نماذج من امتداد النهجين
ولمزيد من تجلية هذه الحالة، إليك بعض النصوص:
أخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملي عَلَيّ أحاديث، فقال: إنّ الاَحاديث كثرت على عهد عمربن الخطّاب، فأنشدَ الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها، ثمّ قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب(1).
وإزاء مثل هذه الحوادث تحضر في ذهن القارىَ أسئلة تبحث عن إجابات دقيقة مُقنعة: ترى...: لماذا تكثر الاَحاديث على عهد عمربن الخطّاب بالخصوص؟! وعلى أيّ شيء تدلّ هذه الظاهرة؟ ثمّ لماذا يأمر بحرقها ولايُميثها بالماء أو يدفنها في الاَرض مثلاً؟
ولماذا يتسرّع الخليفة في عمله، بدون تحقيق وتمحيص؟!
ثمّ لماذا يصطلح الخليفتان على موقف واحد من الاَحاديث، فيقوم كلاهما بإبادتها حرقاً بالنار ولا يميثانها بالماء أو يدفنانها في الاَرض ـ كما فعل ابن مسعود وغيره ـ؟ هذا مع أنّ التيّار الفكريّ لاَكثر الصحابة كان ضدّ إتلاف الاَحاديث، لكنّ نهج الاجتهاد ـ صاحب السلطة التنفيذيّة ـ أبى إلاّ أن ينفِّذ ما يراه، فلماذا هذه الاستهانة وعدم الاعتناء بآراء ووجهات نظر الصحابة مع موافقتها لاَحاديث النبيّ وسيرته ولروح التشريع الاِسلاميّ؟!
أترك القارىَ ليستنتج الجواب من النصوص السابقة واللاحقة، وأُذكّره بحديث آخر رواه لنا سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في المتعة وأنّه قال: تمتع النبيّ (ص)..
فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة.

____________
(1) الطبقات الكبرى 5: 188.

( 172 )
فقال ابن عبّاس: ما يقول عُريّة؟!
قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة!
فقال ابن عبّاس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقول: نهى أبو بكر وعمر(1)!
وروى ابن عبد البرّ: والله ما أراكم منتهين حتّى يعذّبكم الله! أُحدّثكم عن النبيّ وتحدّثونا عن أبي بكر وعمر(2)!
وفي حديث ثالث: قال ابن عبّاس: إنّي أُحدّثكم عن النبيّ(ص) وتجيئوني بأبي بكر وعمر؟!
وعنه: أراهم أن يُرمَوا بالحجارة من السماء.
وأمّا جملة عروة: هما والله كانا أعلم بسنّة رسول الله وأشيع لها منك(3).. فقد علّق الخطيب البغداديّ على جواب عروة بقوله:
قلت: قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما عروة، إلاّ أنّه لاينبغي أن يقلّد أحد في ترك ما تثبت به سنّة رسول الله(4).
ونُقِلَ عن عبد الله بن عمر أنّه كان يفتي بالذي أنزل الله من الرخصة بالتمتّع وما سنّه رسول الله، وقد اعترض عليه البعض بقوله: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟!
فقال: أفرسول الله أحقّ أن تتّبعوا سنّته أم سنّة عمر(5)؟!
وفي آخر: أأمرَ أبي أتّبع أم أمرَ رسول الله؟! لقد صنعها رسول الله(6).
وأخرج أحمد في مسنده عن عبد الاَعلى، قال: صلّيت خلف زيدبن
____________
(1) زاد المعاد 1: 212 ـ 213 ، مسند أحمد 1: 327 ، إرشاد النقّاد إلى تيسير الاجتهاد لمحمّدبن إسماعيل الصنعانيّ: 24 ـ 25.
(2) زاد المعاد 1: 213.
(3) زاد المعاد 1: 213.
(4) تقييد العلم.
(5) الترمذيّ 2: 159|823.
(6) إرشاد النقّاد للصنعانيّ: 25.

( 173 )
أرقم على جنازة، فكبّر خمساً.
فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقيه الدولة في وقته فأخذ بيده، فقال: نسِيتَ؟
قال: لا، ولكنّي صلّيت خلف أبي القاسم خليلي فكبّر خمساً، فلاأتركها أبداً(1).
وأخرج الطحاويّ بسنده عن يحيى بن عبد الله التيميّ قال: صلّيت مع عيسى ـ مولى حذيفة بن اليمان ـ على جنازة فكبرّ عليها خمساً، ثمّ التفت إلينا، فقال: ما وَهِمتُ ولا نسيت، ولكنّي كبّرت كما كبّر مولاي ووليّ نعمتي ـ يعني حذيفةبن اليمان ـ صلّى على جنازة فكبّر عليها خمساً، ثمّ التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسِيت، ولكنّي كبّرت كما كبّر رسول الله(2).
وعن وبرة بن عبد الرحمن قال: أتى رجل إلى ابن عمر فقال: أيصلح أن أطوف بالبيت وأنا محرم؟
قال: ما يمنعك من ذلك؟
قال: إنّ فلاناً ينهانا عن ذلك حتّى يرجع الناس من الموقف، ورأيته كأنّه مالت به الدنيا، وأنت أعجب إلينا منه.
فقال ابن عمر: حجّ رسول الله، فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وسُنّة الله تعالى ورسوله أحقّ أن تُتّبع من سنّة ابن فلان، إن كنت صادقاً(3).
وعن ابن عمر: إنّ رسول الله قال: لا تمنعوا إماء الله أن يصلّين في المسجد.
فقال ابن له: إنّا لَنمنعهنّ.

____________
(1) مسند أحمد 4: 370 ، شرح معاني الآثار 1: 494|2827.
(2) مسند أحمد 5: 406، شرح معاني الآثار 1: 494|2828.
(3) صحيح مسلم 2: 905|187، مسند أحمد 2: 6، سنن الدارميّ 5: 224، السنّة ما قبل التدوين:90.

( 174 )
فغضب ابن عمر غضباً شديداً وقال: أُحدّثك عن رسول الله وتقول: إنّا لنمنعهنّ(1)!
وفي رواية أُخرى: فانتهره عبد الله قائلاً: أفٍّ لك!! أقول: قال رسول الله وتقول: لاأفعل(2)؟!
وفي مجمع الزوائد: أنّ تميماً ركع ركعتين بعد نهي عمربن الخطّاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر فضربه بالدرّة، فأشار إليه تميم أن اجلس ـ وهو في صلاته ـ فجلس عمر، ثمّ فرغ تميم من صلاته.
فقال تميم لعمر: لِمَ ضربتني؟!
قال: لاَنّك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيتُ عنها.
قال: إنّي صلّيتهما مع من هو خير منك؛ رسول الله (ص).
فقال عمر: إنه ليس بي أنتم الرهط، ولكن أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلّون ما بين العصر والمغرب حتّى يمرّوا بالساعة التي نهى رسول الله أن يصلّوا فيها كما وصلوا ما بين الظهر والعصر(3).
وجاء عن أبي أيّوب الاَنصاريّ أنّه كان يصلّي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلمّا استخلف عمر تركها ، فلمّا توفّي ركعهما.
فقيل له : ما هذا ؟
فقال : إنَّ عمر كان يضرب الناس عليهما(4).
هذه النصوص تجسّم بكلّ وضوح معالم الاختلاف بين الصحابة، وأنّها كانت تدور غالباً في الفقه وجزئيّات الاَحكام الشرعيّة، وأن الخليفة بتطبيقه السياسة الجديدة كان يريد إخضاع الصحابة لرأيه، وكانوا هُم لايرتضون ذلك، لاَنّهم كانوا قد كبّروا على الميّت خمساً، وصلّوا بين الطلوعَين وعند الغروب،
____________
(1) مسند أحمد 2: 151، سنن ابن ماجة 1: 8|16، السنّة ما قبل التدوين:88.
(2) مسند أحمد 2: 127، وانظر جامع بيان العلم وفضله 2: 195.
(3) مجمع الزوائد 2: 22 ـ 323.
(4) المصنّف 2 : 433 وفي هامشه عن كنز العمّال .

( 175 )
وتمتّعوا على عهد رسول الله و....
ولمّا رأى عمر تعذُّر فرض آرائه عليهم قال لتميم الداريّ: إنّي لاأريدكم أنتم الرهط!!
أجَل، إنّ لزوم تطبيق ما أفتى به كان من أُصول السياسة الجديدة، ولاَجله ترى عمّاربن ياسر يقول: (إن شئت لا أُحدِّث بذلك). ومن هنا كان تبرُّم أُبيّبن كعب وقوله (واللهِ لئن أحببتَ لاَلزمنّ بيتي فلا أُحدّث أحداً بشيء).
إنّ كلّ هذه النصوص تنبىَ عن وجود الضغط والتهديد، وقد مرّ بك سابقاً كلامه لعمّار: (نولّيك ما تولّيت) وتهديده لاَبي موسى الاَشعري بالضرب، وضربه تميماً الداريّ وأبا هريرة، وما سوى ذلك من الضغط والتهديد والوعيد، وكلّ هذه المفردات تنبىَ عمّا كان في ذلك العصر من تصادم بين النهجين في الفكر والمنهج.
وبعد هذا لا يمكن لاَحد أن ينكر نهي الخليفة عمر بن الخطّاب عن تدوين السنّة الشريفة، وأنَّ محاولتهم لتضعيف تلك الاَخبار الناهية عن التدوين وحبسه للصحابة، تفنّده نصوص التاريخ وما جاء عنه في قضاياه العلميّة والعمليّة، حيث إنّ النصوص تؤيّد خبر النهي وتعضده، وتضعّف ما قاله ابن حزم والذهبيّ وغيرهم من أنّ النهي والحبس لا يتلاءم مع مكانة عمر ونفسيّته!!
والواقع أنّ استقصاء مواقف الخليفة عمر بن الخطّاب الفقهيّة ممّا يخرج بنا عن أصل الدراسة، لكنّ إشارتنا لمبانيه المبتناة على الرأي هي ممّا يعضد رؤيتنا في منع التدوين والتحديث.
وإليك نصّاً آخر في هذا السياق، وهو ما جاء في قضيّة قسمة الاَراضي التي فتحها المقاتلون عنوةً في العراق ومصر أيّام عمر بن الخطّاب؛ فالثابت في القرآن أنّ خُمس هذه الغنائم تودَع في بيت المال لتصرف في الموارد التي نصّت الآية عليها: (أنّما غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فأنّ للهِ خُمُسَهُ وللرسولِ ولذي القُرْبى...)(1)

____________
(1) الاَنفال : 41 .

( 176 )
أمّا الاَربعة الباقية ـ من الخمس ـ فتقسّم بين المقاتلين، عملاً بمفهوم الآية وفعل الرسول (ص) في خيبر.
فالمقاتلون ـ جرياً على العادة ـ جاؤوا إلى عمر بن الخطّاب يطلبون أن يُخرج الخمس لله ـ ولمن ذُكر في الآية ـ وأن يقسّم الباقي بين الغانمين.
فقال عمر: فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الاَرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحِيزت؟! ما هذا برأي!
فقال له عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الاَرض والعلوج إلاّ ممّا أفاءالله عليهم.
فقال عمر: ما هو إلاّ ما تقول، ولست أرى ذلك!
فأكثروا على عمر، وقالوا: تقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لميحضروا ولم يشهدوا؟!
فكان عمر لا يزيد أن يقول: هذا رأيي!
فقالوا جميعاً: الرأي رأيك(1).
وهذا الخلاف المحتدم بين الصحابة في أبسط المفردات الفقهيّةّ، كان قد حدث بعد غياب النبيّ (ص) من بين المسلمين ، وعدم التفافهم حول مرجعيّة علميّة واحدة، فلذلك كثرت الآراء والاجتهادات ، وزاد العراك والجدل، وهذه النتائج السلبيّة السريعة الظهور بعد وفاة النبيّ (ص) هي التي كان يحذر منها (ص) في حديث الاَريكة وأحاديث النهي عن الرأي ، وهي التي كانت تعتصر آلامها قلب عليّ بن أبي طالب ومخلصي الصحابة وخواصّهم ، ولميكن تأسّفهم لفوت الخلافة كحكم سياسيّ حسب ، بل كان الاَلم الاَكبر هو ألم الخلاف والفرقة وضياع وحدة الخلافة والقيادة الدينيّة ، وذلك بعينه ما كثّر شكاوى عليّ وأنس وعمّار وغيرهم من الصحابة حتّى أنَّ حذيفة ـ صاحب السرّ في أسماء المنافقين ـ كان يحذّر بأشدّ المرارة من الاختلاف والتضارب في الآراء والاجتهادات نتيجة ضياع الخلافة وانفلات أزمّتها وقيامها على أُسس
____________
(1) انظر الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة، للوافي المهدي: 111.

( 177 )
غيرسليمة.
وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتابه «السقيفة» عن البراءبن عازب: أنّه كان في جماعة منهم المقداد بن الاَسود وعبادةبن الصامت وسلمان الفارسيّ وأبو ذرّ وحذيفة وأبو الهيثم بن التيّهان، وذلك بعد وفاة الرسول (ص): وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكوننّ ما أخبرتكم به، والله ما كذبت ولا كُذّبت، وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الاَمر شورى بين المهاجرين.
ثمّ قال: ائتوا أُبيّ بن كعب، فقد علم كما علمت.
قال: فانطلقنا إلى أُبيّ، فضربنا عليه بابه حتّى صار خلف الباب، فقال: من أنتم؟ فكلّمه المقداد، فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: افتح عليك بابك، فإنّ الاَمر أعظم من أن يجري من وراء الحجاب، قال: ما أنا بفاتح بابي وقد عرفت ما جئتم له كأنّكم أردتم النظر في هذا العقد.
فقلنا: نعم.
فقال: أفيكم حذيفة؟
فقلنا: نعم.
قال: فالقول ما قال، وبالله ما أفتح عنّي بابي حتّى تجري عَلَيّ ما هي جارية، ولَما يكون بعدها شرّ منها، وإلى الله المشتكى(1).
وجاء عن حذيفة أنّه قال: هلك أهل العقد وربِّ الكعبة. ألا لاعليهم آسى، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين(2).
وفي رواية ثالثة: لاَقولنّ قولاً لا أُبالي أستحييتموني عليه أو قتلتموني(3).
وبهذا أُضيف إلى قائمة المخالفين لعمر بن الخطّاب في الفقه أسماء أُخرى، هي:
16 ـ زيد بن أرقم.

____________
(1) السقيفة وفدك: 46 47، وعنه في شرح النهج 2: 51 ـ 52.
(2) رواه أبو نعيم في الحلية عن الاِمام أحمد.
(3) الطبقات الكبرى 3: 501، المستدرك للحاكم 2: 229، 2: 303 مختصراً.

( 178 )
17 ـ البراء بن عازب.
18 ـ عبد الله بن عمر.
19 ـ سلمان الفارسيّ.
20 ـ أبو هريرة.
21 ـ تميم الداريّ.
22 ـ المقداد بن الاَسود.
23 ـ أبو ذرّ الغفاريّ.
24 ـ المقاتلون من الصحابة.
* * *

بروز المدوّنين في مخالفة الرأي
لو أردنا أن نتأكّد من صحّة مُدّعانا وما عرضناه لحدّ الآن، لَلزم المزيد من التمعّن في مواقف هؤلاء الصحابة الذين ذكرناهم، وأن لا نكتفي في دراستنا على نقل واقعة واحدة أو حادثة واحدة عنهم، بل يجب علينا البحث عن فقه هؤلاء على النحو الغالب، وقد لفت انتباهنا حينما أردنا دراسة شخصيّات كهؤلاء هو أنّ غالبهم كانوا من أصحاب المدوَّنات، وأنّ تدوينهم يعني تخالف المنحى والمنهج بين الخليفة وهؤلاء الصحابة. وإليك أسماءهم حسب ما توصّلنا إليه لحدّ الآن:
1 ـ عليّ بن أبي طالب (ت 40هـ).
لم ينكر أحد أنّ عليّاً كان من المدوِّنين على عهد الرسول (ص)، وأنّ أمّ سلمة ـ زوج النبيّ ـ قالت: دعا رسول الله بأديم وعليُّ بن أبي طالب عنده، فلميَزَل رسول الله يُملي وعليّ يكتب حتّى ملاَ بطن الاَديم وظهره وأطارفه(1).
وكانت لديه صحيفة عن رسول الله يحتفظ بها في قراب سيفه. جاء ذكر
____________
(1) الاِملاء: 21، كما في الدراسات للاَعظميّ: 127.

( 179 )
هذه الصحيفة عن أكثر من عشرة من تلامذة عليّ(1). وقد وقفت على بعض مواقف عليّ المخالفة لآراء عمر فيما سبق.
2 ـ أُبيّ بن كعب الاَنصاريّ (ت 22هـ).
روى أبو العالية عن أُبيّ بن كعب أنّ له نسخة كبيرة في التفسير(2).
وقد عرفنا فيما مضى تخالف رأي أُبيّ مع الخليفة، وأنّه كان يصرّح بعدمأعلميّة الخليفة ، ولا يرتضي منعه عن التحديث وقراءة القرآن.
3 ـ معاذ بن جبل (ت 18هـ).
أرسله رسول الله إلى اليمن، وكتب معه كتاباً في الصدقات، فيه أحاديث(3). وكان عند موسى بن طلحة إمّا كتاب معاذ أو نسخة منه(4). وكانت لدى ابن عائذ كتب معاذ بن جبل(5)، وهذه النصوص مجتمعة تدلّ على تدوين معاذ ووجود مدوّناته وبقائها رغم إحراق الخليفة ومنعه وتهديده، وقد مرّ عليك موقفه من عمر في قتل المسلم بالذميّ، ورجم المرأة التي ولدت لسنتين!
4 ـ حذيفة بن اليمان، (ت 36هـ).
قد مرَّ عليك كلامه مع عمر وأنّه أصبح يكره الحقّ ويحبّ، الفتنة، ويشهد بما لميَرَه، ويصلّي على غير وضوء، وله في الاَرض ما ليس لله في السماء!!
5 ـ عبد الله بن مسعود الهذليّ(ت 32هـ).
روى جويبر، عن الضحّاك، عن عبد الله بن مسعود قال: ما كنّا نكتب في عهد رسول الله (ص) شيئاً في الاَحاديث إلاّ التشهّد والاستخارة(6).
وعن معن، قال: أخرج لي عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كتاباً،
____________
(1) انظر معرفة النسخ: 207.
(2) التفسير والمفسّرون 1: 115 كما في الدراسات للاَعظميّ: 100.
(3) سيرة ابن هشام 8862 و956، حلية الاَولياء 1: 240، الاَموال لاَبي عبيد 27 و37.
(4) مسند أحمد 5: 228.
(5) دلائل التوثيق المبكّر: 418 المحدّث الفاصل 56|أ.
(6) العلل 1: 323، المصنّف لابن أبي شيبة 45، كما في الدراسات للاَعظميّ.

( 180 )
وحلف لي أنّه خطّ أبيه بيده(1).
وجاء عن ابن مسعود أنّه منع من التدوين ، لكنَّ هذا إنَّما يكذّبه الخبران الآنفان وغيره وحبس عمر له ، وبهذا يحتمل أن يكون محوه للصحف على فرض صحّته إنّما كان لما تضمّنته تلك الصحف من قصص أهل الكتاب كما قدّمنا الاَدلّة على ذلك فيما مضى، وقد جاء عن ابن مسعود أنّه خالف عمر في أكثر من مسألة ، فذكر ابن القيّم أنّه خالفه في نحو مائة مسألة(2). وهذا القول يخالف ما نُقِل عنه: (لو أنّ الناس سلكوا وادياً وشِعباً، وسلك عمر وادياً وشِعباً، لسلكت وادي عمر وشِعبه)(3)، ويؤيّد كونه من نهج التعبّد والتدوين.
6 ـ عبد الرحمن بن عوف (ت 31هـ).
ستقف لاحقاً على دوره في رسم سيرة الشيخين ومكانته من عمر، ولميَرِد عنه في التدوين شيء.
7 ـ أبو عبيده بن الجرّاح.
توفّي قبل خلافة عمر، ولم نر له كتاباً.
8 ـ زيد بن ثابت ت (45هـ).
قيل: إنّه أوّل من صنّف كتاباً في الفرائض، قال جعفر بن برقان: سمعت الزهريّ يقول: لولا أنّ زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنّها ستذهب من الناس(4). وقد خالف عمر في إرث الجدّة، وقتل المسلم بالذميّ وغيرهما.
9 ـ عبد الله بن عباس (68هـ).
قالت سلمى: رأيت عبد الله بن عبّاس ومعه ألواح يكتب عليها ابنُ أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله(5)، وكان يحملها معه، واشتهر عنه أنّه ترك حين
____________
(1) جامع بيان العلم وفضله 1: 72.
(2) أعلام الموقّعين2: 218.
(3) ابن أبي شيبة 1: 100، أعلام الموقّعين1: 20.
(4) سير أعلام النبلاء 2: 312، تاريخ دمشق 5: 448.
(5) الطبقات الكبرى 2|2: 123 كما في الدراسات للاَعظميّ: 116.

( 181 )
وفاته حِمْلَ بعيرٍ من كتبه(1).
وجاءت عنه نصوص تؤكّد لزوم تقييد العلم بالكتاب(2)، أمّا ما جاء عن طاووس عنه من أنّه كان يكره كتابة العلم فهو ممّا ينبغي التوقّف عنده؛ لتخالفها مع روايات أُخرى عنه. وقد وقفت على تخالفه مع عمر في المرأة التي وضعت لستّة أشهر وغيرها.
10 ـ الضحّاك بن سفيان الكلابيّ
كتب إليه رسول الله أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دِيته(3). وقد كتب الضحّاك كتاباً إلى عمر بن الخطّاب جاء فيه: أنّ النبيّ ورّث امرأة أشيم الضبابيّ من دية زوجها(4).
11 ـ شيبة بن عثمان العَبْدَريّ (ت57هـ).
ترجم له المزّيّ في «تهذيب الكمال 12: 604» ولم يذكر له كتاباً، وذكر حديثه لعمر في كسوة الكعبة الذي مرّ سابقاً.
12 ـ امرأة خطّأت الخليفة
ومن المحتمل أن تكون هذه المرأة: فاطمة بنت قيس ـ أُخت الضحّاك وكانت أكبر منه بعشر سنين ـ وقد كتب بعض أحاديثها أبو سلمة بإخبار منها، قال محمّد بن عمرو: حدّثنا أبو سلمة عن فاطمة بنت قيس قال: كتبت ذلك من فيها كتاباً، قالت: كنت عند رجل...(5).
13 ـ عمّار بن ياسر، استشهد يوم صفّين.
صحابيّ جليل، من أتباع الاِمام عليّ، استشهد في واقعة صفّين. وقد أخبر رسولُ الله بمقتله وأنّ الفئة الباغية ستقتله.

____________
(1) الطبقات الكبرى 5: 216، وتقييد العلم: 136 كما في الدراسات: 116.
(2) تقييد العلم: 92، العلل 1: 42، العلم لاَبي خيثمة: 124 كما في الدراسات: 117.
(3) انظر مسند أحمد3: 452 ، الرسالة، للاِمام الشافعيّ: 426، تهذيب الكمال 13: 262.
(4) سنن ابن ماجة، الديات 12، ح2642، وأبو داود ح 2927 والترمذيّ ح 1415 و2110.
(5) مسلم (الطلاق) 39|1114 ـ 1121، أحمد 6: 413، الطبقات الكبرى 8: 200.

( 182 )
لم نقف على مدوّنة له، لكنّه من مدرسة التدوين ؛ لاَنّ فقهه هو فقه التعبّد المحض؛ ولمواقفه المخطّئة لنهج الخلفاء ولاتّباعه عليّ بن أبي طالب في فقهه ونهجه.
14 ـ عبد الله بن قيس، أبو موسى الاَشعريّ (ت 42هـ).
جاء في مسند أحمد أنّ أبا موسى الاَشعريّ كتب لابن عبّاس مجيباً على رسالته: كان رسول الله (ص) يمشي(1)...
وقال بكر بن عبد الله أبو زيد: له صحيفة مخطوطة في مكتبة شهيد علي بتركيا(2))، وجاء عنه أنّه قد دافع عن تدوين السنّة الشريف لفقه الصحابة سنشير إلى مسلكه الفقهيّ ، وهل هو يوافق التعبّد أم الاجتهاد.
15 ـ سعد بن مالك، أبو سعيد الخُدريّ(ت 74).
جاء عنه أنّه قال: ما كنّا نكتب غير القرآن والتشهّد(3).
واحتمل الاَعظميّ أنّه كتب بعض الاَحاديث النبويّة إلى عبداللهبن عبّاس. وهذه النصوص تخالف ما اشتهر عنه من أنّه روى عن رسول الله: لاتكتبوا عنّي، ومن كتب غير القرآن فليمْحُه(4).
16 ـ زيد بن أرقم (ت 66هـ).
كتب بعض الاَحاديث النبويّة، وأرسلها إلى أنس بن مالك، منها: ما كتبه إليه زمن الحَرّة، يعزّيه فيمن قُتل من ولده وقومه، فيها: أُبشّرك ببشرى من الله، سمعت رسول الله يقول: اللّهمّ اغفر للاَنصار ولاَبناء الاَنصار(5)، وقد خَطَّأ زيدٌ عمرَ في بعض فتاواه، وروى في فضائل عليّ الكثير.

____________
(1) مسند أحمد 4: 396 414، وجامع الاَُصول 8: 47، والسنن الكبرى 1: 93.
(2) معرفة النسخ: 182.
(3) صحيح مسلم (الاِمارة) 10 والفضائل 45، مسند أحمد 5: 89.
(4) تقييد العلم 29 ـ 32، مسند أحمد 3: 12 ـ 21، مسلم (الزهد): 72، العلل، لابن حنبل كما في الدراسات.
(5) مسند أحمد 4: 370، 374، سنن الترمذيّ 2: 230، التهذيب 3: 394، اعتماداً على الدراسات:107.

( 183 )
17 ـ البَراء بن عازب (ت 72هـ).
قال محمّد عجاج الخطيب: كان البراء بن عازب صاحب رسول الله يحدّث ويكتب مَن حوله(1).
قال وكيع: حدّثنا أبي، عن عبد الله بن حنش، قال: رأيتهم يكتبون علىأكفّهم بالقصب عند البراء(2)، وقد جاء عنه روايات كثيرة في فضائل عليّبن أبي طالب. وقد عرفتَ موقفه في البيعة.
18 ـ عبد الله بن عمر بن الخطّاب(ت 74هـ).
روي عنه أنّه كان يكتب الاَحاديث النبويّة، وقد نقل إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر: كانت له كتب ينظر فيها يعني العلم(3)، وأنّك ستقف لاحقاً على موقفه من أبيه وانتصاره لنهج التعبّد المحض، وإن كان يتخطّى هذا النهج في بعض الاَوقات.
19 ـ سلمان الفارسيّ (ت 32هـ).
قال ابن شهرآشوب: الصحيح وقيل المشهور أن أوّل من صنّف: أميرُ المؤمنين عليّبن أبي طالب، ثمّ سلمان الفارسيّ(4).
وقال السيّد حسن الصدر عن سلمان: إنّه صنّف حديث الجاثليق الروميّ الذي بعثه ملك الروم بعد النبيّ (ص)، ذكره الطوسيّ في الفهرست(5).
وقال الاَعظميّ: يبدو أنّه كتب إلى أبي الدرداء بعض الاَحاديث النبويّة(6). ولسلمان عدّة أحاديث في مسند أحمد تدلّل على أنّه كان من أتباع نهج التعبّد
____________
(1) السنّة قبل التدوين: 320.
(2) جامع بيان العلم وفضله1: 73، تقييد العلم: 105، سنن الدارميّ1: 128 العلم لاَبي خيثمة 144، العلل1: 42.
(3) التاريخ الكبير للبخاريّ: 1|3201، سير أعلام النبلاء3: 160 كما في الدراسات:120.
(4) معالم العلماء، وعنه في المراجعات | المراجعة (110).
(5) تأسّس الشيعة لعلوم الاِسلام: 280.
(6) جامع بيان العلم وفضله 1: 74، فتح الباري 1: 215، المستدرك 3: 511، مسند ابن وهب:66، العلل: 120 كما في الدراسات للاَعظميّ: 96.

( 184 )
المحض.
20 ـ أبو هريرة الدوسيّ (ت 59هـ).
روى الفضل بن حسن بن عمر بن أُميّة الضميريّ عن أبيه، قال: تحدّثت عند أبي هريرة بحديث فأنكر، فقلت: إنّي قد سمعته منك! فقال: إن كنت سمعته منّي فهو مكتوب عندي(1)، وفي حديثه ما يؤيّد نهج التعبّد وفيه مايخالف ذلك.
21 ـ تميم الداريّ
وقد مرّ عليك اعتراضه على الخليفة حينما منعه من الصلاة بعد العصر.
22 ـ المقداد بن الاَسود.
لم يرد أنّه من المصنّفين أو المدوّنين ، لكنَّ له مزيّة متابعة عليّبن أبي طالب وترسّم خطاه ، فهو من مدرسة التعبّد المحض ، لكن لم يدوّن أو لمتصل إلينا مدوّنته.
23 ـ أبو ذرّ الغفاريّ.
وأضاف ابن شهرآشوب اسم أبي ذرّ الغفاريّ بعد ذكره لسلمان ضمن أسماء من صنّف في الاِسلام(2)، وتخالف نهج وفقه ومتبنّيات أبي ذرّ مع أتباع الاجتهاد والرأي، والحكومات عموماً ، وعثمان خصوصاً ، أشهر من أن يخفى، مضافاً إلى اختصاصه بإمام التعبّد المحض عليّ بن أبي طالب.

استنتاجات
وبهذا نكون قد تعرّفنا عبر هذا الجَرْد الاِحصائيّ البسيط على أنّ الصحابيّ المخالف فقهيّاً لنهج الخليفة غالباً ما يكون أحد اثنين:
1 ـ كونه من أصحاب المدوّنات.

____________
(1) جامع بيان العلم1: 74، فتح الباري1: 215، المستدرك3: 511.
(2) معالم العلماء: 1.

( 185 )
2 ـ كونه من أصحاب عليّ بن أبي طالب، ومن الذين شهدوا حروبه(1).
واستبانت لنا من خلال ذلك أيضاً حقائق أُخرى مهمّة في هذا السياق، هي:
1 ـ سقم من يقول بوجود نهي عن رسول الله (ص)في تدوين حديثه.
2 ـ أنّ تدوين العلم كان على عهده (ص) وبأمر منه، ثمّ امتدّ ذلك بعده عند الصحابة المتعبّدين بالنصوص.
3 ـ وجود مدوَّنات عند الصحابة على عهد عمر، وتلك النصوص هي التي دَعَته أن يأمر بإحضارها إليه.
4 ـ أنَّ النهي عن تدوين السنّة كان متأخّراً وبأمر الشيخين، ولميكسب شرعيّته من النصّ النبويّ.
قال المعلّميّ: لو كان النبيّ نهى عن كتابة الاَحاديث مطلقاً لَما كتب أبو بكر، ولما هَمّ بها عمر(2).
وعليه فإذ كانت نصوص السنّة مدوّنة وموجودة، فَلِمَ لا يرتضي الخليفة نشرها؟! وكيف يقول حسبنا كتاب الله؟!
ولو صحّ ما قلناه، فَلِمَ يستبعد ابن حزم وغيره صدور أمر من عمر بحبس الصحابة؟!
نعم، إنَّ التحديث والتدوين عن رسول الله كان هو المانع الاَساسيّ أمام اجتهادات الشيخين، وإنّ إرشاد عمر وأبي بكر الناس إلى العمل بالقرآن والاِقلال من التحديث ومنع التدوين كان الخطوة الاَُولى في هذا الطريق، وهكذا بعدت الفاصلة بين عامّة الناس والحديث، ممّا مَهّد الاَرضيّة المناسبة لاحتضان البديل، وهو اجتهاد الصحابيّ. فكان البديل هو الخطوة التالية لخطوة منع التحديث والتدوين.

____________
(1)وإن كنّا سنضيف إلى هذين فقه الاَنصار لاحقاً ، كي نقف على دعاة التعبّد المحض من الصحابة، وأنّه يدور غالباً في هذه المحاور الثلاثة .
(2) انظر تدوين السنّة الشريفة: 264 و 273 عن الاَنوار الكاشفة: 38.

( 186 )
وقد أنبأ رسول الله بوقوع هذا الاَمر في القريب العاجل، بقوله(ص) «يوشك»، وهو من أفعال المقاربة، مع تأكيده على أنّ ما يقع هو ممّا لايرتضيه(ص)؛ لقوله «لا أعرفنّ» و«لاألفَينّ» مؤكّداً على أنّ كلامه من كلام الله ولاتنافي بينهما لقوله: «ألا وإنّ كلامي كلام الله».
إنّ المنع من التحديث ـ بالنسبة للخليفة ـ كان ضرورة اجتماعيّة فرضتها ظروفه عليه، وهو بمثابة المردود السلبيَّ وردّة الفعل إزاء ما لا يعرفه من كلام رسول الله، بل لما عرفه من نهي النبيّ ـ عندما كتب شيئاً من التوراة ـ فالخليفة بنهيه عن التدوين كان يريد أن يجتهد لكي يطبّق نهي الرسول عن تدوين أهل الكتاب، مع علمنا بالفارق بينهما.
فنهي رسول الله من كتابة صحف أهل الكتاب جاء لكونها محرّفة، وهذا يختلف عن نهي عمر الناس عن كتابة سنّة رسول الله(ص).
نعم، لو كان الشيخان قد عرفا ما قاله النبيّ لما آل أمرهما إلى تخطّي سيرته (ص) والاِتيان بما يخالفه.

حبس المحدِّثين
ولتوضيح الاَمر إليك نصّاً في ذلك:
أخرج الذهبيّ، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أنّ عمر حبس ثلاثة:
ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الاَنصاريّ، فقال: لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله(1)!
وفي «شرف أصحاب الحديث» للخطيب:
بعث عمر بن الخطاّب إلى عبد الله بن مسعود وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود، فقال لهم: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله؟! فحبسهم بالمدينة.
وأخرج الحاكم عن سعد بن إبراهيم عن أبيه:

____________
(1) تذكرة الحفّاظ 1: 7، حجّيّة السنّة: 395.

( 187 )
إن عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود ولاَبي الدرداء ولاَبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله؟! أحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أُصيب(1).
وفي «مختصر تاريخ دمشق»: أنّ عبد الرحمن بن عوف قال: ما مات عمربن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبدالله، وحذيفة، وأبو الدرداء، وأبو ذرّ، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الاَحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟!
قالوا: تنهانا؟
قال: لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عِشت؛ فنحن أعلم، نأخذ منكم ونردّ عليكم. فما فارقوه حتّى مات(2).
إنّ جملة: (أكثرتم عن رسول الله) وكذا: (أفشيتم عن رسول الله في الآفاق) لتؤكّد على أنّ في نقل الاَحاديث عن الرسول توعية للمسلمين، وإحراجاً للخليفة في ظروفه الخاصّة؛ لاَنّه قد حدّد ما أخذه عليهم بأنّه (الاِكثار) و(الاِفشاء) لا الكذب والبهتان، فالاِفشاء يساوق تخطئة الخليفة، خصوصاً إذا كان الكلام الصادر عن رسول الله ظاهراً صريحاً، وتتّضح هذه الحقيقة أكثر لو أمعنّا النظر في جواب عمر بن الخطّاب لاَُبيّ بن كعب:
فقال أُبيّ: يا عمر! أتتّهمني على حديث رسول الله؟!
فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما أتّهمك عليه، ولكنّي كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله ظاهراً(3).
وقولُهُ للصحابة: (أقِلُّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يُعمل به)(4)، وسرّ المنع في النصّ الاَوّل واضح كوضوح الشمس في أنّ الخليفة كان لايريد أن يكون الحديث «ظاهراً» لئلاّ يظهر الخلل والعوز الفقهيّ في دولته أو فيه.
وكذا تقييده بـ (ما يُعمل به) يعني جواز نقل الاَحاديث المشهورة
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 1: 110، وكذا في تلخيص الذهبيّ.
(2) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 17: 101.
(3) الدراسات للاَعظميّ عن ابن سعد في الطبقات 4: 21 ـ 22.
(4) البداية والنهاية 8: 107.

( 188 )
المعمول بها بين المسلمين في الاَحكام وغيرها، ممّا هو شائع يعرفه الخليفة كما يعرفه غيره من المسلمين.
وأَمّا نقل الاَحاديث التي لا يعرفها الناس أو ربّما لا يعرفها الخليفة، فلايجيز تناقلها، لاِمكان حدوث التخالف بينها وبين اجتهاده، ممّا سيؤول إلى إيجاد مشكلة في جهاز الحكم الذي يُفترض فيه أن يكون مقوّماً ومرجعاً فقهيّاً للاَُمّة الاِسلاميّة.
ولاَجل كلّ هذا قال للصحابة: (أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت؛ نحن أعلم، نأخذ منكم ونرّد عليكم).
بهذا اتّضح أنّ الخليفة كان لا يرتضي التحديث بالرواية، كما أنّ الصحابة أو الكثير منهم كانوا لا يرتضون ما ذهب إليه، وهذا ـ كما ترى ـ مغاير لِما عمد البعض إلى إشاعته من أنّ الخليفة قد نهى عن التدوين حسب.
ومن ثمَّ يضاف إلى قائمة الاَسماء، أسماء آخرين قد خالفوا الخليفة في رأيه، هم:
25 ـ أبو الدرداء.
26 ـ أبو مسعود الاَنصاريّ.
27 ـ عقبة بن عامر.
ولا نريد هنا التفصيل في هذه الاَسماء، آملين أن نلتقي مع القرّاء في دراستنا عن (السنّة بعد الرسول)، لكي يقفوا على أسماء هؤلاء وغيرهم على نحو التفصيل، وكذا على فقههم ونهجهم في الحياة، وعند ذلك يتجلّىللقارىَ أنّ هؤلاء الصحابة لا ينحصر عددهم بثلاثة عشر، كما زعم ذلك ابن حجر، أو سبعة كما زعم موسى جار الله.
* * *

آراء متضاربة
سئل ابن عبّاس: عن رجل توفّي وترك بنته وأُخته لاَبيه وأُمّه.

( 189 )
فقال: ليس لاَُخته شيء، والبنت تأخذ النصف فرضاً، والباقي تأخذه ردّاً.
فقال السائل: فإنّ عمر قضى بغير ذلك.
فقال ابن عبّاس: أأنتم أعلم أم الله؟!
قال السائل: ما أدري ما وجه هذا حتّى سألت ابن طاووس [اليماني]، فذكرت له قول ابن عبّاس، فقال: أخبَرَني أبي أنّه سمع ابن عبّاس يقول: قال الله عزّ وجلّ (إنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَرَكَ)(1)فقلتم أنتم: لها نصف ما ترك وإن كان لها ولد(2).
إنّ عمر كان قد ساوى في الميراث بين بنت الميت وأُخته لاَبيه وأُمّه، لاَنّ البنت حسب نظره لا يصدق عليها حقيقة الولد، كما هو المعروف عند العرب من قبل. والمعلوم أنّ هذه الرؤية تخالف صريح القرآن العزيز لقوله عزّ وجلّ (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُم للذّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاَُنْثَيين)(3).
فدلّت هذه الآية على أنّ البنت «ولد» بالمفهوم القرآنيّ والعُرفيّ والحقيقيّ، ومع وجود الولد لا تأتي رتبة الاِخوة والاَخوات في الاِرث، لقوله تعالى (وَهُو يَرِثُها إنْ لَم يَكُنْ لَها وَلَد، فإن كانَتا اثْنَتَين فَلَهُما الثُّلُثان ممّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً ونِسَاءً فَللِذّكرِ مِثْلُ حَظِّ الاَُنثيين يُبيّن اللهُ لكَمْ أن تَضِلّوا واللهُ بكلِّ شَيءًّ عَلِيم)(4).
وهو يعني كذلك أن الاِخوة والاَخوات لا حقّ لهم في الاِرث مع وجود الولد.
وللخليفة رأي آخر في عول الفرائض خالفه فيه ابن عبّاس:
قال عمر: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخّر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أنّ أقسّم عليكم هذا المال بالحصص.

____________
(1) النساء : 176 .
(2) المستدرك على الصحيحن 4: 339، السنن الكبرى 6: 233، كنز العمّال 11: 44|30558.
(3) النساء: 11.
(4) النساء: 176.

( 190 )
فقال ابن عبّاس: وأيم الله، لو قدّمتم مَن قدّم الله وأخّرتم مَن أخّر الله ما عالت الفريضة(1).
وحَكَمَ في امرأة ماتت عن زوج وأُمّ وأخَوَين لاَُمّها دون أبيها، وأخَوَين لاَُمّها وأبيها معاً بحكمين مختلفين:
قضى في المرّة الاَُولى بإعطاء زوجها فرضه ـ وهو النصف ـ وإعطاء أُمّها فرضها ـ وهو السدس ـ وإعطاء أخويها لاَُمّها خاصّة الثلث الباقي، فتمّ المال وأُسقط أخواها الشقيقان.
وفي المرّة الثانية أراد الخليفة أن يحكم كما حكم سابقاً، فقال له أحد الشقيقين: يا أمير المؤمنين! لنا أب وليس لهم أب، ولنا أُمّ كما لهم، فإن كنتم حرمتمونا بأبينا فوِّرثونا بأُمّنا كما ورّثتم هؤلاء بأُمّهم، واحسبوا أنّ أبانا كان حماراً، أوَليس قد تراكضنا في رحم واحد؟
فقال عمر عند ذلك: صدقتم، فأشرك بينهم وبين الاِخوة لاَُمّ في الثلث الباقي(2)، وفي رواية أُخرى: لو كنت حجراً مُلْقىً في اليمّ، فأشركنا في قراء أُمّنا، فأشرك بينهم بتوزيع الثلث على الاِخوة الاَربعة بالسواء.
فقال له الرجل: إنّك لم تشركهما عامَ كذا.
قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا الآن(3)!
أخرج الشافعيّ في «الرسالة»، وأبو داود والبيهقيّ عن طاووس: أنّ عمر2 قال: أسَمِعَ امرؤ عن رسول الله في الجنين شيئاً؟
فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي [يعني ضرّتين] فضربتْ إحداهما الاَُخرى بمسلح، فألقت جنيناً ميّتاً، فقضى فيه رسول الله بُغرّة.
فقال عمر: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، إن كِدنا أن نقضي في
____________
(1) سنن البيهقيّ6: 253.
(2) أحكام القرآن للجصّاص 2: 111.
(3) كنز العمّال 11: 25|30481، أحكام القرآن 2: 111.

( 191 )
مثل هذا برأينا(1).
قال عبيدة السلمانيّ: لقد حفظتُ لعمر بن الخطّاب في الجدّ مائة قضيّة مختلفة(2).
وعلّق الدكتور محمّد سلاّم مدكور على أمر عمر في الجدّة بقوله: «... ولكنّ عمر كان يأبى إلاّ أن يكون الجدّ أولى من الاِخوة، ويقول: لو أنّي قضيت به اليوم لقضيت به للجدّ كلّه، ولكنّه اتّجه إلى العدول عن رأيه وقال: لعلّي لاأخيّب منهم أحداً، ولعلّهم أن يكونوا كلّهم ذوي حقّ. ثمّ عَدَل مرّة أُخرى إلى المقاسمة بشرط ألاّ تقلّ عن السدس. ثمّ عدل إلى المقاسمة بشرط ألاّ تقلّ عن الثلث على ما ذكرنا. وما كان هذا الاختلاف وعدم الاستقرار في الرأي إلاّ لاَنّ المسألة اجتهاديّة صرفة لم يِرد فيها نصّ يبيّن الحكم بوضوح.
ونستطيع أن نتبيّن من هذا الحوار الذي تمّ بين زيد بن ثابت وعمربن الخطّاب هو استعمال زيد أُسلوباً في التشبيه البليغ يقرب رأيه إلى العقل والامتناع(3)».
وقال الدكتور محمّد روّاس قلعهچي بعد أن أتى بكلام عبيدة السلمانيّ والآية الكريمة (ولاَبوَيْهِ لكلّ واحدٍ منهما السُّدس ممّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ وَلَد)(4)زپ وقوله: (فإن لمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أبوَاهُ فَلاَمّهِ الثُّلُث )(5).. قال: يفهم منه أنّ الباقي للجدّ(6). «وكان عمر يلاحظ اضطرابه في قضيّة ميراث الجدّ مع الاِخوة، فاستشار الصحابة في شأنه أكثر من مرّة، ولكنّه لم يصل فيه إلى قرار حاسم. وقبيل وفاته أحبّ أن تستقرّ الاَُمور في الجدّ على شكل ما، حتّى لايترك الاَمر فوضى، فكتب في الجدّ والكلالة كتاباً، ومكث يستخير الله ويقول: اللّهمّ
____________
(1) حجّيّة السنّة: 344 347، الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: 451.
(2) مصنّف عبد الرزّاق 10: 262 ح19043 ـ 19045 وموسوعة عمر بن الخطّاب: 53.
(3) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 172.
(4) النساء: 11.
(5) النساء: 11.
(6) موسوعة فقه عمر بن الخطّاب: 53.

( 192 )
إن علمت فيه خيراً فأمضِه، حتّى إذا طعن دعا بالكتاب فمحاه، فلم يدرِ أحد ما كان فيه فقال: إنّي كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتاباً وكنت استخير الله فيه فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه»(1).
وعلّق السيوطيّ في «الاَشباه والنظائر» على اجتهادات عمر في الجدّة بقوله: وعلّته أنّه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الاَوّل، فإنّه يؤدّي إلى أنّه لايستقرّ حكم، وفي ذلك مشقّة شديدة، فإنّه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلّم جّراً(2).

القول باجتهاد النبيّ (ص) !!
فاتّضح إذاً ـ على ضوء النصوص السابقة ـ اضطرارهم إلى اتّخاذ الاجتهاد كمنطلق يمكن على ضوئه تبرير اختلاف وجهات النظر بين الصحابة، بل بين فتاوى الخليفة نفسه أو الصحابيّ الواحد نفسه، لاَنّه الغطاء الذي يمكن أن يحتمي به الداعون إلى مدرسة الخلفاء، والاجتهاد، والعاملين به على عهد رسول الله (ص)، لرفع التضادّ والتناقض الموجود بين فقه الصحابة.
لكنّنا نريد أن ندرس القضيّة من جذورها، ومن منطلق أكثر عقلانيّة وواقعيّة، لنرى: هل كان الرسول يجتهد في الاَحكام حقّاً، أم أنّ ما نسبوه إليه (ص) جاء لتصحيح اجتهادات الصحابة؟
وهل يعقل أن يتّخذ الرسول الاجتهاد وسيلة للوقوف على حكم السماء، وهو المأمور بتبيين الاَحكام الصادرة من الله للناس، وهو رسول ربّ العالمين؟!
ولو سُمح له (ص) بالاجتهاد، فلِمَ يتوقّف (ص) في معرفة حكم اللعان(3)، وميراث الخال والعمّة حتّى ينزل عليه الوحي(4)؟!

____________
(1) موسوعة فقه عمر بن الخطّاب: 54.
(2) الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: 452 عن الاَشباه والنظائر: 101.
(3) لاحظ سورة النور: 6 ـ 9.
(4) رواه أبو داود في المراسيل والنسائيّ من مرسل زيد بن أسلم ووصله الحاكم في المستدرك والطبرانيّ في الصغير بذكر أبي سعيد.

( 193 )
وألم يكن الاجتهاد هو ممّا يحتمل الخطأ فيه، ولا يفيد إلاّ الظنّ؟
وإذا كان الرسول بمقدوره الحصول على اليقين، فكيف يعمل بالظنّ الذي هو أقلّ درجة عن اليقين.
يضاف إلى ذلك القول: ماذا نفعل بالآيات الاَُخرى الآمرة بلزوم اتّباع كلام رسول الله، كقوله تعالى: (مَا آتاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوُه، وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(1)وقوله تعالى: (فلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُم...)(2)؟! فنحن لو اعتبرنا الاجتهاد وعرفنا أنّه مبتنٍ على الظنّ، وممّا يُحتمل الخطأ فيه، فكيف يوجب سبحانه اتّباع الظنّ والخطأ في أحكامه؟! وقد نهى سبحانه عن اتّباع الظنّ بقوله: (إنّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئاً)(3)؟!
يبدو أنَّ الاِصرار على القول باجتهاد الرسول، إنّما صِير إليه لتصحيح اجتهادات الصحابة، ومنحها السمة المشروعة، وعلى الاَخصّ فتاوى الشيخين. ومن يقرأ التاريخ والحديث بروح مجرّدة يقف على ما نقول. وأنّك لو تمعّنت فيما استدلّ به علماء الاَُصول ـ من اتّباع مدرسة الرأي ـ على اجتهاد الرسول، وما ذكروه من أدلّة لعرفت أنّ السرّ فيه إنّما هو الاِشارة إلى الاَخطاء التي نسبها بعضهم إليه (ص) في مقام التشريع! فأرادوا حلّ هذه العويصة بمخرج الاجتهاد والرأي.
ثمّ لو كانت أقواله (ص) وأفعاله، نابعة من اجتهاداته (ص) المسموح بها حسب فرضهم، فلماذا نرى غالب تصريحاتهم وتلويحاتهم توحي بأنّ النبيّ تخلّف عن أوامر الله ـ كما في صلاته على المنافق ـ وتخلّف عن الضوابط الاِنسانيّة كما نرى عبوسه عند مجيء الاَعمى عبد الله بن مكتوم... وغيرها ممّا نسبوه إلى النبيّ الاَكرم (ص)، حتّى اجترأ الزمخشريّ أن يقول في تفسير قوله تعالى (عَفا اللهُ عَنْكَ)(4) إنّها كناية عن الجناية؛ لاَنّ العفو مرادف لها،
____________
(1) الحشر : 7 .
(2)النساء : 65 .
(3)يونس : 36 ، النجم : 28 .
(4) التوبة : 43 .

( 194 )
ومعناه: أخطات وبئس ما فعلت(1)!
انظر إلى كلام الزمخشريّ هذا كيف يتطاول به على ساحة النبوّة المقدّسة؟!
لقد قال أتباع الاجتهاد المانعون للتدوين بمثل هذا القول فيما يتّصل برسول الله (ص)، في حين يؤكّدون أنّ الوحي كان يوافق الخليفة عمربن الخطّاب في كلّ تلك القضايا التي أخطأ فيها النبيّ (ص)، وأنّ النبيّ قد شهد له بذلك.. أترك القارى ليفهم مغزى هذا التناقض وسرّ تخطئة الرسول (ص) وسلامة رأي عمر وموافقة الوحي له دون النبيّ!
ولو تنزّلنا وقلنا إنّ النبيّ بشر، له مَلَكات ربّانيّة، وإنّ غالب أُموره الدنيويّة كانت تصدر بقرار من نفسه وليس لها ارتباط بالوحي، بمعنى أنّه (ص) لو قال لاَحد: كيف أنت؟ لا يعني أنّه قالها له امتثالاً لاَمر الباري، وكذا قوله: ماذا تأكل؟ أو: اذهب إلى فلان لاَخذ الحاجة الفلانيّة حاجة، أو ائتني بماء فإنّي عطشان، ومثلها مزاحه مع أزواجه والمؤمنين، وغيرها من متطلّبات الحياة العامّة..
وكذا الحال بالنسبة إلى حروبه، فكان (ص) يشاور الصحابة، كما في مصالحة غطفان يوم الخندق(2)، والخروج إلى أُحد(3)، وأخذه برأي سلمان الفارسيّ في حفر خندق حول المدينة في غزوة الاَحزاب(4)، وكذا أخذه(ص) برأي حبّاب في النزول عند الماء في غزوة بدر، وبقول سعد ابن معاذ في بناء عريش بدر(5) وغيرها من المفردات..
فلو سلّمنا كلّ هذا وأعرضنا عن أن النبيّ (ص) كان يفعل كل ذلك
____________
(1) تفسير الكشّاف2:274.
(2) سيرة ابن هشام4: 104، وعنه في اجتهاد الرسول: 95.
(3) أنظر البخاريّ ومسلم ومسند أحمد والنسائيّ وسيرة ابن هشام 3: 64 بل جميع التواريخ.
(4) السيرة النبويّة لابن هشام3: 235.
(5) السيرة النبويّة لابن هشام2: 271، وللتفصيل في هذه الواقعة ونظائرها راجع اجتهاد الرسول للدكتورة نادية شريف العمريّ: 83 ـ 146.

( 195 )
ويتكلّم به بأمر الله وبما يوافق مراد الباري سبحانه وتعالى، وأنّه كان يشاور أصحابه استطابة لنفوسهم وتعليماً لهم على الحنكة والتدبير، ثمّ يجزم هو (ص) بما أراه الله بما هو في صالح المسلمين، وما هو مراد الله سبحانه وتعالى. أقولُ: لو سلّمنا كلّ ذلك لكنّا نقول:
إنّ هذه القضايا هي مواقف في أُمور الحرب والموضوعات الخارجيّة، وهي ليست كاجتهادات الخليفة عمر بن الخطّاب؛ إذ إنّ غالب ما ذهب إليه كان في الاَحكام الشرعيّة وليس شيء منها في الموضوعات الخارجيّة! هذا بعد الاِغضاء عن أنّ اجتهاد النبيّ ـ لو فرض صحّته ـ لا يساوق اجتهاد غيره، باعتبار أنّ عقل النبيّ هو أكبر عقل وأَدْرَكُهُ للواقع، فإنّ اجتهاده جاء بعد إلمامه بالمصالح والمفاسد والمقدّمات والنتائج، وكان ذلك موافقاً لحكم الله الواقعيّ، واين هذا من اجتهاد غيره؟
نعم، إنّهم بطرحهم هذه الرؤية كانوا يريدون مساواته (ص) مع الصحابة لتعميم الاَمر عليهم، ولكي يرفعوا به التخالف الموجود بين أقوالهم، وليخلصوا إلى القول: إنّها اجتهادات كاجتهادات النبيّ!
بَيْد أنّ ما لا ريب فيه كما يشهد الجميع أنّ ما يسمّى باجتهاد النبيّ هو غيراجتهاد الصحابة، فالنبيّ لو ارتضينا أنّه مجتهد لم يكن يجتهد إلاّ في الموضوعات وأُمور الحرب والاَقضية، وذلك لا يعني أنّه(ص) كان يجتهد في الاَحكام كذلك.
وأمّا العمل بالوظيفة الظاهرة فإنّه لا يعني الاجتهاد بمعناه المعروف اليوم لاَنّ قوله (ص): «إنّما أحكم بالظاهر وإنّكم تختصمون إلَيّ، ولعلّ أحدكم ألحن بحجّته من بعض، فمن قضيتُ له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنّما قطع له قطعة من النار»(1)، يعني أنّ على الحاكم أن يحكم طبق ظاهر الاَدلّة المطروحة، لاعلى البواطن والواقع، وإن كان منكشفاً له (ص) انكشافاً تامّاً، إذ الاَنبياء والرسل والاَوصياء كلّهم مأمورون أن يحكموا بالظاهر إلاّ من كلّفه الله بالحكم الواقعيّ كالخضر (ع).

____________
(1) أنظر اجتهاد الرسول: 97.

( 196 )
هذا، وقد عُرف عن رسول الله أنّه كان يحكم بين الناس في المدينة، ـ وفي هذا ما يفهم منه أنّه كان يحكم ـ طبق الاَدلّة والموازين. وفي هذا ما يعني ـ بما لامجال للشكّ فيه ـ أنّه قَنَّنَ الحكم بالظاهر لكي لا تنخرق نواميس الشريعة والقوانين البشريّة التي جرت عليها سنّة الخلق.
إنّ النبيّ (ص) لاتّصاله بالوحي إنّما كان يعرف حكم الشرع، وذلك لمعرفته بما في اللوح المحفوظ؛ لاَنّ من الثابت عند المسلمين نزولُ القرآن مرّتين: نزل في الاَُولى كاملاً ليلة القدر، ونزل في الثانية نجوماً في الوقائع والاَحداث المختلفة، فقد يكون ما أفتى به النبيّ هو لِما عرفه من اللوح المحفوظ وإن لم تنزل عليه بالتنزيل الثاني ـ آية صريحة ـ لحين ذلك التاريخ.
وكذا الحال بالنسبة إلى ما قالوه في تمنّي رسول الله تحويلَ القبلة إلى المسجد الحرام؛ فلو كان اجتهاداً منه لحوّلها ولَما ظلّ ستّة أشهر أو سبعة يصلّي إليها حتّى نزل قوله تعالى : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)(1)هو لاَجل انتظاره للوحي وتعبّده بأمر السماء، لا إتياناً منه (ص)بحكم يخالف شريعة الله.
وأمّا الاستدلال على اجتهاد الرسول بقوله تعالى: (إنّا أنْزَلْنا إليكَ الكِتابَ بالحقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ الله) وتفسيرهم (بما أراك) بمعنى: بواسطة نظرك واجتهادك في أدلّة الاَحكام.. فإنّه تفسير خاطىَ ومخالف لظاهر الآية؛ لاَنّ منطوق الآية وبقرينة السياق ـ (إنّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ لِتحكُمَ بينَ الناسِ بما أراكَ الله)(2)صريحة بأنّ معناه هو لزوم استقائكَ الحكم من الكتاب لا اجتهاداً من عند نفسك!
وأمّا أنصار مدرسة الرأي من الصحابة، فكانوا يريدون تعميم اجتهاداتهم حتّى على الاَحكام الشرعيّة، وذلك بالطبع بعد عصر رسول الله. لاَنّهم في عصر النبيّ كانوا يرجّحون أن تكون الاَحكام مستوحاة من النصّ ومن كلام الرسول بل كان النبيّ يردعهم عن الرأي، لاَنّه المرجع المصحّح لما قد يقعون فيه من الاَخطاء، لكنّهم وبعد وفاته(ص) اجتهدوا، فيما فيه نصّ وفيما لانصَّ فيه.

____________
(1)البقرة : 144 .
(2)النساء : 105 .

( 197 )
وإنَّ هذا الاتّجاه قد استحكم بناه في عهد الخليفة الثاني ، لاَنَّ المجتهدين على عهد الرسول وبسطاء المتعبّدين قد تأثّروا باتّجاه الرأي لاحقاً.
إنّ رفع الاَُمور في عهد النبيّ إليه(ص) واستماعهم لقوله(ص) يعني أنّ حكمهم قد أُمضِي من قبل الشارع، وصار حجّة بإمضاء النبيّ؛ فالحجّة فيه إمضاء النبيّ لا ما فعله الصحابيّ وقاله!
فلو كان الاجتهاد بالرأي في عهده (ص) حجّة كما هو المصطلح اليوم فلماذا ألزم أُسامةَ أن يدفع دية الرجل الذي قتله اجتهاداً منه؟!
وقد مرّ عليك سابقاً كلام الدكتور مدكور إذ قال: (... إنّ الرسول ـ على مقتضى هذه النظريّة نفسها ـ لم يكن بحاجة إلى هذا المعنى من الاجتهاد... أمّا بعد انتقال الرسول من الحياة الدنيا وفي عصر الصحابة الذي ينتهي بنهاية القرن الهجريّ الاَوّل فقد عرضت لهم...).
وقال الدكتور معروف الدواليبيّ: (لا جديد في الغالب من أحداث لميألفها ووقائع لم يتخرج في أحكامها، على نحو ما في الكتاب والسنّة من حكم وإرشاد.
وهذا يعني أنّ الاجتهاد في أثناء حياة النبيّ لم يلعب دوراً هامّاً ذا شأن، بل بقي ضمن نطاقٍ من القضايا محدود، وعددٍ منها معدود)(1).
وقالت الدكتورة نادية العمريّ: (حتّى لقد كان يقترح (عمر) من التشريعات في عهد رسول الله ما يراه متّفقاً مع الفضيلة والحقّ والمصلحة)(2) وهذه الكلمات تعضد ما توصّلنا إليه من أنّ الاجتهاد ـ بمعناه اليوم ـ لميكن حجّة في زمان النبيّ (ص) وإنّما تكامل اصطلاحيّاً في وقت متأخّر على يد الشيخين ومَن سار مسيرهما، وأنّ انبثاقه وتكامله كان لحاجتهم إلى الاَحكام، ولعدم إحاطتهم بجميع الاَحكام ووجوه الاستدلال فيها.
* * *

____________
(1) الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: 32 عن المدخل إلى علم أُصول الفقه: 78 ط5ـ 1965.
(2) اجتهاد الرسول : 259 .

( 198 )
والآن.. نعود إلى صلب البحث لكي نعرف موقف الخليفة عمربن الخطّاب من الصحابة ونعرف موقفهم منه. وقد استبان لك موقفه من ابن مسعود وهو الصحابيّ الذي أرسله مع عمّار إلى الكوفة ليعلّماهم أُمور الدين، وقوله لاَهل الكوفة لمّا أرسلهما إليهم: إنّهما من النجباء من أصحاب محمّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما واستمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبداللهبن مسعود على نفسي(1). وكذا موقفه مع غيره من الصحابة.
نعم، عَمَد إلى صحابيّ جليل كابن مسعود فحبسه وحاسبه على نشره حديث الرسول وإكثاره منه، وهذا الموقف من الخليفة عمر هو الذي جرّأ عثمان أن يتّخذ موقفاً أشدّ من موقفه إزاء ابن مسعود، فمنعه من التحديث، ونهاه عن قراءة مصحفه ورسول الله يؤكّد: (اقرؤوا بقراءة ابن أُمّ عبد)، يعني: ابنَ مسعود وجلَده أربعين سوطاً حتّى آل الاَمر به أن يموت ويُدفن غريباً!
وقد مرَّ أنّه اتّخذ أُسلوب العنف إزاء الصحابة، لاَنّه أدرك مواقفهم من فقهه، وعلم أنّهم لا يرتضون اجتهاداته المخالفة لسنّة رسول الله وأنّهم ما يزالون يعترضون عليها. وأنّهم مع ذلك العنف ظلّوا مصرّين على ما تلقّوه من النبيّ (ص)، حتّى بلغ الاَمر ببعضهم أن يعمد إلى اختبار فهم الخليفة أمام المسلمين لاِعلامهم أنّ اجتهادات عمر خاطئة، بعيدة عن السنّة.