المأتم الحسيني مشروعيته وأسراره ::: 31 ـ 45
(31)

(32)
    كما كانت عليه سيرة السلف ، وفعلته عائشة إذ وقفت على قبر أبيها باكية ، فقالت : كنتَ للدنيا مذلاً بادبارك عنها ، وكنتَ للاخرة معزاً باقبالك عليها ، وكان أجل الحوادث بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رزؤك ، وأعظم المصائب بعده فقدك.
    وفعله محمد بن الحنفية إذ وقف على قبر أخيه المجتبى ( عليه السلام ) ، فخنقته العبرة ـ كما في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد ـ ثم نطف فقال : يرحمك الله أبا محمد ، فإن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح


(33)
ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الانبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذتك أكف الحق ، وربيت في حجر الاسلام ، فطبت حياً وطبت ميتاً ، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك ، ولا شاكة في الخيار لك.
    ثم بكى بكاءاً شديداً ، وبكى الحاضرون حتى سمع نشيجهم (1).
    ووقف أمير المؤمنين على قبر خباب بن الارت في ظهر الكوفة ـ وهو أول من دفن هناك كما نصّ عليه ابن الاثير في آخر تتمة صفين ـ فقال : « رحم الله خباباً ، لقد أسلم راغباً ، وجاهد طائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلى في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً ».
    ولما توفي أمير المؤمنين ، قام الخلف من بعده أبو محمد الحسن الزكي ( عليهما السلام ) خطيباً ، فقال ـ كما في حوادث سنة 40 من تاريخ ابن جرير وابن الاثير وغيرهما ـ : « لقد
1 ـ العقد الفريد 2 / 8 و 3 / 197 ، تذكرة الخواص : 213.

(34)
قتلتم الليلة رجلاً ، والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد يكون بعده ، إن كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليبعثه في السرية وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ما ترك صفراء ولا بيضاء ... ».
    ووقف الامام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنين ( عليهما السلام ) ، فقال : « أشهد أنّك جاهدت في الله حق جهاده ، وعملت بكتابه ، واتبعت سنن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) ، حتى دعاك الله إلى جواره فقبضك إليه باختياره ، لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجة مع مالك من الحجج البالغة على جميع خلقه ».
    وعن أنس بن مالك ـ كما في العقد الفريد وغيره ـ قال : لمّا فرغنا من دفن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بكت فاطمة ونادت : « يا أبتاه أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه من ربّه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه ، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه ».
    ولو أردنا أن نستوفي ما كان من هذا القبيل ، لخرجنا عن الغرض المقصود.
    وحاصله : أنّ تأبين الموتى من أهل الاثار النافعة بنشر


(35)
مناقبهم وذكر مصائبهم ممّا حكم بحسنه العقل والنقل ، واستمرت عليه سيرة السلف والخلف ، وأوجبته قواعد المدنية ، واقتضته أصول الترقي في المعارف ، إذ به تحفظ الاثار النافعة ، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة.
    والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال ، بل يستوجب المنع من تلاوة الكتاب والسنة ، لاشتمالهما على جملة من مناقب الانبياء ومصائبهم ، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق أو يختار لها هذا العمى ، نعوذ بالله من سفه الجاهلين.


(36)
    وحسبك في رجحان ذلك : ما تواتر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الحزن الشديد على عمّه أبي طالب وزوجته الصديقة الكبرى أم المؤمنين ( عليهما السلام ) ، وقد ماتا في عام واحد ، فسمّي عام الحزن ، وهذا معلوم بالضرورة من أخبار الماضين.
    وأخرج البخاري ـ في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن من الجزء الاول من صحيحه ـ بالاسناد إلى عائشة ، قالت : لمّا جاء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة ، جلس ـ أي في المسجد كما في رواية أبي داود ـ يعرف فيه الحزن.


(37)
    وأخرج البخاري ـ في الباب المذكور أيضاً ـ عن أنس ، قال : قنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شهراً حين قتل القرآء ، فما رأيته حزن حزناً قط أشدّ منه ... (1).
    والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصى أو تستقصى.
    والقول : بأنه إنما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لم يتقادم العهد بالمصيبة.
    مدفوع : بأنّ من الفجائع ما لا تخبو زفرتها ولا تخمد لوعتها ، فقرب العهد بها وبعده عنها سواء.
    نعم يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الازمنة ، ولم يكن دليل ولا مصلحة يوجبان التعبد بترتيب آثاره.
    وما أحسن قول القائل في هذا المقام :
خلي أميمة عن ملا ما الراقد الوسنان مثـ مك ما المعزى كالثكول ـل معذب القلب العليل

1 ـ وأخرجه مسلم أيضاً في باب التشديد في النياحة من صحيحه « المؤلّف ».

(38)
سهران من الم وهـ ذوقي أميمة ما أذو ـذا نائم الليل الطويل ق وبعده ماشئت قولي
    على أنّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من تلك الفجائع ، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع ، حكماً توجب التعبد بترتيب آثار الحزن بسببها على كلّ حال ، والادلة على ترتيب تلك الاثار في جميع الاعصار متوفرة ، وستسمع اليسير منها إن شاء الله تعالى.
    وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيبة واستمرارها على ندب حمزة وبكائه مع بعد العهد بمصيبته ، فلم ينكر عليهم في ذلك أحد ، حتّى بلغني أنهم لا يزالوا إلى الان إذا ناحوا على ميت بدوا بالنياحة عليه ، وما ذاك إلاّ مواساة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمصيبته في عمه ، وأداءً لحق تلك الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه ، وهي قوله : « لكن حمزة لا بواكي له ».
    وكان الاولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيته ، والاقتداء به في البكاء عليهم ، وقد لام بعض أهل البيت ( عليهم السلام ) مَن لم يواسهم في ذلك فقال : « يا لله


(39)
لقلب لا ينصدع لتذكار تلك الاُمور ، ويا عجباً من غفلة أهل الدهور ، وما عذر أهل الاسلام والايمان في إضاعة أقسام الاحزان ، ألم يعلموا أن محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) موتور وجيع وحبيبه مقهور صريع » ؟ ، قال : « وقد أصبح لحمه ( صلى الله عليه وآله ) مجرداً على الرمال ، ودمه الشريف مسفوكاً بسيوف أهل الضلال ، فيا ليت لفاطمة وأبيها ، عيناً تنظر إلى بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومسحوب وذبيح ... » إلى آخر كلامه.
    ومن وقف على كلام أئمّة أهل البيت في هذا الشأن ، لا يتوقف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران ، لكنّا منينا بقوم لا ينصفون ، فانّا لله وإنا إليه راجعون.


(40)
    ويكفي في استحبابه :
    عموم ما دلّ على استحباب مطلق المبرات والخيرات ، على أنّ فعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقوله دالان على الاستحباب في خصوص المقام ، وحسبك من فعله : ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (1) بطرق متعددة عن عائشة :
    ما غرت على أحد من نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما غرت على خديجة ، وما رأيتها ، ولكن كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة ، فيقول : « إنما كانت وكان لي منها ولد ».
1 ـ فراجع من صحيح البخاري : باب تزويج النبي خديجة وفضلها ، ومن صحيح مسلم : باب فضائل خديجة أم المؤمنين ( عليها السلام ) « المؤلف ».

(41)
    قلت : وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميت وأوليائه في الله عز وجل بالخصوص.
    ويكفيك من قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما أخرجه مسلم ـ في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه ، من كتاب الزكاة ، في الجزء الاول من صحيحه ـ بطرق متعددة ، عن عائشة : أنّ رجلاً أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : يا رسول الله إنّ أمّي افتلتت نفسها ، ولم توص ، أفلها أجر أن تصدقت عنها ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : « نعم ».
    ومثله : ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عباس ـ في ص333 من الجزء الاول ـ من مسنده : من أنّ سعد بن عبادة قال : إنّ ابن بكر أخا بني ساعدة توفيت أمّه وهو غائب عنها ، فقال : يا رسول الله ، إنّ أمي توفيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدقتُ بشيء عنها ؟ قال : « نعم » ، قال : فاني أشهدك أنّ حائط المخرف صدقة عليها.
    والاخبار في ذلك متضافرة ، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة (1).
1 ـ وربما كان المنكر علينا فيما نفعله من المبرات عن الحسين ( عليه السلام ) ، لا يقنع بأقوال النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا بأفعاله ، وإنما تقنعه اقوال سلفه وأفعالهم ، وحينئذ نحتج عليه بما فعله الوليد بن عقبة بن أبي معيط الاموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشاعر ، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً ، فنحرت عنه ، كما نصّ عليه ابن عبد البر في ترجمة لبيد من الاستيعاب « المؤلف ».

(42)
    كلّ من وقف على ما سلف من هذه المقدمة ، يعلم أنه لا وجه للانكار علينا في مآتمنا المختصة بسيد الشهداء ( عليه السلام ) ، ضرورة أنه لا تشتمل إلاّ على تلك المطالب الخمسة ، وقد عرفت إباحتها بالنسبة إلى مطلق الموتى من كافة المؤمنين.
    وما أدري كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة


(43)
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأُسست على الحزن لحزنه ؟
    أيبكي ـ بأبي هو وأمي ـ قبل الفاجعة ، ونحن لا نبكي بعدها ؟!
    ما هذا شأن المتأسّي بنبيه والمقتصّ لاثره ، إن هذا إلاّ خروج عن قواعد المتأسين ، بل عدول عن سنن النبيين.

    ألم يرو الامام أحمد بن حنبل من حديث علي ( عليه السلام ) ـ في ص85 من الجزء الاول ـ من مسنده ، بالاسناد إلى عبد الله بن نجا عن أبيه : أنه سار مع عليّ ( عليه السلام ) ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين ، نادى : « صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات » ، قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : « دخلت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله ، ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : قام من عندي جبرئيل قبل ، فحدثني أن ولدي الحسين يقتل بشط الفرات ، قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من


(44)
تربته ؟ قال : قلت : نعم ، فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عيني إن فاضتا » (1).
    وأخرج ابن سعد ـ كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر (2) ـ عن الشعبي ، قال : مرّ علي ( رضي الله عنه ) بكربلاء عند مسيره إلى صفين ، وحاذى نينوى ، فوقف وسأل عن اسم الارض ؟ فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بلّ الارض من دموعه ، ثم قال : « دخلت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك ـ بأبي أنت وأمي ـ ؟ قال : كان عندي جبرائيل آنفاً ، وأخبرني أن ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، بموضع يقال له كربلاء ... » (3).
1 ـ الصواعق المحرقة 2 / 566.
    وراجع أيضاً : مسند أبي يعلى (363) ، مسند البزار (884) ، والذخائر للمحب الطبري : 148 ، المعجم الكبير : (2811) ، مجمع الزوائد 9 / 187 وقال : رجاله ثقات ، سير أعلام النبلاء 3 / 288.
2 ـ كلّ ما ننقله في هذا المقام عن الصواعق ، من هذا الحديث وغيره ، موجود في أثناء كلامه في الحديث الثلاثين ، من الاحاديث التي أوردها في ذلك الفصل ، فراجع « المؤلف ».
3 ـ الصواعق المحرقة 2 / 566.
    وراجع أيضاً : المعجم الكبير للطبراني (2811) ، مجمع الزوائد 9/187 وقال : رجاله ثقات.


(45)
    وأخرج الملاّ ـ كما في الصواعق (1) أيضاً ـ : أنّ علياً مرّ بموضع قبر الحسين ( عليهما السلام ) ، فقال : « هاهنا مناخ ركابهم ، وهاهنا موضع رحالهم ، وهاهنا مهراق دمائهم ، فتية من آل محمد يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليهم السماء والارض » (2).
    ومن حديث أم سلمة ـ كما نصّ عليه ابن عبد ربه المالكي (3) ، حيث ذكر مقتل الحسين في الجزء الثاني من العقد الفريد ـ قالت : كان عندي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومعي الحسين ، فدنا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأخذته ، فبكى ، فتركته ،
1 ـ الصواعق المحرقة 2 / 566.
2 ـ وهذا الحديث رواه أصحابنا بكيفية مشجية ، عن الباقر عليه الصلاة والسلام ، ورووه عن هرثمة وعن ابن عباس ، وإن أردت الوقوف عليه فدونك ص108 ومابعدها إلى ص112 من الخصائص الحسينية « المؤلّف ».
3 ـ في سطر 15 من ص243 من جزئه الثاني المطبوع سنة 1305 ، وفي هامشه زهر الاداب « المؤلّف ».
المأتم الحسيني مشروعيته وأسراره ::: فهرس