مُسائلة الصحابة الخليفة
وإليك نصّين في ذلك:
الاَوّل: عن الحارث، عن عبد الله بن أوس، قال: أتيتُ عمر بن الخطّاب، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت ثمّ تحيض؟
قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت.
قال الحارث: فقلت: كذلك أفتاني رسول الله.

____________
(1) الطبقات الكبرى 6: 13.

( 199 )
فقال عمر: تبّت يداك، أو ثكلتك أُمّك! سألتني عمّا سألت عنه رسول الله كيما أُخالفه(1)؟!
الثاني: عن هشام بن يحيى المخزوميّ: أنّ رجلاً من ثقيف أتى عمربن الخطّاب، فسأله: عن امرأة حاضت، وقد كانت زارت البيت يوم النحر: ألَها أن تنفر قبل أن تطهر؟
قال عمر: لا.
فقال له الثقفيّ: فإنّ رسول الله أفتاني في هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به!
فقام إليه عمر يضربه بالدرّة ويقول: لِمَ تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله(2)؟!
والجدير بالذكر هنا هو استخدام لفظة «الاِفتاء» في هذا العهد، وأنّ الخليفة قد قالها عن النبيّ كذلك، في حين نعلم بوجود «فرق بين الرسالة والفتوى؛ أنّ الفتوى تقبل النسخ من حيث الجملة في جنسيهما، وأمّا الرسالة فهي لاتقبل النسخ بأن تكون خبراً صِرْفاً»(3).
وكأنّه راح يوسّع فكرة الاجتهاد ـ التي رأى فيها علاج كلّ شيء ـ بأقصى ما يملك من قدرة، حيث لم يُمكنه القول بمشروعيّة رأيه وارتقائه إلى مرتبة قول الرسول إلاّ بعد المرور بعدّة مراحل، منها القول بأنّ النبيّ كان من المجتهدين وأنّ بعض أحكامه قد صدرت عن رأي، وبذلك قد تنزّلت أقواله (ص) إلى مرتبة غيره من المجتهدين، بحيث يمكن مضاهاتها من حيث إمكان الاَخذ والطرح، وهذا من أعجب العجائب.
ولو دقّقتَ النظر في مخالفة بل مخالفات الصحابة إيّاه في طروحاته وآرائه، لعرفت أنّ الشكّ في سلامة فقه عمر بن الخطّاب كان أمراً مطروحاً عند الصحابة، على أنّنا باستعراضنا هذه النصوص لا نُريد الذهاب إلى مشروعيّة
____________
(1) سنن أبي داود 2: 208|2004، وفيه (أرِبْتَ عن يَدَيك، سألتني...). حجّيّة السنّة: 358.
(2) حجّيّة السنّة: 372 عن الاَعلام، ورواه أبو داود كذلك.
(3) انظر اجتهاد الرسول: 352 ـ 353.

( 200 )
اختبار المسلم وجواز السؤال عن الشيء تعنّتاً وتجربة له، فهناك نصوص كثيرة دلّت على ذمّ سؤال المختبر المتعنّت:
فعن عليّ بن أبي طالب: سَل تفقّهاً، ولا تسأل تعنّتاً، فإنّ الجاهل شبيهٌ بالعالم، وإنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت(1).
وقوله: الناس منقوصون مدخولون إلاّ من عصم الله، سائلهم متعنّت ومجيبهم متكلّف(2).
لكنّ الذي نريده هو الوقوف على الحقائق، لاَنَّ الصحابة ـ على رغم وقوفهم على النصوص الذامّة للسؤال اختباراً ـ كانوا ينزعون إلى هذا اللّون منه في تعاملهم مع الخليفة؛ لاَنّهم يجدون فيه أُسلوباً للخروج من الاَزمة التي هم فيها، ولاَنّ تكرار مواقفهم هذه من الخليفة من شأنه أن يبصّر الآخرين بأنّ فقه الخليفة الثاني لا يتطابق في كثير من الاَحيان مع ما ورد عن رسول الله، سواء أَعَلِمَ الخليفة بورود نصّ آخر يخالف ما أفتى به، أم لم يعلم بورود شيء فيه أصلاً.
ولاِيقاف المسلمين على عدم امتلاك الخليفة عمر دوراً في التشريع وعدم امتلاكه القدرة الكافية على استنباط الاَحكام من الكتاب العزيز بحيث يكون رأيه قسيم الكتاب والسنّة في هذا الشأن.
ويبدو لي أنّ إثارة الصحابة لهذه القضايا وتكرارهم السؤال عنها، لميَعْنوا به المساس بشخصيّة الخليفة بقدر ما كانوا يريدون به الدفاع عن حياض التشريع الاِسلاميّ ومنع الآخرين عن إدخال الآراء في الشريعة.
إذ الثابت عن الصحابة أنّهم كانوا لا ينالون من الشيخين ولايستهينون بهما، وإن اختلفوا معهما، وذلك باعتبار تصدّرهما أمر الخلافة وقيادتهما أُمور الاَُمّة الاِسلاميّة.
وكان صغار الصحابة الذين ليسوا من عِلِّيَّة الفقهاء يأخذون بأقوالهما؛ لما
____________
(1) نهج البلاغة (الحكم) 3: 320.
(2) نهج البلاغة (الحكم) 3: 234|343.

( 201 )
اعتادوا عليه من الاَخذ في عهد رسول الله من رسول الله قائداً ومشرّعاً، فجرَوا على ذلك المنوال في الاَخذ، فأخذوا عن الشيخين باعتبار مقام الخلافة.
وقد استبان لك بجلاء تخالف وجهات النظر بين الخليفة وكثير من الصحابة في الاَحكام، وتبيّن هذا التخالف حتّى بين فتاويه في الواقعة الواحدة، وكان من الطبيعيّ أن يؤثّر هذا التخالف في الاَحكام الشرعيّة فيما بعد.
من هنا عمد قسط كبير من الاَعلام ـ تفادياً لاختلاط الاَحكام الاجتهاديّة الصادرة عنهم بالاَحكام النبويّة ـ إلى ضرورة الفصل والتمييز بينهما، لكيلا يقع المسلمون في حرج حين الاَخذ؛ لاَنّ الخبر الذي يصدر عن اجتهاد هو غيرالذي يصدر عن وحي، فسمّيت أحكامهم بالاجتهاد وما صدر عن النبيّ بالسنّة. وقد صرّح بعض الصحابة بأنّ ما يقوله من نفسه وليس مأثوراً عن سنّة النبيّ (ص).
وقال الدكتور مدكور: ومن الطبيعيّ أنّ الاجتهاد بالرأي يترتّب عليه اختلاف وجهة النظر والتفاوت في الفتاوى والاَحكام(1).
وقال أيضاً: وإنّ اجتهاد الصحابة لم يقف عند القياس، وإنّما شمل كلّ وجوه الرأي. عمدتهم في ذلك البديهة والفطرة وما لمسوه من روح التشريع مع وعي كامل للاَساس العقليّ الذي يقوم عليه الرأي، والدور الذي يؤدّيه في إظهار الاَحكام الشرعيّة(2).

الآراء وتأثيرها على الفقه
علّل بعض الكتّاب والباحثين اختلاف نظر الصحابة ـ إضافة لما سبق ـ بتفاوتهم في العقل والاِدراك والمناهج، متناسين منطلقات الخليفة ـ وأنصاره من أتباع الرأي على عهد رسول الله ـ ومتطلّبات الوضع العامّ في الدولة الاِسلاميّة، إذ الجميع يعلم أنّ الاختلاف بين المسلمين لم يقع في حجّيّة الكتاب أو السنّة،
____________
(1) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 80.
(2) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 80.

( 202 )
بل الكلام هو في المنسوب إلى رسول الله: هل هو حقّاً سنّته (ص) لكي يجب اتّباعها أم لا؟
وهل وُضع لتأييد المذهب الفلاني والخليفة الفلاني أم ليس له ارتباط بذلك، بل هو بيانٌ محض؟
ويبدو أنّ اختلاف النُّقول عن الصحابة في الاَحكام له مفهوم آخر، غير ما قالوه من إنّه نتيجة طبيعيّة للاجتهاد، ذلك لاَنّ الاختلاف يشير إلى تخالف الاتّجاهات الفكريّة الحاكمة آنذاك وليس كلّ اختلاف يمكن تعليله بأنّه اجتهاد رأي ـ كما يقولون ـ.
فلنأخذ البسملة مثلاً، فلو راجعت كتب الصحاح والسنن لرأيت الاَقوال فيها مختلفة حتّى عن الصحابيّ الواحد؛ فتارة يروون عن أنس أنّه جهر بالبسملة، وأُخرى يروون عنه أنّه قال: لا تجهروا، لاَنّي صلّيت خلف أبي بكر وعمر فكانا لا يجهران، وتارة ثالثة يذكرون حكماً آخر يختلف عن سابقيه.. وهكذا.
وقد أشار الفخر الرازيّ إلى الآراء الاَربعة المنسوبة إلى أنس، ثمّ قال: «فهذه الروايات الثلاث تقوّي قول الحنفيّة، وثلاث أُخرى تناقض قولهم:
أحدها: ما ذكرنا من أنّ أنساً روى أنّ معاوية لمّا ترك «بسم الله الرحمن الرحيم» في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والاَنصار، وقد بيّنا أنّ هذا يدلّ على أنّ الجهر بهذه الكلمات كالاَمر المتواتر فيما بينهم.
وثانيها: روى أبو قلابة، عن أنس: أنّ رسول الله وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
وثالثها: أنّه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والاِسرار به، فقال: لا أدري المسألة.
فثبت أنّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظُم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة، فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل. وأيضاً ففيها تهمة أُخرى وهي أنّ عليّاً (ع) كان يبالغ في الجهر بالبسملة، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر؛ سعياً في إبطال آثار عليّ (ع)، فلعلّ أَنسَاً
( 203 )
خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله منه. ونحن وإنْ شككنا في شيء فإنّا لانشكّ أنّه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول عليّبن أبي طالب الذي بقي عليه طول عمره، فإنّ الاَخذ بقول عليٍّ أولى. فهذا جواب قاطع في المسألة»(1).
هذا هو كلام الفخر الرازيّ، وهو يوضّح دور الحكومة في اختلاف الاَحكام الشرعيّة.
وجاء عن ابن عبّاس : أعقل الناس آية من كتاب الله تعالى لمتنزل على أحد سوى النبيّ إلاّ أن يكون سليمان بن داود، بسم الله الرحمن الرحيم(2).
وروى محمّد بن منصور قال : سمعتُ جعفراً يقول : لقد أغفلوا اسماً عظيماً (بسم الله الرحمن الرحيم)(3).
وهكذا الحال بالنسبة إلى كثير من الاَحكام الشرعيّة ، وإليك مثال آخر وهو حكم إرسال اليدين، فترى البعض ينسب الاِسبال إلى رسول الله إذ قطع مالك بأنَّ السنّة هي الاِرسال(4)، والآخر ينقل عكسه عنه (ص)، وهذا يقول إنّ رسول الله قد وضع يديه الواحدة على الاَُخرى دون قيد والآخر يقيّدها بفوق السرّة، وثالث يقيّد بقيد آخر، أو....
وجاء عن القاسم بن محمّد أنّه قال في القراءة: إنْ تركته فقد تركه ناس يُقتدى بهم، وإن قرأته فقد قرأه ناس يقتدى بهم(5)!
وهذا يوضّح امتداد النهجين ووجود كلا الاتّجاهين بين الصحابة والتابعين، وكلّهم ممّن يُقتدى بهم!
اتّضح إذاً أنّ اختلاف نُقول الصحابة بهذه السعة وخصوصاً في المسائل التي خولف فيها أهلُ البيت يُوحي بوجود نهجين في الشريعة:

____________
(1) تفسير الفخر الرازيّ 1: 206.
(2) الدرّ المنثور 1 : 7 ، الاِتقان 1 : 268 ، البيهقيّ في شعب الاِيمان.
(3) رأب الصدع 1 : 255 رقم 353 .
(4) انظر بدائع الصنائع 1 ـ 2 : 201 .
(5) مناهج الاجتهاد في الاِسلام لمدكور: 128.

( 204 )
1 ـ أهل البيت وطائفة من الصحابة يؤكّدون على جزئيّة البسملة، ولزوم الجهر فيها.
2 ـ آخرون لا يرون ذلك.
وكذا الحال بالنسبة إلى التكفير والاِسبال في الصلاة فنلحظ نصوصاً لكلا النهجين، ومثله سائر الاَحكام الشرعيّة؛ فاختلاف النظر بين الصحابة يرجع إلى جذور عميقة وأُصول مُبتناة عند بعضهم، وهذا يستند إلى ما صحّ عنده من حديث رسول الله، والآخر إلى ما أفتى به كبار القوم واجتهده في قول وفعل رسوللله. وما عرفوه من ملاكات للاَحكام ، فمَن يقول بعدم جواز التأمين لايعني بكلامه أنّه اجتهد في ذلك، بل إنّ له أصلاً تمسّك به في نفي ذلك، وكذا الحال بالنسبة إلى من يقول بجزئيّة البسملة فإنَّ له أصلاً في ذلك، وهكذا الاَمر بالنسبة إلى سائر الاَحكام الشرعيّة التي خولف فيها أهل البيت.
وعليه فإنّ بعض اختلاف الصحابة في الاَحكام إنّما مَرَدّه إلى ما لهم من ميول واتّجاهات وإلى ما أصّلوه وجعلوه دليلاً، وليس جميعها اجتهادات بحتة، وخصوصاً في المسائل التي اتّفقوا فيها مع مدرسة أهل البيت، فإنَّها ممّا تؤكّد وجود صحابة لهم أُصول وأدلّة التزموا بها رغم كلّ الظروف، وبعد هذا كيف يمكن لاَحد القول إنّ تلك الروايات هي روايات ضعيفة دخلت الفقه من قِبل الزنادقة، وما إلى ذلك من أقوال لا تعضدها حجّة ولا تقوم على دليل.
إنّ عيون الصحابة كانت عبر استدلالهم بالقرآن المجيد والسنّة النبويّة لاغير، يريدون تبصير الآخرين بأنّ هناك اتّجاهاً يتّخذ الرأي قِبالَ النصّ، عند عدمالحصول على النصّ والعوز إليه. فمن شاء فليؤمن بالتعبّد بالقرآن والحديث، ومن شاء فليعكف على اتّخاذ الرأي والتضحية بالنصّ.
ولنطبّق حكم المرأة التي حاضت بعد أن زارت، فهل حكمها أن تنفر قبل أن تطهر أم تنتظر، كما أفتى الخليفة عمر بن الخطّاب؟
لقد أمر عمر بن الخطّاب المرأة التي حاضت أن تنتظر حتّى تطهر من حيضتها فتطوف طواف الوداع، ولم يرخّص لها الذهاب قبل ذلك(1).

____________
(1) موسوعة فقه زيد بن ثابت: 107 عن المغني 3: 461، المجموع 8: 229.

( 205 )
والمعروف عن زيد بن ثابت وابن عمر أنّهما قد تأثّرا برأي الخليفة وأفتَيا بما قاله في هذه المسألة.
لكن زيداً(1) وابن عمر(2)قد عَدَلا عن رأيهما. وقيل: إنّ عمر قد ترك صنيعه الاَوّل، ولعلّ سبب ذلك هو الحديث الذي بلغه ـ ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما ـ عن عائشة قالت: حاضت صفيّة بعد ما أفاضت، أي طافت طواف الاِفاضة.
قالت عائشة، فذكرتُ حيضتها لرسول الله، فقال رسول الله: أحابِسَتُنا هي؟
قلت: يا رسول الله! إنّها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثمّ حاضت بعد الاِفاضة.
فقال رسول الله، فلتنفر.
أو لحديث آخر(3).
وأمّا ما كتبه زيد إلى ابن عبّاس فجاء فيه قوله: إنّي وجدت الذي قلت كما قلت، فقال ابن عبّاس: إنّي لاََعلم قول رسول الله للنساء، ولكنّي أحببت أن أقول بما في كتاب الله، ثمّ تلا الآية (ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بالبيتِ العَتيقِ)(4)فقد قَضت التفَث، ووَفَت النَّذر، وطافت بالبيت، فما بقي(5)؟
وفي كلام ابن عبّاس ما يؤكّد أنّ المنقول عن رسول الله ذو أصل في الكتاب العزيز الذي دعا الخليفة الناس إلى الاَخذ به بقوله: (حسبنا كتاب الله)، فكأنّ موقف ابن عبّاس من هذه القضيّة هو إلزام عمر بما يقوله، وكان زيدبن ثابت قد أخبر بأنّ ما ذهب إليه الخليفة هو مخالف للكتاب العزيز.

____________
(1) موسوعة زيد بن ثابت: 107.
(2) موسوعة عبد الله بن عمر: 285.
(3) انظر موسوعة عمر بن الخطاب: 333 عن المحلّى 7: 170.
(4) الحجّ : 29 .
(5) سنن البيهقيّ 5: 163 كما في الدراسات للاَعظميّ: 136.

( 206 )
على أنّ بروز ظاهرة استدلال الاِمام عليّ والحَبْر ابن عبّاس بكثرة كاثرة على الاَحكام المختلف فيها، بمنطوق الكتاب أو مفهومه أو كنهه، أو بأحد أنواع الدلالات الاَُخرى ليدلّ بما لا يقبل الشكّ على أُمور:
أوّلها: إرشاد المسلمين عمليّاً إلى إمكان استنباط الاَحكام الشرعيّة أو الكثير منها من كتاب الله، وذلك بالتأمّل، والتفكير، والاستنتاج، والعقليّة الفقهيّة السليمة، وهذا برهنةٌ منهما على مايدّعيانه من عدم الضرورة الملجئة إلى اختراع مقاييس جديدة، وإنشاء قواعد مستحدثة، وإطلاق عنان الاجتهاد والرأي؛ إذ من الممكن الواقع معرفة الاَحكام من خلال آيات الكتاب والاستدلال بها.
وثانيها: وقوع الاختلاف الفاحش بين الصحابة ومرويّاتهم، بل بين مرويّات الصحابيّ الواحد في الواقعة الواحدة، بالاِضافة إلى المسموعات الناقصة التي تلقّوها عبر واسطة أو أكثر دون السماع المباشر، مع ملاحظة عدمتنبه جميع الرواة لوجه الحكم المروي أو المسموع إلى جوار منع الحكّام للتحديث والتدوين وخوف الصحابة... هذا كلّه مجتمعاً جعل الاحتجاج بالسنّة أمراً متعسّراً قليل الجدوى، ضعيف الاقناع اللّهمّ إلاّ ما تطابَق النقل فيه، ـ وهو نزر قليل ـ ممّا يجدر معه باللبيب أن يعمد إلى الاحتجاج بالقرآن الذي لميجرؤ أحدٌ على ردّ الاستدلال به.
وثالثها: هو إلزام أتباع نهج الاجتهاد بما ألزموا به أنفسهم، من كفاية كتاب الله (حسبنا كتاب الله) في حلّ المعضلات، ممّا يظهر التهافت البيّن بين هذه الكلّيّة التي أطلقوها وبين إخفاقهم على الصعيد العلميّ والعمليّ في تطبيقها واستنتاج بعض مفرداتها، بعكس الملتزمين بنهج التعبّد الذين يرون ضرورة إشفاع الكتاب بالسنّة لبيان الاَحكام، مع امتلاكهم القدرة الفائقة على استخراج الاَحكام واستنباطها من آيات الذكر الحكيم.
وعلى كلّ حال.. فالفقه الاِسلاميّ قد تأثّر بلا ريب باجتهادات الخليفة، وانعكس اختلاف وجهات نظره على الاَحكام، لاَنّه جَدَّ في لزوم تطبيق ما أفتى به وجعله بمنزلة السنّة التي أكّد الرسول عليها، فقد تأثّر البعض من الصحابة بهذه الرؤية وألزموا أنفسهم بالسير على نهج الشيخين، وبذلك ترى الاختلاف
( 207 )
يأخذ مجاله في التشريع الاِسلاميّ ويؤثّر في الاَحكام الشرعيّة المتداولة بين المذاهب الاِسلاميّة، فمثلاً:
أبو حنيفة وصاحباه وابن حنبل وزفر وابن أبي ليلى قالوا بحرمان الاَخوين الشقيقين لما حكم عمر في الواقعة الاَُولى.
أمّا مالك والشافعيّ فإنّهما يُشركان الشقيقين مع الاَخوين لاَُمّ في الثلث لما قضى عمر في الواقعة الثانية.
والعجيب أنّهم يرون صحّة الرأيين لصدورهما عن الخليفة، وهو رجل غيرمعصوم، باتّفاق الجميع.
نعم، إنّهم في استدلالاتهم لم يكتفوا برأي عمر وحده فراحوا يعضدونه بقرائن أُخرى ترجّح أحد القولين!
وإزاء حالة كهذه يحقّ للمرء أن يتساءل عن حكم الله: في أيّ هذين الرأيين يجده؟
أتراه طبق الرأي الاَوّل للخليفة أم يوافق الثاني؟
فإذا كان يطابق الحكم الاَوّل وأنَّ الحقّ حرمانهما، فكيف يعطي الشقيقين في الواقعة الثانية، مع العلم بأنّ الاِرث حقّ ماليّ، وعندها تظلّ ذمّة عمر مشغولة بمقدار ما أعطى للشقيقين لمن أخذ منهم؟
وإن قيل إنَّ الحقّ إعطاؤهما، فكيف منعهما وحرمهما في الواقعة الاَُولى؟ وهكذا وهلّم جرَّاً.
ونظراً للتأكيد الشديد على اتّباع سيرة الشيخين أمست سنّة رسول الله منسيّة أو كالمنسيّة في مثل هذه القضايا، ولم يعد يعرفها إلاّ أهلها. وهذا اللون من الاجتهاد المنفلت من النصّ قد بدأ يتّخذ طريقه إلى حياة المسلمين. وصار فقه الشيخين هو الحاكم، والروايات الداعية لمنع كتابة الحديث هي الراجحة في الميدان، في تلك الحقبة من تاريخ الاِسلام.


( 208 )

متابعة الخليفة في تعليل المنع
أخذ محبّو الخليفة يتناقلون بأوسع نطاق تعاليل عمر في منع التدوين، فصارت تعاليله تتّحد معها تعاليل الآخرين الناهين من الصحابة، وفي هذا ما يشير بوضوح إلى حقيقة سياسيّة لا تخفى على البصير، تومىَ إلى كون الخليفة ـ وأنصاره ـ وراءها!
لقد دعا عمر بن الخطّاب إلى ترك تدوين السنّة الشريفة خوفاً من اختلاطها بالقرآن، أو أنّ الناس سيأخذون بالحديث ويتركون القرآن. ونفس التعليل ـ أو التعاليل ـ تراها ترد في حديث أبي هريرة، وفي المحكيّ عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدريّ وأبي موسى الاَشعريّ:
روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ونحن نكتب الاَحاديث، فقال: ما هذا الذي تكتبوه؟
قلنا: أحاديث سمعناها منك.
فقال: أكتاباً غيرَ كتاب الله تريدون؟! ما أضلّ الاَُممَ من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله.
فقال أبو هريرة: أنتحدّث عنك يا رسول الله؟
فقال: نعم، تحدّثوا عنّي ولا حرج، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار(1)
وعن إبراهيم التيمّيّ، قال: بلغ ابنَ مسعود أنّ عندنا كتاباً يعجبون به، فلميزل معهم حتّى أتوه به، فمحاه، ثمّ قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم أنّهم أقبلوا على كتب علمائهم وتركوا كتاب الله(2).
وفي نقل آخر عنه: أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم، تركوا التوراة
____________
(1) مسند أحمد 3: 12 ـ 13، تقييد العلم: 33.
(2) سنن الدارميّ 1: 122، تقييد العلم: 56 و53 و55.

( 209 )
والاِنجيل حتّى درسا وذهب ما فيهما من الفرائض والاَحكام(1).
وعن أبي نضرة أنّه قال: قيل لاَبي سعيد الخُدريّ: لو اكتتبنا الحديث!
فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبيّنا (ص)(2).
وروى عنه أيضاً: قلت لاَبي سعيد الخدريّ: ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟! إنّ نبيّكم كان يحدّثنا فنحفظ(3). وقال أيضاً: قلت لاَبي سعيد الخدريّ: إنّك تحدّثنا عن رسول الله حديثاً عجيباً، وإنّا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص.
قال: أردتم أن تجعلوه قرآناً؟! لا، ولكن خذوا عنّا كما أخذنا عن رسول الله(4)4.
وعن أبي موسى الاَشعريّ قال: إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتّبعوه، وتركوا التوراة(5).
فلاحظ اشتراك التعليل في جميع هذه النصوص وأنّ النهي قد انحصر عندهم في التشبّه ببني إسرائيل الذين اتّبعوا كتب علمائهم وتركوا التوراة! وهو بعينه ما قاله الخليفة عمر بن الخطّاب!! وأنّهم قد نسبوا نفس التعليل إلى عليّبن أبي طالب وابن عبّاس، ممّا يؤكّد أنّ هناك اتّجاهاً يتبنّى رأي الخليفة ويدعمه، في حين بسطنا القول سابقاً في تعليل الخليفة للمنع وأكدنا على أنّه ضعيف.
وعلى هذا فلا معنى لتعارض أحاديث الاِذن مع أحاديث النهي حتّى نقوم بموازنة بينهما(6)، وإن كان فيما قالوه تأكيد لرؤيتنا، لاَنَّ قولهم ـ لو صحّ ـ من
____________
(1) شرح النهج 12: 101 102، خطبة 223، تقييد العلم: 56.
(2) تقييد العلم: 36 ـ 37.
(3) تقييد العلم: 37.
(4) تقييد العلم: 38.
(5) تقييد العلم: 56.
(6) كما فعل الدكتور صبحي الصالح في علوم الحديث: 11، والدكتور عجاج الخطيب في السنّة قبل التدوين: 306 ـ 309، و 316، والسيّد محمّد رضا الجلاليّ في تدوين السنّة الشريفة: 302 ـ 314 وغيرهم.

( 210 )
كون التدوين قد شُرِّعَ للنابهين من الصحابة والمنع لعمومهم ، فهذا يخالفه فعل الخليفة عمربن الخطّاب وتعامله مع فحول الصحابة في قضيّة التدوين وغيرها، إذ أصدر أمراً لهم في أن يأتوه بمدوّناتهم ولم يستثن أحداً منهم، ولمنسمع أو نقرأ قبوله لمدوّنة أحد النابهين !
وكذا ما قالوه بأنَّ المنع جاء في العصر الاِسلاميّ الاَوّل ـ حين نزول القرآن ـ فإنَّه (ص) منعهم كي لا يختلط القرآن بالسنّة ، لكن حينما نزل القرآن جميعاً وعرفه الصحابة سمح الرسول لهم في كتابة حديثه ، وهذا المدّعى يوضّح بأنَّ المنع قد رُفِعَ أواخر عهد رسول الله (ص) ومشروعيّة تدوين الحديث، على ما أكدّنا من أنَّ المنع لم يكن شرعيّاً بل هو قرار شخصيّ من الخليفة، إذ لو صحّ قوله(ص): (لا تكتبوا عنّي) أو (ومَن كتب عنّي غيرالقرآن فليمحه) وصدور ذلك في عهده الشريف لعلمه الاَصحاب، وللزم أن يكون هو الدليل الاَوّل للشيخين في منعهما عن الحديث! مع أنّهما لم يحتجّا بمنع النبيّ (ص) عن التدوين، وكفى بهذا دليلاً على بطلان دعوى نهي النبيّ عن التدوين.
ولو صحّ الحديث السابق فلماذا دوّن أبو بكر أحاديثه الخمسمائة، خلافاً لاَمره(ص)؟! وكيف يستشير عمر الصحابة في أمر التدوين، إذا كان قد ورد النهي فيه؟! بل كيف يسوغ أن يتخلّف عن رأيهم وهم يشيرون عليه بالتدوين؟! بل كيف يشيرون عليه بالتدوين إذا كانوا قد سمعوا المنع من النبيّ (ص)؟!
ألا يعني قول عمر: (من كان عنده شيء فليمْحُه) أو (لا يبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني) على وجود مصاحف وكتب قد دوّنت قبل عهده؟
على أنّ التعليل الوارد في كلماتهم لا يقوم دليلاً على مدّعاهم، لاَنّ الاَُمم السابقة إنّما ضلّوا لاَنّهم عكفوا على كتب أحبارهم ورهبانهم وتركوا التوراة والاِنجيل، ولم يكن سبب ضلالهم العكوف على أقوال وكتابات أنبيائهم، وشتّان بين كتب الاَحبار والرهبان والاَساقفة وبين كلمات وسنن وأقوال تكتب عن سيّد الخلائق محمّد (ص)، إذ المدوّن أو المطلوب تدوينه هو أحاديث النبيّ وسنّته لا غير، مع أنّ علماء الاَُمم السابقة كانوا قد انحرفوا فغيّروا نصوص ومفاهيم كتبهم، وهذا بعكس علماء أُمّة محمّد (ص) المحافظين على الدين
( 211 )
المفسّرين للقرآن المدوّنين لآثار النبيّ (ص) وأحكامه.
نعم، يصحّ هذا التعليل للمنع عن تدوين آرائهم الخاصّة وفتاواهم الشخصيّة وما توصّلوا إليه من اجتهادات مختلفة، فإنّ المنع عن تأليف مثل هذه الكتب قد يكون فيه المبرّر المعقول، باعتبار أنّ مثل هذه الكتب فيها الصحيح والخطأ والغثّ والسمين وربّما أُلِّف كتاب من شخص منحرف عن الدين، وبذلك تختلط الاَحكام على الاَجيال القادمة من المسلمين، وأمّا تدوين المسموعات عن النبيّ والآثار النبويّة المباركة فلا يتلائم منعه مع التعليل المذكور.
ولعلّ هذا الاَمر فات على البعض من الذين فسَرَّوا المنع بسبب كتب العلماء، إلى المنع عن كتابة السنّة المباركة، غفلةً منهم عن أنّ الدليل لايفي ولايقوم بالمدَّعى، وصادف ذلك منع الخليفة عمر بن الخطّاب، فاستقرّ الاَمر في نفوسهم، وظلّ المنع يسري إلى الاَجيال الآتية حتّى ارتفع ذلك المنع في زمن عمر بن عبد العزيز.
وعلى كلّ حال، فإنّ الاَدلّة تُخبر عن مشروعيّة التدوين في عهده(ص) وتُخبر عن أنّ المنع جاء متأخّراً وتحت ظروف خاصّة. وقد تأكّد كذلك أنّ من الصحابة والتابعين من كان يريد ترسيخ نهي الخليفة في قلوب المسلمين، حتّى صار التدوين عندهم مكروهاً لكراهيّة الخليفة عمر بن الخطّاب له، ثمّ صار هذا المكروه عندهم حسناً لما نَدَب الخليفة عمر بن عبد العزيز إليه!
قال الزهريّ: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكْرَهَنا هؤلاء الاَُمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين(1).
وفي سنن الدارميّ: حتّى أكرهنا السلطان على ذلك(2).
وفي آخر: استكتبني الملوك فأكتَبْتُهُم، فاستحييت الله إذ كتبتها للملوك ولا أكتبها لغيرهم(3).

____________
(1) تقييد العلم: 107، الطبقات الكبرى 2: 389، البداية والنهاية 9: 341.
(2) سنن الدارميّ 1: 110.
(3) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ 1: 77.

( 212 )
قال أبو مليح: كنّا لا نطمع أن نكتب عند الزهريّ حتّى أكره هشامٌ الزهريَّ، فكتب لبنيه، فكتب الناس الحديث(1).
وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا «وضوء النبيّ| المدخل»، ووضّحنا دور الحكّام في تدوين السنّة الشريفة، وبيّنّا سرّ عنايتهم بهذا الجانب، وأكدّنا على أنّ العوز العلميّ الذي كانوا يعانون منه هو الذي دعاهم إلى المنع ثمّ دعاهم إلى التدوين؛ لاَنّ الصحابة كانوا يعارضونهم بالاَحاديث، فما لا محيص عنه هو منع التحديث والتدوين لسدّ هذا الفراغ ولكي لا يظهر الضعف العلميّ أمام تيّار فكريّ قويّ يعارض آراء الحكومة بما يرويه عن النبيّ (ص).
وتطوّر الاَمر وتوسّع حتّى قنّن نهج الاجتهاد حجّيّة الاِجماع ـ كي يلزموا الناس بما أجمعت عليه الاَُمّة بأمر الخليفة ـ وقرّروا أنّ إفتاء اللجنة الخاصّة التي وضعها الخلفاء يقوم مقام جميع الصحابة، ويعتبر ذلك إجماعاً لايجوز تخطّيه ولاخرقه.
قال الدكتور الوافي المهدي عن عصر الصحابة: «... وفي هذا العصر ظهر مصدر جديد من مصادر التشريع الاِسلاميّ لم يعرف في العهد التأسيسيّ للتشريع ألاَ وهو الاِجماع، فإنّ أبا بكر كان يشرّع فيما لا نصّ فيه من كتاب ولاسنّة عن طريق جمعيّة تشريعيّة. وكذلك الاَمر بالنسبة لاَوّل خلافة عمر، وكان ما يصدر عن تلك الجمعيّة التشريعيّة من أحكام يعتبر صادراً عنهم جميعاً(2)‌.
وقد شكّل بالفعل الخليفة عمر بن الخطّاب لجنة علميّة لاِدارة شؤون المسلمين ولسدّ احتياجاتهم وطلباتهم الشرعيّة، وأناط بمن يثق به منصب الاِفتاء حتّى يتفرّغ لاَُمور أُخرى.
روى عليّ بن رباح اللخميّ، قال: إنّ عمر خطب الناس، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيدبن ثابت، ومن
____________
(1) حلية الاَولياء 3: 363، البداية والنهاية 9: 345 كما في الرواية التاريخيّة: 107.
(2) الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: 46 عن خلاصة تاريخ التشريع الاِسلاميّ : 41.

( 213 )
أراد أن يسأل عن المال فليأتِني؛ فإنّي له خازن(1).
هذا النصّ يؤكّد على أنّ الخليفة احتاج إلى تأسيس مركز لدرء الخطر عن نفسه، ولتأصيل ما يذهب إليه من رأي واستحسان.
ومن المفيد التذكير هنا بأنّ اتّخاذ الرأي كمنهج في الاَحكام لميكن عمر هو أوّل من اعتمده، بل سبقه إلى ذلك الخليفة أبو بكر، إذ عرفت تخطّيه عن قتل الرجل المتنسِّك لِما رأى من خشوعه وعُلِمَ إعلانه عن مبدأ الرأي والاجتهاد في أوّل حكومته حين قال: «ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أصبت فأعينوني، وإن أخطأت فقوّموني»، وكذا قوله عن فعل خالد: إنّه تأوّل فأخطأ(2)8.
وكذا اعتذار خالد لاَبي بكر: يا خليفة رسول الله! إنّي تأوّلت وأخطأت(3).

موقف أهل البيت من المدّ الاجتهاديّ
هذه النصوص تؤكد ـ من جهة أُخرى ـ على أنّ مصطلح الرأي والتأويل راح يأخذ مجاله بين أقوال الصحابة وأفعالهم. ولذلك كان الاِمام عليّ (ع) أيّامَ خلافته يحاول معالجة وسدّ هذه الثغرة التي فُتحت على الفقه والتاريخ والدين الاِسلاميّ، ويبيّن سبب ذلك، ويصنّف الناس المختلفين في الاَحكام، ويبرهن على بطلان منهجهم ودعاواهم المطلقة العنان، وإليك بعض النصوص عنه (ع) في الرأي، تتَّضح المسألة بمزيد من الجلاء. قال ـ من كلام له في ذمّ اختلاف العلماء في الفُتيا ـ:
«تَرِد على أحدهم القضيّة في حكم من الاَحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترِد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الاِمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، وإلـههم واحد! ونبيّهم
____________
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 272.
(2) الاِصابة 3: 357.
(3) راجع تاريخ الطبريّ وغيره.

( 214 )
واحد! وكتابهم واحد!
أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف، فأطاعوه؟!
أم نهاهم عنه فعصَوه؟!
أم أنزل الله دِيناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟!
أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟!
أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول (ص) عن تبليغه وأدائه؟! والله سبحانه يقول: (مَا فرّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْء)(1)وقال: (تِبْياناً لكلِّ شيء)(2)، وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضُه بعضاً، وأنّه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: (ولَو كانَ مِن عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً)(3) وأنّ القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تُكشف الظلمات إلاّ به(4).
ومن كلام له (ع) في صفة من يتصدّى لحكم الاَُمّة وهو ليس له بأهل: «...ورجلٌ قَمَشَ جَهْلاً، مُوضِعٌ في جُهَّالِ الاَُمَّةِ، عَادٍ في أغْبَاشِ الفِتْنَةِ، عَمٍ بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أشْبَاهُ النَّاسِ عَاِلماً وَلَيْسَ بِهِ، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ، ما قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ، حَتَّى إذا ارْتَوَى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ واكْتَثَرَ مِن غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلى غَيْرِهِ، فَإنْ نَزَلَتْ بِهِ إحْدَى المُبْهَمَاتِ هَيَّأ لَهَا حَشْواً رَثّاً من رَأْيِهِ، ثُمَ قَطَعَ بِهِ، فَهُو مِنْ لَبْسِ الشبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبوتِ: لا يَدْري أصَابَ أمْ أخْطأ: فَإنْ أصَابَ خَافَ أنْ يَكونَ قَدْ أخْطأ؛ وإنْ أخْطأ رَجَا أنْ يَكُونَ قَدْ أصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالات، عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَات، لَمْ يَعَضَّ عَلى العِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ، يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الهَشِيمَ، لا مَلِيٌّ واللهِ بإصدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، ولا أهْلٌ لِمَا قُرِّظ بِهِ، لا يَحَْسبُ العِلْمَ في شَيءٍ ممّا أنْكَرَهُ، ولا يَرَى أنَّ مِنْ وَراءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِهِ، وإنْ أظْلَمَ عليه أمْرٌ
____________
(1) الاَنعام : 38 .
(2) النحل : 89 .
(3) النساء : 82 .
(4) نهج البلاغة 1: 50 خطبة 17.

( 215 )
اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَواريثُ. إلىالله أشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً»(1).
وقوله: «إنّما بَدْءُ وقوعِ الفِتَنِ أهواءٌ تُتَّبع، وأحْكامٌ تُبْتَدَع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، وَيَتولّى عليها رجالٌ رِجالاً على غَيْرِ دينِ اللهِ. فَلَو أنَّ الباطِلَ خَلَصَ مَنْ مِزاجِ الحَقِّ لَمْ يَخْفَ على المُرْتادِينَ، وَلو أنَّ الحَقَّ خَلَصَ من لَبْسِ الباطِلِ انْقَطَعَتْ عنه ألْسُنُ المُعانِدين؛ ولكنْ يؤخَذُ مِن هذا ضِغْثٌ ومِنْ هذا ضِغْث فَيُمْزَجان! فَهُنالِكَ يَسْتَولي الشَّيْطانُ على أوْلِيائِهِ، ويَنْجو الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحُسْنى»(2).
نعم، إنّ الرأي والتأويل كانا المفردتين الاَُوليين اللتين دخلتا في الشريعة وقد حدث الخلط بينهما، فعنَوا بالرأي: التأويل، وبهما (الرأي والتأويل): الاجتهاد. أمّا مصطلح القياس والاستحسان والمصالح وغيرها فإنّما هي مصطلحات حادثة لم يرد ذكرها إلاّ في نادر من العبارات، ولمتستعمل بوسعتها الاصطلاحيّة اليوم ، وإن كانت بذورها موجودة عمليّاً وتطبيقيّاً في ذلك العصر.
حتّى بلغ الاَمر بالتابعين أن يفسّروا لفظ التأويل بالتغيير، ولايتحرّجوا عمّا لهذه الكلمة من مفهوم ومعنى، حتّى صارت سائدة مقبولة، إلى حدّ أنّهم قد طلبوا من الاِمام الحسين وألحّوا عليه لكي يُؤوِّل قضاء الله، وعنوا بكلامهم أن يغيّره بانصرافه عن الذهاب إلى العراق. فقد جاء عن عمر بن عليّ أنّه قال للحسين(ع): (فلولا تأوّلت وبايعت)؟! أي تأوّلت قضاء الله بقتلك، ببيعتك ليزيد(3). فمصطلح الاجتهاد معادل للتأويل وهذا المفهوم أخذ يتغّير مفهومه يوماً بعد يوم حتّى وصل إلى أوسع دوائره في العهدين الاَمويّ والعبّاسيّ.
ولم يكن ابن عوف فيما طرحه يوم الشورى من تقييد عثمان والمسلمين بسيرة الشيخين قادراً على إيقاف مدّ الرأي والتأويل الذي كان قد انتشر واتّسع بعد تأصيله من قبل الشيخين. ولم تكن محاولته حصر الاجتهاد
____________
(1) نهج البلاغة 1: 95 خطبة 49.
(2) نهج البلاغة 1: 95 خطبة 50.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف: 12.

( 216 )
فيما فعله الخليفتان وحظره على سواهما من الصحابة بالتي تلقى أُذناً صاغية؛ لاَنّ باب الرأي والتأوّل كان قد انفتح على مصراعَيه وتعذّر على من يريد إغلاقه أن يغلقه.. وغدا كلّ يريد لرأيه واجتهاده أن يُقابَل بالقبول كما فعل الشيخان من قبل.
إنّ ابن عوف في اشتراطه هذا قد أراد أن يسلب عثمان حقّ التشريع والاجتهاد بالرأي على الرغم من سابقته في الاِسلام وكونه صهر الرسول (ص) وخليفة المسلمين القادم، فتراه يأخذ العهد منه أمام المسلمين على الالتزام بالكتاب والسنّة وسيرة الشيخين على السواء.
المهم هو: أن التخطيط السياسيّ الدينيّ الذي رسمه الشيخان في حصر دائرة الشرعيّة بهما دون سواهما قد أُريد له أن يجعل أقوالهما في عداد شرعيّة السنّة. بَيْدَ أنّ الواقع ما كان يرى وجهاً مقبولاً لهذا الحصر والتخصيص، وهذا هو الذي جعل الاَمر على غير ما أُريد له أن يكون.
ومن الذين كانوا يدركون سياسة الشيخين وابن عوف في الشريعة، ويعرفون ما كان يريد هؤلاء بفعلهما وتأكيدهما على الرأي ـ الذي يدور في إطار تصحيح ما أفتى به عمر وأبو بكر ـ.. هو الاِمام عليّ بن أبي طالب الذي رفض تسلّم الخلافة بالشرط المذكور ـ لكي لا يصحّح بفعله اجتهاداتهما المخالفة في بعض الاَحيان للكتاب والسنّة ـ ذلك أنّ قبول هذا الشرط يعني إضفاء الشرعيّة على هذه الفكرة المستحدثة وهو ما لا يريده علي بن ابي طالب ولايرتضيه.
إنّ رفض عليّ للشرط المذكور، وامتناع ابن عوف تسليم الخلافة له، ليؤكّدان على مخالفة سيرة الشيخين واجتهادهما للكتاب والسنّة؛ لاَنّ إيمان عليّ وفهمه وفقهه ممّا لا يرتاب فيه أحد، بعد أن تواتر عن رسول الله (ص) في عليّ أنّه أعلم الصحابة وأفقههم وأقضاهم وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار. ويوضّح موقف الشورى هذا ارتسام معالم النهجين بوضوح، فأُولئك يدعون عليّاً أو الخليفة الجديد إلى الالتزام والتمسّك بنهج الاجتهاد والرأي، وعليّ (ع) ومن سار بسيرته يدعو إلى التمسّك بالتعبّد المحض ـ بكتاب الله وسنّة النبيّ (ص) ـ وإن ابتعد بفعله هذا عن الخلافة الفعليّة للمسلمين.

( 217 )

تأويلات وآراء
صرّح الخليفة أبو بكر بأنّه يعتمد الرأي والتأويل في تفسير معنى الكلالة، مع وجود آية في الذكر الحكيم تبيّن الحكم في الكلالة، فقال لمّا سئل عن الكلالة: (سأقول فيها برأي، فإن يك صواباً فمن الله وإن يك خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، أراه ما خلا الولد والوالد».
وأنت ترى مخالفة هذا الرأي لصريح القرآن في قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ، قُل اللهُ يُفتيكم في الكَلالة إنِ امرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ وَلَهُ أخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَركَ وَهُوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فإنْ كانَتا اثنتَينِ فَلَهُما الثُّلثانِ ممّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالاً ونِساءً فللذّكرِ مِثْلُ حَظّ الاَُنثيينِ يبيّن اللهُ لَكُم أنْ تَضِلّوا واللهُ بكلِّ شيءٍ عَلِيمٌ)(1).
وقوله: (وإنْ كَانَ رَجُلٌ يُوَرثُ كَلالةً...)(2).
نعم، إنّهم علّلوا استعمال الرأي عند الصحابة بأنّه تفسير للنصوص، وأضاف الدكتور مدكور إلى ما قاله سابقاً وهو يشير إلى مراحل الرأي:
«ثمّ أُطلقت كلمة «رأي» بعد ذلك على ما يقابل النصوص التي اختصّت بكلمة «علم». ثمّ نجد من الاَصوليّين من يفسّر الرأي بالقياس وحده، ومنهم من يجعله شاملاً كافّةَ ما يقابِل الكتاب والسنّة والاِجماع.
والرأي بهذا المفهوم الاَخير يكون أخصّ من الاجتهاد إذ هو نوع منه، وهو ما قلنا إنّهم سمّوه «الاجتهاد بالرأي» في مقابلة «الاجتهاد في دائرة تفسير النصّ». ويكون المراد بالرأي: التعقّل والتفكير بوسيلة من الوسائل التي أرشد الشرع إلى الاهتداء بها في استنباط حكم ما لا نصّ فيه. أمّا الاجتهاد فيشمل استنباط الحكم من النصّ الظنّيّ، كما يشمل الاجتهاد للتوفيق بين النصوص المتعارضة في الظاهر، كما يشمل الاجتهاد بالرأي الذي قلناه.

____________
(1) النساء: 176.
(2) النساء: 12.

( 218 )
ولمّا كان الرأي يعتمد على أنّ الشريعة معقولة المعنى كان مجاله الغالب في الاَُمور العاديّة التي يُقصد منها تحقيق مصالح دنيويّة، أمّا ما لايُدرَك لها معنى خاصّ كأُصول العبادات فإنّ الشأن فيها الاتّباع لا إعمال الرأي»(1).
وقال الدكتور الردينيّ في «المناهج الاَُصوليّة»:
«وقد رأينا الصحابيّ الجليل إمام أهل الرأي عمربن الخطّاب، يخصّص عموم الآية الكريمة في سورة الاَنفال من قوله تعالى (واعْلَمُوا أنّما غَنِمْتُمْ مِن شَيءٍ فأنّ للهِ خُمُسَهُ وللرّسُولِ ولِذي القُرْبى، واليتامَى، والمَساكِين، وابنِ السّبيل)(2).
ـ فالآية الكريمة تقرّر أنّ خُمْس الغنائم لِمَن ذُكروا فيها، وأربعة أخماس الغنيمة عملاً بمفهوم الآية.
ـ وقد تأيّد هذا بعمل الرسول (ص) في خيبر، إذ قسّم أربعة أخماس الغنيمة من منقول وعقار بين الغانِمين.
ـ وهكذا كان حقّ الغانمين في كل ما يُغنم ثابتاً بالقرآن والسنّة العمليّة.
ـ لكن عمر بن الخطّاب اجتهد برأيه في الآية، وخالف ما تفيده بظاهرها وعمومها من شمول حقّ الغانمين لكلّ ما يغنم من عقار أو منقول، فخصّص عموم الآية وجعله قاصراً على المنقول دون العقار، كما علمت. ودليل التخصيص هو (المصلحة العامّة) كما يشهد بذلك استدلاله وحواره مع مخالفيه من الصحابة.
ـ بل قد حمل عمر بن الخطّاب مخالفيه على أن يفهموا نصوص الشريعة كلّها في ضوء المصلحة العامّة.

____________
(1) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 343.
(2) الاَنفال : 41 .

( 219 )
ـ ولم يكن من دليل لعمر بن الخطّاب في اجتهاده برأيه، يستند إليه في تخصيص عموم الآية إلاّ «المصلحة العامّة» أو«روح الشريعة»، إذ لم يثبت أنّه استند إلى دليل خاصّ في المسألة بعينها.
والواقع أنّ تطبيق النصّ رُوعي فيه ظروف الدلالة ومصلحتها العامّة آنذاك. وللظروف أثر في تكييف هذا التطبيق المنبثق عن فهم الآية الكريمة، وتحديد مراد الشارع منها في ظلّ ذاك الظرف، لسبب بسيط هو أنّ مآل هذا التطبيق في مثل تلك الظروف ذو أثر بالغ على المصلحة العامّة نفسها، فوجب إذاً تحديد مراد الشارع من نصّ الآية لاعلى أساس منطقها اللغويّ فحسب، بل وعلى أساس ما تقتضيه الاَُصول العامّة في التشريع، وإلاّ فما معنى قول عمر وهو يصرّ على هذا الفهم بقوله: هذا (رأيي)؟!
ـ ثمّ يعلّل هذا (الرأي) بما يُسنده من مقصد أساسيّ في الشريعة وهو (المصلحة العامّة)، يقول: وقد رأيت أن أحبس الاَرضين بِعُلوجها، وأضع على فيئِها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدّونها فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرّيّة، ولمن يأتي بعدهم.
ثمّ قال:
(فالتأويل عند الصحابة إذاً من صُلب الرأي، لاَنّه استند إلى (المصلحة العامّة) في صَرف الآية عن عمومها الواضح، والمستفاد من ذات الصيغة إلى قصر حكمها على بعض ما يتناوله، وهو هنا المنقول دون العقار، كما ذكرنا)(1).
اتّضح إذَن أنّ الاَخذ بالرأي عند الخلفاء خضع لظروف خاصّة ـ سياسيّة
____________
(1) المناهج الاَُصوليّة: 171.

( 220 )
كانت أم اجتماعيّة ـ وأنّ موقف أبي بكر في عدم إجراء الحدّ على خالد، وقوله بالكلالة، وسهم ذي القربى، ونحلة الزهراء، ومنعه كتابة العلم، وحرقه للاَحاديث، وتخلُّفه عن سَرِيّة أُسامة وغيرها... كلّ ذلك ممّا ينبىَ عن هذا المعنى.
وعلى هذا فعلى الباحث أن يقف عند النصوص التي ترجّح رأي الخليفة: فإن كان فيها ما يوافق القرآن أو قد استُقي حكمه من السنّة، أُخِذ به، وإن كان القول قد ابتنى على الرأي فيطرحه لعدم جواز الاَخذ بالرأي مع إمكان الوقوف على السنّة النبويّة والذكر الحكيم.
وهناك أُمور كثيرة ينبغي البحث في أطرافها، منها ما نسبوه إلى الرسول (ص) من أنّه قد منع من تدوين حديثه، أو ما حُكي عنه (ص) من أنّ للمجتهد إن أخطأ أجرٌ وإن أصاب أجران، وغيرها من الروايات التي نُقلت في مشروعيّة الاجتهاد عن معاذ وغيره.
إنّ الغالب في هذه الاَُمور هو تحكيم رأي الحاكم كما عرفنا من قبل، والمنع عن التدوين ـ بعد ما عرفت دور الشيخين فيه ـ يوضّح أنّ القرار قرار حكوميّ وذلك لمعرفتنا بإذن الرسول في تدوين حديثه (ص)، ووجود مدَوّنات عند الصحابة عن النبيّ، وغيرها من الاَدلّة، فلا ضرورة لدراسة أحاديث المنع ـ بعد هذا ـ والجدّ في الجمع بينها.

بين الوحدويّة والتعدّديّة
والموقف من أحاديث «الاجتهاد» ينبغي أن يكون مماثلاً بعد أن وضحت جهود الخلفاء في التهيئة لقضيّة الاجتهاد وفي إشاعتها والتأكيد عليها، من أجل إضفاء الشرعيّة على كونهم مجتهدين لا يصحّ الاعتراض على ما يُصدرونه من فتاوى وأحكام. إنّ ذلك يتطلّب وقفة عند تلك الاَحاديث التي تروى في هذا السياق للتثبُّت من صدورها عن رسول الله (ص) وعدمه.
أتراها تصحّ جميع التأويلات المطروحة في الفقه؟

( 221 )
أحقّاً أنّ «اختلاف أُمّتي رحمة»(1)بالمعنى الذي أُريد لهذا الحديث أن يُفسّر به؟
ولو صحّ ذلك فكيف نفسّر قوله: (لا تختلفوا فتهلكوا)، وقوله: (ستفترق أُمّتي إلى نيف وسبعين فرقه، فرقة ناجية والباقين في النار)؟ ولماذا نرى الاختلاف في الاَحكام بين المسلمين إلى هذا الحدّ وكتابُهم واحد ونبيّهم واحد؟
فهذا يسدل يديه والآخر يقبضهما، والثاني يُفْرِج بين رجلَيه في الصلاة والآخر يجمع بينهما. وثالث يجعل يديه ما فوق السرّة، وغيره يجعلها علىالجانب الاَيمن، وهذا يجهر بالبسملة والآخر لا ينطق بها مجهورة. وهذا يقول بالتأمين وذلك لا يقول به. والعجيب أنّهم جميعاً ينسبون أفعالهم على ـ ما فيها من تضارب ظاهر ـ إلى رسول الله! أفيكون رسول الله (ص) قد قالها جميعاً وفعلها جميعاً وصحّ عنه ذلك، كما يقولون؟! أم أنّ فعله كان واحداً في كلّ من هذه الحالات؟ وإذا كان ذلك كذلك.. فمن أين جاء هذا الاختلاف الذي لايمكن دفعه وإنكاره؟
أترانا مكلّفين في شريعة الله أن نقف على الرأي الواحد، أم أنّا قد أُمرنا بالاختلاف؟
ولِمَ ظهرت رؤيتان في الشريعة، إحداهما تدعو إلى التعدّديّة في الرأي، والاَُخرى تنادي بالوحدويّة؟
فلو كانت التعدّديّة هي مطلوب الشارع، فلم يحصر النبيُّ الفِرقةَ الناجية من أُمّته بواحدة من الثلاث والسبعين، ويقول عن الباقي: إنّها في النار؟! وإذا كانت الوحدويّة هي مطلوب الشارع فِلَم تُصحّح التعدّديّة وتُلتزم؟!
وهل يصحّ ما قيل في اختلاف الاَُمّة باعتباره رحمة؟ فما معنى تأكيد الله سبحانه إذَن على وحدة الكلمة؟ وهل أمرنا الله بالوحدة أم بالفرقة؟ ولو كانت الفرقة مطلوب الشارع فما يعني قوله تعالى: (ولَو كانَ مِن عِنْدِ غَيرِ اللهِ
____________
(1) الجامع الصغير1: 48|288.

( 222 )
لَوجَدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً)(1)؟!
وكذا قوله: (إنّ هذا صِراطي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعوا الُّسبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، ذلكُمْ وَصّاكُمْ بهِ لَعّلكُمْ تَتَّقُونَ)(2).
لتوضيح كلّ ذلك ننقل الحوار الذي دار بين الخليفة عمربن الخطّاب وابن عبّاس:
أخرج المتّقي الهنديّ، عن إبراهيم التيميّ أنّه قال:
خلا عمر بن الخطّاب ذات يوم فجعل يحدّث نفسه، فأرسل إلى ابن عبّاس فقال: كيف تختلف هذه الاَُمّة، وكتابها واحد، ونبيّها واحد، وقِبلتها واحدة؟!
قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين! إنّا أُنزِل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما نزل، وأنّه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيم نزل، فيكون لكلّ قوم رأي، فإذا كان لكلّ قوم رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فَزَبره عمر وانتهره، وانصرف ابن عبّاس. ثمّ دعاه بعدُ، فعرف الذي قال، ثمّ قال: إيهاً أَعِدْ(3)…. هذا الحديث ونظائره ممّا يشكّل قاعدة لتمحيص كثير من النصوص والاَفكار الموروثة، خاصّة فيما يتّصل بأحاديث الخلاف بين المسلمين، الاَمر الذي يفتح الطريق أمام الباحث الموضوعيّ لدراسة ملابسات هذه الاَحاديث، ويجعله يتأثّم من التسليم بها على علاّتها دونما احتياط وتحرّج في الدين؛ لاَنّ في دراسة ملابسات التشريع وما يتعلّق بزمن صدور النصّ ومعرفة خلفيّات المسائل وكيفيّة تبنّي الخلفاء لها ، تجعلنا أكثر تمييزاً للصحيح من غيره وكشفاً عن حقائق تاريخيّة يُفيد منها المسلم في بناء مواقفه الشرعيّة في الموضوع، وهذه الخطوة تجعلنا من الذين تعبّدوا بقول سيّد المرسلين «رحم الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها».

____________
(1) النساء: 82.
(2) الاَنعام: 153.
(3) كنز العمّال2: 333 ح 4167.

( 223 )
وهناك رأى آخر تتبنّاه مدرسة الاجتهاد، وهو ما نقل عن عمربن عبدالعزيز أنّه قال: ما أُحبّ أنّ أصحاب رسول الله لا يختلفون؛ لاَنّه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق(1). وقريب منه ما ورد عن القاسم بن محمّد. وهذا رأي كما تراه يميل إلى الدعة والراحة، ولو على حساب التهاون بدين الله، وإلاّ فإنّ من البديهيّ أنّ الله لم يُرد التناقض والتضادّ، ولو صحّ ما علّل به ابن عبدالعزيز، لكان بإمكان الباري سبحانه وتعالى أن يجعل الاَحكام كلّها على نحو التخيير، أو لقال: خذ ما سهل من الاَحكام ودع العسير.
وهل يسمّى الالتزام بقول الله الواحد ضيقاً؟
فيجب إذن البحث عن الحكم الواحد في الفقه، وكما قال الشاطبيّ: (إنّ الشريعة يلزم أن ترجع إلى قولٍ واحد في فروعها، مهما كَثُر الخلاف. كما أنّها في أُصولها كذلك ترجع إلى قول واحد، بمعنى أنّه لا يوجد فيها ما يُفهم منه قولان متناقضان، وإنّما أدلّتها سالمة من التعارض في ذاتها، رغم وجود التعارض»(2). وإذا دقّقنا الروايات التي ترشد إلى عرض السُّنَّة على الكتاب، وضرورة متابعة ضوابط خاصّة لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والنصوص الواردة في وجوب التثبّت من صدق الجائي بالخبر ووثاقته وو.. كلّ هذه الروايات والموازين المتّفق عليها بين المسلمين تؤيّد الرؤيا القائلة بوحدة الحكم الشرعيّ والفقه الاِسلاميّ، وتردّ الرأي الذاهب إلى الاجتهاد بالرأي. والتعدّد والاختلاف(3). وكذا لا مناص من القول بضرورة دراسة النصوص الصادرة في الصدر
____________
(1) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 142 ـ 143.
(2) مناهج الاجتهاد في الاِسلام: 141 عن الموافقات للشاطبيّ.
(3) إذ قال ابن عبد البرّ وبعد نقله حديث عرض السنّة على القرآن : «إنَّ هذه الاَلفاظ لاتصحّ عنه (ص) عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ...» جامع بيان العلم وفضله 2:191، وانظر عارضة الاَحوذيّ 10 : 132 ، وقال في مكان آخر : إنَّ هذا الحديث وضعه الزنادقة والخوارج، وفي حجّيّة السنّة : 474 بحث في تضعيف أحاديث العرض يمكنك مراجعته.

( 224 )
الاَوّل الاِسلاميّ، وأن لا نسكت عن دراستها بحجّة أنّ عائشة «أُمّ المؤمنين» قالت بهذا الرأي مثلاً، أو أنّ عمر «خليفة المسلمين» ذهب إلى ذلك الرأي، أو أن هذا الحديث رواه أبو هريرة واتّفق الشيخان على صحته! أو...
إنّ غيرة المسلم على دينه وحرصه على أن يكون أخذُه هذا الدينَ أخذاً سليماً قويّاً لا وهن فيه ولا شبهة معه (خُذُوا مَا آتَيْناكُم بِقُوَّة)(1)ـ وإنّ خصال التقوى والصدق والاِنصاف والاستمساك بالحقائق الواقعيّة.. كلّ ذلك يدفع المسلم لاَن لا يتساهل في البحث عن المصادر النقيّة التي يأخذ منها معرفته، ويقوده لاَن لا يأخذ بعض القضايا الموروثة على أنّها مسلّمات نهائيّة لاتقبل الحوار والنقاش. ميزانه في ذلك كتاب الله عزّ وجلّ الذي هو الفرقان بين الحقّ والباطل، وبين الاَصيل والدخيل، وهو المائز بين ما هو معنىً دينيّ إلـهيّ خالص وبين ما هو غير دينيّ أُقْحِم في ظروف تاريخيّة في الدين.
وهذا ـ كما ترى ـ يتطلّب منّا شيئاً من الشجاعة الدينيّة والجرأة التوحيديّة التي لاتنشد غير المعاني الاَصيلة الصافية صفاء الحقّ، المستقيمة استقامة نأْيَها عن سخط الله وعذابه.
والذي يجب الاِشارة إليه هنا هو إضفاء بعض الناس هالة من القدسيّة على السلف ولزوم ترك مناقشة أقوالهم وأفعالهم، لاَنّهم رجال ذهبوا، لهم مالهم وعليهم ما عليهم، فلا يصحّ لنا الدخول فيما كانوا فيه!!
نعم، يصحّ هذا الكلام عنهم لو اعتبرناهم رجال عاديّين ليس لهم دور في الشريعة، لكنّ حقيقة الحال غير هذا، لاَنّ غالب قضايانا الشرعيّة أُخذت عنهم ولهم دور فعال في الشريعة، فلا محالة من الوقوف على نصوصهم، وسيرتهم وسلوكهم، لاَنّه ممّا يرتبط بحياتنا العلميّة والعمليّة الشرعيّة.
مع تأكيدنا في لزوم ابتناء الدراسات على الاَُصول الثابتة العلميّة كالقرآن والسنّة والعقل.
ومن هنا نرى في النصوص الواردة عن أهل بيت النبيّ (ص) تأكيدهم
____________
(1) البقرة: 63.

( 225 )
على اتّخاذ كتاب الله ميزاناً يُرَدّ إليه ما اختُلِف فيه، ودعوتهم المسلمين لاَن يتحرّروا من عقدة الخوف من إخضاع كلّ شيء للقرآن العظيم على أنّه الحاكم المهيمن الناطق بكلمة الفصل والحقّ.. الذي ينبغي طرح كلّ ما يخالفه ولاينسجم معه. وأنّ أحاديث أهل البيت التي قالوها لتعليم المسلمين وإمدادهم بالوعي الدينيّ المتبصّر صريحة في أنّ ما خالف كتابَ الله فهو زُخرف مكذوب.
ودعوتنا هذه التي نريد أن نخلُص إليها لا تتصادم مع ما قيل عن الشيخين ـ مثلاً ـ من عزوفهما عن كثير، من الملذّات، وفيما أسْدَوه من خدمات لتوسيع رقعة الاِسلام والانتشار في الآفاق؛ فهذا أمر محفوظ... بَيْد أنّ ما ينبغي التفطّن له هو أنّ التقشّف والفتوحات وحمل هموم الحرب والسلم شيء، وقضايا الشريعة الاِلـهيّة في خصائصها ونقاوة مصادرها شيء آخر مختلف، كما هو بيّن لمن يميّز الاَُمور ويملك ذهنيّة دقيقة لا تخلط الفرع بالاَصل، ولاتُدخل ملابسات الظروف الاجتماعيّة التاريخيّة في صُلب مضامين الدين.
إنّ المنع من تناقل حديث رسول الله ـ مع إصرار الصحابة على ضرورة التدوين، كما مرّ في خبر عروة بن الزبير(1)ـ ثمّ مخالفة الخليفة لرأيهم مع ملاحظة كونه قد رسم أُصول الشورى في الخلافة من بعده.. لاَمر عظيم، ينبىَ عن كون التدوين أمراً ثقافيّاً حضاريّاً يرتبط بالسياسة لايمكن للخليفة تجاهله، وعليه فإنّ قضيّة منع تدوين السنّة الشريفة لم تكن قضيّة ثقافيّة خالصة كما علّلها الخليفة بأنّها وليدة الخوف من اختلاط السنّة بالقرآن والخوف من تأثّر المسلمين بالاَُمم السابقة.
فالمسألة هنا ترتبط بالعلم، كما اتّضحت شواهد عديدة على ذلك، وأنّ الخليفة لم يكن يملك الرؤية العامّة للاَحكام ولم يكن على إحاطة تامّة ببيانات رسول الله (ص).
وأمّا مقدرتهم في الجوانب الاَُخرى فالاَمر يتعلّق بالمقدرة العسكريّة والحنكة السياسيّة. والمعروف ـ عند أهل الخبرة ـ أنّ من له الحنكة السياسيّة
____________
(1) تقييد العلم: 50، جامع بيان العلم وفضله1: 64، كنز العمّال5: 339.

( 226 )
يمكنه أن يوظّف كرسيّ العلم ويحتويه، بعكس الاَوّل.
إنّ هذا يفرِض علينا قراءة جديدة للنصوص الصادرة عن الشيخين أو عن غيرهما. وهذه القراءة ينبغي أن تنطلق من دوافع دينيّة صرفة، تطلب الوصول إلى الحقّ.. من خلال دراسة موضوعيّة متأنيّة لا تتعجّل الاَُمور ولاتبتر النتائج. وإنّ إحاطة ما صدر منهما من أقوال وأفعال بهالة من التقديس القَبْليّ، بحيث يهاب المسلم مناقشة هذه الاَقوال والاَفعال.. غير بعيد أن يجعل هذه الحالة نوعاً من الاِرهاب الفكريّ الذميم الذي يصادر أيّ احتمال للحوار أو المناقشة فضلاً عن الاعتراض.. ممّا يُراد له جعل الشيخين في مصافّ الاَنبياء أو فوق مصافّ الاَنبياء، وهذا ما لا يرتضيه ذو عقل ودين؛ خاصّة ونحن نعلم كما تُجلّي وقائع التاريخ أنّ الصحابة رجال متفاوتون علماً وإيماناً وقَدْراً. وكثيراً ما لاحظنا أنّهم كانوا يخطّىَ بعضُهم بعضاً، وينقد بعضهم مواقف بعض.. ولاحرج في ذلك ولاضير.
إنّ كلّ من له دراية بالاَخبار والاَحاديث وتاريخ صدر الاِسلام يعلم بوضوح أنّ الخليفة أبا بكر والخليفة عمر بن الخطّاب لم يكونا معصومين.. بل استبان من خلال النصوص أنّ جُلّ اجتهاداتهم كانت قائمة على الرأي المحض، ولم تكُنْ مُستقاةً أو مُشتقّة من القرآن الكريم.

وقفة عند رأي ابن قيّم الجوزيّة:
وعلى هذا فإنّ الفتاوى الصادرة عن أبي بكر وعمر لا تنحصر بما قاله ابن قيّم الجوزيّة، من أنّها لا تخرج عن ستّة أوجه:
«أحدها: أن يكون سَمِعها من النبيّ (ص).
الثاني: أن يكون سمعها ممّن سمعها منه (ص).
الثالث: أن يكون فَهِمَها من آيةٍ من كتاب الله فهماً خَفِيَ علينا.
الرابع: أن يكون قد اتّفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلاّ قول المفتي بها وحده.

( 227 )
الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة، ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائن حاليّة اقترنت بالخطّاب، أو لمجموع أُمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبيّ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فَهِم ما لانفهمه نحن. وعلى التقادير الخمسة تكون فتواه حجّة يجب اتّباعها.
السادس: أن يكون فَهِمَ ما لم يُرِده الرسول وأخطأ في فهمه، والمراد غيرما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّة. ومعلوم قطعاً أنّ وقوع احتمال من خمسة أغلب الظنّ من وقوع احتمال واحد معيّن، هذا ممّا لايشكّ فيه عاقل...».
والواقع أنّ الاَمر ليس على ما ظنّ ابن القيّم بل هو أبعد منه لاَنّك قد وقفت على فتاواهم ومخالفة بعضها لصريح الكتاب والسنّة، مع علم صاحبها بقيام النصّ في غيره ووضوح ظهوره فيه، ولولا الحمل على الصحّة والتماس العذر لمن سلف، لكانت أقرب إلى التحدِّي منها إلى الاجتهاد!
وبعضها الآخر ـ أي من اجتهادات الشيخين ـ صريح المخالفة للنصوص أيضاً، لكنّها تختلف عن سابقتها، بأنّها صدرت لعدم علم صاحبها بتلكم النصوص الصادرة عن الرسول (ص)وعودته إليها بعد تنبّهه، ومثل هذا القسم ـ عادةً ـ أهون مؤونةً وأقلّ مؤاخذة.
فالاجتهاد لو كان جارياً على وفق ما تقرّر لدى الاَعلام من القواعد، للزم أن يكون صاحبه قد أكمل عدّته وانتهى من الفحص عن الدليل الاَوّلي، وعاد يائساً من العثور عليه، فأفتى أو حَكَم بعد اليأس.
غير أنّ هذه الفتاوى والمواقف والاَحكام لم تكن جارية ـ في نهج الخليفة وكثير من السلف الاَوّل ـ على هذا النمط من الاستنباط الدقيق المأمون، بسبب التسرّع في الاِفتاء والحكم قبل بذل الجهد للفحص الكافي، أو بسبب التقصير في استيعاب ما ينبغي استيعابه في الموضوع بإهمالهم سؤال العالمِين بالقرآن والتشريع ممّن كانوا بين ظهرانيهم، فإذا شَجَر ما يوجب الفحص والسؤال ولم يبادروا إلى الرجوع إلى هؤلاء العالمِين.. فإنّ هذا يعني، ولاريب
( 228 )
المؤاخذة والتقصير؛ لقيام الحجّة عليهم بهؤلاء العالمِين كما قال ابن حزم في النصّ الذي أوردناه مِن قبل.
وعلى هذا ففتاوى الاَصحاب الصادرة عنهم لا تنحصر فيما حصره ابن القيّم من الصور الستّ، بل هناك احتمالات أُخرى ينبغي أن تضاف إلىاحتمالات ابن القيّم، وهي:
الاَوّل: أن يكون إفتاؤهما مخالفاً لكلام رسول الله، وقد ذكّرهما الصحابة بهذا فرجعا عمّا أفتيا به، فمن الطبيعيّ أن لا نرى ـ غالباً ـ امتداداً لرأي الخليفة في مثل هذه المسائل قبال سنّة رسول الله في العصور اللاحقة لرجوع الخليفة عمّا كان قد ذهب إليه وتنصَّل عنه.
الثاني: أن يتخالف إفتاؤهما مع حديث رسول الله أو الآية القرآنيّة، والصحابة ذكّروهما بذلك لكنهما لم يتراجعا عمّا أفتيا به، ومن هنا نرى وجود أحكام كهذه في الفقه الاِسلاميّ، مع ترجيح الفقهاء لرأي الخليفة، والقول إنّ آراء أُولئك الصحابة كان اجتهاداً منهم لايمكن نقضه؛ لحجّيّة اجتهادات الصحابة في الصدر الاِسلاميّ الاَوّل!
الثالث: أن يفتي الخليفة في مسألة بما هو مخالف لسنّة رسول الله والذِّكر الحكيم مع عدم حضور الصحابة في تلك الواقعة ليوقفوه على ما سمعوه من رسول الله أو ما جاء به الوحي في تلك المسألة. فترى امتداد خطّ الخليفة أقوى ممّا عند الصحابة من مرويّات في هذه المسائل!
الرابع: أن يفتي الخليفة بما يخالف الآية القرآنيّة وحديث رسول الله، ولكنّ الصحابة لم يذكّروه خوفاً من درّته أو مهابةً له، أو لاكتساح هذا الرأي عموم المسلمين وتبنّي أغلبهم له، فنهج الخليفة في مثل هذا القسم هو أقوى ممّا سبقه؛ لعمل المسلمين به وقد يحدُث أن نقف بين الحين والآخر على نصوص من الصحابة أو التابعين تخالف رأي الخليفة، لكنّها أضعف ممّا سبقها!
الخامس: أن يكون ما أفتى به اجتهاداً منه، صدر عن مصلحة ارتضاها بمفرده، أو للرأي العامّ! لاَنّه فيما يقول أعرف بها من سائر الصحابة. مع أنّه لمتكن تلك المصلحة بالمنزلة التي تَصوّرها الخليفة فيكون الحكم خاطئاً تبعاً
( 229 )
للخطأ في تشخيص المصلحة، إلاّ أنّ أحداً لم ينتبه أو ينبّه على ذلك فسرى الحكم عامّاً شاملاً في كلّ العصور!

حسبنا كتاب الله
فاتّضح إذن أنّ الاجتهاد قِبالَ النصّ قد مُورِسَ في عهد النبيّ (ص) والعصر الاِسلاميّ الاَوّل، وفي نفس الظرف أُطلِقَ القول بـ (حسبُنا كتاب الله) و(بيننا وبينكم كتاب الله)، مع وقوفنا على نهي رسول الله عنه!!
لكنّ بين الصحابة من كان لا يرتضي تلك النبرة الغريبة المُحْدَثة، منهم: عليّبن أبي طالب، الذي أوصى ابن عبّاس عندما أراد محاججة الخوارج بقوله: لاتُخاصِمْهم بالقرآن، فإنّ القران حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجِجْهم بالسنّة؛ فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً(1).
أوصاه بهذا لاَنّ المعروف عن الخوارج تمسّكهم الاَعمى بظواهر نصوص الكتاب، وقد جرّ أُسلوبهم هذا الويلاتِ على المسلمين، فكان من العقل والتدبير أن يحتجّ عليهم بسيرة النبيّ وأفعاله التي لا يختلف فيها اثنان دون ما يُختلف فيه لئلاّ يقعوا في نفس مشكلة فهمهم الخاطىَ للكتاب، فاحتجّ عليهم بعمل النبيّ (ص) حينما أوعز بمحو وصفه بـ (رسول الله) في كتاب صلح الحديبيّة، فلم يبق مجال لاعتراض الخوارج على محو عليّ بن أبي طالب وصفَه بـ(أميرالمؤمنين) في كتاب الصلح مع معاوية، وهذا الاَُسلوب هو الاَنجح والاَنسب في التعامل مع الخوارج.
نعم، إنّ القرآن والسنّة يكمل أحدهما الآخر، فلا يمكن الاكتفاء بالقرآن دون السنّة، وكذا العكس. وليس هناك أدنى تعارض بين هذين الاَصلين، وإنَّ الذهاب إلى أحدهما دون الآخر ليس بصحيح.
قال ابن حزم في الاِحكام: لا تعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبيّ (ص) وما نُقل من أفعاله، فقال سبحانه مُخبراً عن رسوله:
____________
(1) شرح نهج البلاغة 3: 150|77.

( 230 )
(وما يَنْطقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى)(1)وقوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكْمْ فِي رَسُول اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(2)وقوله: (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غيرِ اللهِ لَوَجدُوا فيهِ اختلافاً كثيراً)(3)، فأخبر عزّ وجلّ أنّ كلام نبيّه وحي من عنده، كالقرآن في أنّه وحي(4).
والخليفة أبو بكر لمّا قال ـ بعد وفاة رسول الله ـ كما في مرسلة ابن أبي مليكة المارّة الذكر: (بيننا وبينكم كتاب الله) أراد بقوله الاكتفاء بالقرآن، وقد سبقه إلى هذا الرأي عمر بن الخطّاب عند مرض الرسول عندما قال (حسبنا كتاب الله). وإنّ فاطمة بنت رسول الله احتجّت عليه بالقرآن وحده في نزاعها معه في فدك إلزاماً له بما ألزم به نفسه حين قال: «حسبنا كتاب الله» فاستدلّت على أحقّيّتها بعموم آيات الاِرث والآيات الدالّة على أنّ الاَنبياء يورِّثُون. ويُورثون، فاستدلّ هو بقوله (ص): «نحن معاشر الاَنبياء لا نورث»، فاستدلّ بالسنّة المُدَّعاة بعد أن قال حسبنا كتاب الله، وهذا تهافت واضح.
فماذا كانوا يعنون بكلامهم هذا وهم أقرب المسلمين زمناً للتشريع؟
أكانوا يريدون ما أراده الخوارج لاحقاً من الاستعانة بالقرآن في فهم جميع الاَُمور والتشاغل به عن السنّة، أم كانوا يرجون غير ذلك؟
إنّ الدعوة إلى الاَخذ بالقرآن ووضع السنّة جانباً، مع تصريح الرسول في أحاديث الاَريكة بأنّ كلامه كلام الله، وهو المبيّن لاَحكام الله ثمّ إحلال اجتهاداتهم محلّه ما هو إلاّ قرار سياسيّ اتُّخذ لتصحيح ما يذهب إليه الشيخان، إذ لايخفى على أبي بكر وعمر أنّ الاَحكام بأسرها لا يمكن استقاؤها من القرآن وحده، وقد جاء في كلام عمران بن الحصين ـ مجيباً من قال: تحدّث بالقرآن واترك السنّة ـ:
أرأيتَ لو وُكلْتَ أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنتَ تجد فيه صلاة العصر
____________
(1) النجم : 3 ـ 4 .
(2) الاَحزاب : 21 .
(3) النساء : 82 .
(4) الاِحكام في أُصول الاَحكام 1: 174.

( 231 )
أربعاً، وصلاة الظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والصبح تقرأ في اثنيين؟ وأكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة(1)؟
فلا يعقل إذن أن تخفى مثل هذه القضايا على أبي بكر وعمر، وإذا كانت غيرخافية عليهما فَلِمَ يَدْعُوان إلى الاكتفاء بالقرآن ويقولان بـ (حسبنا كتاب الله)؟!
بهذا يتأكّد لنا أنَّ المحظور من الروايات هو ما لا يعرفه الخليفة، وما يُسبّب له مشاكل محرجة. وأَمّا الاَحاديث المعروفة التي تناقلها المسلمون وعرفوها والتي لا تخفى على الخليفة كما لا تخفى على غيره فلاتخوُّف منها ولانهي عن تناقلها.
وإنّ في كلام أبي بكر: (والناس بعدهم أشدّ اختلافاً) ما يكشف عن أنّ المسلمين ستختلف اتّجاهاتهم فيما بعد؛ لاَخذِ كلّ واحدٍ منهم برأي صحابيّ. ويعضد كلامَ أبي بكر ما جاء عن رسول الله (ص): أنّ أُمّته مختلفة من بعده.
ولا ريب أنّ اختلاف نُقول هؤلاء الصحابة سيعارض اجتهادات الشيخين.
إنَّ تشريع سنّة الشيخين بإزاء سنّة رسول الله أو الارتقاء بها إلى سنّة رسول الله، ثمّ تعبّد الخلفاء بها من بعدهم وجعلها منهاج حياة ودستور دولة.. ما هو إلاّ تعبير عن المصلحة التي دعا إليها الخليفة، والمفتاح الذي يفتح به كلّ مشكل!
لاَنّك قد عرفت أنّ الخليفة قد تخوّف من المحدِّثين، وحدّد نشاطهم ـ بالفعل ـ وأمرهم بالاِقلال من الحديث. وقد حدّ من تحديثهم عن رسول الله، وعلّل حبسه لهم بقوله: (أكثرتُم الحديثَ عن رسول الله)، وقوله: (أفشيتم الحديث عن رسول الله).
فالاِفشاء والاِكثار كان يؤذي الخليفة؛ لاَنّه يؤدّي إلى تعارض ما نُقِل عنه(ص) مع نُقول الشيخين واجتهاداتهم، فكان عليه ـ والحالة هذه ـ أن
____________
(1) صحيح البخاريّ 7: 156، صحيح مسلم 3: 1259|22.

( 232 )
يدعوهم للاَخذ بالقرآن أوّلاً، لا اعتقاداً منهم بكونه كافياً في معرفة الاَحكام؛ فهم ـ حينما أرجعوا الناس إلى القرآن ـ كانوا يعلمون حقّ العلم أن القرآن محتاج إلى السنّة وأنّ رسول الله مكلّف بتبيين الاَحكام للناس في قوله تعالى (لتُبيِّن للناس ما نزل اليهم)(1)، لكنّ إبعادهم عن السنّة المطهّرة والدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن إنّما يمكّن لهم رسم البديل الذي هو اجتهاداتهم وأن يُصار إلى الاعتقاد بأنّهم أعلم من غيرهم: يؤخَذُ منهم ويردّ عليهم!
لذا نجد بين الصحابة من لا يرتضي العمل باجتهادات الشيخين، لاَنّه عرف أنّ الكتاب والسنّة هما الاَصلان الرئيسيّان في التشريع لا الاجتهاد. ولو كان قد ورد في اجتهاد الشيخين نصّ خاصّ لسمعوه وتلقّوه، ولَمَا قالوا: أسنّة عمر نتّبع أم سنّة رسول الله؟!
أو قولهم: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر.
ومن الطريف ونحن ندرس الحوادث أن نرى في سجلّ أصحاب الرأي والاجتهاد؛ ـ ذرّاً للرماد في العيون وخلطاً للحابل بالنابل ـ أسماءً لرجال أمثال ابن مسعود ومعاذ وابن عبّاس وغيرهم من أصحاب المدوّنات المتعبّدين نُسبت إليهم نصوص من البعيد أن تكون ممّا وقع فعلاً في التاريخ، بعد غضّ النظر عن سندها، لِما عرفنا من ملابسات الاَُمور وحاجة أنصار الخليفة إلى مثلها. ولو درسنا هذه القضايا بروح علميّة لوقفنا فيها على كثير من المؤاخذات والاضطرابات.
هذا وقد أكّد إبن حزم وغيره أنّ حديث معاذ في الاجتهاد ضعيف، وذهب آخرون إلى أنّه موضوع.
فقال ضمن كلامه: وبرهانُ وضعِ هذا الخبر وبطلانه هو أنّ من الباطل الممتنع أن يقول رسول اللهُ: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه، وهو يسمع قول ربّه (واتّبِعُوا أحسنَ ما أُنزل إليكُم مِن ربّكُم)(2)، وقوله:
____________
(1) النحل : 44 .
(2) الزمر : 55 .

( 233 )
(اليوم أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(1)وقوله: (ومَن يَتَعدَّ حُدودَ اللهِ فقد ظَلَمَ نَفْسَه)(2)ـ مع الثابت عنه (ص) في تحريم القول بالرأي في الدين.
إن دراسة مثل هذه القضايا في الشريعة ستحلّق بالباحث للنظر في أُمور الشريعة من أُفق أوسع وزاوية علميّة أجدر، مؤكّداً بأنَّ عليه لزوم التجرّد عمّا يحمله من عواطف وأحاسيس، وليكن حرّاً في تفكيره وعقله وأن يدرس النصوص مع ملابساتها كما هي، وأن لا تسيّره الاَهواء والعواطف، ثمّ فلينظر أحقاً أنّ رسول الله قد جوّز القول بالرأي وهو بين ظَهراني الاَُمّة، أم أنَّ المراد هو سماحه العمل طبق النصوص الصحيحة الموجودة عند الصحابيّ من الكتاب والسنّة لا الاجتهاد وفق الظنّ والتخمين؟ وإلى غيرها من الاَسئلة.