تأصيل النهجين في العهد الاَمويّ

لما استقرّ أمر التدوين عند أصحاب (التعبّد المحض) ـ رغم محاولات طمس معالمه ـ رأى نهج (الاجتهاد) ضرورة مسايرة الركب وتقديم شيء في هذا السياق، كيلا يواجه مشكلة مستقبليّة في التشريع، لاَنّ تأخير التدوين يعني الضياع والاندثار.
فلذا جدّ أنصار هذه المدرسة لرسم البديل الذي يستطيع مواجهة مدرسة التعبّد المحض، إذ أمر هشام بن عبد الملك ـ وفي آخر عمر بن عبدالعزيز ـ ابن شهاب الزهريّ المتوفّى 124 بتدوين السنّة.

1 ـ الخلفاء والتدوين
فعن معمّر، عن الزهريّ، أنّه قال: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكرهنا عليه هؤلاء الاَُمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين(1).
وفي آخر: استكتبني الملوك فأكتتبتهم، فاستحيت الله إذ كتبتها للملوك ولا أكتبها لغيرهم(2).
وفي ثالث: عن أبي المليح أنّه قال: كنّا لا نطمع أن نكتب عند الزهريّ حتّى أكره هشامٌ الزهريَّ، فكتب لبنيه، فكتب الناس الحديث(3).

____________
(1) تقييد العلم: 107، الطبقات الكبرى 2: 389، البداية والنهاية 9: 341.
(2) جامع بيان العلم وفضله 1: 77.
(3) حلية الاَولياء 3: 363، البداية والنهاية 9: 345 كما في الرواية التاريخيّة: 107.

( 388 )
وفي كتاب (الاَضواء) أنّ ابن شهاب كان مخالفاً لهشام لكن لم يلبث أن صار حظيّاً عنده، فحجّ معه وجعله معلّم أولاده(1).
والذي يشكّكنا في سلامة وعفويّة هذا الاَمر وصدق نيّة الخلفاء هو كون الناهين عن التدوين على عهد رسول الله من قريش، وهم الذين نهوا عبداللهبن عمروبن العاص من تدوين حديث الرسول، مع وقوفنا على موقفهم من الحديث في زمن الخليفة عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ومعاويةبن أبي سفيان متابعة وتأييداً لهؤلاء الخلفاء.
ومع معرفتنا لمواقف أبي سفيان ومعاوية ويزيد من الرسول والرسالة.
فلو تأنّينا فيما فعله أبو سفيان بقبر حمزة ـ عمّ النبيّ ـ وقوله ـ وهو يرفس قبر حمزة ـ يا أبا عمارة! إنّ الاَمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف صار في يد غلماننا يتلعّبون به(2) وفي قول معاوية للمغيرة لمّا دخل الكوفة لعرفنا الكثير.
فعن المغيرة: أنّه طلب من معاوية ترك إيذاء بني هاشم لاَنّها أبقى لذكره، فأجابه معاوية: هيهات! هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه؟ مَلَك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر.
ثمّ مَلَك أخو عديّ، فاجتهد، وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتّى هلك ذكرهُ، إلاّ أن يقول قائل: عمر
وإنّ ابن أبي كبشة ـ يعني بالنبيّ محمّد (ص) ـ ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات! أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.
فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا! لا أبا لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً(3). وقال لمّا دخل الكوفة: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولالتصوموا
____________
(1) أضواء على السنّة المحمّديّة، لابَي ريّه: 260.
(2) شرح نهج البلاغة 16: 136.
(3) صحيح مسلم بشرح النوويّ 1: 81، المسترشد، للطبريّ: 174.

( 389 )
ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا إنّكم لتفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لاَ تأمّر عليكم(1).
فكيف يجوز إذاً أخذ الاَحكام من مصدرٍ هذا قَدْره ومنزلته عند النبيّ، ومن أُناس هذا موقفهم من رسالته، مع معرفتنا بأنَّ منهم من لُعِن على لسان رسول الله؟! أم كيف تطمئن نفوسنا بمرويّاتهم ونأتمنهم على كنوز السنّة مع عرفاننا مكرهم وخداعهم وبثّهم روح العصبيّة والتفرقة بين المسلمين؟!
أم كيف صارت السنّة تدوّن عن إكراه! ولزوم الاَخذ بها على الصعب والذلول بعد أن كان منع التدوين بسبب الاِكراه وعقوباته الشديدة.
جاء في شرح مسلم، للنوويّ: أنّ بشير العدويّ جاء إلى ابن عبّاس فجعل يحدّث ويقول، قال رسول الله، قال رسول الله، وابن عبّاس لايأذن لحديثه ولاينظر إليه.
فقال: يا بن عبّاس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أُحدثك عن رسول الله ولاتسمع!!
فقال ابن عبّاس: إنّا كنّا مرّة إذا سمعنا رجلاً يقول «قال رسول الله» ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول لمنأخذ من الناس إلاّ ما نعرف(2).
نعم، إنّ السياسة الاَمويّة قد ابتنت على التحريف والاِرهاب في حين أنّ الحقائق كانت واضحة للمحدّثين وحملة الآثار ولكنّهم لم يتمكّنوا من الاِباحة بها.
فقد ورد أنّ هشام بن عبد الملك طلب من الزهريّ أن يروي أنّ قوله تعالى: (والذي تولّى كِبْرُهُ له عذاب اليم)(3)نزل في عليّ.
في حين نراه يحدّث معمّراً حديثاً في عليّ ويقول له: اكتم هذا الحديث واطوه دوني، فإنّ هؤلاء (أي الاَمويّين) لا يعذرون أحداً في تقريظ عليّ
____________
(1) المناقب، لابن المغازليّ: 142 رقم الحديث 186.
(2) صحيح مسلم بشرح النوويّ 1 : 81 .
(3)النور : 11 .

( 390 )
وذكره.
قلت: فما بالك ادّعيت مع القوم يا أبا بكر!! وقد سمعت الذي سمعت؟!
قال: حسبك يا هذا! إنّهم أشركونا في أموالهم فانحططنا لهم في أهوائهم(1).
وقد جاء في رسالة الاِمام عليّ بن الحسين ـ زين العابدين ـ للزهريّ ما يجسّم حاله وما وقع فيه من مأزق مع الحكومة آنذاك وإليك نصّه:
«كفانا الله وإيّاك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحتَ بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك.. فقد أثقلتك نعم الله بما أصحَّ من بدنك، وأطال من عمرك. وقامت عليك حجج الله بما حمَّلك من كتابه؛ وفقَّهك فيه من دينه وعرَّفك فيه من سنّة نبيّه، فانظر أيّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها.
ولا تحسبنَّ الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات! هيهات! ليس كذلك أخذ على العلماء في كتاب إذ قال: (لتبيّننه للناس ولاتكتمونه)(2). واعلم أنَّ أدنى ما كتمت، وأخفَّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم؛ وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت؛ وإجابتك له حين دعيتُ.. فما أخوفني بإثمك غداً من الخونة؛ وأن تُسأل عمَّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة؛ إنَّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك؛ ودنوت ممّن لميردّ على أحد حقّاً، ولم تردّ باطلاً حين أدناك، وأحببت من حادّ الله؛ أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشكَّ على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك، فكيف ما خرَّبوا عليك، فانظر لنفسك، فإنَّه لا ينظر إليها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.. وانظر كيف شكرك لمن غذّاك في نعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني عليك أن تكون كما قال
____________
(1) المناقب لاين المغازليّ : 142 ح 186 .
(2) آل عمران : 187 .

( 391 )
الله في كتابه: (فخلف من بعدهم خلف...)(1)الآية. إلى آخر الرسالة الخالدة(2).
وقد كان معاوية قد بذل أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب لقاء وضعه لـ(رواية) مفادها أنّ قوله تعالى: (ومن الناس من يَشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)(3)قد نزلت في ابن ملجم قاتل عليّ(4).
فوضع الحديث لم يكن مستهجناً في عهد معاوية ولم يكونوا يخافون الله ولايتّقونه حقّ تقاته في وضع ما يفيدهم وتكذيب ومنع ما لاّيعجبهم.
قال المدائنيّ: وظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاَحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا من مجلسهم، ويصيبوا به الاَموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الاَخبار والاَحاديث إلى أيدي الديّانين الذي لايستحلّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولما تديّنوا بها(5).
وقال الدهلويّ في رسالة الاِنصاف:
(ولمّا انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قوم تولّوها بغير استحقاق، ولا استقلال بعلم الفتاوى والاَحكام، فاضطّروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وكان بقي من العلماء من الطراز الاَوّل، فكانوا إذا طُلِبُوا هربوا وأعرضوا، فرأى أهل تلك الاَعصار ـ غيرالعلماء ـ إقبال الاَُمة عليهم مع إعراضهم، فاشتروا طلب العلم توصّلاً إلى نيل العزّ، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزّة بالاِعراض عن
____________
(1) مريم : 59 .
(2) تحف العقول : 198 .
(3) البقرة : 207 .
(4) شرح النهج 4 : 73 .
(5) شرح نهج البلاغة 4: 59.

( 392 )
السلاطين أذلّة بالاِقبال عليهم، إلاّ من وفقه الله...)(1).
وجاء في مناقب الاِمام أبي حنيفة، للمكّي: أنّه لمّا دعي ليسأل عن مسألة فقهيّة من قِبَل أحد الاَمويّين، قال أبو حنيفة: فاسترجعت نفسي لاَنّي أقول فيها بقول عليّ (رض) وأدين الله به، فكيف أصنع؟
قال: ثمّ عزمت أنّ أصْدُقهُ وأفتيه بالدين الذي أدين الله به، وذلك أنّ بني أُميّة كانوا لا يفتون بقول عليّ ولا يأخذون به ـ إلى أنّ يقول ـ وكان عليّ لايذكر في ذلك العصر باسمه، والعلامةُ عنه بين المشايخ أن يقولوا: قال الشيخ، ومنعوا الناس أنّ يسمّوا أبناءهم باسمه، ويتعرّض للبلاء من سمَّى ابنه عليّاً(2).
وجاء قريب من هذا عن الحسن البصريّ عن يونس بن عبيد، قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد ! إنّك تقول: قال رسول الله وإنّك لم تدركه!
قال: يا ابن أخي! لقد سألتني عن شيءٍ ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك، إنّي في زمان كما ترى، وكان في عمل الحجّاج، كلُّ شيءٍ سمعتني أقول: قال رسول الله، فهو عليّ بن أبي طالب، غير أنّي في زمان لاأستطيع أن أذكر عليّاً(3).
وعن الشعبيّ: ماذا لقينا من آل أبي طالب؟ إن أحببناهم قُتلنا، وإن أبغضناهم دخلنا النار(4).
قال الشيخ أبو جعفر الاِسكافيّ: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل على ذلك جعلاً يُرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمروبن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير(5).
وقال ابن عرفة ـ المعروف بنفطويه ـ: إنّ أكثر الاَحاديث الموضوعة في
____________
(1) انظر رسالة الاِنصاف.
(2) الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 1: 396 عن مناقب الاِمام أبي حنيفة 1: 171.
(3) تهذيب الكمال 6: 124.
(4) عيون الاَخبار لابن قتيبة 2: 112 كما في الاِمام الصادق 1: 397.
(5) شرح النهج 4: 63، المعرفة والتاريخ، للبسيويّ، ترجمة أبي هريرة.

( 393 )
فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة، تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم(1).
نعم، إنّ هذه المواقف هي التي دعت الاِمام الباقر أن يصرّح بقوله (بلية الناس علينا عظيمة، إنْ دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لميهتدوا بغيرنا).
وعن الاِمام عليّ بن الحسين: ما زلتم تقولون فينا حتّى بغَّضتمونا إلى الناس.
وقد جاء في دعاء للاِمام عليّ بن الحسين (ع):
اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك... إلى أنّ يقول:... حتّى عاد صفوتك وخلفاوك مغلوبين مقهورين مبتزّين، يرون حكمك مبدّلاً، وكتابك منبوذاً، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيّك متروكة و...(2) وقال أيضاً وهو يشرح اختلاف الاَُمَّة:
وكيف بهم؟
وقد خالفوا الآمرين، وسبقهم زمان الهادين، ووُكلوا إلى أنفسهم، يتنسَّكون في الضلالات في دياجير الظلمات.
وقد انتحلت طوائف من هذه الاَُمَّة مفارقة أئمة الدين والشجرة النبويّة ـ أخلاص الديانة ـ، وأخذوا أنفسهم في مخاتل الرهبانيّة، وتغالوا في العلوم، ووصفوا الاِسلام بأحسن صفاته، وتحلّوا بأحسن السنّة، حتّى إذا طال عليهم الاَمد، وبَعُدَتْ عليهم الشُقَّةُ، وامتّحنوا بمحن الصادقين: رجعوا على أعقابهم ناكصين سبيل الهدى، وعلم النجاة.
وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، واحتجّوا بمتشابه القرآن، فتأوّلوه بآرائهم، واتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا، يقحمون في أغمار الشبهات، ودياجير الظلمات، بغير قَبَس نور من الكتاب، ولا أثرة علم من مظانّ العلم،
____________
(1) النصائح الكافية: 89، شرح النهج 11: 46.
(2) الصحيفة السجّاديّة: 293 الدعاء 8.

( 394 )
زعموا أنَّهم على الرشد من غيّهم.
وإلى من يفزعُ خَلَفُ هذه الاَُمّة؟!
وقد درست أعلام الملّة والدين بالفُرقة والاختلاف، يكفّر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات)(1).
فمن الموثوق به على إبلاغ الحجّة؟ وتأويل الحكمة؟ إلاّ إلى أهل الكتاب، وأبناء أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، الذين احتجّ الله بهم على عباده، ولميَدَع الخلق سدى من غير حجّة.
هل تعرفونهم؟
أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، وبرّأهم من الآفات، وافترض مودّتهم في الكتاب(2)؟!
وقال (ع) لرجل شاجره في مسألة شرعيّة فقهيّة:
«يا هذا! لو صرت إلى منازلنا، لاَريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنّة منّا»(3).
وقال أيضاً:
«إنَّ دين الله لا يُصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، لا يُصابُ إلاّ بالتسليم.
فمن سلَّم لنا سَلِمَ، ومن اقتدى بنا هُدِي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك(4)….
نعم إنّ الاَُمّة الاِسلاميّة قد منيت بالتحريف، فجاء في تاريخ المذاهب
____________
(1) آل عمران: 105.
(2) كشف الغمّة، للاَربليّ 2: 98 ـ 99.
(3) نزهة الناظر، للحلوانيّ: 45.
(4) إكمال الدين: 324 ب31 ج9.

( 395 )
الاِسلاميّة لابن زهرة قوله:... لابدّ أن يكون للحكم الاَمويّ أثر في اختفاء كثير من آثار عليّ في القضاء والاِفتاء، لاَنّه ليس من المعقول أن يلعنوا عليّاً فوق المنابر، وأن يتركوا العلماء يتحدّثون بعلمه، وينقلوا فتاواه وأقواله، وخصوصاً ما يتّصل بأساس الحكم الاِسلاميّ(1).
ونحن لو أردنا التفصيل في مثل هذا لاحتاج بحثنا إلى مجلّداتٍ وأسفارٍ، لكنّنا نكتفي بما نقله ابن الاَثير كي تعرف حال أصحاب المدوّنات في عهد الحجّاج بن يوسف الثقفيّ.
قال ابن الاَثير: كان الحجّاج بن يوسف والي العراق من قبل الاَمويّين قد ختم في يد جابر بن عبد الله [الاَنصاريّ] وفي عُنق سهل بن سعد الساعديّ وأنسبن مالك، يريدُ إذلالهم، وأن يتجنّبهم الناس ولا يسمعوا منهم(2).

____________
(1) تاريخ المذاهب الاِسلاميّة: 285 ـ 286.
(2) أُسد الغابة 2: 472 ترجمة سهل بن سعد.

( 396 )

( 397 )

2 ـ أهل البيت والتدوين
من الثابت المتواتر أنّ أهل البيت قد أباحوا التدوين، إذ كتب الاِمام عليّ صحيفة عن رسول الله طولها سبعون ذراعاً بخطّه وإملاء رسول الله(1)، وقد جمع الدكتور رفعت فوزي عبد المطّلب ما رُوي من أحاديث هذه الصحيفة متناثراً في أبواب الفقه في كتاب أسماه بـ (صحيفة عليّ بن أبي طالب عن رسول الله، دراسة توثيقيّة فقهيّة)(2).
وقد كانت الصحيفة عند الاَئمّة من ولد عليّ يتوارثونها ويحرصون عليها غاية الحرص، فعن الحسن بن عليّ: إنّ العلم فينا، ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيءٌ إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ هو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله وخطّ عليّ بيده(3).
ولمّا سئل عن رأي أبيه في الخيار، أمر بإحضار ربعة وأخرج منها صحيفة صفراء تضمّ آراء عليّ في ذلك(4).
وقد كان هذا الكتاب عند الاِمام الحسين، ثمّ عليّبن الحسين، ثمّ الباقر، ثمّ الصادق و...(5) فيبدو واضحاً للعيان اهتمام أولاد عليّ (ع) اهتماماً لا نظير له بهذه الصحيفة حتّى أنّ الحسين لم يشغله ما هو فيه أن يودع ما عنده عند ابنته الكبرى فاطمة لتسلّمها إلى الاِمام عليّ بن الحسين، لكون تلك الكتب كنزاً من كنوز آل محمّد ووديعة الرسول (ص) عندهم. وقد وصل الاهتمام بفاطمة الزهراء بنت
____________
(1) انظر أعيان الشيعة 1: 330.
(2) طبع هذا الكتاب سنة 1406 هـ في حلب عن دار السلام.
(3) الاحتجاج، للطبرسيّ: 155، البحار 44: 100.
(4) العلل، لابن حنبل 1: 104 طبعة جامعة انقرة تحقيق الدكتور طلعت والدكتور إسماعيل.
(5) انظر بصائر الدرجات : 165 | 12 .

( 398 )
رسول الله أن تقول لجاريتها فضّة حين افتقدت الصحيفة (ويحك! اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً).
هذا الاهتمام لم يكن اعتباطيّاً نابعاً عن رغبة شخصيّة، لاَنّ معادلة الصحيفة بريحانتي رسول الله أمر يستحقّ التوقّف الطويل، إذ يبدو أنّ العلم المكنون في هذه الصحيفة يعادل ما عند الاِمامين الحسن والحسين من علم عن رسول الله، وأنّ ما ترفد به هذه الصحيفة المسلمين يعادل ما يرفد به الاِمامان أُمّة رسول الله (ص).
هذه الرعاية المتزايدة للمدوّنات بصورة عامّة، وكتاب عليّ خاصّة، لانجد لها أثراً عند المدرسة المقابلة ـ مدرسة الرأي والاجتهاد ـ فأُثِرَ عن أبي بكر حرقه لمدوّنته، وعن عمر حرقه لمدوّنات الآخرين، وعن عثمان حرقه للمصاحف، وعن معاوية أمره بالاِقلال من الحديث إلاّ حديث روي على عهد عمربن الخطّاب، وهكذا باقي الخلفاء، بخلاف أهل البيت الذين واصلوا التدوين وحفظوا المدوّنات منذ بداية التشريع الاِسلاميّ ونزول الوحي إلى وقت متأخّر.
فقد ورد أنّ رسول الله (ص) أمَرَ عليّاً بالتدوين وقال له: اكتب ما أُملي عليك، فقال عليّ: يا رسول الله ! أتخاف عَلَيَّ النسيان؟ قال: لا، ولكن دوّن لشركائك، قال: ومن شركائي يا رسول الله؟ قال: الاَئمّة الذين يأتون من بعدك(1).
وهذا يجعلنا نتيقّن بأنّ النبيّ (ص) أراد أن يحفظ شريعته بواسطة التدوين عند أهل بيته وغيرهم لتبقى المدوّنات ذخراً وتراثاً علميّاً لاَجيال المسلمين في العصور المتأخّرة.
فاستعانة أئمّة أهل البيت بكتاب عليّ ونظرهم فيه وإشهادهم الآخرين عليه جاء لتوثيق ما يقولونه وينقلونه عن رسول الله وأنّه لم يأتِ جزافاً عن رأي بل له أصل عن الرسول.

____________
(1) انظر بصائر الدرجات : 167 .

( 399 )
فعن الصادق أنّه قال: كان عليّ بن الحسين إذا أخذ كتاب عليّ فنظر فيه، قال: من يطيق هذا(1)؟!
وفي الاِرشاد للمفيد: عن الباقر: أنَّ والده السجّاد قال له: يابنيّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب، فأعطيته، فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمَّ تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة عليّ(2).
والذي يستوقفنا هذين النصّين: هو هل اختص كتاب عليّ ببيان الفرائض الشرعيّة والاَحكام الفقهيّة فقط؟ أم أنّه شمل علوماً أُخرى غيرها؟!
الذي ينصّ عليه هذان النصّان هو أنّ الكتاب كان يحتوي على أُصول العبادات ومستحبّاتها وقد حفظ في طيّاته جميع أُصول ومباني الدين الاِسلاميّ كوحدة متجانسة متكاملة وفيه ما يحتاج إليه المسلمون، ولمّا وقف الاِمام زين العابدين على المستحبّات والنوافل والسنن التي في الكتاب قال وهو ذو الثفنات المعروف بكثرة عبادته وقيامه وصيامه : من يطيق هذا؟
فنهج التدوين والمحافظة على المدوّنات كان ديدن أئمّة أهل البيت وأتباعهم، مقابل الاِحراق والاِتلاف ومنع التحديث والتدوين الذي دأب عليه أصحاب مدرسة (الاجتهاد والرأي) وهذا ما لا يدع مجالاً للشكّ بأوثقيّة وأضبطيّة «ما هو الحجّة» عند أهل البيت ونهج التعبّد دون ما عند المدرسة المقابلة من موروث مختلط متأثّر بشتّى العوامل وشتّى الآراء بدءاً من تشريع الاجتهاد والرأي قبال النصّ ومروراً بتثبيت القياس والاستعانة بالاَُصول الجديدة المطروحة لاحقاً، وانتهاءً بما لا نهاية له من آراء واتّجاهات.
وإذا رجعنا إلى حديث الصحيفة التي كانت في حوزة الاِمام محمّدبن عليّ الباقر وابنه جعفر بن محمّد الصادق وجدنا التركيز والاهتمام المتزايد عليها.
فعن عذافر الصيرفيّ قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (أي
____________
(1) الروضة من الكافي 8: 163 رقم الحديث 172.
(2) الاِرشاد للمفيد 2 : 142 ، مناقب آل أبي طالب 4 : 149 ، إعلام الورى : 254، البحار 46:74|65.

( 400 )
الباقر) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر له مكرماً، فاختلفا في شيء! فقال أبو جعفر: يا بنيّ! قم، فأخرِج كتاب عليٍّ.
فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً وفتحه، وجعل ينظر، حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر: هذا خط عليّ وإملاء رسول الله.
وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمّد! اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم ـ يميناً وشمالاً ـ فوالله لا تجدون العلم، أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (ع)(1).
وفي حديث آخر جاء في جواب الباقر للحكم بن عتيبة حينما سأله عن تقسيم الاَسنان؟ قوله (هكذا وجدناه في كتاب عليّ)(2).
وعن زرارة بن أعين، قال: سألت أبو جعفر عن الجدّ، وذكر الحديث إلى أن قال : فأقبل(3)على ابنه جعفر وقال له: أقْرىَ زرارة صحيفة الفرائض، فأخرج إليَّ صحيفة مثل فخذ البعير، فلمّا ألقى إليَّ طرف الصحيفة، إذا كتاب غليظ، يُعرف أنّهُ من كتب الاَوّلين، فنظرتُ فيها، فلمّا أصبحت لقيت أبا جعفر، فقال لي: أقرأت صحيفة الفرائض؟ فإنّ الذي رأيت والله يا زرارة هو الحقّ، الذي رأيت إملاء رسول الله وخطّ عليّ بيده، وقد حدّثني أبي عن جدّي أنّ أمير المؤمنين حدّثه بذلك(4).
وعن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي عبد الله (الصادق) قال: إنّ في كتاب عليّ: أنّ كلّ ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به...(5) وعن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله قال: في كتاب عليّ: أنّ نبيّاً من الاَنبياء شكا إلى ربّه القضاء...(6).

____________
(1) رجال النجاشيّ: 360 رقم 966.
(2) الكافي 7: 329 ح1 الديات، باب الخلقة.
(3) الكافي 7: 77 ح1 المواريث باب أنّ الميراث لمن سبق.
(4) الكافي 7: 94 ح3 المواريث، باب ميراث الولد مع الاَبوين.
(5) الكافي 7 : 77 ح 1 ، المواريث .
(6) الكافي 7: 414 ح3 و4 القضاء باب أنّ القضاء بالبيّنات.

( 401 )
وهذا النصّ يؤكّد قولنا عن موسوعيّة «كتاب عليّ» وأنّه شمل العلوم الدينيّة والدنيويّة التي جاء بها النبيّ (ص) عن الله عزّ وجلّ، إذ إنّ هذا النصّ يؤكّد وجود أخبار الاَنبياء والاَُمم السالفة في كتاب عليّ، وأنّه دونها من فلق فم رسول الله، وقد وصلنا من كتاب عليّ أخبار الديانات السابقة ومن مسخوا وعذّبوا و...

الاِمام عليّ بن أبي طالب
لم ينحصر عمل الاِمام فيما كتبه في «الكتاب» عن رسول الله، إذ نصّت المصادر على أنّ عليّاً كان قد دوّن كتباً أُخرى استقيت من علم رسول الله، وقد نسب الشريف المرتضى المتوفّى 436 إلى الاِمام كتاب (المحكم والمتشابة في القرآن)(1)‌ والاَشعريّ القمّيّ المتوفّى 103 نسب إليه كتاب (ناسخ القرآن ومنسوخه)(2)، والحافظ ابن عقدة الكوفيّ المتوفّى 333 ذكر للاِمام (ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن)(3).
أمّا أولاد الاِمام عليّ وأصحابه فقد دوّن كلّ منهم كتباً في جميع المجالات اقتداءً برائد التدوين الاِسلاميّ، الاِمام عليّ بن أبي طالب.
فجاء عن الحارث الاَعور الهمدانيّ أنّه روى كتاباً كاملاً عن أمير المؤمنين(4).
وعن أبي رافع أنّه روى عن عليّ كتاباً(5).
وأمّا ربيعة بن سميع، فقد روى الزكاة عن أمير المؤمنين في كتاب، كتبه
____________
(1) انظر الذريعة 20: 154 ـ 155.
(2) رجال النجاشيّ: 177 رقم 467، الذريعة 4: 276 و24: 8، البحار 1: 15 و32 و84: 382 و92: 40 و66.
(3) أعيان الشيعة 1: 321، البحار 93: 3.
(4) رجال النجاشيّ: 7 ذيل رقم 2، الفهرست للطوسيّ: 62 رقم 119.
(5) رجال النجاشيّ: 6 رقم 1، تأسيس الشيعة: 280، تاريخ بغداد 8: 449.

( 402 )
عليه السلام له بخطّه لمّا بعثه على الصدقات(1).
وروى عن محمّد بن قيس البجليّ ـ وهو من أصحاب الاِمام ـ قسم القضايا عن عليّ، وقد عرض ما عنده على الباقر فصدّقه فيه(2).
ولميثمّ بن يحيى التمّار كتاب كان متداولاً حتّى القرن السابع الهجريّ، حيث أخذ منه الطبريّ مباشرة(3).
وأصبغ بن نباتة المجاشعيّ فقد روى قسم القضاء عن عليّ، وقد طبع هذا باسم (أقضية أمير المؤمنين) أو (عجائب أحكام أمير المؤمنين).
ولسليم بن قيس كتاب يرويه عنه أبان بن عيّاش.
وهناك كتب أُخرى لصحابة وتابعين آخرين نقلوها أو أخذوا علومها عن عليّ بن أبي طالب، فقد جاء في الاَشباه والنظائر للسيوطيّ عن ابن عساكر: أنّ بعض النحاة كان يذكر عنده تعليقة أبي الاَسود التي ألقاها إليه عليّبن أبي طالب(4)
وجاء عنه عليه السلام أنّه كتب عهداً لمالك الاَشتر النخعيّ لمّا ولاّه مصر، وقد طبع هذا الكتاب في نهج البلاغة كما طُبِعَ مستقلاًّ، وقد دوّن عليه الاَعلام شروحاً كثيرة، لاَهمّيّته وضخامة فكرة الاِمام في السياسة والاِدارة والاجتماع فضلاً عن حقوق الراعي والرعيّة.
وعن الاَعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، قال: خطبنا عليّ فقال: من زعم أنَّ عندنا شيئاً نقرأه ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة قال: صحيفة معلّقة في سيفه، فيها أسنان الاِبل وشيء من الجراحات فقد كذب(5).

____________
(1) رجال النجاشيّ 7 و8 رقم 3، وانظر الكافي كتاب الزكاة، باب أدب التصدّق.
(2) رجال النجاشيّ: 333 رقم 881، تأسيس الشيعة: 284.
(3) تأسيس الشيعة: 283.
(4) الاَشباه والنظائر، للسيوطيّ 1: 12 14، أنباء الرواة، للقفطيّ 1: 39، سِيَر أعلام النبلاء 4:84.
(5) تقييد العلم: 88، جامع بيان العلم وفضله 1: 71، الطبقات الكبرى 6: 168، البخاريّ 1:40.

( 403 )
وعن طارق، قال: رأيت عليّاً على المنبر وهو يقول: ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة(1).
فإنّ هذين النصّين ـ وما شابههما من النصوص ـ يكشفان معالم مهمّة حول كتاب عليّ والتدوين، إذ يبدو أنّ قسماً من المسلمين نتيجة لتراكم الجهل بالتدوين وفوائده، والتحديث وآثاره، والجهل بالتنزيل والتأويلو...، نتيجة لذلك كلّه كان بعض المسلمين يستغربون أن يكون عند عليّ (ع) كتاب أو كتب في علوم الاِسلام، ولعلّهم كانوا يرمونه بأنّه كتاب «غير كتاب الله» أو أنّه «قرآن آخر» كما يزعمه اليوم بعض كتّاب المسلمين، الذي لم يحيطوا علمّا بدقائق أُمور التدوين والمدوّنات الموجودة في الصدر الاَوّل فكأنّ الاِمام عليّ أراد أن يوضّح حقيقة الاَمر، وأنّه إنّما يستلهم علومه من كتاب الله والصحيفة التي كتبها عن رسول الله، التي هي بمنزلة تفسير شامل للقرآن الكريم وما نزل به الوحي في جميع أبعاده ومفاداته، وليس فيما يقول به شيء خارج عن هذين المصدرين الاَساسيّين.
فكلام الاِمام عليّ هذا ناظر إلى دفع شبهة أو فِرية وجود كتاب آخر يضاهي أو يغاير كتاب الله، فلذلك خصّ الراوي مقدار الجراحات وشيء من أسنان الاِبل وغيرها بالذكر التفصيليّ، لاَنّها معهودة عندهم وعرفوا حكمها على عهد رسول الله وليس فيها شيء ممّا لم يطرق أسماعهم إجمالاً وإن جهلوا محتوياته تفصيلاً، وكأنّ ذلك المقام اقتضى أن يخصّ بالذكر الصحيفة، إذ الكلام ليس مسوقاً لنفي مدوّنات أُخرى عند الاِمام عليّ، لثبوت كتب أُخرى عند أهل البيت غير هذه كما سيأتي تفصيله.
وبهذا يكون معنى قوله (وهذه الصحيفة) إشارة إلى أنّه لا يقول بشيء إلاّ وقد صدر عن رسول الله فيه أصل.
والحقّ أنّ «كتاب عليّ» كان هو رأس العلوم وأجلّ الكتب قدراً عند أهل البيت، فلذلك كان تأكيد عليّ وأولاده عليه تأكيداً شديداً حتّى أنّ ابن سيرين تمنّى أن يرى ذلك الكتاب أو يحصل عليه، لقوله: لو أصبت هذا الكتاب لكان
____________
(1) تقييد العلم: 89.

( 404 )
فيه العلم(1)….
إنّ عليّ بن أبي طالب كان من أشدّ المؤكّدين والمناصرين لتدوين العلم عموماً، والنبويّ منه على وجه الخصوص؛ فعن الحارث عن عليّ، قال: من يشتري منّي علماً بدرهم، قال: فذهبت فاشتريت صحفاً بدرهم، ثمّ جئت بها(2)، هذا إلى نصوص أُخرى كثيرة في حثّه على التدوين ومشروعيته منها قوله (قيّدوا العلم، قيّدوا العلم)(3)، وقوله (الخَطَّ علامة، فكلّ ما كان أبْينَ كان أحسن)(4).
وقوله لكاتبه عبيدّالله بن أبي رافع: ألقِ دواتك، وأطِلْ شقَّ قلمك، وأَفرِج بينَ السطور، وقرمط بين الحروف(5).
وقوله: أطل جلفة قلمك وأَسمنه، وأيمن قطتك، وأسمعني طنين النون، وحوّر الحاء، وأَسمن الصاد، وعرّج العين، واشقق الكاف، وعظّم الفاء، ورتّل اللام، وأسلس الباء والتاء والثاء، وأقم الزاي وعَلِّ ذنبها واجعل قلمك خلف أُذنك يكون أذكرُ لك(6).
وهذه الوصايا الدقيقة في علم الخطّ الذي هو ركن مهمّ من أركان التدوين ما زالت إلى اليوم أُصولاً يحتذيها الخطّاطون ويشتقّون منها براعتهم في تجويد الخطّ العربيّ، نعم إنّ أهل البيت كانوا يهتمّون بأمر التدوين إلى أقصى ما يمكن، إذ تراهم يرشدون أصحابهم والكتّاب إلى مراعاة نكات دقيقة جدّاً، وهذه النصوص خير دليل لنفي ما نسب إلى الاِمام عليّ من أنّه كان ينهى عن تدوين الكتب والاحتفاظ بها وممّا يؤكّد أيضاً ما قلناه من دور للحكّام في الوضع والاختلاق!!

____________
(1) الاِمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجنديّ: 199.
(2) تقييد العلم: 90، تاريخ بغداد 8: 357 .
(3) تقييد العلم: 89، 90.
(4) كنز العمّال 10: 312 ح29562.
(5) كنز العمّال 10: 312 ح29563 ومثله في النهج.
(6) كنزل العمّال 10: 313 ح29564.

( 405 )

فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى
كان عند السيّدة فاطمة كتاباً أخذته عن أبيها، ذكره الفريقان.
فجاء في كتب أهل السنّة والجماعة كما نقل الخرائطيّ عن مجاهد قوله: دخل أُبيّ بن كعب على فاطمة (رض) ابنة محمّد فأخرجت إليه كربة فيها كتاب (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)(1).
وقال القاسم بن الفضيل، قال لنا محمّد بن عليّ: كتب إليَّ عمربن عبدالعزيز: أن انسخ وصيّة فاطمة، فكان في وصيّتها الستر الذي يزعم أنّها أحدثته، وأنّ رسول الله دخل عليها فلمّا رآه رجع...(2) وذكر ابن بابويه القمّيّ ـ من الشيعة ـ بسنده إلى الاِمام الصادق أنّه قال: كنت انظر في كتاب فاطمة، فليس مَلِكٌ يملِكُ إلاّ وهو مكتوب باسمه واسم أبيه(3).
وفي الكافي: أنّ الصادق (ع) أجاب عن مسألة سئل فيها اعتماداً علىكتاب فاطمة(4)وقد اشتهر كتاب فاطمة بالمصحف وهذا هو الذي استغلّه المغرضون للتشنيع على أنصار مدرسة أهل البيت، مع العلم أنّ كلمة «مصحف» و«صحيفة» كانتا تطلقان منذ الصدر الاَوّل الاِسلاميّ على كلّ كتاب، ولايختصّ بكتاب الله عزّ وجلّ حتّى يلزم تصحيح ما يقولونه.
قال الشيخ طاهر الجزائريّ: لمّا توفّي النبيّ بادر الصحابة إلى جمع ما كتب في عهده (ص) في موضع واحد وسمّوا ذلك المصحف(5).

____________
(1) مكارم الاَخلاق، للخرائطيّ: 43 رقم 317 طبعة القاهرة، مكتبة السلام.
(2) مسند أحمد 6: 283، المعجم الكبير 5: 127، مكارم الاَخلاق، للخرائطيّ: 37.
(3) الاِمامة والتبصرة من الحيرة : 180 ح 34 .
(4) انظر الكافي 3: 507 ح2 كتاب الزكاة باب حساب زكاة النقدين.
(5) معرفة النسخ: 31 و145، توجيه النظر: 6.

( 406 )

الاِمام الحسن بن عليّ (المجتبى)
كانت عند الاِمام الحسن صحيفة أبيه الاِمام عليّ بن أبي طالب، يحتفظ بها وينقل عنها علوم محمّد (ص)، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: سألت الحسن بن عليّ عن قول عليّ في الخيار، فدعا بربعة، فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول عليّ في الخيار(1)، فيمكن أنّ يرشدنا النصّ إلى أمرين:
الاَوّل: وجود خلاف بين الصحابة في الخيار ممّا دعى ابن أبي ليلى أن يسأله عن قول عليّ فيه.
الثاني: اشتهار أصالة فقه عليّ بين المسلمين ممّا دعا ابن أبي ليلى أن يطلب قول عليّ من الاِمام الحسن اعتقاداً منه بوجود كتاب عليّ عنده.
هذا وأنّ الحسن بن عليّ أكّد أكثر من مرّة على أهمّيّة نشر العلم الاَصيل وضرورة تحمّل أهل البيت وأولادهم لمسؤوليّة حفظ الشريعة عبر التدوين والتحديث.
فعن شرحبيل بن سعد، قال: دعا الحسن بن عليّ بنيه وبني أخيه، قال: يابنيّ وبني أخي! إنّكم صغارُ قوم، يوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه فليكتبه وليضعه في بيته(2).
فالاِمام أوصى أبناءه وأبناء أخيه بتحمّل العلم منذ الصبا لينتفعوا به ولينفعوا الآخرين، وذلك لصيرورة العلم على حافّة الضياع وخطر الهاوية.
ولا أدري أنّه لو لم تكن حفظت لنا تلك المدوّنات إلى اليوم، فماذا كان مصير التشريع الاِسلاميّ.

____________
(1) دراسات في الحديث النبويّ: 107 عن العلل لاَبي حاتم 1: 104.
(2) الطبقات الكبرى (ترجمة الاِمام الحسن) : 64|98 بتحقيق المرحوم السيّد عبدالعزيز الطباطبائيّ، جامع بيان العلم وفضله 1: 82، تاريخ اليعقوبيّ 2: 227، الكفاية في علم الرواية، كنز العمّال 5: 229، تاريخ دمشق (ترجمة الاِمام الحسن).

( 407 )
إنّنا نرى الاختلاف وضياع الاَحكام مع وجود المدوّنات المتأخّرة زماناً، فكيف بنا لو لم يكن هناك تدوين أصلاً؟!
وعن أبي عمرو بن العلاء، قال: سئل الحسن بن عليّ عن الرجل يكون له ثمانون سنة يكتب الحديث؟
قال: إنّه يحسن أن يعيش(1).

الاِمام الحسين بن عليّ (الشهيد)
من الثابت عند أئمّة أهل البيت وشيعتهم أنّ كتاب الاِمام عليّ دخل في حيازة الاِمام الحسين بعد وفاة أخيه الاِمام الحسن، والاِمام الحسين لمّا حضره الذي حضره ـ كما في بصائر الدرجات ـ دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين فدفع إليها كتاباً ملفوفاً...(2)، وفي آخر: أنَّ الكتب كانت عند عليّ (ع) فلمّا سار إلى العراق استودع الكتب أُمّ سلمة، فلمّا مضى عليّ كانت عند الحسن، فلمّا مضى الحسن كانت عند الحسين، فلمّا مضى الحسين كانت عند عليّبن الحسين...(3)
لا وهذا الكتاب غير الكتاب الذي أمّنه رسول الله عند أُمّ سلمة وأوصاها أن تعطيه لخليفته من بعده، بشرط أن يطلبه منها، فظلّت محافظة عليه إلى أن بايع الناس عليّاً، فجاء عليّ إليها وسألها الكتاب فسلّمته إليه(4).
وجاء عن عليّ بن الحسين أنّه قال : أتى محمّد بن الحنفيّة الحسينبن عليّ فقال: أعطني ميراثي من أبي، فقال له الحسين: ما ترك أُبوك إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطاياه. قال: فإنَّ الناس يزعمون فليأتون فيسألوني فلاأجد بدّاً من أن أُجيبهم، قال: فأعطني من علم أبي. قال: فدعا الحسين ـ قال ـ فذهب فجاء بصحيفة تكون أقلّ من شبر أو أكبر من أربع أصابع، قال: فملاَت شجره
____________
(1) شرف أصحاب الحديث: 69 رقم 146.
(2) بصائر الدرجات : 148 | 9 ، 163 | 3 ، 164 | 6 .
(3) بصائر الدرجات ، 162 | 1 ، 167 | 21 .
(4) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 37 ، بصائر الدرجات : 163 | 4 ، 168 | 23 .

( 408 )
ونحوه علماً(1) ؟.
فالكتاب المؤمَّن من قبل رسول الله عند أُمّ سلمة لم يكن نفس ما أملاه على عليّبن أبي طالب فإنّه كان في الاَوّل ما يحتاج إليه الخليفة في حكومته وكان ما في الثاني يدور في مدار التشريع وأخبار الاَُمم و...
ولاَهمّيّة هذا الكتاب حرص الاِمام الحسين ـ وهو في أشدّ الظروف قساوة ـ على أن يوصل هذا العلم إلى من يقوم بعده، ومن هنا تسفر الحقيقة عن أن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة كانت من أوائل المسلمات اللواتي حافظن على التدوين وأدركن خطورة منعه، وهذه المرأة الصالحة كانت موضع تقدير أئمّة أهل البيت جميعاً وقد أودعوا عندها النفيس من مدوّنات الشريعة المحمّدية.
نعم، إنّ الاِمام الحسين كان من دعاة التدوين والتحديث فممّا يؤيّد ذلك ما جاء في خطبته في منى: أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإني أُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدّقوني، اسمعوا مقالي واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإنّي اتخوّف أن يدرس هذا الاَمر ويذهب الحقّ(2).
وجاء عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) عن المحرم يموت كيف يصنع به، فحدّثني أنّ عبد الرحمن بن عليّ مات بالاَبواء مع الحسينبن عليّ وهو محرم، ومع الحسين عبدّالله بن العبّاس، وعبداللهبن جعفر، فصنع به كما صنع بالميّت وغطّى وجهه ولم يمسّه طيباً، قال: وذلك في كتاب عليّ (ع)(3).
وقد جاء: أنّ لاَخيه محمّد بن الحنفيّة ـ كذلك ـ مسنداً في الحديث(4)، وهذا يدلّل على أنّ أولاد الاِمام عليّ كانوا من أصحاب المدوّنات وقد اهتمّوا
____________
(1) بصائر الدرجات : 160 | 29 .
(2) كتاب سليم بن قيس: 165.
(3) تهذيب الاَحكام 5: 383 كتاب الحجّ.
(4) الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 1: 550 عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الاِسلاميّة.

( 409 )
بالكتابة حفاظاً على السنّة المطهّرة وزيادة لتوثيق ما ينقلونه عن النبيّ.

الاِمام عليّ بن الحسين (السجّاد)
أُثِر عن الاِمام السجّاد عدّة رسائل أشهرها: رسالة الحقوق(1)، والصحيفة(2)فقد قال أبو حمزة الثماليّ: قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام عليّ بن الحسين وكتبت ما فيها، ثمّ أتيت عليّ بن الحسين فعرضت ما فيها عليه، فعرفه وصحّحه(3).
فمن المحتمل أن يكون ما قرأ فيها أبو حمزة هو جزء من الصحيفة الكاملة السجّاديّة، لاَنّ الكلام في الصحيفة لا يقتصر على الزهد ففيه أُمور أُخرى.
هذا، وقد روى محمّد الباقر وزيد بن عليّ والحسين الاَصغر ـ أبناء الاِمام السجّاد ـ رسالة عن أبيهم في أحكام الحجّ(4).
واشتهر عن ولديه الاِمام زيد والاِمام الباقر اهتمامهم بأمر التدوين، إذ عدّ مقدّم كتاب مفاتيح كنوز السنّة الشيخ أحمد محمّد شاكر الاِمام زيداً [في المجموع] ـ على فرض صحّة الانتساب إليه ـ بإنّه (أقدم كتاب موجود من كتب الاَئمّة المتقدّمين)(5).
وقال الاَُستاذ محمّد عجاج الخطيب مثله:... وعلى هذا يكون «المجموع» من أهمّ الوثائق التاريخيّة التي تثبت ابتداء التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجريّ، بعد أن استنتجنا هذا من خلال عرضنا لمصنفات ومجاميع من غير أن نرى نموذجاً مادّيّاً يمثّل أُولى تلك المصنّفات، اللّهمّ إلاّ
____________
(1) طبعت هذه الرسالة مكرّراً وعليها شروح كثيرة.
(2) هي الاَُخرى مطبوعة ولها شروح كثيرة.
(3) انظر الكافي 8: 14 17، الفهرست للطوسيّ: 68 رقم 138.
(4) طبعت هذه الرسالة بمطبعة الفرات| بغداد، بتقديم العلاّمة السيّد هبةالدين الشهرستانيّ، منسوباً إلى الاِمام زيد.
(5) مفاتيح كنوز السنّة، مقدّمة الشيخ أحمد شاكر (4).

( 410 )
موطّأ مالك الذي انتهى من تأليفه قبل منتصف القرن الهجريّ الثاني، فيكون المجموع قد صنّف قبله بنحو ثلاثين سنة، ومن الواضح أنّ المجموع المطبوع جمع بين الفقه والحديث، فهو يضمّ المجموعين الفقهيّ والحديثيّ ولكنهما ليسا منفصلين(1).
ونقل الاَُستاذ أسد حيدر عن كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الاِسلاميّة»، قوله: (ولزيد بن عليّ مدوّنة فقهيّة اكتشفت بين المخطوطات القديمة في المكتبة الاَمبروزيّة بميلانو، الخاصّة ببلاد العرب الجنوبيّة، وهذا المخطوط يعدّ أقدم مجموعة في الفقه الاِسلاميّ، وعلى كلّ حال ينبغي أن يوضع هذا الكتاب موضع الاعتبار فيما يتعلّق بتاريخ التأليف في الفقه الاِسلاميّ(2).
وقد طبع هذا الكتاب باسم (مسند الاِمام زيد بن عليّ).
إلاّ أنّك قد عرفت أنّ الحقّ هو وجود مدوّنات منذ عصر رسول الله وهي أقدم من مجموع الاِمام زيد، وأنّ النموذج المادّيّ للمدوّنات يرجع إلى القرن الاَوّل الهجريّ ويتمثّل برسالة الحقوق والصحيفة السجّاديّة ـ التي دوّنها أبي حمزة الثماليّ وغيره ـ وهما دليلان مادّيّان حيّان ماثلان للعيان لحدّ هذا اليوم.
والجدير ذكره هنا أنّ مدوّنات الاِمام السجّاد بثقلها الاَكبر تنحو منحىً جديداً في ثقافة المسلمين المدَّونة، وقد فتحت مجالاً ما زال ضخماً في تراث المسلمين ألاَ وهو «الدعاء» و«الحقوق» فإنّ هذين المجالين هما من أهمّ وأعرق ما عهده المسلمون من ثقافة، وذلك معالجةً منه لما كان ضروريّاً جدّاً في عصره الشريف، لاَنّ الاَخلاق الاِسلاميّة والحقوق المترتّبة للفرد وللمجتمع كادت تمسخ في العهد اليزيديّ وما بعده(3)فكان تدوين ما يعالج ذلك بمثابة تدوين لاَمراض المرحلة وعلاجاتها، وتوثيق لتاريخ مرحلة مهمّة من المشرّعات الاِسلاميّة ولعلم غضّ من العلوم الاِسلاميّة.

____________
(1) السنّة قبل التدوين: 371.
(2) انـظـر الاِمـام الصـادق والمـذاهـب الاَربـعـة 1 : 550 عـن تمهيـد لتـاريـخ الفلسـفة الاِسلاميّة:200.
(3) ومرّ كلامه سابقاً ، وعن الاِمام الصادق في الكافي 2: 600 قريب منه فراجع.

( 411 )
وهذا يُزيد في توثيق مدوّنات الاِمام زيد بن عليّ ـ لو صحّ الانتساب إليه ـ والاِمام محمّدبن عليّ الباقر، فإنّ فيهما الكثير ممّا أخذاه عن أبيهما عن آبائه.
وذكر ابن الصفوان أنّ لزيد كتاباً في «القلّة والجماعة» كان يستعمله في محاججة خصومه ويلجأ إليه(1).
قال ناجي حسن في مقدّمة تحقيقه لكتاب «الصفوة» للاِمام زيد: تنسب إلى زيد بضع عشرة رسالة في موضوعات مختلفة، كعلم الكلام، والتفسير، والفقه والاَخبار(2).
وقد عدّ المؤيديّ الحسنيّ في كتابه «التحف، شرح الزلف) أسماء كتب للاِمام زيد(3)ـ لم نقف عليها عند الآخرين.
وقال الاَُستاذ عبد الحليم الجنديّ: ألّف عمرو بن أبي المقدام جامعاً في الفقه يرويه عن الاِمام زين العابدين(4).
هذا وقد حقّق السيّد محمّد جواد الجلاليّ كتاب (غريب القرآن) للاِمام زيدبن عليّ أخيراً، وطبع ضمن منشورات منظمة الاِعلام الاِسلامي|إيران.
فترى هذا التوافر والتواصل من أئمّة أهل البيت منصبّاً على التدوين والتحديث، إذ ظهر لك أنّهم كانا يدوّنون ويأمرون أبناءهم بالتدوين ويحثّون أصحابهم عليه، مع الاَخذ بنظر الاعتبار عصر الاِمام السجّاد بالخصوص، فإنّه من أحرج الاَزمنة على علماء آل محمّد لكونه بعد واقعة الطفّ فبروز مدوّنات قيّمة عن ذلك العصر الاِسلاميّ بفضل مدرسة التدوين ما هو إلاّ معجزة من المعاجز في تاريخ الثقافة الاِسلاميّة.

____________
(1) التحف شرح الزلف، للسيّد مجد الدين المؤيديّ: 30، ثورة زيد بن عليّ، لناجي حسن: 35.
(2) الصفوة (مقدّمة المحقّق): 9.
(3) انظر التحف: 30.
(4) الاِمام جعفر الصادق، لعبد الحليم الجنديّ: 202.