج آخر قِبال سنّة رسول الله؟
وأيُعقل أن يجعل رسولُ الله سنّته عديل سنّة الخلفاء الراشدين من بعده وهو العالم باختلاف أُمتّه من بعده والقرآن الكريم يقول: (أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ
____________
(1) آل عمران: 144.
(2) كنز العمّال 10: 221|29167 ، وانظر مستدرك وسائل الشيعة 17: 300.
(3) الصواعق المحرقة: 148 ط المحمّديّة و ص 90 ط الميمنيّة بمصر.

( 239 )
أو محرّمة، لقوله: (أنا أُحرّمهما)! وأمثال هذه المفردات كثيرة في الشريعة.
إنّ ما يُحتمل راجحاً في هذه النصوص ـ التي جاء فيها ذكر أسماء الخلفاء، أو التأكيد على (الذين من بعدي) مرتَّباً طبق الترتيب الزمنيّ للخلافة (أبو بكر، عمر، عثمان، عليّ) ـ أنّها قد وُضعت لاحقاً لتصحيح ما ذهب إليه الشيخان ومن تابع مدرستهما الاجتهاديّة، ولنا في ذلك أدلّة مفصّلة نُرْجئُها إلى حينها.

تطوّرات وتغييرات
لابدّ هنا من الاِشارة إلى ما وصل إليه أمر الاَُمّة في العصور اللاحقة.
قالت الدكتورة نادية العمريّ في كتابها الاجتهاد في الاِسلام: «وممّا ثبت أنّ المتأخّرين من الفقهاء قد غيّروا كثيراً من الاَحكام التي نُقلت عن أئمّتهم حين دعت الحاجة إلى التغيير، كما فعل الشافعيّ من قبل حينما انتقل إلى مصر وترك العراق والحجاز؛ فقد غيّر من مذهبه القديم إلى الجديد، وأملى كتابه الاَُمّ والرسالة، وكما فعل ابن القيّم الجوزيّة»(1).
وقال الدكتور تركي: «أمّا فيما يتعلّق بالاستحسان ـ الذي هو طريقة للهرب من القياس لاَسباب من التقدير الشخصيّ ـ فقد ظهر في القرن الثالث للهجرة، على ما ذكره ابن حزم»(2).
وقال الوافي المهدي: «وفي هذا الدور (أي زمن تأسيس المذاهب) تأثّر التشريع الاِسلاميّ بالعرف، فأصبح الكثير من الفقهاء يعتبرونه مخصِّصاً للنصّ. ومن ذلك تخصيص البعض منهم منع بيع الاِنسان ما ليس عنده الوارد فيه المنع بالاستصناع، وهو: أن يتفق شخص مع آخر على صنع شيء يوضّحه بالوصف ويقدّر له الثمن، فقد أُجيز هذا العقد مع أنّه من قبيل بيع ما ليس عند
____________
(1) الاجتهاد في الاِسلام: 104 ط 1 مؤسّسة الرسالة 1401هـ ـ بيروت.
(2) مناظرات في الشريعة الاِسلاميّة بين ابن حزم والباجي: 333.

( 240 )
الاِنسان»(1).
وجاء عن الاَُستاذ رشيد رضا: «من المجازفة في القياس والجرأة علىالله القول بنسخ مئات الآيات، وإبطال اليقين بالظنّ وترجيح الاجتهاد على النصّ ـ ثمّ ذكر كلام الشافعيّ الذي ربّما قاله بنفسه ـ «إنّ القياس لا يصار إليه إلاّ عند الضرورة كأكل الميتة».
وقال الباحث المصريّ شفيق شحاته: «إنّ ترقية القياس إلى درجة أن يكون مصدراً للشريعة يجب أن تُعزى إلى أسباب تاريخيّة خالصة»(2).
كانت هذه خلاصة لتاريخ التشريع الاِسلاميّ وملابسات الفقه، ذكرناها ليكون القارىَ على بصيرة من أمره، وليتعرّف على بعض الاَُصول التي أُوجِدت في الصدر الاَوّل الاِسلاميّ وجذور الاختلاف بين المسلمين، وكيف أصبحت شريعة الفقهاء تجوّز التعدّديّة في الرأي، مع علمنا أنّ الله واحد، ورسوله واحد، وكتابه واحد، وهو سبحانه يدعونا إلى الوحدة في الفقه والعقيدة، ويحذّرنا الاختلاف والفرقة، مؤكّداً (ص) بأنّ الفرقة الناجية من أُمّته هي واحدة، لاغير.

عود على بدء
الثابت عن رسول الله أنّه تصدّى لاَُمور الشريعة والدولة معاً، فكان من المحتّم على من يخلفه أن يكون مؤهّلاً في كلا الجانبين. وقد عرفت أن الشيخين كانا حاكمَين ولم يكونا عالِمَين. وبما أنّ مقام الحاكميّة في الاِسلام كان يحتاج إلى علم، فلا محيص إذَن من التصرّف في بعض الاَُصول، حتّى يمكن تشريع أقوالهما وإخراجها عن دائرة اجتهادات شخصيّة يمكن تخطئتها في العصور اللاحقة.
في حين كنّا قد عرفنا أنّ الشيخين لم يكونا يدّعيان في أوائل خلافتهما ـ أنهما قد حفظا جميع علم رسول الله، بل نراهما يسألان الصحابة عمّا قال
____________
(1) الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: 208.
(2) مناظرات في أُصول الشريعة بين ابن حزم والباجي: 330 عن.(3).

( 241 )
الرسول فيما جهلاه من أحكام كمسائل الجدّة وغيرها، وإذا حدث تخالف بين رأيهما وقول رسول الله فإنّهما كانا يتراجعان عمّا أفتيا به، كما حصل في موارد كثيرة، لكنّ عمر ـ في الفترة الاَخيرة من خلافته ـ لم يرتضِ الرجوع عمّا أفتى به، بل أمر بحبس الصحابة عنده حتّى وافاه الاَجل.
إنَّ الشيخين ـ بل عامّة المسلمين ـ كانوا يعلمون أن المشرِّع هو الله ورسوله، وليس لاَحد حقّ التشريع أمام نصّ القرآن والسنّة، وكلّ ما لَهما هو أن يستنبطا الاَحكام من القرآن والسنّة. وإنّ تراجعهما عمّا أفتيا به وأخذهما بكلام الصحابة والمحدِّثين عن رسول الله، ينبىَ بأن الاَصل كان عندهما السنّة لااجتهاداتهم.
لكنّهم وبمرور الاَيّام أخذوا يؤكّدون على رأيهم واجتهاداتهم، وإن كان مخالفاً لقول رسول الله أو مخالفاً لاجتهادتهم السابقة، فمثلاً يقول عمر: (تلك على ما قَضَيْنا، وهذه على ما قَضَيْنا)! نعم إنّه يعلم أنّ بيان التخالف بين نُقُول الصحابة عن رسول الله واجتهاداته لو استمرّ فمن شأنه أن يؤدّي إلى انفصال القيادتين السياسيّة والعلميّة عمّا بينهما، وهذا ممّا لا يقبله الخليفة بأيّ وجه من الوجوه.
إنّ السماح بتناقل حديث رسول الله يودّي إلى رفع مستوى الوعي والتبصّر عند المسلمين بوقوفهم على سنّته (ص). ولمّا كان الخليفة لايعرف كلّ ما صدر عن رسول الله (ص) فإنّه لا محالة سيخالف باجتهاده قول الرسول، وهذا سيضعه أمام مشكلة مع الصحابة، ويؤدّي إلى تخالف آرائهم في الاَحكام. ومن أجل القضاء على كلّ هذا قال لمن جمعهم من الصحابة: (إنّكم أفشيتم الحديث عن رسول الله) وفي آخر: (أكثرتم الحديث عن رسول الله).
لاَنّه كان يرى أنّ في الاِفشاء والاِكثار ثقل المواجهة!
نعم إنّه جاء ليؤكّد على القياس والاَخذ بالرأي، كما مرّ في رسالته إلى أبي موسى الاَشعريّ وشُريح القاضي، وكذا الحال بالنسبة إلى أحاديث الاجتهاد التي رويت عن معاذ وعمرو بن العاص وغيرهما عن النبيّ فإنّها جاءت لتصحيح الموقف.

( 242 )
وهذا الذي قلناه من أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي استعمل الاجتهاد واقترحه أكثر من أبي بكر، لايتنافى مع ما قيل من إنّ القياس حدث في العصور المتأخّرة والاَزمنة اللاحقة، نتيجة لضرورات زمنيّة مرّت بها الدولة وفقهاؤها آنذاك. لاَنّ أصل نشوء فكرة الاجتهاد ببذراتها الاَُولى كان من مبتكرات عمر كما اتّضح لك في البحوث السابقة، لكنّ ذلك النشوء لم يكن متكامل الجوانب والمباني، بل ظلّ يتعثّر في خطاه ويكبو، واعترض عليه الكثير من الصحابة والتابعين إلى أن اكتملت أُصوله وصارت له بنيويّة متكاملة خاصّة يميّزه عن غيره من أُصول الاجتهاد التي رسموها وذلك في العصور المتأخّرة ـ في أوائل القرن الثاني الهجريّ ـ، فلذا نرى بروز أسماء أُخرى واصطلاحات مستجدّة أُخرى إلى جانبه كالاستحسان والمصالح المرسلةوو.. وهذا واضح لاغبار عليه.

بيان الاِمام عليّ (ع)
وبذلك صارت الفتاوى تؤخذ عن رأي وقياس ، وليس جميعها عن نصّ ورواية؛ فلذلك كان بعض الصحابة ـ كما قلنا ـ لايرتضون الاجتهاد فيما لانصّ فيه؛ لقربهم من زمن التشريع ولمعرفتهم بمن عنده نصوص عن رسول الله (ص)، في القضايا الحادثة، بَيدَ أنّ خفاءها على الخليفة لايعذّره ليفتح أبواباً واسعة للاجتهاد، لاَنّ في ذلك خطراً على الفقه والعقيدة الاِسلاميّة. وقد جسّم الاِمام عليّبن أبي طالب واقع الاَُمّة والصدر الاَوّل من تاريخ الاِسلام وفي هذه الفترة الحسّاسة بقوله في بعض مقاطع الخطبة الشِّقشقيّة:
(... يَكْثُر العِثارُ فيها، والاعْتِذارُ منها، فصاحِبُها كَراكِب الصَّعْبَةِ: إنْ أشْنَقَ لها خَرَمَ، وإنْ أسْلَسَ لها تَقَحَّم، فَمُنِيَ الناسُ لَعَمْرُ اللهِ بِخَبْطٍ وشِماسٍ، وتَلوُّنٍ واعْتِراضٍ، فَصَبَرْتُ على طولِ المُدّة وشِدّة المِحنَة...).
قال ابن أبي الحديد في شرح: قوله (ع): «ويكثر العثار فيها والاعتذار منها» قال: ليست هذه الجهة جَدَداً مهيعاً، بل هي كطريق كثير الحجارة، لايزال الماشي فيه عاثراً، وأمّا قوله عليه السلام (والاعتذار منها) فيمكن أن تكون
( 243 )
«من» على أصلها، يعني أنّ عمر كان كثيراً ما يحكم بالاَمر ثمّ ينقضه ويُفتي بالفُتيا ثمّ يرجع عنها ويعتذر ممّا أفتى به أوّلاً. ويمكن أن يكون (من) ههنا للتعليل والسببيّة، أي ويكثر اعتذار الناس عن أفعالهم وحركاتهم لاَجلها، قال:

أمِن رسمِ دارٍ مربع ومَصيف * لعينيكَ من ماء الشُّؤون وَكِيفُ؟

أي لاَجل أن رسمَ المربّعُ والمصيفُ هذه الدارَ وَكَف دمع عينيك؟ والصعبة من النُّوق: ما لم تُرْكُب ولم تُرَض، إن أشنق لها راكبها بالزمام خَرَم أنفها، وإن أسلس زمامها، تقحّم في المهالك، فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندّت فلمتقف حتّى تُرديه عنها فهلك. وأشنق الرجل ناقته إذا كفّها بالزِّمام وهو راكبها)، إلى أن يقول في معنى قوله عليه السلام (فَمُنِي الناس): أي بُلي الناس، قال:

* مُنيتُ بِزَمَّرْدَةٍ كالعصا *

و(الخَبْط) السير على غير جادّة. و(الشِّماس) النفار. و(التلوُّن) التبدّل. و(الاعتراض) السير لا على خطّ مستقيم، كأنّه يسير عرضاً في غضون سيره طولاً، وإنّما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط...».
ويبدو لنا من قوله هذا ما يجسّم مراحل التغيُّر والتبدّل الذي طرأ علىالاَُمّة في زمن حكومة الخليفة عمر بن الخطّاب، وكيف أنّ الناس «مُنُوا» بهذا الداء العضال الذي أبعدهم عن الجادّة التي كان يفترض أن يسلكوها في حياتهم الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فيقول الاِمام عليّ في المرحلة الاَُولى «فمُنيَ الناسُ لعمر الله بخبطٍ»، وهو السير دون اهتداء وعلى غير الجادّة، إذ بعد وفاة النبيّ (ص) تبيّن واضحاً عجز من قام بعده في كلّ المجالات الدينيّة والثقافيّة والاِرشاديّة وحتّى السياسيّة، حيث خلطت السياسة آنذاك بين المرتدّين وغيرهم، بُغيَةَ التخلّص من الاَعداء السياسيّين للخليفة الاَوّل، فترى قتل مالكبن نويرة تبقى ظلامة دون رادع من الخليفة، لكنّ قِصَر فترة خلافة أبي بكر غطّت شيئاً مّا من الفجوات، ولم تظهر «الخبط» بمظهر صارخ، بعكس خلافة عمربن الخطّاب التي امتدّت عمراً طويلاً فتبيَّن فيها من الاَُمور والاَحداث ما لم يكن بائناً من ذي قبل، وهذا هو الذي جعل الاِمام عليّاً يوكّد
( 244 )
على فترة خلافة عمر، باعتبار أنّ لها الحصّة العظمى من التغيّر والتبدّل.
وبما أنّ الخليفة يجهل الكثير من الاَُمور، فقد جهلها الناس تبعاً لذلك، لاَنّ الخليفة والحاكم هو المقوِّم للرعيّة، فإذا كان هو بحاجة إلى التقويم ومعترفاً بالعجز والقصور، حصل «الخبط» والسير في مناهج الحياة على غير الجادّة التي رسمها النبيّ (ص) للمسلمين، فتشعّبت الآراء والاجتهادات، وراح كلُّ يدّعي أنّ الصواب حليفه وأنّ الخطأ نصيب الآخرين، بل الخليفة نفسه راح يفتي بشيء ثمّ يفتي بضدّه أو مخالفه ثمّ يدّعي صحّة الجميع وأنّ كلّ آرائه حجّة ملزِمة، وبذلك ضاعت الجادّة، ولم يبق الطريق مهيعاً لاحباً، فلذلك سار الناس على دروب ملتوية بعد أن فقدت الجادّة التي ينبغي السير عليها.
وهذا بعينه ما أشار إليه الاِمام علي في حديث آخر قال فيه «لايدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبّاط جهالات، عاشٍ ركّابُ عَشَوات، لم يعَضّ على العلم بضرس، قاطع، يذري الرِّوايات إذراء الريح الهشيم...»
بعد ذكر الاِمام المرحلة الاَُولى، جاء ليقول «وشماسٍ»، إذ إنّ النتيجة الطبيعيّة للسير على غير الجادّة وبدون هدىً أن يجرّ هذا السير إلى النفار وإلى ضروب من ردود الفعل غير المدروسة، ولذلك نرى بروز أحداث وسلوك غيرطبيعيّ عند المسلمين لم يكن من قبل، برز كنتيجة طبيعيّة لتركهم وإضاعتهم للجادّة الدينيّة الصحيحة، فترى ازدياد حالة قتل الاَسياد لعبيدهم، ممّا حدا بالخليفة عمر أن يحاول تقنين قانون «قتل الحرّ بالعبد» خلافاً لقوله (ص) «لايقتل حرّ بعبد»، فترى النفار والتصرّف غير الطبيعيّ من كلا الطرفين من الخليفة أوّلاً إذ أضاع عليهم الجادّة ومنهم ثانياً إذ أساءوا الاستفادة من هذا القانون الاِسلاميّ، نتيجة لغياب حالة الوعي الدينيّ المستوحى من النصوص التي تفرضُ حرمة قتل النفس والاِساءة إلى الآخرين، وهذا هو عين النفار، أو ما يعبّرون عنه بـ «هستيريا المجتمع». أو الشيزوفيرينية بالمصطلحات الحديثة. وهذه حالة خطيرة في المجتمعات تُراكِبُ فيها العُقَد وحالات الانتقام والشجار والانفلات الاجتماعيّ.

( 245 )
ومثل ذلك بروز ظاهرة هَتْف النساء بالرجل (نصر بن الحجّاج)، وظاهرة اشمئزاز المجتمع من بعض المفردات الفقهيّة التي قد لا تتلائم مع ذوقهم، متناسين حرمة الشارع المقدّس، كتحريمهم للمتعة، التي لها أكبر الاَثر في استقرار المجتمع خصُوصاً في حالات الحرب وقلّة الرِّجال و و...
وإذا تأمّلت فيما أسلفناه من تصرّفات الخليفة عمر ومخالفة بعض الصحابة له، وتأييد آخرين له، وحصول الانشقاق، وبروز حالات شاذّة لمتكن في زمن النبيّ (ص) رأيت أنَّ الخليفة يقف أمامها موقف العاجز. أو المقوِّم لكن بشكل سلبيّ، كقضيّة مشاطرة عمّاله أموالهم. فمتى كان عمّال النبيّ (ص) خونة لمال الله ومال المسلمين!! ومتى كان النبيّ يشاطرهم!! وإن كان بعضه مسروقاً من المسلمين وجب على الخليفة تحرّي ذلك المقدار المسروق وأخذه دون غيره، وعلى كلّ التقادير، فالمهمّ هو حصول حالة «الشماس» أو «النفار» في المجتمع الاِسلاميّ بعد أن سار على غير الجادّة.
ثمّ أشار الاِمام عليّ (ع) إلى مرحلة ثالثة من مراحل التغيّر، وهي «التَّلوُّن» أي «التبدّل» إذ بدا تبدّل الاَحكام في زمن الخليفة الثاني أمراً طبيعيّاً، باعتبار أنّ الخليفة له أن يؤسّس حكماً أو يلغي حكماً، وله أن يقيّد مطلقاً، أو يطلق مقيداً، وله أن ينسخ آيات القرآن وعمل النبيّ (ص)، وله أن ينفي ويغرّب، وله أن يعاقب أو يصفح، كلّ ذلك بدليل أنّه «خليفة» مجتهد له رأيه الخاصّ الذي لابدّ من احترامه وأنّه يعرف المصلحة أحسن من غيره.
وقد تركزت هذه الفكرة وترعرعت في نفوس الكثيرين ممّن لميكونوا بالمستوى المطلوب ، أو كانوا من الذين تأثّروا بالصحابة العاملين بالرأي على عهد رسول الله، فصار كلّ شيءٍ متبدّلاً عمّا هو عليه في واقع الاَُمّة والتشريع، فضرب الصحابيّ صار أمراً راجحاً باعتباره «تأديباً للمنحرفين»، وتحريم الحلال وتحليل الحرام صار حقّاً طبيعيّاً للخليفة باعتباره «مصلحة للمسلمين»، وصار تعدّد الاِفتاءات في الجدّة وغيرها أمراً مألوفاً باعتبار «كلّ ما أفتى به المجتهد فهو حكم الله»، وصار كلُّ حكم صحيحاً في زمانه، كما قال الخليفة «تلك على ما أفتينا العامَ وهذه على ما أفتينا الآن»، وصار سهم المؤلّفة قلوبهم
( 246 )
ملغى باعتبار «أنَّ الاِسلام عزيز» و و و...
وهذا كلّه ـ تبديل وتبدُّلٌ ـ طرأ على المسلمين، فصيّر عندهم فقهاً غيرصحيح، وعقائد لم يرتضها الرسول كما في البكاء على الميّت وغيره واستنتاجات ارتجاليّة.
وجاءت الطامّة الكبرى في المرحلة الرابعة من مراحل التغيّر وهي مرحلة «الاعتراض» وهي السير لا على خطّ مستقيم، كأنّ الماشي يسير عرضاً في أثناء سيره طولاً، فكلّما زاد سيره زاد بُعدَهُ ، وهذا التعبير من الاِمام عليّ دقيق جدّاً، وجدير بالوقوف عنده والتأمّل في اختصاره «الاعتراض» وكثرة مغزاه ومعناه.
ففي المراحل السابقة كان السير خبطاً لا على الجادّة، وكان يؤمَّل أن يرجع الناس إليها لو أُتيح لهم الدليل على ذلك الطريق المهيع، لكنّ فقدان الدليل المقوّم انجرّ عبر المرحلتين الاَُخريين إلى أن يكون السير «اعتراضاً»، بحيث لايمكن تقويمه، فإنّ الاَُصول تأصّلت والسير أخذ مجراه غيرالطبيعيّ كقاعدة وليس كحالة شاذّة في وقت معيّن بحيث يمكن معالجتها.
وإذا تصوّرت معنى «الاعتراض» فهمت أنّ السير مهما امتدّ ازدادت شُقة الانحراف، وكلّما طالت المدّة زاد البُعد عن الطريق الاَوّل، فإذا رسمت الجادّة خطّاً مستقيماً، ثمّ رسمت «الاعتراض» خطّاً مائلاً، ثمّ مددت الخطّين رأيت أنّ الاَوّل مهما امتد فهو في مسار واحد وهو الاَصل، وأمّا الخطّ المائل فكلّما مددته زاد ابتعاده عن الخطّ الاَوّل وهو معتقد بأنّه يسير على الجادّة المستقيمه وهذا ما نلحظه بالفعل اليوم من اتّساع هوّة الخلاف بين المسلمين بحيث يتعذّر التأليف بين فرقتين منهم، بل يعسر توحيد وجهات نظرهم في مسألة خلافيّة واحدة.
فهذا يقول إنّ القياس حجّة، وذلك يقول «إنّ أوّل من قاس إبليس»، وهذا يقول بأنّ المتعة ما زالت مشرّعة، وذلك يقول «نسخت بقول عمر»، وهذا يقول إنّ الاِمامة بالنصّ والتعيين، وذلك يقول تارة بالشورى وأُخرى بمن بايعه أهل الحلّ والعقد ، وهكذا ترى «الاعتراض» في أغلب أُمور الشريعة الاِلـهيّة النبويّة الواحدة.
وقد أجاد الاِمام عليّ في وصفه تلك الحقبة وما طُرح فيها من آراء.

( 247 )
فالاجتهاد وما يدعو إليه الخليفة من رأي له من المطّاطيّة والانسياب ما لايمكن لاَحد الحدّ من سيره؛ فهو كراكِبِ الصَّعْبة: إن أشنقَ لها خَرَم، وإن أسلس لها تقحّم.
ومن أجل كلّ هذا ترى ابن عوف ـ رغم أخذه العهد من عثمان في السير على نهج الشيخين ـ لا يمكنه الضغط عليه في اجتهاداته: كإتمامه الصلاة بمنى؛ لاَنّه اتّخذ الرأي والاجتهاد الذي شرّعه عمر بن الخطّاب، فلايمكن لابن عوف وغيره أن يحدّد عثمان في فعله؛ لاَنّه اجتهد في الحكم رغم عرفانه أنّ النبيّ وأبا بكر وعمر قد قَصَروا الصلاة في منى.
وبعد هذا لم يَعُد بالاِمكان أن يحدّد غيره من الصحابة والخلفاء بالنصوص الصادرة عن رسول الله، كمعاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، لاَنّ ما يقولون به هو اجتهاد أيضاً!
وجاء عن الاِمام عليّ7: «واعلَمُوا عبادَ الله أنّ المؤمنَ يَسْتِحلّ العامَ ما استحَلّ عاماً أوّل، ويُحرِّم العامَ ما حَرّم عاماً أوّل، وأنّ ما أحدثَ الناسُ لايُحلّ لكم شيئاً ممّا حُرّم عليكم، ولكنّ الحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرّم الله»(1).
وفي قول له آخر: «وأنزلَ عليكم الكتابَ تِبياناً لكلّ شيءٍ، وعمَّر فيكم نَبيَّه أزماناً، حتّى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابهِ دينَه الذي رضِي لنفسه، وأنهى إليكم على لسانه محابَّه من الاَعمال ومكارِهَه ونواهيه وأوامره، وألقى إليكم المعذرة، واتّخذ عليكم الحجّة، وقدّم إليكم بالوعيد، وأنذركم بين يدَي عذاب شديد»(2).

تأكيدٌ لما استنتجناه
روى البيهقيّ بسند صحيح أنّ أبا بكر حين استُخلف قَعَد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر بن الخطّاب فأقبل أبو بكر عليه يلومه، وقال: أنت كلّفتني هذا
____________
(1) نهج البلاغة 2: 114| ضمن الخطبة (171).
(2) نهج البلاغة 1: 147|82.

( 248 )
الاَمر! وشكا إليه الحُكْمَ بين الناس، فقال عمر: أوَ ما علمت أنّ رسول الله قال: إنّ الوالي إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد؟!
ونقل عن أبي بكر أنّه كان يقضي بالقضاء فينقضه عليه أصاغر الصحابة كبلال وصهيب ونحوهما(1).
أترك هذا النصّ للقارىَ دون أيّ تعليق، ليقارن ما قلناه بما كان يواجه الشيخين من مشاكل علميّة أوجدت كثيراً من الاِحراج النفسيّ.
قال الدكتور محمّد رواس قلعةچي في مقدّمة كتاب «من موسوعة فقه السلف، إبراهيم النخعيّ»: إنّ الاَُستاذ لمدرسة الرأي هو عمر بن الخطّاب؛ لاَنّه واجه من الاَُمور المحتاجه إلى التشريع ما لم يواجهه خليفة قبله ولا بعده، فهو الذي على يديه فُتحت الفتوح، ومُصِّرت الاَمصار، وخضعت الاَُمم المتمدّنة من فارس والروم لحكم الاِسلام(2).
وقال الاَُستاذ أحمد أمين في «فجر الاِسلام»:
بل يظهر لي أنّ عمر كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، ذلك أن ما ذكرنا هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولاسنّة، لكنّنا نرى عمر سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لاَجلها كانت الآية أو الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه. وهو أقرب شيء إلى ما يُعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لابحرفيّته.
وقال أيضاً:
وعلى كلّ حال، وجد العمل بالرأي، ونقل عن كثير من كبار الصحابة قضايا أفتَوا فيها برأيهم، كأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب ومعاذبن جبل. وكان حامل لواء هذه المدرسة أو هذا المذهب فيما نرى عمربن الخطّاب(3).

____________
(1) انظر كشف الاشتباه ، للرشتيّ : 79 .
(2) انظر مقدّمة موسوعة فقه إبراهيم النخعيّ.
(3) فجر الاِسلام: 240.

( 249 )
وقالت الدكتورة نادية شريف العمريّ في «اجتهاد الرسول»: ولميكن الاجتهاد بالرأي والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعة ابتدعها التابعون المقيمون في العراق، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة، منهم عمر بن الخطّاب...(1).
وقال الدكتور محمّد سلاّم مدكور في «مناهج الاجتهاد»:
... وقد اقتضت الفتوحات الاِسلاميّة المتتالية، في عصر الصحابة، مواجهة مسائل جديدة نابعة من طبيعة البلدان المفتوحة، وأُخرى ولّدتها ظروف الحرب، دفعتهم هذه المسائل إلى الاجتهاد بالرأي؛ إذ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، فضلاً عن أنّ السنّة لم تكن قد دوّنت بعد(2).
ويقول في كلام آخر له: أمّا إذا كان قول الصحابيّ صادراً عن رأيه واجتهاده فيما يُدرَك بالعقل، وكان موضع خلاف من الصحابة، فهذا هو محلّ خلاف الفقهاء؛ فذهب فريق إلى حجّيّته وإن خالف القياس. وذهب آخرون إلى حجّيّته بالنسبة لقول أبي بكر وعمر دون غيرهما، وذهب الشيعة والشافعيّ في أحد قولَيه، وأحمد في إحدى روايتين عنه، والكرخيّ من الحنفيّة إلى أنّه ليسبحجّة. وذهب مالك وبعض الحنفيّة والشافعيّ في قول له وأحمدبن حنبل في رواية عنه أنّه حجّة مقدّمة على القياس.
وأختار الآمديّ أنّه ليس بحجّة. ويعلّل الغزاليّ في «المستصفى» لذلك بقوله: ليس بحجّة؛ لانتفاء الدليل والعصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم. كما يعلّل الشوكانيّ ذلك بقوله: والحقّ أنّه ليسبحجّة؛ فإنّ الله لم يبعث إلى هذه الاَُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً عليه السلام، وجميع الاَُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك(3)….
وقال الاِمام الكرخيّ : (الاَصل أنَّ كلّ آية تخالف قول أصحابنا فإنَّها
____________
(1) اجتهاد الرسول: 321.
(2) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 77.
(3) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 244، وله كلام آخر في ص 347 فراجع.

( 250 )
محمولة على النسخ أو على الترجيح ، والاَولى أن تحمل على التأويل من جهة التوفيق، الاَصل إن كان خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنَّه يحمل على النسخ، أو على أنّه معارض بمثله ، ثمّ صار إلى دليل آخر ، أو ترجيح فيه بما يحتجّ به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق)(1).
وقال الشيخ خلاّف: وفي عهد الصحابة واجهتهم وقائع، وطرأت لهم طوارىَ لمتواجه المسلمين، ولم تطرأ لهم في عهد الرسول، فاجتهد فيها أهل الاجتهاد منهم وقَضَوا وأفْتَوا وشرّعوا وأضافوا إلى المجموعة الاَُولى عدّة أحكام استنبطوها باجتهادهم، فكانت مجموعة الاَحكام الفقهيّة في طورها الثاني مكوّنة من أحكام الله ورسوله وفتاوى الصحابة وأقضيتهم، ومصادرها القرآن والسنّة واجتهاد الصحابة...(2).
وبهذا عرفنا أنّ الرأي لم يكن شيئاً حادثاً عند الحنفيّة أو غيرهم لكي ينسب إليهم اتّجاه الرأي، بل إنّ الخليفة عمر بن الخطّاب هو الذي كان قد رسم أُصول هذه المدرسة. والنصوص السابقة تفنّد ما قيل عن عمر من أنّه كان يخالف الرأي، بل هو المشرّع الاَوّل له، أمّا النصوص الصادرة عنه، الناهية عن الرأي، فيحتمل صدورها في أوائل خلافته، أو في أواخرها، أي حينما أدرك تعذّر إمكان الحدّ من شيوع ظاهرة الرأي عند الصحابة، والتي تطوّرت بعد اجتهاداته الاَخيرة. أو لعلّه ـ كما هو الراجح ـ كان يرى لزوم التعبّد لغيره، وجواز الاجتهاد والرأي لنفسه، وأنّ على الآخرين أن يلتزموا بما يقوله هو باعتباره «أعلم» حسب ادّعائه المتأخّر زماناً!
فجاء عنه أنّه لمّا سمع اختلاف الصحابة صعد المنبر وقال : إذا اختلف اثنان من أصحاب رسول الله فعن أيّ فتياكم يصدر المسلمين ، لاأسمع رجلين يختلفان بعد مقامي هذا إلاّ فعلتُ وصنعت .
وبهذا تكشّفت أُصول النهجين وعرفنا أنّ البعض منهم يقول بمشروعيّة
____________
(1) أُصول الكرخيّ المطبوع مع تأسيس النظر للدبّوسيّ عن أثر الاختلاف في القواعد الاَُصوليّة للدكتور مصطفى سعيد الحسن ـ مؤسّسة الرسالة ، الطبعة الثانية 1402هـ.
(2) علم أُصول الفقه، لخلاّف: 15.

( 251 )
الرأي والقياس، والآخر لا يرتضيهما مستدلاًّ بأنّ القرآن والسنّة يغنيان عن الرأي والقياس وأنّ الشريعة ليست بناقصة لكي تكمل بالقياس.
وكان النهجان على اختلاف دائم، فالذي دعا إلى الاَخذ بسنّة رسول الله نهى عن الرأي وصرّح بلزوم تدوين السنّة وأكّد أنّ القرآن ليس بناقص، وأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، وهؤلاء كانوا يحدّثون بالسنّة ولو وضعت الصمصامة على أعناقهم(1)، أمّا الذي دعا إلى الاجتهاد والرأي فقد خالف التدوين وفتح باب الرأي في كلّ شيء.

رموز الاجتهاد والخلافة
من جهة أُخرى نرى أنّ الذين كانوا يذهبون إلى الاَخذ بكلمات الشيخين وحتّى المخالفة منها للنصوص كانوا لا يرتضون إكثار الحديث عن رسول الله، ويعارضون التدوين، ومن يراجع عهود يوم الشورى وسبب ترجيح الخليفة عمربن الخطّاب كفّة ابن عوف فيها، وإلزامه الجميع بالخضوع لما يتّخذه من قرار، يجد أنّ هذه الوقائع تنبىَ عن حقيقة سياسيّة، قال عنها الدكتور إبراهيم بيضون:
«... ومن ناحية أُخرى، فإنّ البروز المفاجىَ لعبد الرحمنبن عوف بعد حادثة الاغتيال وظهوره في الوقت المناسب إلى جانب عمر ـ حيث دعاه لاَن يؤُمَّ الصلاة بعد طعنه ـ يحتاج أيضاً إلى بعض المناقشة؛ فقد انتقل هذا الصحابيّ الاَرستقراطيّ فجأة إلى واجهة الاَحداث، بعد أن عاش على هامشها، ليقوم بالدور الاَوّل في تسمية الخليفة!»(2).
فاستبان إذَاً أنّ السياسة كانت وراء رسم بعض الاَُصول المأخوذ بها اليوم في الشريعة، ومنها تطبيق ما سُنّ على عهد الشيخين، إذ إنّ محوره كان الشورى
____________
(1) كما صرّح بذلك أبو ذرّ، انظر سنن الدارميّ 1: 136، صحيح البخاريّ 1: 27، حجّيّة السنّة 3: 464.
(2) ملامح التيّارات السياسيّة في القرن الاَوّل الهجريّ: 103.

( 252 )
المبتنية على قبول هذا الشرط أو رفضه. فإن ارتضى الخليفة الجديد العمل بسيرة الشيخين فله الخلافة، وإلاّ فلا.
قال ابن عوف لعليّ، يوم الشورى:
يا عليّ ! هل أنت مُبايِعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعلِ أبي بكر وعمر؟ فقال: على كتاب الله وسنّة نبيّه، فنَعَم، أما سيرة الشيخين فلا.
ويحقّ هنا للحقوقيّ المنصف أن يسأل: كيف تكون هذه الخلافة شورى مع أنّهم يرسمون للخليفة اتّجاهه المستقبليّ ويحدّدون له ما يريدون من إلزامات؟
أترى أنّ الشورى تتّفق مع ضرب الاَعناق إن تأخّروا عن البيعة فوق ثلاثة أيّام، أو تتّفق مع أمر عمر بقتل من خالف الاَربعة منهم، أو الثلاثة الذين ليسفيهم عبدالرحمن بن عوف؟!
وهل مثل هذه التشكيلة المرتبكة المحاطة بالعنف والتهديد تسمّى شورى منسجمة مع روح الاِسلام، وحتّى مع الديمقراطيّة الحديثة؟!
وكيف يمكن أنّ يُقيّد صحابيّ جليل بهذه القيود وهو أحد الاَعضاء الستّة للشورى ومن أصحاب الحلّ والعقد ومن أعيان الصحابة؟!
بل كيف يكون هؤلاء من أصحاب الحلّ والعقد وتراهم لايحلون ولايعقدون، إلاّ طبق المقرّرات؟!
وهل يسمّى هذا انتخاباً حرَّاً؟
وكيف يمكن تصوّر حرّيّة الانتخاب في حين نرى السيوف مشهورة على رؤوسهم، وهم مكلّفون بحسم القضيّة في ثلاثة أيّام مع حتميّة موافقتهم على اجتهادات الشيخين بإزاء الكتاب والسنّة؟!
بلى، إنّ الشورى لم تكن بالمعنى المعروف لهذه الكلمة اليوم، بل كانت تفتقد إلى روح الديمقراطيّة والحرّيّة ـ المعروفة اليوم ـ، كما أنّها مُنَيِت بسلبيّة تشريع سيرة الشيخين بإزاء سنّة رسول الله، ونحن نعلم أنّ فرض هذا القيد بجنب الكتاب والسنّة يوحي أنّ القيد هو المطلوب من العمليّة كلّها، وإن كان بالقهر والغلبة؛ لاَنّ الكتاب والسنّة لا اختلاف فيهما، وما من حاجة إلى هذا
( 253 )
القدر الخطير من الاِصرار والتهديد لاَعيان الصحابة، من أجل الاَخذ بهما في التطبيق.
نعم، إنّ ابن عوف لمّا فهم أنّ الاِمام عليّاً قد رفض هذا الشرط الاِضافيّ على التشريع، والذي أُريد إقحامه في مجال الحكم الاِسلاميّ، التفت إلى الخليفة عثمان بن عفّان وقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعلِ أبي بكر وعمر؟
قال: اللّهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفَيه، وقال: إذا شئتما!
فنهضا حتّى دخلا المسجد وصاح صائح : الصلاة جامعة...ـ الخبر(1).
لقد دلّ الشرط الاَخير، وتأكيد ابن عوف عليه، على وجودَ تخالف بين سنّة رسول الله وسيرة الشيخين، على أقلّ تقدير من وجهة نظر الاِمام عليّ وأتباعه من نهج التعبّد؛ لاَنّهما (أي سيرة رسول الله وسيرة الشيخين) لو كانتا متّحدتين فما معنى تأكيد ابن عوف على لزوم الاَخذ بالثاني؟ ولِمَ لَمْيستجب لقول الاِمام عليّ حينما قال: (على كتاب الله وسنّة نبيّه، نعم) ولماذا لميسلّمه الخلافة، إن لم يكن هناك تنافٍ بينهما وأنّهما شيء واحدٌ؟ إنّ امتناع الاِمام عليّ عن قبول ذلك الشرط وعدم تسليم ابن عوف الخلافة له، يوضّح التباين المكشوف بين النهجين.
بلى، إنّ اتّجاه التعبّد المحض كان في تضادّ مع الاجتهاد بالرأي ـ الذي دعمه الشيخان ـ فابن عوف بتأكيده على سيرة الشيخين كان يريد تطبيق ما سُنّ على عهدهما من آراء، والذهاب إلى مشروعيّتها، وعدم جواز مخالفة الخليفة الخلف لاجتهادات من سلف!
لكنّ رجال التعبّد المحض كانوا لا يَرَون مشروعيّة تلك الاَقضية؛ لاَنّها غيرمستوحاة من النصّ، فكانوا يخالفونها ولا يرضونها، ويجدّون في نقل الحديث عن رسول الله بما يضادّها.
وكان أنصار مدرسة الخلفاء يضعون الاَحاديث على لسان رسول الله،
____________
(1) انظر قصّة الشورى في تاريخ الطبريّ 4: 190 ـ 227 ـ 238.

( 254 )
لكي يستنصروا لرأي الخليفة، وهذا هو ما يقف وراء ما نجده من الاختلاف الواضح في الاَحاديث التي نقلوها أو التي نقلت عنهم.
إنّ تخالف الاَحاديث، ووجود أحاديث تؤيّد مدرسة أهل البيت عند أهل السنّة والجماعة لا يعني ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ أنّها وضعت من قِبل الروافض ومن قبل الزنادقة(1)، بل هو مؤشّر على وجود نهج أصيل عند الصحابة، وهم الذين يروون حديث رسول الله، وإن وضعت الصمصامة على أعناقهم، فالخليفة عمر بن الخطّاب كان يتخوّف من تصدّر أمثال هؤلاء الصحابة للخلافة والاِفتاء من بعده، لاَنّ تصدّي هؤلاء المتعبّدين لاَمر الخلافة يعني الكشف عن الفارق بينه وبينهم، ممّا يفضي إلى تضعيف مكانة الخليفة ويقود إلى الطعن عليه.
ويتجلّى هذا الهاجس الذي كان يلاحق الخليفة، والذي حدا به أن يتخّذ أُسلوب فتح باب الرأي والاجتهاد، ومحاولته تقنين ذلك وأضفاء طابع المشروعيّة المطلقة عليه، يتجلّى هذا من النصّ الذي نقله لنا الحافظ الموفّقبن أحمد، بإسناده عن محمّد بن خالد الضبّيّ، قال:
خطبهم عمربن الخطّاب فقال: لو صرفناكم عمّا تعرفون إلى ماتنكرون ما كنتم صانعين؟ قال محمّد: فسكتوا، فقال ذلك ثلاثاً، فقام عليّ (ع) فقال: ياعمر إذن كنّا نستتيبك، فإن تبت قبلناك.
قال: فإن لم أتَبْ؟
قال: فإذن نضرب الذي فيه عيناك.
فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الاَُمّة من إذا اعوججنا أقام أودنا(2).
ويمكننا أن نستشفّ من هذا النصّ عدّة أشياء:
1 ـ أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب عبّر بقوله «عمّا تعرفون إلى ما تنكرون»، ولم يقل «عمّا نعرفه إلى ما ننكره» ففي هذا إشارة للبصير، فتأمّل.

____________
(1) كما ذهب إليه البعض ، انظر مقدّمة مصنّف ابن أبي شيبة.
(2) المناقب للخوارزميّ: 52.

( 255 )
2 ـ أنّ في سكوت المسلمين، بعد تكراره قوله ثلاث مرّات لدلالة واضحة على سياسة العنف والاضطهاد الفكريّ التي مارسها الخليفة الثاني في حقّ الصحابة، وهذا يتماشى مع ما قدّمنا من حبسه للصحابة عنده في المدينة ومنعه إيّاهم من التحديث والتدوين.
3 ـ اتّضاح الموقف الصريح لاَتباع نهج التعبّد، وأنّهم لمولنيرتضوا الاِتيان بأحكام مبناها الاجتهاد والرأي، وأنّهم متمسّكون «بما يعرفون» من كتاب الله وسنّة نبيّه دون ما ينكرون من الرأي والاجتهاد.
4 ـ إنّ مفهُوم الاستتابة في حالة الانحراف عن الدين، ثمّ قتل المنحرف عند عدمتوبته، هو مفهوم إسلاميّ لنهج السنّة والتعبّد، لا يؤوِّل ولايقول «تأوّل فأخطأ» ولايختلق الاَعذار في سبيل تصحيح أغلاط وسقطات الآخرين، وهذا المفهوم هو الذي طبّقه المسلمون من بعد على عثمان، فتركوه ورجعوا عنه حين أعلن توبته عن إحداثاته في الدين، ثمّ رجعوا إليه فقتلوه حين أصرّ على إحداثاته وأمر بقتل أتباع نهج التعبّد، وقد جاء في كلام بعض الكتّاب بأنّه لو قدّر أن يطول الزمان بعمر لقتله المسلمون كما قتلوا عثمان من بعد.
فالخليفة وتحاشياً لوقوع الخلافة بيد أتباع السنّة والتعبّد جعل كلامَ ابن عوف الميزان والحكم الفصل في النزاع بين أعضاء الشورى الستّة، ليمكنه أوّلاً أن يملي رأيه على ابن عوف، وليتمكّن هذا الاَخير من البلوغ بالسفينة بأمان إلى الشاطىَ المبتغى!!
وتتّضح هذه الحقيقة أكثر لو تدبّرنا آهات الخليفة وحسراته، حين افتقد أبا عبيدة ومولاه سالماً ليسلّمهما أمر الخلافة لو كانا حاضرَينِ آنذاك.
مع العلم أنّ سالماً كان من الموالي، والمعروف عن عمر أنّه اعترض على الاَنصار يوم السقيفة وأصرّ على لزوم كون الخليفة من قريش، لكنّه الآن يأسف على غياب سالم، وهو من الموالي. فما يعني هذا الموقف من عمر؟! أجل، إنّه إنّما فعل ذلك لكيلا يلي أمر الخلافة من لا يودّه ولا يميل إليه فكريّاً!
فالخليفة لم يرتضِ تسليم الخلافة إلى دعاة التحديث عن رسول الله أمثال عليّبن أبي طالب، وأبي ذرّ، وابن عبّاس، وابن مسعود، وعمّار... لاَنّ
( 256 )
هؤلاء سيخطّئون الخليفة في سلوكه ونهجه لاحقاً ويعضدون النهج المخالف له.

عبد الله بن عمر ومخالفته لاَبيه
إلى هنا عرفت سرّ جعل الخيار الاَخير في اجتماع الشورى بيد ابن عوف، وإذا تأمّلت قليلاً لعرفت كذلك سرّ عدم جعل الخليفة عمربن الخطّاب ابنه عبدالله خلفاً له، وسرّ عدم عدّه أحد أعضاء الشورى الستّة، إذ ترى تعليله لعدمالتنصيب يمسّ شخصيّة عبد الله العلميّة، وأنّه لا يعرف الفقه والاَحكام لقوله لمن اقترح عليه أن يخلفه : قاتلك الله! والله ما أردتَ الله بهذا، ويحك، كيف أستخلِفُ رجلاً عجز عن طلاق امرأته(1)؟!
والواقع أنّ الاَمر لم يكن كما علّله الخليفة، بل إنّه لَيشي بوجود تخالف بينهما في الفكر والمنهج.
فلو صحّ تعليله هذا، لقال لمن اقترح ابنَهُ عليه : قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف أستخلف عبد الله وكبارُ الصحابة أمثال: عليّ وابن عوف وابن مسعود وسعد بن أبي وقّاص بين الناس؟!
قال عمر هذه المقولة في ابنه عبد الله؛ لاَنّه خطّأه في أكثر من موقف وفي أكثر من حادثة، وقد مرّ عليك قوله في المتعة: أسنّة عمر تتّبع أم سنّة رسول الله؟! وقوله لآخر: أقبل روايته واترك درايته.
وقد حصر الاَُستاذ روّاس قلعةچي في موسوعة (عبد الله بن عمر) ما خالف فيه عبد الله أباه، وإليك تلك المسائل.
1 ـ كان عمر يرى جواز التظلّل للمُحْرِم بحجّ أو عمرة، وكان ابن عمر يرى عدمجواز ذلك له.
2 ـ يرى عمر جواز الغناء بما هو مُحلَّلٌ للمُحْرِم بحجّ أو عمرة، وكان ابن عمر يرى عدمجواز ذلك له.
3 ـ يرى عمر أنّ للمُحْرِم أن يأكل ممّا صاده الحلال إذا لم يأمره هو بذلك
____________
(1) موسوعة ابن عمر: 24 عن الطبقات 4: 145، وانظر تاريخ الطبريّ 4: 228 كذلك.

( 257 )
أو لم يَصِده له، أما ابن عمر فكان يتورّع عن أكله، ولا يُفتي بذلك.
4 ـ كان عمر يمنع بيع الاَرض الخراجيّة، وكان ابن عمر يجيز ذلك.
5 ـ كان عمر يرى وجوب استبراء الاََمَة المباعة من قِبل البائع، ثمّ من قبل المشتري. أمّا ابن عمر فكان يوجب استبراءها من قبل المشتري فقط دون البائع.
6 ـ كان عمر يرى جواز قتل الاَسرى، وكان ابن عمر لا يجيز قتلهم.
7 ـ كان عمر يرى أنّ من نوى الاِقامة في السفر ثلاثة أيّام يتمّ صلاته، ويرى ابن عمر أنّه لابُدّ أن ينوي الاِقامة اثني عشر يوماً.
8 ـ كان عمر يرى جواز الشرب بالاِناء المُضَبَّب بالفضّة بأن يضع الشاربُ فمَه في غير موضع الضبّة، وكان ابن عمر إذا سقي به كسره.
9 ـ كان عمر لا يجيز بيع الاَشياء المتنجّسة التي يمكن الانتفاع بها، وكان ابن عمر يرى جواز ذلك.
10 ـ كان عمر يوجب المساواة بين الاَولاد في العطيّة، وكان ابنه يجيز المفاضلة بينهم في العطيّة.
11 ـ كان عمر يثبت حرمة المصاهرة بالتسرّي، وكان ابن عمر لايثبتها به.
12 ـ كان عمر يكره صلاة سنّة الطواف في أوقات الكراهة، وكان ابن عمر لايكره ذلك.
13 ـ كان عمر يجيز في هَدْي التمتّع والقِران الشاةَ، وكان ابنه لايجيز في ذلك غير البقرة أو الجَزُور.
14 ـ كان عمر يوجب الزكاة في حُلِيّ النساء، وكان ابن عمر يقول: زكاة الحلي إعارته.
15 ـ كان عمر يرى أنّ الخلع طلاق بائن، وكان ابن عمر يرى الخلع فسخاً لاطلاقاً.
16 ـ كان عمر يرى أنّ عدّة المختلعة عدّة المطلّقة، وكان ابن عمر يرى أنّ الواجب في الخلع الاستبراء لا العدّة.

( 258 )
17 ـ كان عمر يرى جواز المسح على الخمار في الوضوء، وكان ابنه لايبيح ذلك.
18 ـ كان ابن عمر يرى أنّ الجنين إذا خرج من بطن أُمّه بعد ذبحها ـ وقد تمّ خَلْقه ونَبَت شَعره يذبح. أمّا عمر فكان يرى أنّه إن خرج ميّتاً من بطن أُمّه وكانت حركته بعد خروجه حركة المذبوح فهو حلال أكله، وإن خرج حيّاً فلايحلّ أكله إلاّ بعد ذبحه.
19 ـ كان عمر يرى أنّه لا يثبت الرِّضاع بالمصَّة والمصّتين، وكان ابن عمر يرى ثبوت الرِّضاع بمصّة واحدة.
20 ـ كان عمر يرى أنّ المدبَّر يُعتَق من رأس المال، وكان ابن عمر يعتقه من الثلث، ويرى أنّه وصيّة كالوصايا.
21 ـ وكان عمر يرى أنّ المحلِّل لا حدّ عليه، وكان ابن عمر يرى التحليل زنا.
22 ـ كان عمر يعتبر نكاح العبد بغير إذن سيّده مخالفة لا حدّ فيها، وكان ابن عمر يعتبره زنا ويقيم فيه حدّ الزنى.
23 ـ كان عمر يرى أن سجود التلاوة لا يلزم إلاّ مَن قرأ آية السجدة أو سمعها قصداً، وكان ابن عمر يوجب السجود على كلّ سامع لها وكلّ قارىَ.
24 ـ كان عمر يجيز الغناء وسماع الغناء بشروط، وكان ابنه لايبيح الغناء بحال.
25 ـ كان عمر لا يرى صيام يوم الشكّ، وكان ابنه يرى صيامه إذا كان في السماء قَتَر.
26 ـ كان عمر يرى أنّ المسافر يصلّي الوِتْر على الاَرض لاعلى ظهر الدابّة، وكان ابنه يرى جواز صلاته على الدابّة.
27 ـ كان عمر يقنت في صلاة الصبح، وكان ابن عمر يعتبر القنوت في صلاة الصبح بدعة.
28 ـ كان عمر يرى أنّ ما يُدركه المسبوق من صلاته مع الاِمام هو أوّل
( 259 )
صلاته، وكان ابن عمر يراه آخر صلاته.
29 ـ كان عمر يرى أن أحقّ الناس بالصلاة على الميّتوليّه،وكانعبدالله ابنعمريرىأنّ أحقّ الناس بالصلاة عليه هو الاَمير.
30 ـ كان عمر يرى أنّ رمضان لا يثبت إلاّ بشاهدَين، وكان ابنه يرى ثبوت رمضان بشاهد واحد.
31 ـ كان عمر يكره صيام الدهر، وكان ابن عمر يصومه.
32 ـ كان عمر يرى أنّ الطلاق بألفاظ الكناية، إذا نوى فيه الطلاق، لايقع به إلاّ طلقة واحدة. أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ الكنايات الظاهرة في الطلاق يقع الطلاق بها ثلاثاً، وغير الظاهرة فيه فيقع بها من الطلاق بحسب ما نواه المطلِّق.
33 ـ كان عمر يرى أنّ المطلّقة البائن لها النفقة في العدّة، أما ابن عمر فكان يقول: لا نفقة لها.
34 ـ كان عمر يثبت نسب ولد المتسرّي بها من سيّدها بثبوت وَطْئه لها، أما ابن عمر فإنّه كان لا يثبت نسب ذلك الولد منه إلاّ أن يدّعيه.
35 ـ كان عمر يرى أنّ امرأة المفقود يطلّقها وليّه إذا انتهت مدّة تربّصها، أما ابن عمر فيرى أنّه لا حاجة إلى طلاق الوليّ.
36 ـ كان عمر يرى أنّ الميّت يُكفّن في ثلاثة أثواب، أمّا ابن عمر فيرى أنّه يكفّن في خمسة أثواب.
37 ـ كان عمر يرى أنّ الواجب في كفّارة النذر هو الواجب في كفارة اليمين، أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ الواجب فيه كفّارة اليمين المؤكّدة.
38 ـ كان عمر يرى أنّ اليمين واحدة وكفّارتها واحدة، أمّا ابن عمر فكان يرى أنّ اليمين على نوعين: مؤكّدة وغير مؤكّدة، وكفّارة كلّ نوع تختلف عن كفّارة النوع الآخر.
39 ـ كان عمر يشترط الاِشهاد لصحّة عقد النكاح، أمّا ابن عمر فإنّه لايشترط لصحّة عقد النكاح الاِشهاد عليه.»

( 260 )
فمن خلال هذه النقاط الخلافيّة في الفقه بين عمر وابنه عبدالله، وغيرها من المفردات نرى احتداد عمر على ابنه ورميه بالعجز الفقهيّ والقصور الذهنيّ عن ابسط الاَحكام الشرعيّة، فما هو الداعي الحقيقيّ إذَن؟ إنّ الداعي الحقيقيّ هو أنّ عمر لا يرتضي مخالفات ابنه، وأنّ ابن عمر كان لا يرى رأي أبيه في كثير من الاَحيان، وخصوصاً في مسألة الطلاق الثلاث في مجلس واحد، وهل يقع ثلاث تطليقات، أم واحدة؟ لقد كان عمر يصرّ على وقوعه ثلاثاً ردعاً للمسلمين عن إكثار الطلاق، بخلاف ابن عمر الذي يرى أولويّة اتّباع ما جاء به كتابالله وسنّة رسوله، ولذلك رفض عمر أن يكون ابنه أحد أعضاء الشورى، مؤكّداً غضبه بأنّه «لا يحسن طلاق زوجته» وذلك للخلاف الذي ذكرناه، فلاحظ حدّة كلام عمر حين قال لمن اقترح عليه أن يخلفه «قاتلك الله، والله ما أردتالله بهذا، ويحك كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته»(1).
وتتأكّد مخالفة ابن عمر لاَبيه، فيما جاء عن عمر أنّه قال لابنه عبدالله: (ياعبدالله! ناوِلَْني الكتف، فلو أراد الله أن يُمضي ما فيه أمضاه، فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها.
فقال: لا والله، لا يمحوها أحد غيري، فمحاها عمر بيده، وكان فيها فريضة الجَدّ)(2).
هذا، وقد كان الاَُستاذ رواس قلعةچي قد قدّم جرداً في بعض المسائل التي تأثّر فيها عبد الله بفقه أبيه، لكنّ البادي للعيان هو أنّها أقلّ من مخالفاته له، ممّا يعضّد الذهاب إلى أنّ إبعاد عمر ابنَه (عبد الله) عن الخلافة، جاء لتخالفهما في الرأي والاستنباط.
ونحن لانريد بكلامنا هذا تقرير أنّ عبد الله كان من أتباع نهج التعبّد المحض أو أنّه مُحقّ في تخطئته لعمر، لاَنّ بعض الاَحكام التي قالها الخليفة والتي خالفه فيها عبدالله كانت أصيلة، مستندها القرآن أو السنّة فمخالفتنا
____________
(1) موسوعة فقه ابن عمر: 24، عن الطبقات 4: 145، وانظر تاريخ الطبريّ 4:228 كذلك.
(2) السنّة قبل التدوين: 311 عن الطبقات 3 : 247 القسم (2).

( 261 )
للخليفة لمتأتِ في مثل هذه المسائل، بل إنّ إشكاليّتنا عليه جاءت لمعارضته لاَحكام ثابته في القرآن الحكيم والسنّة المطهّرة والذهاب إلى لزوم الاَخذ بالرأي مع وجود النصّ.
وكان عبد الله مثل أبيه في تجويز الاجتهاد لكن بدائرة أضيق بكثير من دائرة أبيه الخليفة، فقد كانت لابن عمر مسائل كثيرة اجتهد فيها برأيه، مخالفاً فيها سنّة رسول الله، وأُخرى غلب عليها الزهد ممّا أخرجه عن التعبّد، لكنّا لاننكر أنّ الصبغة الغالبة عليه هي تحرّي آثار رسول الله واتّباع سنّته، لاالاجتهاد والرأي.
قال ابن خلّكان وغيره: كان ابن عمر كثير الاتّباع لآثار رسول الله، وقد شهد له الصحابة ومنهم عائشة حيث قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبيّ في منازله كما كان يتبعه ابن عمر(1).
وروى نافع: أنَّ عبد الله كان يتبع آثار رسول الله ويصلّي فيها، حتّى أنّ النبيّ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يصبّ الماء تحتها حتّى لاتيبس(2).
وروى مالك عمّن حدّثه أنّ ابن عمر كان يتبع أمر رسول الله وآثاره وحاله ويهتمّ به، حتّى كأنْ قد ضعُف عقله من اهتمامه بذلك(3).
وقد تحدّثنا عن حاله، وقلنا بأنّه ما مات إلاّ ووافق الاَكثريّة وسايَرَ الاتّجاه العامّ في الخلافة، وخضع لما سُنّ من رأي على عهد أبيه. وقد فصَّلنا هذه الاَُمور في كتابنا «وضوء النبيّ» وأكّدنا على أنّه كان يذهب إلى مسح الرجلَين ويخالف الماسِحين على الخُفّين، لكنّه ما مات إلاّ بعد أن وافق العامّة من الناس في غسل الرجلَين إذ نقل الفخر الرازيّ عن عطاء أنّه قال: كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفّين لكنّه لميمت حتّى وافقهم(4).
هذا وإنّ هناك من المؤرخين من يذهب إلى أنّ ابن عمر كان قد أسلم قبل
____________
(1) الطبقات 4: 145، وفيّات الاَعيان 3: 29.
(2) البيهقيّ 5: 245، سير أعلام النبلاء 3: 213، أُسد الغابة 3: 227.
(3) سير أعلام النبلاء 3: 213، الطبقات 4: 144، حلية الاَولياء 1: 310.
(4) التفسير الكبير 11:164.

( 262 )
أبيه، فعن ابن شهاب: أنّ حفصة وابن عمر أسلما قبل عمر(1)...»
هذا النصّ وأمثاله قد يوحي بأنّ القائل يريد ترجيح رأي عبدالله على رأي أبيه باعتبار ترجيح رأي الاَقدم إسلاماً على الآخر! لاَنّه الاَتقى والاَقرب إلى النبيّ (ص) من غيره.
اتّضح إذن أنّ بين اجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب ما يخالف السنّة المطهّرة وبينها ما يوافقها. بعكس الاِمام عليّ بن أبي طالب الذي كانت السنّة جميعها عنده، وقد امتاز بذلك على الصحابة وشهد له بذلك عمر وكبار الصحابة والتابعين.
روى ابن حجر في «فتح الباري» أنّ عمر قال: إن تولاّها الاَجلح (يعني عليّ بن أبي طالب) لسار بهم على الطريق [أي السنّة]. فقال له ولده: فلم لا تولّيه.
قال: لا أريد أن أحملها حيّاً وميّتاً(2)!