اجتمع إلى إدريس عليه السلام قومه وصحابته ـ وهو يومئذ في بيت عبادته من أرض كوفان ـ فخبّرهم فيما اقتص عليهم ، قال : إن بني أبيكم آدم عليه السلام الصلبية وبني بنيه وذريته اختصموا فيما بينهم ، وقالوا : أي الخلق عندكم أكرم على الله عز وجل وأرفع لديه مكانة وأقرب منه منزلة ؟
فقال بعضهم : أبوكم آدم عليه السلام ، خلقه الله عز وجل بيده ، وأسجد له ملائكته ، وجعله الخليفة في أرضه ، وسخّر له جميع خلقه.
وقال آخرون : بل الملائكة الذين لم يعصوا الله عز وجل.
وقال بعضهم : لا ، بل رؤساء الملائكة الثلاثة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليه السلام.
وقال بعضهم : لا ، بل أمين الله جبرئيل عليه السلام.
فانطلقوا إلى آدم فذكروا الذي قالوا واختلفوا فيه ، فقال : يا بني أنا أخبركم بأكرم الخلائق جميعا على الله عز وجل.
إنه والله لما أن نفخ في الروح حتى استويت جالسا ، فبرق لي العرش العظيم فنظرت فيه ، فإذا فيه : لا إله إلا الله محمد رسول الله فلا أمين الله فلا خيرة الله عز وجل ـ فذكر عدة أسماء مقرونة بمحمد صلى الله عليه وآله ـ ثم لم أر في السماء موضع أديم ـ أو قال : صفيح ـ منها إلا وفيه مكتوب : لا إله إلا الله ، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلا الله إلا الله ، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلا الله إلا وفيه مكتوب ، خلقا لا خطا : محمد رسول الله ، وما من موضع مكتوب فيه محمد رسول الله ، وما من موضع مكتوب فيه محمد رسول الله ، إلا ومكتوب : فلان خيرة الله ، فلان صفوة الله ، فلان أمين الله عز وجل ـ فذكره عدة أسماء تنتظم حساب المعدود ـ.
قال آدم عليه السلام : فمحمد صلى الله عليه وآله ـ يا بني ـ ومن خط من تلك الأسماء معه أكرم الخلائق على الله جميعا.


( 394 )

ثم ذكر أن أبا حارثة سأل السيد والعاقب أن يقفا على صلوات إبراهيم عليه السلام الذي جاء بها الأملاك من عند الله عز وجل ، فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة ، قال أبو حارثة : لا ن بل شارفوها بأجمعها واسبروها ، فإنه أصرم للعذور ، وأرفع لحكة الدور ، وأجدر ألا ترتابوا في الأمر من بعد.
فلم يجدا من المصير إل قوله من بد ، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم عليه السلام ، قال : وفيه : وكان الله عز وجل ـ بفضله على من يشاء من خلقه ـ قد اصطفى إبراهيم عليه بخلته ، وشرّفه بصلواته وبركاته وجعله قبلة وإماما لمن يأتي من بعده ، وجعل النبوة والإمامة والكتاب في ذريته ، يتلقاها آخر عن أول ، وورثه تابوت آدم عليه السلام المتضمن للحكمة والعلم الذي فضّله الله عز وجل به على الملائكة طرا.
فنظر إبراهيم عليه السلام في ذلك التابوت ، فأبصر فيه بيوتا بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين وأوصيائهم من بعدهم ، ونظرهم فإذا بيت محمد صلى الله عليه وآله آخر الأنبياء ، عن يمينه عليّ بن أبي طالب آخذٌ بحجرته ، فإذا شكل عظيم يتلألأ نورا فيه هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر.
فقال إبراهيم عليه السلام : إلهي وسيدي ! من هذا الخلق الشريف ؟
فأوحى الله عز وجل : هذا عبدي وصفوتي ، الفاتح الخاتم ، وهذا وصيه الوارث.
قال : رب ما الفاتح الخاتم ؟
قال : هذا محمد خيرتي ، وبكر فطرتي ، وحجتي الكبرى في بريتي ، نبأته واجتبيته إذ آدم بين الطين والجسد ، ثم إني باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني ، وخاتم به رسالاتي ونذري ، وهذا علي أخوه وصديقه الأكبر ،


( 395 )

آخيت بينهما واخترتهما وصليت وباركت عليهما ، وطهرتهما وأخلصتهما ، والأبرار منهما وذريتهما قبل أن أخلق سمائي وأرضي وما فيهما من خلقي ، وذلك لعلمي بهم وبقلوبهم ، إني بعبادي عليم خبير.
قال : ونظر إبراهيم عليه السلام فإذا اثنا عشر عظيم تكاد تلألأ أشكالهم لحسنها نورا ، فسأل ربه جل وتعالى وقال : رب نبئني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمد ووصيه ؛ وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم والتحاقهم بشكلي محمد ووصيه عليهم السلام ، فأوحى الله عز وجل إليه :
هذه أمتي والبقية من نبيي ، فاطمة الصديقة الزهراء ، وجعلتها مع خليلها عصبة لذرية نبي هؤلاء ، وهذا الحسنان ، وهذا فلان ، وهذا فلان ، وهذا كلمتي التي أنشر به رحمتي في بلادي ، وبه أنتاش ديني وعبادي ذلك بعد إياس منهم وقنوط منهم من غياثي ، فإذا ذكرت محمدا نبيي لصلواتك فصل عليهم معه يا إبراهيم.
قال : فعندها صلى عليهم إبراهيم صلى الله عليه وآله ، فقال رب صل على محمد وآله محمد كما اجتبيتهم وأخلصتهم إخلاصا.
فأوحى الله عز وجل : لتهنك كرامتي وفضلي عليك ، فإني صائر بسلالة محمد صلى الله عليه وآله ومن اصطفيت معه منهم إلى قناة صلبك ومخرجهم منك ثم من بكرك إسماعيل ، فابشر يا إبراهيم فإني واصل صلواتك بصلواتهم ومتبع ذلك بركاتي وترحمي عليك وعليهم ، وجاعل حسناتي وحجتي إلى الأمد المعدود واليوم الموعود ، الذي أرث فيه سمائي وأرضي وأبعث له خلقي لفصل قضائي وإفاضة رحمتي وعدلي.
قال : فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمنت الجامعة والصحف الدراسة من نعت رسول الله


( 396 )

صلى الله عليه وصفة أهل بيته المذكورين معه بما هم به منه وبما اهدوا من مكانتهم عنده ، ازداد القوم بذلك يقينا وإيمانا واستطيروا له فرحا.
قال : ثم صار القوم إلى ما نزل على موسى عليه السلام فألفوا في السفر الثاني من التوراة : إني باعث في الأميين من ولد إسماعيل رسولا ، أنزل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيمة إلى جميع خلقي ، أوتيته حكمتي وأيدته بملائكتي وجنودي ، تكون ذريته من ابنة له مباركة ، باركتها ، ثم من شبلين لهما كإسماعيل وغسحاق ، أصلين لشعبتين عظيمتين ، أكثرهم جدا جدا ، يكون منهم اثنا عشر في ما أكمل بمحمد صلى الله عليه وآله وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني ، وأختم به أنبيائي ورسلي ، فعلى محمد صلى الله عليه وآله وأمته تقوم الساعة.
فقال حارثة : الآن أسفر الصبح لذي عينين ، ووضح الحق لمن رضي به دينا ، فهل في أنفسكم من مرض تستشفيان به ؟!
فلم يرجعا إليه قولا ، فقال أبو حارثة : اعتبروا الإمارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح عليه السلام.
فصار إلى الكتب والأناجيل التي جاء بها عيسى عليه السلام فألفوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح عليه السلام :
يا عيسى يا بن الاهرة البتول ، اسمع قولي وجد في أمري ، أني خلقتك من غير فحل ، وجعلتك آية للعالمين ، فإياي فاعبد وعليّ فتوكل ، وخذ الكتاب بقوة ثم فسره لأهل سوريا ، واخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم ، الذي لا أحول ولا أزول ، فآمنوا بي وبرسولي النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان ، نبي الرحمة والملحمة ، الأول والآخر.
قال : أول النبيين خلقا وآخرهم مبعثا ، ذلك العاقب الحاشر ، فبشر به


( 397 )

بني إسرائيل.
قال عيسى عليه السلام : يا مالك الدهور وعلام الغيوب ، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبه قلبي ولم تره عيني ؟
قال : ذلك خالصتي ورسولي ، المجاهد بيده في سبيلي ، ويوافق قوله فعله وسريرته علانيته ، أنزل عليه توراة حديثة أفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب ، وطوباه طوبى أمته.
قال : رب ما اسمه وعلامته ؟ وما أكل أمته ـ يقول ملك أمته ـ ؟ وهل له من بقية ـ يعني ذرية ـ ؟
قال : سأنبئك بما سألت ، اسمه أحمد صلى الله عليه وآله ، منتخب من ذرية إبراهيم ، ومصطفى من سلالة إسماعيل عليه السلام ، ذو الوجه الأقمر ، والجبين الأزهر ، راكب الجمل ، تنام عيناه ولا ينام قلبه ، يبعثه الله في أمة أمية ما بقي الليل والنهار ، مولده في بلد أبيه إسماعيل ، ـ يعني مكة ـ ، كثير الأزواج قليل الأولاد ، نسله نم مباركة صديقة ، يكون له منها ابنة لها فرخان سيدان يستشهدان ، اجعل نسل أحمد منهما ، فطوباهما ولمن أحبهما وشهد أيامهما فنصرهما.
قال عيسى عليه السلام : إلهي ! وما طوبى ؟
قال : شجرة في الجنة ساقها وأغصانهامن ذهب ، وورقها حلل ، وحملها كثدي الأبكار ، أحلى من العسل وألين من الزبد ، وماؤها من تسنيم ، لو أن غرابا طار وهو فرخ لأدركه الهرم من قبل أن يقطعها ، وليس منزل من منازل أهل الجنة إلا وظلاله فنن من تلك الشجرة.
قال : فلما أتى القوم على دراسة ما أوحى الله عز وجل إلى المسيح


( 398 )

عليه السلام من نعت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصفته ، وملك أمته ، وذكر ذريته وأهل بيته ، أمسك الرجلان مخصومين ، وانقطع التحاور بينهم في ذلك.
قال : فلما فلج حارثة على السيد والعاقب بالجامعة وما بينوه في الصحف القديمة ولم يتم لهما ما قدروا من تحريفها ، ولم يمكنهما أن يلبسا على الناس في التأويل ، أمسكا عن المنازعة من هذا الوجه ، وعلما أنهما قد أخطآ سبيل الصواب ، فصارا إلى بيعتهم آسفين لينظرا ويرتئيا ، وفزع إليهما نصارى نجران ، فسألوها عن رأيهما وما يعملان في دينهما ، فقالا ما معناه : تمسكوا بدينكم حتى يكشف دين محمد ، وسنيسر إلى نبي قريش غلى يثرب ، وننظر إلى ما جاء به وإلى ما يدعو إليه.
قال : فلما تجهز السيد والعاقب للمسير غلى رسول الله بالمدينة ، انتدب معهما أربعة عشر راكبا من نصارى نجران ، هم من أكابرهم فضلا وعلما في أنفسهم ، وسبعون رجلا من أشراف بني الحرث بن كعب وسادتهم.
قال : وكان قيس بن الحصين ذو العصة ويزيد بن عبد المدان ببلاد حضرموت ، فقدما نجران على بقية مسير قومهم فشخصا معهم فاغترز القوم في أطوار مطاياهم وجنبوا خيلهم وأقبلوا لوجوههم حتى وردوا المدينة.
قال : ولما استراث رسول الله صلى الله عليه وآله خبر أصحابه أنفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرجها معه لمشارفة أمرهم ، فألفوهم وهم عامدون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
قال : ولما دنوا إلى المدينة أحب السيد والعاقب أن يباهيا المسلمين.


( 399 )

وأهل المدينة بأصحابهما وبمن حف من بني الحرث معهما ، فاعترضاهم فقالا : لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الأرض فألقيتم عنكم تفثكم وثياب سفركم وشنيتكم عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمثل ، فانحدر القوم عن الركاب افأماطوا من شعثهم وألقوا عنهم ثياب بذلتهم ولبسوا ثياب صونهم من الأنجميات والحرير والحبر وذروا المسك في لممهم ومارقتهم ، ثم ركبوا الخيل ، واعترضوا بالرماح على مناسج خيلهم ، وأقلبوا يسيرون رزدقا واحدا ، وكانوا من أجمل العرب صورا وأتمهم أجساما وخلقا ، فلما تشرفهم الناس أقبلوا نحوهم وقالوا : ما رأينا وفدا أجمل من هؤلاء.
فأقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده ، وحانت صلواتهم فقاموا يصلون إلى المشرق ، فأراد الناس أن ينهوهم عن ذلك فكفهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم أمهلهم وأمهلوه ثلاثا ، فلم يدعهم ولم يسألوه لينظروا إلى هداه ويعتبروا ما يشاهدون نمهم مما يجدون من صفته.
فلما كان بعد ثلاثة دعاهم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام.
فقالوا : يا أبا القاسم ! ما أخبرتنا كتب الله عز وجل بشيء من صفة النبي المبعوث بعد الروح عيسى عليه السلام إلا وقد تعرفناه فيك ، إلا خلة هي أعظم الخلال آية ومنزلة ، وأجلاها أمارة ودلالة.
قال : صلى الله عليه وآله : وما هي ؟
قالوا : إنا نجد في الإنجيل من صفة النبي الغابر من بعد المسيح أنه يصدق به ويؤمن به ، وأنت تسبه وتكذب به وتزعم أنه عبد.
قال : فلم تكن خصومتهم ولا منازعتهم للنبي صلوات الله عليه وآله إلا في عيسى عليه السلام.


( 400 )

فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا بل أصدقه وأصدق به وأؤمن به وأشهد أنه النبي المرسل من ربه عز وجل ، وأقول : إنه عبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
قالوا : وهل يستطيع العبد أن يفعل ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة ؟! ألم يكن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وينبئهم بما يكنون في صدورهم وما يدخرون في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا إلا الله عز وجل أو ابن الله ؟! وقالوا في الغلو فيه وأكثروا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فقال صلى الله عليه وآله : قد كان عيسى ـ أخي ـ كما قلتم يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخبر قومه بما في نفوسهم ، وما يدخرون في بيوتهم ، وكل ذلك بإذن الله عز وجل ، وهو لله عز وجل عبد ، وذلك عليه غير عار ، وهو منه غير مستنكف ، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وأمشاجا ، يأكل الطعام ويظمأ وينصب باديه ، وربه الأحد الحق الذي ليس كمثله شيء وليس له ند.
قالوا : فأرنا مثله من جاء من غير فحل ولا أب ؟!
قال : هذا آدم عليه السلام أعجب منه خلقا ، جاء من غير أب ولا أم ، وليس شيء من الخلق بأهون على الله عز وجل في قدرته من شيء ولا أصعب ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، وتلا عليهم ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ).
قالا : فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلا تباينا ، وهذا الأمر الذي لا نقر لك ، فهلم فلنلاعنك أينا أولى بالحق ، فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، فإنها مثلة وآية معجلة.


( 401 )

فأنزل الله عز وجل آية المباهلة على رسول الله صلى الله عليه وآله ( فمن حاجك فيه من بعدما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما نزل عليه في ذلك من القرآن ، فقال صلى الله عليه وآله : إن الله قد أمرني [ أن ] أصير غلى ملتمسكم ، وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتهم على قولكم.
قالا : وذلك آية ما بيننا وبينك ، إذا كان غدا باهلناك.
ثم قاما وأصحابهما من النصارى معهما ، فلما أبعدا ـ وقد كانوا أنزلوا بالحرة ـ أقبل بعضهم على بعض فقالوا : قد جاءكم هذا بالفصل من أمره وأمركم ، فانظروا أولا بمن يباهلكم ، أبكافة أتباعه ، أم بأهل الكتابة من أصحابه ، أو بذوي التخشع والتمسكن والصفوة دينا وهم القليل منهم عددا ؟ فإن جاءكم بالكثرة وذوي الشدة منهم ، فإنما جاءكم مباهيا كما يصنع الملوك ، فالفلج إذن لكم دونه ، وإن أتاكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء سجية الأنبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم ، فإياكم والإقدام إذن على مباهلتهم ، فهذه لكم أمارة ، وانظروا حينئذ ما تصنعون ما بينكم وبينه ، فقد أعذر من أنذر.
فأمر صلى الله عليه وآله بشجرتين فقصدتا وكسح ما بينهما ، وأمهل حتى إذا كان من الغد أمر بكساء أسود رقيق فنشر على الشجرتين ، فلما أبصر السيد والعاقب ذلك خرجا بولديهما صبغة المحسن وعبدالمنعم وسارة ومريم ، وخرج معهما نصارى نجران ، وركب فرسان بني الحرث بن الكعب في أحسن هيئة ، وأقبل الناس من أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من الناس في قبائلهم وشعارهم من راياتهم وألويتهم


( 402 )

وأحسن شارتهم وهيئتهم ، لينظروا ما يكون منالأمر ، ولبث رسول الله صلى الله عليه وآله في حجرته حتى متع النهار.
ثم خرج آخذا بيد علي والحسن والحسين أمامه وفاطمة عليها السلام من خلفهم ، فأقبل بهم حتى أتى الشجرتين ، فوقف من بينهما من تحت الكساء على مثل الهيئة التي خرج بها من حجرته ، فأرسل إليهما يدعوهما إلى ما دعواه إليه من المباهلة.
فأقبلا إليه فقالا : بمن تباهلنا يا أبا القاسم ؟
قال : بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله عز وجل ، وأشار لهما إلى علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم.
قالا : فما نراك جئت لمباهلتنا بالكبر ولا من الكثر ولا أهل الشارة ممن نرى آمن بك واتبعك ! وما نرى ها هنامعك إلا هذا الشاب والمرأة والصبيين ! أفبهؤلاء تباهلنا ؟!
قال صلى الله عليه وآله : نعم ، أو لم أخبركم بذلك آنفا ، نعم بهؤلاء أمرت والذي بعثني بالحق أن أباهلكم.
فاصفارت حينئذ ألوانهما وحوكرا ، وعادا إلى أصحابهما وموقفهما ، فلما رأى أصحابهما ما بهما وما دخلهما ، قالوا : ما خطبكما ؟! فتماسكا وقالا : ما كان ثمة من خطب فنخبركم.
وأقبل عليهم شاب كان من خيارهم قد أوتي فيهم علما ، فقال ويحكم ! لا تفعلوا ، واذكروا ما عثرتم عليه في الجامعة من صفاته ، فوالله إنكم لتعلمون حق العلم إنه لصادق ، وإنما عهدكم بإخوانكم حديث قد مسخوا قردة وخنازير.
فعلموا أنه قد نصح لهم فأمسكوا.


( 403 )

قال : وكان للمنذر بن علقمة أخي أسقفهم أبي حارثة حظ من العلم فيهم يعرفونه له ، وكان نازحا عن نجران في وقت تنازعهم ، فقدم وقد اجتمع القوم على الرحلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فشخص معهم ، ، فلما رأى المنذر انتشار القوم يومئذ وترددهم في رأيهم ، أخذ بيد السيد والعاقب على أصحابه ، فقال : أخلوني وهذين ، فاعتزل بهما ، ثم أقبل عليهما فقال : إن الرائد لا يكذب أهله ، وأنا لكما جد شفيق ، فإن نظرتما لأنفسكما نجيتما ، وإن تركتما ذلك هلكتما وأهلكتما.
قالا : أنت الناصح حبيبا ، المأمون عيبا ، فهات.
قال : أتعلمان أنه ما باهل قوم نبيا قط إلا كان مهلكهم كلمح البصر ، وقد علمتما وكل ذي إرب من ورثة الكتب معكما أن محمدا أبا القاسم هذا هو الرسول الذي بشّرت به الأنبياء عليهم السلام وأفصحت ببيعتهم وأهل بيتهم الأمناء.
وأخرى أنذركما بها فلا تعشوا عنها !
قالا : وما هي يا أبا المثنى ؟
قال : انظرا إلى النجم قد استطلع إلى الأرض ، وإلى خشوع الشجر وتساقط الطير بإزائكما لوجوههما ، قد نشرت على الأرض أجنحتها ، وفات ما في حواصلها ، وما عليها لله عز وجل من تبعة ، ليس ذلك إلا ما قد أظل من العذاب.
وانظرا إلى اقشعرار الجبال ، وإلى الدخان المنتشر وفزع السحاب !
هذا ، ونحن في حمارة القيظ وأيان الهجير.
وانظروا إلى محمد صلى الله عليه وآله رافعا يده والأربعة من أهله معه إنما ينتظر ما تجيبان به.


( 404 )

ثم اعلموا أنه إن نطق فوه بكلمة من بهلة لم نتدارك هلاكا ، ولم نرجع إلى أهل ولا مال.
فنظرا فأبصرا أمرا عظيما فأينا أنه الحق من الله تعالى فزلزلت أقدامهما ، وكادت أن تطيش عقولهما ، واستشعرا أن العذاب واقع بهما.
فلما أبصر المنذر بن علقمة ما قد لقيا من الخيفة والرهبة قال لهما : إنكما إن أسلمتما له سلمتما في عاجله وآجله ، وإن آثرتما دينكما وغضارة أيكتكما وشمختما بمنزلتكما من الشرف في قومكما فلست أحجر عليكما الضنين بما نلتما من ذلك ، ولكنكما بدهتما محمدا صلى الله عليه وآله بتطالب المباهلة ، وجعلتماها حجازا وآية بينكما وبينه ، وشخصتما من نجران وذلك من تألككما ، فأسرع محمد صلى الله عليه وآله إلى ما بغيتما منه ، والأنبياء إذ أظهرت بأمر لم ترجع إلا بقضائه وفعله ، فإذا نكلتما عن ذلك وأذهلتكما مخافة ما تريان ، فالحظ في النكول لكما.
فالحوا يا إخوتي الوحا ، صالحا محمدا صلى الله عليه وآله وأرضياه ، ولا ترجيا ذلك ، فإنكما وأنا معكما بمنزلة قوم يونس لما غشيهم العذاب.
قالا : فكن أنت الذي تلقى محمدا صلى الله عليه وآله بكفالة ما يبتغيه لدينا ، والتمس لنا إليه ابن عمه هذا ليكون هو الذي يبرم الأمر بيننا وبينه ، فإنه ذو الوجه والزعيم عنده ، ولا تبطئن به ما ترجع إلينا به.
وانطلق المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، أشهد أن لا إله إلا الله الذي ابتعثك ، وأنك وعيسى عبدان لله عز وجل مرسلان.
فأسلم وبلغه ما جاء له ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام لمصالحة القوم ، فقال علي عليه السلام : بأبي أنت ، على ما


( 405 )

أصالحهم ؟
فقال له : رأيك يا أبا الحسن فيما تبرم معهم رأيي.
فصار إليهما فصالحاه على ألف حلة وألف دينار خرجا في كل عام ، يؤديان شطر ذلك في المحرم وشطرا في رجب.
فصار علي عليه السلام بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ذليلين صاغرين ، وأخبره بما صالحهما عليه وأقرا له بالخرج والصغار.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : قد قبلت ذلك منكم ، أما إنكم لو بالهتموني بمن تحت الكساء لأضرم الله عليكم الوادي نارا تأجج ، ثم لساقها الله عز وجل إلى من ورائكم في أسرع من طرف العين فحرقهم تأججا.
فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته وصار إلى مسجده هبط عليه جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد ! إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول : إن عبدي موسى عليه السلام باهل عدوه قارون بأخيه هارون وبنيه ، فخسفت بقارون وأهله وما له وبمن آزره من قومه ، وبعزتي أقم وبجلالي ـ يا أحمد ـ لو باهلت بك وبمن تحت الكساء من أهلك أهل الأرض والخلائق جميعا لتقطعت السماء كسفا والجبال زبرا ، ولساخت الأرض فلم تستقر أبدا إلا أن أشاء ذلك.
فسجد النبي صلى الله عليه وآله ووضع على الأرض وجهه ، ثم رفع يديه حتى تبين للناس عفرة إبطيه ، فقال : شكرا للمنعم ـ قالها ثلاثا ـ.
فسئل النبي صلى الله عليه وآله عن سجدته وعما رأى من تباشير السرور في وجهه ، فقال : شكرا لله عز وجل لما أبلاني من الكرامة في أهل


( 406 )

بيتي ، ثم حدثهم بما جاء به جبرئيل عليه السلام » (1).

كتاب الصلح :
وجاء في غير واحد من الكتب أن عليا عليه السلام كتب لهم كتابا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2) وذكر ابن شبة والبلاذري وغيرهما نص الكتاب ، ويظهر منه أن القوم كانوا يحتفظون به ، قال البلاذري : « وقال يحيى بن آدم : وقد رأيت كتابا في أيدي النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة وفي أسفلها : وكتب علي بن أبي طالب » (3).

القربات يوم المباهلة :
وبما أن يوم المباهلة يوم أظهر الله فيه حقية نبوة رسوله على النصارى ، وأبان فيه مقام علي وأهل البيت للعالمين ، فهو من أعظم الأعياد الإسلامية ، وأشرف أيام سرور المؤمنين ، وكان من واجب كل فرد أن يقوم بشكر هذه النعمة بما أمكنه من مظاهر الشكر...
ومن هنا فقد ذكر هذا اليوم من مسار الشيعة ، وهو اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة (4).
ووردت فيه أعمال وقربات ، من الغسل ، والصوم ، والصلاة ، والدعاء... كما لا يخفى على من يراجع كتب هذا الشأن (5).
____________
(1) الإقبال بصالح الأعمال : 496 ـ 513 ، من الطبعة الحجرية.
(2) ومن ذلك أيضا : سنن البيهقي 10 | 120.
(3) فتوح البلدان : 76 ـ 77.
(4) مسار الشيعة ـ للشيخ للمفيد ـ : 41.
(5) مصباح المتهجد : 758 ـ 767 ، الإقبال بصالح الأعمال : 515.

( 407 )

الفصل الثالث
محاولات يائسة وأكاذيب مدهشة

ولما كانت قضية المباهلة ، ونزول الآية المباركة في أهل البيت دون غيرهم ، من أسمى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام الدالة على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد حاول بعض المتكلمين من مدرسة الخلفاء الإجابة عن ذلك ، كما سنرى بالتفصيل.
لكن هناك محاولات بالنسبة إلى أصل الخبر ومتنه ، الأمر الذي يدل على إذعان القوم بدلالة الحديث وبخوعهم بعدم الجدوى فيما يحاولونه من المناقشة فيها...
وتلك المحاولات هي :

1 ـ الإخفاء والتعتيم على أصل الخبر :
فمن القوم من لا يذكر الخبر من أصله !! مع ما فيه من الأدلة على النبوة وظهور الدين الإسلامي على سائر الأديان... أذكر منهم ابن هشام (1) وتبعه ابن سيد الناس (2) ، والذهبي (3) وهذه عبارة الثاني في ذكر الوفود ، وهي ملخص عبارة الأول :
« ثم بعث رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خالد بن الوليد في
____________
(1) السيرة النبوية لابن هشام 2 | 592.
(2) عيون الأثر في المغازي والسير 2 | 244.
(3) تاريخ الإسلام ـ المغازي ـ : 695.

( 408 )

شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر ، إلى بني الحارث بن كعب بنجران ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ، ثلاثا ، فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم ، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام ، ويقولون : أيها الناس أسلموا تسلموا ، فأسلم الناس ودخلوا في ما دعوا إليه ، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بذلك.
فكتب له رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أن يُقْبِلَ ويُقْبِل معه وفدهم ، فأقبل وأقبل معه وفدهم ، منهم قيس بن الحصين ذي الغصة... وأمّر عليهم قيس بن الحصين.
فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو في ذي القعدة ، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ».

2 ـ الإخفاء والتعتيم على حديث المباهلة :
وهذا ما حاوله آخرون ، منهم :
* البخاري ـ تحت عنوان : قصة أهل نجران ، من كتاب المغازي ـ :
« حدثني عباس بن الحسين ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : جاء العاقب والسيد ـ صاحبا نجران ـ إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، يريدان أن يلاعناه. قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل ، فوالله لئن كان نبيا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا : إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا ، فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين.


( 409 )

فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فقال : قم يا ابا عبيدة بن الجراح ، فلما قام ، قال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : هذا أمين هذه الأمة.
حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : جاء أهل نجران إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : ابعث لنا رجلا أمينا. فقال : لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين ، فاستشرف له الناس ، فبعث عبيدة بن الجراح » (1).

أقول :
قد تقدم حديث حذيفة بن اليمان ، رواه القاضي الحسكاني بنفس السند... لكن البخاري لم يذكر سبب الملاعنة ! ولا نزول الآية المباركة ! ولا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلي وفاطمة والحسنين عليه السلام !
ولا يخفى التحريف في روايته ، وعبارته مشوشة جدا ، يقول : « جاء... يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل » فقد جاءا « يريدان أن يلاعناه » فلابد وأن حدث شيء ؟ « فقال أحدهما لصاحبه... » فما الذي حدث ؟!!
لقد أشار الحافظ ابن حجر في شرحه إلى نزول الآية وخروج النبي للملاعنة بأهل البيت عليهم السلام ، لكنها إشارة مقتضبة جدا !!
____________
(1) صحيح البخاري 5 | 217. ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
( 410 )

ثم قال : « قالا : إنا نعطيك ما سألتنا » والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسال شيئا ، وإنما دعاهما إلى الإسلام وما جاء به القرآن ، فأبيا ، فآذنهم بالحرب ، فطلبا منه الصلح إعطاء الزية ، فكتب لهما بذلك وكان الكاتب عليا عليه السلام.
ثم إن البخاري ـ بعد أن حذف حديث المباهلة وأراد إخفاء فضل أهل الكساء ـ وضع فضيلة لأبي عبيدة ، بأنهما قالا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ابعث معنا رجلا أمينا » فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح...
لكن في غير واحد من الكتب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إليهم عليا عليه السلام ، وهذا ما نبّه عليه الحافظ وأراد رفع التعارض ، فقال : « وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي بعث عليا إلى اهل النجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم ، وهذه القصة غير قصة أبي عبيدة ، لأن أبا عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع ، وعلي أرسله النبي بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ويأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة. والله أعلم » (1).

قلت :
ولم أجد في روايات القصة إلا أنهما « أقرا بالجزية » التزما بدفع ما لم تضمنه الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، ومن ذلك : ألفا حلة « في كل رجب ألف » وهذه هي الجزية ، وعليها جرى أبو بكر وعمر ، حتى جاء عثمان فوضع عنهم بعض ذلك ! وكان مما
____________
(1) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري ـ 8 | 77.
( 411 )

كتب : « إني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله » ! (1).
ثم إن رجوعهما إلى قومهما كان في بقية من شوال أو ذي القعدة (2) فأين رجب ؟! وأين صفر ؟!
فما ذكره الحافظ رفعا للتعارض ساقط.
ولعله من هنا لم تأت هذه الجملة في رواية مسلم ، فقد روى الخبر عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة ، قال : « جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : يا رسول الله ! ابعث إلينا رجلا أمينا ، فقال : لأبعثن إليكم رجلا أمينا... » (3).
ثم إنه قد تعددت أحاديث القوم في « أمانة أبي عبيدة » حتى أنهم رووا بلفظ « أمين هذه الأمة أبو عبيدة » ، وقد تكلمنا على هذه الأحاديث من الناحيتين ـ السند والدلالة ـ في كتابنا الكبير بالتفصيل (4).
* ابن سعد ، فإنه ذكر تحت عنوان « وفد نجران » : كتب رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى أهل نجران ، فخرج إليه وفدهم ، أربعة ودعاهم إلى الإسلام ، فأبَوا ، وكثر الكلام والحجاج بينهم ، وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم أباهلكم ، فانصرفوا على ذلك.
فغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله
____________
(1) فتوح البلدان : 77.
(2) عيون الأثر 2 | 244 ، وغيره.
(3) صحيح مسلم 7 | 139.
(4) نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار 11 | 315 ـ 338.

( 412 )

عليه [ وآله ] وسلم ، فقال : قد بدا لنا أن لا نباهلك ، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك ، فصالحهم على...
وأشهد على ذلك شهودا ، منهم : أبو سفيان بن حرب ، والأقرع بن حابس ، والمغيرة بن شعبة.
فرجعوا إلى بلادهم ، فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، فأسلما ، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري.
وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم حتى قبضه الله... » (1).
* وقال الطبري ـ في ذكر الوفود في السنة العاشرة ـ : « وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران ، فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتاب الصلح » (2).
ثم قال في خروج الأمراء والعمال على الصدقات : « وبعث عليّ بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم » (3).
* وقال ابن الجوزي : « وفي سنة عشر من الهجرة أيضا قدم العاقب والسيد من نجران ، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتاب صلح » (4).
* وقال ابن خلدون : « وفيها قدم وفد نجران النصارى ، في سبعين
____________
(1) الطبقات الكبرى 1 | 357 ـ 358.
(2) تاريخ الطبري 3 | 139.
(3) تاريخ الطبري 3 | 147.
(4) المنتظم في تاريخ الأمم ـ حوادث السنة العاشرة ـ 4 | 3.

( 413 )

راكبا ، يقدمهم أميرهم العاقب عبد المسيح من كندة ، وأسقفهم أبو حارثة من بكر بن وائل والسيد الأيهم ، وجادلوا عن دينهم ، فنزل صدر سورة آل عمران ، وآية المباهلة ، فأبوا منها ، وفرقوا وسألوا الصلح ، وكتب لهم به على ألف حلة في صفر وألف في رجب ، وعلى دروع ورماح وخيل وحمل ثلاثين من ل صنف ، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، ثم جاء العاقب والسيد أسلما » (1).

3 ـ الإخفاء والتعتيم على اسم عليّ !!
وحاول آخرون منهم أن يكتموا اسم علي عليه السلام :
* فحذفوا اسمه من الحديث ، كما في الرواية عن جد سلمة بن عبد يشوع المتقدمة.
* بل تصرف بعضهم في حديث مسلم وأسقط منه اسم « عليّ » كما سيأتي عن « البحر المحيط » !!
* والبلاذري عنون في كتابه « صلح نجران » وذكر القصة ، فقال :
« فأنزل الله تعالى : ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم * إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ـ إلى قوله : ـ الكاذبين ) فقرأها رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عليهما ، ثم دعاهما إلى المباهلة ، وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين ، فقال أحدهما لصاحبه : اصعد الجبل ولا تباهله ، فإنك إن باهلته يؤت باللعنة. قال : فما ترى ؟ قال : أرى أن نعطيه الخراج ولا نباهله... » (2).
____________
(1) تاريخ ابن خلدون 4 | 836 ـ 837.
(2) فتوح البلدان 75 ـ 76.

( 414 )

* وابن القيم اقتصر على رواية جد سلمة ، ولم يورد اللفظ الموجود عند مسلم وغيره ، قال : « وروينا عن أبي عبدالله الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بكير ، عن سلمة بن عبد يوشع ، عن أبيه ، عن جده ، قال يونس ـ وكان نصرانيا فأسلم ـ : إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم كتب إلى أهل نجران... » فحكى القصة إلى أن قال :
« فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر ، أقبل مشتملا على الحسن والحسين رضي الله عنهما في خميل له وفاطمة رضي الله عنها تمشي عند ظهره للمباهلة ، وله يومئذ عدة نسوة... » (1).
* وكذا فعل ابن كثير في تاريخه... (2).
* واختلف النقل عن الشعبي على إشكال :
أحدها : روايته عن جابر بن عبد الله ، وفيها نزول الآية في عليّ وفاطمة والحسنين.
والثاني : روايته الخبر مع حذف اسم عليّ !! رواه عنه جماعة وعنهم السيوطي ، وقد تقدم.
وجاء عند الطبري بعد الخبر عن ابن حميد ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ؛ وليس فيه ذكر علي : « حدثنا ابن حميد ، قال ثنا جرير ، قال : فقلت للمغيرة : إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم !
فقال : أما الشعبي فلم يذكره ، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في علي ،
____________
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 3 | 39 ـ 40.
(2) البداية والنهاية 5 | 53.

( 415 )

أو لم يكن في الحديث » (1).
والثالث : روايته الخبر مع حذف اسم علي ! وإضافة « وناس من أصحابه » !! وهو ما نذكره :

4 ـ حذف اسم عليّ وزيادة « وناس من أصحابه » :
وهذا الخبر لم أجده إلا عند ابن شبة ، عن الشعبي ، حيث قال :
« حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي ، قال : حدثنا الوليد ابن مسلم ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ، عن عطاء بن السائب ، عن الشعبي ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : أخبرنا عن عيسى... قال : فأصبح رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وغدا حسن وحسين وفاطمة وناس من أصحابه ، وغدوا إلى رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم فقالوا : ما للملاعنة جئناك ، ولكن جئناك لتفرض علينا شيئا نؤديه إليك... » (2).
فإذا كان المراد من « وغدا حسن... » أنهم خرجوا مع رسول الله ليباهل بهم ، فقد أخرج صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته « ناسا من الصحابة » !!
وإذا كان قد خرج مع النبي « ناس من أصحابه » فلماذا لم يجعل الراوي عليا منهم في الأقل !!
لكن الشعبي ـ إن كانت هذه التحريفات منه لا من الرواة عنه ـ معروف بنزعته الأموية ، ولعل في أحد الروايات التي نقلناها سابقا عن تفسير الطبري ـ إشارة إلى ذلك... وقد كان الشعبي أمين آل مروان ،
____________
(1) تفسير الطبري 3 | 211.
(2) تاريخ مدينة المنورة 1 | 581 ـ 582.

( 416 )

وقاضي الكوفة في زمانهم ، وكان نديما لعبد الملك بن مروان مقربا إليه ، وكل ذلك وغيره مذكور بترجمته في الكتب ، فلتراجع.

5 ـ التحريف بزيادة « عائشة وحفصة » :
وهذا اللفظ وجدته عند الحلبي ، قال : « وفي لفظ : أنهم وادعوه على الغد ، فلما أصبح صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي رضي الله عنهم وقال : اللهم هؤلاء أهلي...
وعن عمر رضي الله عنه ، أنه قال للنبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : لو لاعنتهم يا رسول الله بيد من كنت تأخذ ؟ قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة.
وهذا ـ أي زيادة عائشة وحفصة ـ دل عليه قوله تعالى : ( ونساءنا ونساءكم ) وصالحوه... » (1).

6 ـ التحريف بحذف « فاطمة » وزيادة : « أبي بكر وولده وعمر وولده وعثمان وولده » :
وهذا لم أجده إلاّ عند ابن عساكر ، وبترجمة عثمان بالذات ! من تاريخه ، قال :
« أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ، أنبأ أبو الفضل ابن الكريدي ، أنبأ أبو الحسن العتيقي ، أنا أبو الحسن الدارقطني ، نا أبو الحسين أحمد بن قاج ، نا محمد بن جرير الطبري ـ إملاء علينا ـ نا سعيد بن عنبسة الرازي ، نا الهيثم بن عدي ، قال : سمعت جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ).
____________
(1) إنسان العيون ـ السيرة الحلبية 3 | 236.
( 417 )

قال : فجاء بأبي بكر وولده ، وبعمر وولده ، وبعثمان وولده ، وبعلي وولده » (1).
ورواه عنه : السيوطي (2) والشوكاني (3) والآلوسي (4) والمراغي (5) ساكتين عنه !! نعم قال الآلوسي : « وهذا خلاف ما رواه الجمهور ».

أقول :
كانت تلك محاولات القوم في قبال الحديث المباهلة ، وتلاعباتهم في لفظه... بغضّ النظر عن تعابير بعضهم عن الحديث بـ « قيل » و« روي » ونحو ذلك مما يقصد منه الاستهانة به عادة.
هذا ، والأليق بنا ترك التكلم على هذه التحريفات ـ زيادة ونقيصة ـ لوضوح كونها من أيد أموية ، تحاول كتم المناقب العلوية ، لعلمهم بدلالتها على مزايا تقضي الأفضلية ، كما حاولت في ( حديث الغدير ) و( حديث المنزلة ) ونحوهما.
وفي ( حديث المباهلة ) أرادوا كتم هذه المزية ، ولو بترك ذكر أصل القضية ! أو بحذف اسم علي أو فاطمة الزكية ،...
ولولا دلالة على الأفضلية ـ كما سيأتي ـ لما زاد بعضهم « عائشة وحفصة » إلى جنب فاطمة !!
____________
(1) تاريخ دمشق ـ ترجمة عثمان بن عفان ـ : 168 ـ 169.
(2) الدر المنثور 2 | 40.
(3) فتح القدير 1 | 348.
(4) روح المعاني 3 | 190.
(5) تفسير المراغي 4 | 175.

( 418 )

بل أراد بعضهم إخراج الحديث عن الدلالة بانحصار هذه المزية في أهل البيت عليهم السلام ، فوضع على لسان أحدهم ـ وهو الإمام الباقر ، يرويه عنه الإمام الصادق ـ ما يدل على كون المشايخ الثلاثة في مرتبة علي ، وأن ولدهم في مرتبة ولده !!
وضعوه على لسان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ليروج على البسطاء من الناس !!
وكم فعلوا من هذا القبيل على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام وأولادهم ، في الأبواب المختلفة من التفسير والفقه والفضائل (1) !
إن ما رواه ابن عساكر لم يخرجه أحد من أرباب الصحاح والمسانيد والمعاجم ، ولا يقاوم ـ بحسب قواعد القوم ـ ما أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم ، ونص الحاكم على تواتره ، وغيره على ثبوته.
بل إن هذا الحديث لم يعبأ به حتى مثل ابن تيمية المتشبث بكل حشيش !
إن هذا الحديث كذب محض ، باطل سندا ومتنا... ولنتكلم على اثنين من رجاله :
1 ـ سعيد بن عنبسة الرازي :
ليس من رجال الصحاح والسنن ونحوها ، وهو كذاب ، ذكره ابن أبي حاتم فقال : « سعيد بن عنبسة ، أبو عثمان ، الخزاز الرازي... سمع منه أبي ولم يحدث عنه ، وقال : فيه نظر.
حدثنا عبد الرحمن ، قال : سمعت عليّ بن الحسين ، قال : سمعت
____________
(1) ذكرتنا في بعض بحوثنا المنشورة نماذج من ذلك ، ويا حبذا لو تجمع وتنشر في رسالة مفردة ، والله الموفق.
( 419 )

يحيى بن معين ـ وسئل عن سعيد بن عنبسة الرازي ـ فقال : لا أعرفه.
فقيل : إنه حدث عن أبي عبيدة الحداد حديث ( والآن ) ؟ فقال : هذا كذاب.
حدثنا عبد الرحمن ، قال : سمعت علي بن الحسين يقول : سعيد بن عنبسة كذاب.
سمعت أبي يقول : كان لا يصدق » (1).
2 ـ الهيثم بن عدي :
وقد اتفقوا على أنه كذاب.
قال ابن أبي حاتم : « سئل يحيى بن معين عن الهيثم بن عدي ، فقال : كوفي وليس بثقة ، كذاب.
سألت أبي عنه ، فقال : متروك الحديث » (2).
وأورده ابن حجر الحافظ في ( لسانه ) فذكر الكلمات فيه :
البخاري : ليس بثقة ، كان يكذب.
يحيى بن معين : ليس بثقة ، كان يكذب .
أبو داود : كذاب.
النسائي وغيره : متروك الحديث.
ابن المديني : لا أرضاه في شي.
أبو زرعة : ليس بشيء.
العجلي : كذاب.
الساجي : كان يكذب.
____________
(1) الجرح والتعديل 4 | 52.
(2) الجرح والتعديل 9 | 85.

( 420 )

أحمد : صاحب أخبار وتدليس.
الحاكم والنقاش : حدث عن الثقات بأحاديث منكرة.
محمود بن غيلان : أسقطه أحمد ويحيى وأبو خيثمة.
ذكره ابن السكن وابن شاهين وابن الجارود والدارقطني في الضعفاء.
كذب الحديث ـ لكون الهيثم فيه ـ جماعة كالطحاوي في « مشكل الحديث » والبيهقي في « السنن » والنقاش والجوزجاني في ما صنفا من الموضوعات (1).
أقول :
هب أن ابن عساكر روى هذا الخبر الموضوع في كتابه « تاريخ دمشق » فإن هذا الكتاب فيه موضوعات كثيرة ، كما نص عليه ابن تيمية (2) وغيره ، فما بال السيوطي ومن تبعه يذكرونه بتفسير القرآن الكريم وبيان المراد من آية من كلام الله الحكيم ؟!!

***

____________
(1) لسان الميزان 6 | 209.
(2) منهاج السنة 7 | 40.