إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الثالث ::: 121 ـ 135
(121)
محاذير خطابية ، أو محاذير مبادئية ، وإليك دراسة الكل.
    أمّا المحاذير الملاكية ، فإمّا أن تكون بصورة تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة كما إذا كان الشيء واجباً أو حراماً ودلّت الأمارة على حلّيته ، أو بصورة تدافع الملاكات كما إذا قامت الأمارة على وجوب ما كان حراماً في نفس الأمر ، هذا إذا لم نقل بالكسر والانكسار وإلالا يكون سوى مؤديات الأمارات أحكام.
    والجواب عن الصورة الأُولى بأنّ في العمل بالأمارة وإن كان فوت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في بعض الموارد ، لكن في إيجاب العمل بتحصيل العلم والاحتياط مفسدة كبرى وهي لزوم العسر والحرج الشديدين الّذين ربما يُسبّبان رغبة الناس عن الدين وخروجهم عنه ، زرافات ووحدانا ، ففي هذا المأزق ، يحكم العقل ، بتقديم الأوّل على الثاني ، لا أقول إنّ المصلحة الفائتة أو المفسدة الواردة تتدارك ، بل أقول : إنّ الأمارات حجّة من باب الطريقية المحضة وانّ قيام الأمارة ، لا يحدث مصلحة في المتعلّق ، وإذا دار الأمر بين الشرّ القليل والشرّ الكثير يحكم العقل بتقديم الأوّل على الثاني.
    وأمّا الصورة الثانية ، أعني : محذور تدافع الملاكات فدفعه واضح ، لأنّه إنّما يلزم لو كانت الأمارة محدثة للمصلحة أو المفسدة في المتعلّق ، فيلزم التدافع.
    وبعبارة أُخرى : إذا كانت الأمارة تمس كرامة الواقع وتحدث مصلحة أو مفسدة في المتعلق ، وأمّا لو قلنا بالطريقية المحضة كما هو الحقّ ، أو المصلحة السلوكية ، فلا ، لأنّ المصلحة السلوكية مصلحة نوعية قائمة بنفس الأمر بالعمل بالأمارة لغاية إيجاد الرغبة في الدين فلا صلة لها بالمتعلق.
    ومن هنا تبين انّه لا يكون في الأمر بالعمل بالأمارة أيُّ محذور ملاكي ، وإليك دراسة المحذور الخطابيّ.


(122)
    المحذور الخطابيّ
    والمحذور الخطابيّ يتلخص في اجتماع المثلين أو اجتماع الضدين ، فنقول : إنّ الجواب عنه بوجهين :
    الأوّل : التماثل من أقسام الوحدة والتضاد من أقسام التقابل ، وكلاهما من الأعراض الخارجية التي تتصف بها الأُمور الحقيقية والأحكام أُمور اعتبارية لا تتصفان بهما إلا مجازاً ، فانّ الوجوب والحرمة من الأُمور الاعتبارية يقومان في مقام الاعتبار مقام البعث والزجر التكوينيين ، فانّ الإنسان إذا أراد بعث ولده إلى أمر ، أو زجره عنه ، يبعثه بيده أو يمنعه عنه ، ولما كان هذا الأمر غير ممكن في كلّ الأحايين خصوصاً فيما إذا أراد بعث جماعة غائبين أو زجرهم حاول العقلاء لأداء ذينك الغرضين بوضع لفظ افعل أو لا تفعل للحكاية عنهما في عالم الاعتبار ، فكلّ من هذين اللفظين مصداق تكويني للّفظ والصوت ، ومصداق اعتباري للبعث والزجر.
    ولما كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع والاعتبار ، كان البعث والزجر المفهومان من اللفظين أولى بأن يكون اعتباريين فلا يتصفان بالتماثل أو التضاد.
    الثاني : انّ الإشكال مبني على أن يكون في مورد الأمارات والأُصول المحرزة حكم شرعي طبق المؤدّى ، ويكون إمضاء الشارع للعمل بهما ، بمعنى جعل حكم مماثل لما تدل عليه الأمارة والأصل ، وهو خلاف التحقيق ، لأنّ العمل بها لغاية درك الواقع والوصول إليه ، فإن حصلت الغاية فنعم المراد ، وإلا تكون هنا صورة حكم لا حكم شرعي.
    نعم لا يبعد أن يكون للشارع في مجاري الأُصول غير المحرزة أحكاماً في ظرف الشكّ كالحلية فإنّ ظاهر قوله : كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر ، أو


(123)
كلّ شيء حلال حتى يعلم انّه حرام بعينه فتدعه جعل الطهارة الشرعية أو الحلية للمشكوك ، وفي هذه الصورة ينحصر دفع الإشكال الخطابي بالجواب الأوّل.
    المحاذير المبادئيّة
    تقرير انّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالأحكام الواقعية ، فلو تعلّقت أيضاً بالأحكام الظاهرية سواء أوافقت أم خالفت لزم ظهور الإرادتين المتماثلتين أو المتضادتين في آن واحد ومثلهما الحب والبغض حرفاً بحرف.
    الجواب : أمّا في موارد الأمارات والأُصول المحرزة ، فليس هناك حكم ظاهري مجعول حتى تتعلّق به الإرادة والكراهة ، ولو كانت هناك إرادة وكراهة فقد تعلّقا بالحكم الواقعي ، وعلى ذلك فاجتماع الإرادتين ، أو الإرادة والكراهة أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
    نعم لا بأس بالإشكال في الأُصول غير المحرزة فانّ الظاهر في أدلّتها جعل الطهارة والحلية للمشكوك وهو يكشف عن تعلّق الإرادة بالحكم بالطهارة والحلية ، فلو كانت في نفس الأمر محرمة يلزم إجتماع الإرادة والكراهة.
    والجواب : انّه لا مانع من القول برفع اليد عن الحكم الواقعي وذلك للمصلحة العليا التي وقفت عليها ولا يلزم منه التصويب ، إذ هو عبارة عن إنكار الحكم المشترك بين العالم والجاهل وهو غير لازم وإنّما اللازم صيرورة الحكم المشترك إنشائيّاً أو فعليّاً معلّقاً وكون الفعلي المنجز هو الحكم الظاهري.
    وبهذا البيان الضافي اندفعت المحاذير الثلاثة : الملاكية والخطابية والمبدئية.


(124)
    المقام الثاني : في وقوع التعبّد بالظن
    قد تعرّفت على إمكان العمل بالظن ، وانّه لا يترتب على التعبّد به شيء من الفساد ، وحان حين البحث عن وقوعه في الشريعة ، ولنقدم البحث عن الضابطة الكلية في العمل بالظن ، وهل الأصل هو جواز العمل به إلا ما دلّ الدليل على عدم جواز العمل به كالقياس ، أو أنّ الأصل هو عدم الجواز إلاما دلّ الدليل على جواز العمل به.
    وليس المراد من الأصل ، هو الأصل العملي بل مقتضى الأدلّة الاجتهادية ، واتفقت كلمة المحقّقين على أنّ الأصل هو الثاني ، وانّ مجرّد الشك في الحجّية كاف في استنتاج القطع بعدم الحجّية ، وهذا أمر عجيب حيث يتولد من الشكّ فيها ، القطع بعدمها ، وقد قرر بالبيانين التاليين :
    1. البيان الأوّل
    قال الشيخ الأعظم ما هذا توضيحه :
    إنّ حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في مقام العمل ، والالتزام بكون مؤدّاه حكم اللّه في حقّه وهذان الأثران لا يترتبان في ظرف الشكّ في الحجّية ، لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل ، وكذلك إسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة ، فإذا حرم الاستناد والاسناد وعلم ارتفاعهما في حالة الشك ، يعلم عدم حجّية الظن ، إذ لا معنى لوجود الموضوع مع عدم أثره.
    وأورد عليه المحقّق الخراساني :
    1. النسبة بين الحجّية والأثرين عموم وخصوص مطلق ، فصحّة الاستناد


(125)
عملاً والاسناد قولاً يلازم كون الشيء حجّة ، ولا عكس إذ ربما يكون الشيء حجّة كالظن على الحكومة ولا يصحّ معه الاسناد إلى الشارع للفرق بين كون الظن حجّة في حال الانسداد من باب الكشف ، وكونه حجّة من باب الحكومة فعلى الأوّل ، فالعقل بعد ثبوت بطلان الاحتياط وانحصار الطريق بالظن ، يكشف عن أنّ الشارع جعل الظن حجّة فيترتب عليه الأثران دون القول بالحكومة فانّه مبني على القول بعدم بطلان الاحتياط وجوازه ، فعندئذ لا يستقل بحجّية الظن لعدم انحصار الطريق بالظن ، غاية الأمر لما يجد العقل انّ العمل بالاحتياط على السعة يوجب العسر والحرج عاد يضيق دائرة الاحتياط فيوجب العمل بالظن حتى لا يلزم العسر والحرج ، فالعمل بالظن في الحقيقة عمل بالاحتياط لكن بعد تضييق دائرته بإخراج المشكوك والموهوم وإبقاء المظنون ، فالظن حجّة في هذه الحالة ولا يصحّ اسناد مضمونه إلى الشارع.
    وأضاف تلميذه المحقّق العراقي مورداً آخر ، وهو انّ الشكّ قبل الفحص حجّة مع أنّه لا يجوز الانتساب إليه تعالى. (1)
    2. لو فرض ترتّب الأثرين ، ومع ذلك لم يترتّب عليه سائر الآثار من المنجزية والمعذرية والانقياد والتجرّي لما كان يجدي في الحجّية شيئاً ومع ترتبها لما كان يضرّ عدم صحّة الاستناد والاسناد.
    ويمكن الذب عن النقض الأوّل بأنّ الكلام في الحجج الشرعية اعتبرها الشارع تأسيساً أو إمضاء ، لا الحجج العقلية فانّ الظن على الحكومة حجّة عقلية لا شرعية والحجّة الشرعية لا يفارق صحّة الاستناد والإسناد ، ومنه يظهر حال النقض الثاني ، مضافاً إلى أنّ الحجّة هو العلم الإجمالي بالأحكام على نحو لو
1. لا يخفى ضعف النقض فانّ الحجّة هو العلم الإجمالي بالأحكام التي لو تفحص عنها يصل إليها لا الشكّ.

(126)
تفحص عنه ، لعثر عليه وهو الباعث إلى الفحص ، لا الشكّ.
    2. البيان الثاني
    قال المحقّق الخراساني ما هذا توضيحه :
    إنّ الأثر المترتب على الشيء قد يترتّب على وجوده الواقعي كالحرمة المترتّبة على واقع الخمر ، وقد يترتّب على واقعه ومشكوكه كالطهارة ، وثالثة يترتّب على العلم بالشيء فقط فيكون بوجوده العلمي موضوعاً للأثر.
    إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتجّ به المولى على العبد ، والعبد على المولى ولها آثار أربعة : التنجز ، والتعذير والتجري والانقياد ، وكلّها آثار لما علم كونه حجة بالفعل ، وإلافلو كان حجّة في الواقع ولم يقف المكلّف على كونه كذلك لا يترتب عليه شيء من هذه الآثار ، لحكومة العقل بقبح العقاب بلا بيان ، وعند ذلك لو شككنا في حجّية شيء فهو ملازم للقطع بعدم الحجّية الفعلية ومعه لا يترتب عليه شيء من آثارها الأربعة فيكون الأصل في الشكّ في الحجّية عدمها قطعاً ، أي عدم صحّة الاحتجاج وترتّب الآثار.
    ثمّ إنّهم تمسّكوا في إثبات حرمة العمل بغير ما علمت حجّيته بآيات وروايات ، أمّا الآيات فأوضحها دلالة قوله سبحانه : ( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون ). (1) فذمّ سبحانه من يقول ما لا يعلم كونه من اللّه سواء أكان مطابقاً للواقع أو لا.
    والذي يمكن أن يقال انّ ما ورد من الآيات في هذا المضمار إرشاد إلى حكم العقل القاضي بقبح القضاء بغير دليل ويؤيّد ذلك انّه سبحانه يستشهد على
1. الأعراف : 28.

(127)
بطلان كلامهم ، بما يقتضي به فطرتهم وعقولهم الساذجة ، وهو قبح الادّعاء بلا سلطان ولا برهان ، قال سبحانه : ( وَقالُوا لَنْ يَدْخُل الجَنَّة إِلاّمَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرهانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين ). (1)
    وقوله سبحانه : ( لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطان بَيِّن ) (2) وقوله عزّ اسمه : ( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطان بِهذا أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون ). (3)
1. البقرة : 111.
2. الكهف : 15.
3. يونس : 68.


(128)
الحجج الشرعية
1
    قد علمت أنّ الضابطة الأُولى في الظنون عدم الحجّية ، وهذا هو المحكَّم مالم يدل دليل على خلافه ، وقد ادّعى الأُصوليون خروج بعض الظنون عن تحت ذلك الأصل أوّلها : ظواهر كلام المتكلّم.
    فنقول : إنّ استنباط مراد المتكلّم يتوقف على ثبوت أُمور :
    أ. أصل الصدور ، أي ثبوت صدور الكلام عن المتكلّم إمّا علماً كالخبر المتواتر والمحفوف بالقرائن ، أو بالحجّة الشرعية ، والمتكفل لبيان هذا الأمر هو أدلّة حجّية قول الثقة.
    ب. جهة الصدور ، أي ثبوت انّ المتكلّم لم يتكلّم لهواً أو تمريناً أو هازلاً أو تقية ، والمتكفل لإثبات هذا الأصل هي الأُصول العقلائية ، لأنّ الأصل في كلام كلّ متكلّم هو كونه بصدد بيان صميم مراده ، وامّا التكلّم لهواً أو هزلاً أو تقية على خلاف ما عليه العقلاء في محاضراتهم ، ولا يُعرَّج على واحد منها إلابدليل خاص.
    أضف إلى ذلك أنّ قسماً منها على خلاف الحكمة.
    ج. ثبوت ظهور مفرداته ، والمتكفل لبيان هذا الأصل علائم الوضع ، أعني : التبادر ، وصحّة الحمل ، وعدم صحّة السلب ، والاطراد ، وتنصيص أهل اللغة.
    د. حجّية ظهور كلامه بعد انعقاده وكونه منبئاً لكشف مراده ، وهذا هو


(129)
الذي انعقد له هذا البحث ولكنّه لا يحتاج إلى بيان زائد لاتفاق العقلاء على اتباع الظواهر في حياتهم وفي كتاباتهم وفي أقاريرهم ووصاياهم واتفاقياتهم التجارية والسياسية وغيرها.
    أضف إلى ذلك أنّه لو لم تكن الظواهر حجّة لزم نقض الغرض ، لأنّ الغاية من الوضع هي المفاهمة ولو اقتصرنا في ذلك المجال على النصوص لقلت فائدة الوضع.
    هذا ممّا لا إشكال فيه إنّما الكلام في الأُمور التالية :
    أوّلاً : هل الظواهر معدودة من الظنون خرجت عن تحت الأصل ، أو انّها بالنسبة إلى إحضار المراد الاستعمالي دليل قطعي ؟
    ثانياً : هل الظواهر حجّة مطلقاً أو مقيدة بإفادته الظن الشخصي بالمراد ؟
    ثالثاً : هل الظواهر حجّة مطلقاً أو تختص حجّيتها بمن قصد إفهامه ؟
    رابعاً : هل ظواهر الكتاب حجّة أو ليست بحجّة إلابعد تفسير الإمام المعصوم.
    فهذه الجهات جديرة بالبحث.

    الجهة الأُولى : في أنّ الظواهر من القطعيات
    الظاهر انّ خروج الظواهر عن الأصل خروج موضوعي لا حكمي يتبين بتقديم مقدّمة وهي :
    انّ الفرق بين الظاهر والنص هو انّ كلا الأمرين يحملان معنى واحداً ويتبادر منهما شيء فارد ، غير انّ الأوّل قابل للتأويل فلو أوّل كلامه لعدّ عمله خلافاً للظاهر ولا يعدّ مناقضاً في القول ، كما إذا قال : أكرم العلماء ، ثمّ أشار بدليل


(130)
خاص بأنّ المقصود هو العلماء العدول.
    وأمّا النصّ فهو لا يحتمل إلا معنى واحداً ، ولا يصحّ تأويله بل يعد أمراً متناقضاً ، وهذا مثل قوله سبحانه : ( يُوصيكُمُ اللّهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن ). (1)
    فانّ كون حظّ الذكر مثلي الأُنثى شيء ليس قابلاً للتأويل ولذلك يعدّ نصاً ، ومن حاول تأويله لا يقبل منه ، ومثله قوله سبحانه : ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَد ).
    إذا علمت ذلك ، فنقول : إنّ القضاء في أنّ كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظني يتوقّف على بيان الوظيفة التي حملت على عاتق الظواهر ، وما هي رسالتها في إطار التفهيم والتفهّم ، فلو تبيّن ذلك سهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظني.
    فنقول : إنّ للمتكلّم إرادتين :
    1. إرادة استعمالية ، وهي استعمال اللفظ في معناه ، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء كان المتكلّم جادّاً أو هازلاً أو مورّياً أو غير ذلك ، سواء كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.
    2. إرادة جدية ، وهي انّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جداً ، وما هذا إلا لأنّه ربما يفارق المراد الاستعمالي ، المراد الجدي ، كما في الهازل والمورّي والمقنن الذي يُرتِّب الحكم على العام والمطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص والمقيد ، ففي هذه الموارد تغاير الإرادة الجدية الإرادة الاستعمالية ، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل والموري واللاغي ، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص ، أو المطلق الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.
1. النساء : 11.

(131)
    وعلى ضوء ذلك فيجب علينا أن نحلل أمرين :
    الأوّل : ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر ؟
    الثاني : ما هو السبب لتسميتها ظنوناً ؟
    أمّا الأوّل : فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء كانت المعاني حقائق أو مجازات ، فلو قال : رأيت أسداً ، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس ، وإذا قال : رأيت أسداً في الحمام ، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلاً شجاعاً فيه ، فدلالة الجملة في كلا الموردين على المراد الاستعمالي كشف قطعي وليس كشفاً ظنياً وقد أدى اللفظ رسالته بأحسن وجه. وعلى ذلك لا يصحّ تسميته كشفاً ظنياً ، اللّهمّ إلا إذا كان الكلام مجملاً أو متشابهاً ، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي متشخصاً ، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث والكلام في الظواهر لا في المجملات والمتشابهات.
    وأمّا الثاني : أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً ، فانّه يتلخص في الأُمور التالية :
    1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.
    2. أو استعمل في المعنى المجازي ولم ينصب قرينة.
    3. أو كان هازلاً في كلامه.
    4. أو مورّياً في خطابه.
    5. أو لاغياً فيما يلقيه.
    6. أو أطلق العام وأراد الخاص.
    7. أو أطلق المطلق وأراد المقيّد.
    إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد


(132)
    ولكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في المقام :
    1. انّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي بالظنية ، وذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلا شيء واحد وهو إحضار المعاني في ذهن المخاطب ، وأمّا الاحتمالات المذكورة وكيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها بأنّه ظني.
    2. انّ بعض هذه الاحتمالات موجودة في النصوص فيحتمل فيه كون المتكلم لاغياً ، أو هازلاً ، أو مورّياً أو متّقياً أو غير ذلك من الاحتمالات ، مع ذلك نرى أنّهم يعدونها من القطعيات.
    3. ثمّ إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها ، كأصالة كون المتكلّم في مقام الإفادة ، لا الهزل ولا التمرين ، بدافع نفسي ، لا بدافع خارجي كالخوف وغيره.
    ويدل على ما ذكرنا أيضاً انّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر ، ففي مجال المفاهمة والتفاهم بين الأُستاذ والتلميذ والبائع والمشتري والسائس والمسوس ، عليه تدور الجمل حول ما يهمهما ويعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم دلالة قطعية لا ظنية ، إلا إذا كان هناك إبهام أو إجمال. أو جريان عادة على فصل الخاص والقيد عن الكلام.
    وبذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي ، بل المراد الجدي ، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة ، لا في مقام التقنين كشف قطعي ولا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.


(133)
    الجهة الثانية : في تقيّد الحجّية بالظن
    هل الظواهر متَّبعة مطلقاً سواء أفادت الظن بالمراد ، أو هي حجّة بشرط عدم الظن بالخلاف ، أو حجّة بشرط الظن بالوفاق ، أو يفصل بين الظواهر الدائرة بين الموالي والعبيد ، والتي تدور بين غيرهم فيشترط في الثاني الاطمئنان بالمراد ؟
    والظاهر هو القول الأوّل ، لبناء العقلاء على حجّيتها مطلقاً ، بلا قيد وشرط ، أمّا في ميدان الاحتجاج والتكليف ، فيحتج المولى بظاهر كلامه ولا يقبل من العبد عدم حصول الظن بالوفاق ، أو حصول الظن بالخلاف ، إلا إذا استند إلى قرينة منفصلة ، أو متصلة صالحة لصرف الظاهر عن ظاهره ، فيخرج عن محلّ البحث ، كما أنّ للعبد الاحتجاج على المولى بظاهر كلامه ، بل لا ينقدح ـ كما عرفت ـ في أذهانهم احتمال إرادة خلاف الظاهر باحتمال انّه غفل عن نصب القرينة ، أو غفل السامع عمّا نصبه ، فلأجل ذلك لا يرد من سماعها إلى أذهانهم إلا معنى واحد.

    الجهة الثالثة : حجّية الظواهر لمن قصد إفهامه ومن لم يقصد
    لا شكّ في حجّية ظاهر كلامه لمن قصد إفهامه ومن لم يقصد ، والشاهد عليه الاحتجاج بالرسائل السرية بين الشخصين ، حيث يُستدل بها على حسن نيّة الكاتب أو سوئها ، كما يستدلون بالوصايا التي يخاطب فيها الموصي الوصيّ كالابن بالقيام بكذا وكذا ، إلى غير ذلك من الظواهر التي أُريد منها تفهيم شخص خاص ، ولكنّها تتخذ حجّة مطلقاً.
    وقد خالف المحقّق القمّي ، حيث فصّل بين من قصد افهامه بالظواهر فهي حجّة له بالخصوص ، ومن لم يقصد ، فهي حجّة له من باب الظن المطلق ، الذي


(134)
ثبتت حجّيته بدليل الانسداد.
    وحاصل هذا التفصيل انّ الظواهر حجّة من باب الظن الخاص في موردين :
    ألف. إذ أُريد افهام شخص خاص كما في الخطابات الشفاهية فهي حجّة لمن قصد من هذا الباب.
    ب.إذ لم يرد إفهام شخص خاص ، بل إفهام كلِّ من رجع إليها ، وهذا كالكتب المصنّفة والسجّلات والأقارير والوصايا ممّا يكون المقصود نفس مفاد الكلام من دون تعلّق غرض بمخاطب خاص.
    وأمّا في غير هذين الموردين فالظواهر حجّة من باب الظن المطلق ، وله أيضاً موردان :
    ألف. الأسئلة والأجوبة الدائرة بين الرواي والإمام.
    ب. الكتاب العزيز بالنسبة إلى المشافهين ، بناء على اختصاص خطاباته بالمشافهين وعدم كونه من باب تأليف المؤلفين ، فالظهور اللفظي ليس حجّة إلا من باب الظن المطلق.
    ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ذكر وجهاً لهذا التفصيل وحاصله :
    إنّ المتكلّم لو كان بصدد إفهام شخص معين ، أو إفهام كلِّ من رجع إلى كلامه كالكتب المصنفة ، يتحتم عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع المخاطب الخاصُ أو العام في خلاف المراد ، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود كان إمّا لغفلة من المتكلّم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد ، أو لغفلة من المخاطب في الالتفات إلى ما اكتنِف به الكلام الملقى إليه ، وكلا الاحتمالين مرجوح في نفسه مع اتفاق العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة في جميع أُمور


(135)
العقلاء وأفعالهم وأقوالهم.
    وأمّا إذا لم يكن الشخص مقصوداً بالإفهام ، فلا ينحصر سبب وقوعه في خلاف المقصود بالأمرين ، بل هناك سبب ثالث وهو انّه إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفاً عن ظاهره ، واحتملنا انّ المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت علينا فلا يكون هذا الاحتمال لغفلة من المتكلّم إذ لا يجب على المتكلّم إلانصب القرينة لمن يقصد إفهامه ، كما أنّه ليس اختفاء القرينة مسبّباً عن غفلة الآخر ، بل دواعي الاختفاء أمر خارج عن اختياره ، فعندئذ لا يوجب الظنَّ بالمراد. (1)
    يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ جميع الاحتمالات التي تصدّنا عن الأخذ بالظواهر مرجوحة عند العقلاء ، فكما أنّ غفلة المتكلّم عن نصب القرينة ، أو غفلة المخاطب عن الالتفات إلى ما اكتُنف به الكلام من القرينة ، أمر مرجوح ، فهكذا احتمال وجود قرينة سابقة على الكلام أو قرينة حالية غير منقولة في الكلام ، أمر مرجوح لا ينقدح في ذهن العقلاء.
    نعم لو جرت سيرة المتكلّم على فصل القرائن عن الكلام ، كما هو الحال بين المقنّنين ، لزم على المخاطب الفحصُ عن القرائن ، والعمل بالظواهر بعد اليأس عن الظفر بها.
    وثانياً : انّ الغرض من نقل الأسئلة والأجوبة هو إفادة الغير واستفادته ، فإذا كان الناقل عارفاً بأسلوب الكلام فلا يخلّ بذكر القرائن المؤثرة في انعقاد الظهور ، فعدم ذكره ناش إمّا من عدم عرفانه بأسلوب النقل ، أو كونه غير أمين ، والكلّ مندفع.
    إن قلت : إنّ الأخبار الصادرة عن الأئمّة لم تصل إلينا إلا مقطعة بحيث كانت الأُصول الأوّلية التي اعتمد عليها أرباب الكتب الأربعة ، على غير هذا
1. الفرائد : 41 ، طبعة رحمة اللّه.
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الثالث ::: فهرس