إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الرابع ::: 76 ـ 90
(76)
ينافي ما في صحيحة زرارة الأُولى ، فانّ التعبد فيها بملاك اليقين السابق الحقيقي ، قال : « فانّه على يقين من وضوئه ولاينقض اليقين بالشكّ أبداً » ، واللام في قوله : اليقين في الكبرى إشارة إلى اليقين الماضي في الصغرى.
    وثانياً : أنّ التأكيد على تعدّد اليقين : ( حقيقي باق في ظرفه ، واعتباريّ أُمر بحفظه ) ينافي ما عليه المشايخ من لزوم وحدة القضية المتيقّنة مع المشكوكة بإلغاء قيد الزمان والنظر إلى المتيقّن بما هو هو من غير تقسيمه إلى السابق واللاحق ، والإصرار على تعدّد اليقين بجعل القضيتين متباينتين ، وهو يمنع عن جريان الاستصحاب وصدق مفهوم النقض.


(77)
    التفصيل الثاني
التفصيل بين الشكّ في الرافع والرافعية
    ذهب المحقّق السبزواري إلى أنّ الاستصحاب حجّة فيما إذا تعلّق الشكّ بأصل الوافع كما إذا شكّ في أنّه نام أو لا ، لافيما إذا تعلّق بوصف الأمر الموجود ، كالشكّ في أنّ البلل الموجود بول حتى يكون رافعاً له ، أو مذي حتى لايكون كذلك ، ومثله إذا شكّ في أنّ الرعاف ناقض للوضوء أو لا.
    حاصل دليله : انّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ إنّما يعقل في الشكّ في الرافع دون غيره ، لأنّه لو نقض الحكم في الثاني ـ بوجود الأمر الذي شكّ في كونه رافعاً ـ لم يكن النقض بالشكّ ، بل إنّما يحصل باليقين بوجود ما شكّ من كونه رافعاً ، أو باليقين بوجود ما يشكّ في استمرار الحكم معه لا بالشك. (1)
    يلاحظ عليه : ليس الاستصحاب محدَّداً ، بحدِّ مطلق اليقين بوجود الشيء ، بل اليقين الذي يزيل الشكّ في البقاء ، ويبدّله إلى اليقين بعدم البقاء ، وهذا الشرط غير موجود ، ولم يتبدّل اليقين السابق ، المتعلِّق بالطهارة إلى اليقين بالحدث ، بل صار حدوث اليقين الثاني مبدأ الشكّ في بقاء الحالة السابقة.
    ومنشأ الاشتباه : الخلط بين كون الغاية مطلق حدوث اليقين ، أو اليقين المزيل للشكّ في البقاء ، وما هو الحادث هو الأوّل ، وما هو الغاية لعدم جريان
1. الفرائد : 362 عند بيان القول العاشر.

(78)
الاستصحاب هو الثاني.
    وإن شئت قلت : إنّ الغاية هي اليقين الآخر المتعلّق بضدّ ما تعلّق به اليقين الأوّل كما إذا تعلّق اليقين بالرافع القطعي ، دون الرافع المشكوك كالبلل في الشبهة الموضوعية أو دم الرعاف في الشبهة الحكمية ، فقد تعلّق اليقين الأوّل بالطهارة ، والثاني بوجود البلل أو دم الرعاف ، ولم يثبت كون البلل أو دم الرعاف ضدّاً للطهارة ، بل يحتمل الضدية.


(79)
    التفصيل الثالث     ذهب المحقّق الخوانساري إلى كون الاستصحاب حجّة مطلقاً إلاّ في قسم واحد ، وهو : ما إذا كان منشأ الشكّ إجمال مفهوم لفظ جُعل غاية للحكم.
    وعلى هذا هويفصل في الشكّ في الرافعية بين كون منشأ الشكّ ، خلط الأُمور الخارجية كما إذا دار أمر البلل بين البول والمذي ، فالاستصحاب حجّة ، وما إذا كان منشؤه إجمال مفهوم لفظ جعل غاية للحكم ، كما إذا وجبت الصلاة إلى المغرب أداءً ولكن تردّد مفهومه بين كونه هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة الشرقية ففي مثله لايجوز استصحاب بقاء النهار ولايترتب عليه الأثر الشرعي وهو كون إقامة الصلاة فيه أداءً ، أو وجوب الإمساك. وقد نقل الشيخ الأنصاري عبارة المحقّق الخوانساري ، فلاحظ. وعلى أيّ تقدير فالتفصيل عندي وجيه وذلك :
    لأنّ الاستصحاب عند العقلاء والذي أمضاه الشارع بنفس المعنى الموجود عندهم عبارة عن جرّ الحالة السابقة وامتداد عمر اليقين ، عند الشكّ إذا كان منشؤه الإبهام السائد على الخارج ، كما إذا شكّ في بقاء حياة زيد ، أو طهارة زيد ، فمنشؤه في الجميع ، هو كون الخارج مستوراً على المستصحِب ، والغاية من الاستصحاب رفع الإبهام عن الخارج.


(80)
    وأمّا إذا كان الخارج أمراً معلوماً له ، كما في مثال النهار ، فإنّ الإنسان يرى بعينه استتار القرص وبقاء الحمرة المشرقية ، وليس هنا أي شك يرتبط بالخارج وإنّما طرأ الشك عليه في بقاء النهار لأجل الجهل بما وضع له لفظ المغرب ، فهل الموضوع له استتار القرص ، أو هو مع زوال الحمرة ؟ فالإبهام في ناحية الموضوع له صار سبباً للشكّ في بقاء النهار لاالإبهام السائد على الخارج ، ففي مثله لايكون الاستصحاب حجّة ، عند العقلاء وتكون الروايات منصرفة عنها.
    نظير ذلك إذا علمنا بأنّ زيداً كان عالماً ولكن طرأ عليه النسيان فشكّ في كونه مصداقاً له أو لا ، والشكّ في كونه عالماً أو ليس بعالم ليس نابعاً من إبهام الخارج ، بل نابع من الجهل بالموضوع له ، وأنّ المشتق موضوع للمتلبس ، أو للأعم منه ومن انقضى عنه المبدأ ، ومثل هذا النوع من الشكّ غير الناجم من الإبهام السائد على الخارج ، خارج عن مدلول أدلّة الاستصحاب.


(81)
    التفصيل الرابع     وقبل الخوض في المقصود ، نقدّم أُموراً :
    1. الحكم لغة واصطلاحاً
    الحكم في اللغة بمعنى المنع ، قال الشاعر :
أبني حنيفة حكِّموا سفهاءَكم إنّي أخاف عليكم أن أُغْضِبـا
    أي امنعوا سفهاءَكم من التعرّض لعشيرتي ، وبهذه المناسبة استعملت في المعاني التالية :
    1. حَكَمَة الفرس ، لأنّها تمنعه من مخالفة راكبه.
    2. الحكمة لأنّها تمنع الإنسان عن الضلال.
    3. الحكيم لأنّه بإعمال القواعد يمنع عن تطرّق الفساد إلى فعله.
    وأمّا إطلاقه على الحكم الشرعي ، فلأنّه يمنع المكلّف من التجاوز عن الحدّ المقرر له.
    وربّما يطلق الحكم في اللغة ويراد منه الفصل ، وبهذه المناسبة يطلق على القاضي الحاكم ، لأنّه يفصل الخصومات والمنازعات ، ويطلق على التشريع ،


(82)
الحكم ، لأنّه يفصل بين الحقّ والباطل.
    وأمّا اصطلاحاً ، فهو ينقسم إلى تكليفي ووضعي.
    أمّا الأوّل : فهو ما يشتمل على إنشاء البعث أو الزجر أو الترخيص. ثمّ البعث تارة يكون مع المنع من الترك ، وأُخرى لامعه ، كما أنّ الزجر أيضاً كذلك ، وبذلك تنحصر الأحكام التكليفية في الخمسة : الوجوب ، الاستحباب ، الحرمة ، الكراهة ، والإباحة.
    وإن شئت قلت : الحكم التكليفي عبارة عمّا يحدِّد فعل المكلّف من حيث الاقتضاء فإمّا فيه اقتضاء الفعل بقسميه ، أو اقتضاء الترك بقسميه أيضاً ، أو اقتضاء التساوي.
    وبذلك يعلم أنّ الإباحة الشرعية عبارة عن الفعل الذي فيه اقتضاء المساواة ، وأمّا إذا كان الفعل متجلّياً بصورة اللااقتضاء ، فالإباحة فيه عقلية لاشرعية.
    وأمّا الثاني : فهو ما لايشتمل على بعث ولازجر ولااقتضاء المساواة ، بل جعل حكم ، له صلة بفعل المكلّف بلاواسطة كالملكية والزوجية أو مع الواسطة مثل طهارة الماء ونجاسة الدم.
    2. تقسيم المفاهيم إلى مراتب أربع
    تنقسم الماهيات إلى أربعة أقسام :
    1. الجوهر : وهو ماهية إذا وجد في الخارج وجد لا في موضوع ، كالإنسان.
    2. العرض : وهو ماهية إذا وجد في الخارج وجد في موضوع ، كالبياض


(83)
والسواد.
    3. الانتزاعيات : وهي ماهية ليس لها مصداق في الخارج ، ولكن الخارج مشتمل على خصوصية وجودية تؤهّل الذهن لانتزاع ذلك المفهوم من تلك الخصوصية ، وهذا كالفوقية والتحتية ، إذ ليس لهما مصداق في الخارج ، كالجوهر والعرض ، ولكن الخصوصية الوجودية للفوق والتحت تصحّح انتقال الذهن من مشاهدتها إلى انتزاع ذينك المفهومين ، وهذا ما يقال في لغة الفلسفة بأنّ الانتزاعيات لها حظ من الوجود.
    والحقّ انّ الحظ لمنشأ الانتزاع لاللمفهوم الانتزاعي وإنّما هو مفهوم يصنعه الذهن بعد الإحاطة بما في الخارج والاطّلاع على الخصوصية.
    4. الاعتباريات : وهي المفاهيم التي يصنعها الذهن لأغراض وهمية أو عقلائية ، ولايقوم الذهن بصنعها إلاّ بعد التشبيه والمحاكاة.
    أمّا الوهمي كتصوير إنسان له مائة رأس ، أو غول له ناب ؛ وأمّا العقلائي كالرئيس ، وهي مأخوذة من الرأس ، وله مصداق تكويني وهو رأس الإنسان الذي يدير البدن ، ومصداق اعتباري وهو تنزيل من يدير دفة المؤسسة منزلة الرأس من البدن.
    والزوجية فلها مصداق تكويني كالغصنين النابتين على أساس واحد ، ومصداق اعتباري ، وهو تنزيل الزوجين منزلة ذينك الغصنين. وهكذا سائر المفاهيم الاعتبارية.
    وبذلك يعلم أنّ كلّ مفهوم اعتباري ، ذو منشأ واقعي ، بمعنى أنّ الواقع يكون سبباً لانتقال الذهن إلى صنع مفاهيم لأجل غايات اجتماعية.


(84)
    ومن ذلك يعلم أنّ الشرطية والجزئية والمانعية والقاطعية للصلاة أُمور اعتبارية تنزل ما هو الجزء أو الشرط أو المانع أو القاطع للصلاة منزلة الجزء والشرط والمانع والقاطع التكوينيين. فكأنّ الخارج نموذج لصنع الذهن مثله لغايات اجتماعية وسياسية.

    3. ذكر الأقوال في مجعولية الأحكام الوضعية
    هل الحكم الوضعي يناله الجعل ؟
    لا شكّ انّ الحكم التكليفي ممّا تناله يد الجعل ، كالأمر بالصلاة والزكاة والنهي عن الكذب والغيبة ، ففي الأوّلين إنشاء البعث إلى الفعل وفي الأخيرين إنشاء الزجر عنه. إنّما الكلام في الأحكام الوضعية ، فهل هي منتزعة من الأحكام التكليفية فلاتنالها يد الجعل إلاّ تبعاً ، أو انّها أيضاً مجعولة مستقلة مثل التكليفية ، أو انّ قسماً منها لاتناله يد الجعل التشريعي لاتبعاً ولاأصالة وقسماً منها منتزعة تنالها يد الجعل تبعاً وقسماً منها مجعولة بالأصالة ؟
    والأوّل مختار الشيخ ، والثاني لشارح الوافية ، والثالث للمحقّق الخراساني ، وإليك دراسة الأقوال واحداً تلو الآخر.
    أمّا الأوّل : فقد أفاد الشيخ في توضيحه : أنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي وانّ كون الشيء سبباً لواجب ، هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء ، فمعنى قولنا : إتلاف الصبي سبب لضمانه : أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها.


(85)
    وإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله : « اغرم ما أتلفته في حال صغرك » ، انتزع من هذا الخطاب معنى يعبـّر عنه بسببية الإتلاف للضمان ، ويقال انّه ضامن بمعنى انّه يجب عليه الغرامة عند اجتماع شرائط التكليف.
    وكذا الكلام في غير السبب فانّ شرطية الطهارة للصلاة ، ليست مجعولة بجعل مغائر لإنشاء وجوب الصلاة الواقعية حال الطهارة ، وكذا مانعية النجاسة ليست إلاّ منتزعة من المنع عن الصلاة في النجس ، وكذا الجزئية منتزعة من الأمر بالمركب. (1)
    يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره في هذه الموارد ، أعني : السببية والشرطية والمانعية ، كلام تام ، ولكنّه استقراء ناقص ، ولايكون دليلاً على أنّ الحكم الوضعي في عامّة الموارد منتزع من التكليفي ، كيف ؟ وربما يكون الحكم الوضعي مجعولاً بالأصالة في قولك : « زوّجت موكّلتي » ، أوقوله : « أنت حرّ » فالأوّل ناظر إلى إنشاء الزوجية ، والثاني لإنشاء الحرية.
    أمّا القول الثاني : فإن أراد انّهما متلازمان معاً وانّ انشاء أحدهما يلازم إنشاء الآخر ، كما هوالظاهر من كلامه المنقول في « الفرائد » . (2)
    ففيه : انّ القول بتعدد الجعل مع أنّ جعل أحدهما يغني عن الآخر ، أمر لغو ، فهنا جعل واحد هو الأصيل والآخر أمر منتزع ، فالمجعول إمّا سببية الدلوك لوجوب الصلاة ، فوجوب الصلاة أمر منتزع ، أو وجوب الصلاة لدى الدلوك ، فالسببية أمر منتزع.
    وإن أراد انّ هنا جعلاً واحداً ، وهو متعلّق بالحكم الوضعي مطلقاً ،
1. الفرائد : 351.
2. الفرائد : 349 ـ 350.


(86)
والتكليفي منتزع ، فهو ليس بصحيح على إطلاقه ، إذ ربّما يكون الكلام ظاهراً في جعل الحكم التكليفي دون الوضعي ، كما في قوله : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل ) ، فالآية ظاهرة في جعل الوجوب للصلاة لدى دلوك الشمس.
    وإن أراد انّ الجعل ربما يتعلّق بالوضع ويكون التكليف تابعاً له ، فهو صحيح كما مثلنا في إنشاء الزوجية والحريّة.
    وأمّا القول الثالث : فقد قسّم الوضعي إلى أقسام ثلاثة :
    القسم الأول : مالا تناله يد الجعل التشريعي لاتبعاًالتكليفي ) ولااستقلالاً :
    وحاصل كلامه في هذا القسم : انّ الحكم الوضعي ، لامنتزع من الحكم التكليفي ولامجعول بالاستقلال ، وهكذا كالسببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو سبب التكليف وشرطه أو مانعه ورافعه ، حيث إنّه لايكاد يعقل انتزاع هذه العناوين لها من التكليف المتأخر عنها ذاتاً ، حدوثاً وارتفاعاً.
    كما أنّ اتصافها بها ليس إلاّ لأجل ما عليها من الخصوصية المستدعية لذلك تكويناً ، للزوم أن يكون في العلة بأجزائها ربط خاص ، به كان مؤثراً في معلولها لا في غيره ولا غيرها فيه ، وإلاّ لزم أن يكون كل شيء مؤثراً في كلّ شيء وتلك الخصوصية لاتكاد توجد فيها بمجرد إنشاء مفاهيم العناوين مثل قول : « دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة إنشاءً لااخباراً » ضرورة بقاء الدلوك على ما هو عليه قبل إنشاء السببية له ، من كونه واجداً لخصوصية مقتضية لوجوبها أو فاقداً لها ، وانّ الصلاة لاتكاد تكون واجبة عند الدلوك ما لم يكن هناك ما يدعو إلى وجوبها ومعه تكون واجبة لامحالة وإن لم ينشأ السببية للدلوك أصلاً.


(87)
    ومنه انقدح عدم صحّة انتزاع السببية له حقيقة من إيجاب الصلاة عنده لعدم اتصافه بها بذلك ضرورة. (1)
    أقول : إنّ ما ذكره من أنّ السببية وما عطف إليها ، غير مجعولة لاتبعاً ولاأصالة مبني على مقدمتين :
    المقدمة الأُولى : أنّ السبب ، والشرط والمانع ، والرافع ، كالدلوك ، والطهارة ، والحيض ، والإغماء في أثناء الصلاة ، متقدمة على التكليف ـ أي وجوب الصلاة ـ أمّا الثلاث الأُول فلأنّها من أجزاء العلة متقدّمة على المعلول ( وجوب الصلاة ).
    وأمّا الرافع فلأنّه علّة لعدم وجوب الصلاة ، ومتقدّم عليه بحكم العلية ، وعدم وجوب الصلاة في رتبة وجوب الصلاة ، لأنّ المتناقضين في رتبة واحدة ، فينتج أنّ الرافع متقدّم على وجوب الصلاة.
    وبذلك علم أنّ الأُمور الأربعة متقدمة على التكليف ، بمعنى وجوب الصلاة غير أنّ الثلاثة الأُولى مؤثرة في حدوث التكليف ، والرابع مؤثر في ارتفاع التكليف ، وإلى ذلك يشير بقوله حدوثاً وارتفاعاً.
    المقدمة الثانية : انّوصف الأُمور الأربعة المذكورة سالفاً بالسببية والشرطية والمانعية والرافعية ، لأجل خصوصية كامنة في جوهر هذه الأُمور الأربعة التي بها تكون مؤثرة في وجوب الصلاة حدوثاً ، أو ارتفاعاً ، ولولا تلك الخصوصية لما أثّرت في التكليف ورفعه ، لما ثبت في محله من أنّه يجب أن يكون بين العلة والمعلول ربط وخصوصية لاتوجد في غيرها ، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ شيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو رافعاً لكلّ شيء.
1. الكفاية : 2/303 ـ 304.

(88)
    والدليل على أنّ تأثير هذه الأُمور رهن خصوصية كامنة فيها هو أنّك لو قلت : دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة بصورة الإنشاء لايكون الدلوك سبباً ، بل لو كانت الخصوصية موجودة لاستغنت عن الإنشاء ، وإلاّ فهذا النوع من الإنشاء غير مؤثر في حدوث الخصوصية.
    إذا تضح ذلك فنقول : إنّ للمحقّق الخراساني دعويين :
    الأُولى : انّ هذا النوع من الأحكام الوضعية غير منتزع من الأحكام التكليفية ، أي ليست مجعولة تبعاً.
    الثانية : انّ هذا النوع من الأحكام الوضعية غير مجعول على نحو الاستقلال.
    أمّا الدعوى الأُولى فتستنتج من كون السبب والسببية ، أو الشرط والشرطية وغيرهما من الأُمور المتقدمة على الحكم التكليفي ، فكيف ينتزع المتقدّم ( السبب والسببية ) من المتأخّر ( أي وجوب الصلاة ) ؟
    أمّا الدعوى الثانية : فقد استنتجها من القول بأنّ السببية أمر تكويني لاتناله يد الجعل التشريعي ، فلو كانت الخصوصية موجودة فإنشاء السببية مستقلاً أمر لغو لايؤثِّر فيه شيء ، وإن كانت فاقدة لتلك الخصوصية لايضفي إنشاء السببية عليه وصف السببية.
    وبذلك علم أنّ المحقّق الخراساني أثبت كلا الدعويين ، وأنّ الحكم الوضعي فيه غير منتزع ، بحكم تقدّم السبب والسببية على الحكم التكليفي ، ولامجعول مستقل ، لأنّه أمر تكويني لايقبل إلاّ الجعل التكويني لاالتشريع.
    يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من البيانين صحيح ، لكن في العلل والأسباب التكوينيّة ، والسبب وسببيته متقدّمان على المعلول كالنار بالنسبة إلى الإحراق ، كما


(89)
أنّ السببية رهن خصوصية كامنة في صلب العلّة وجوهرها.
    فعند ذلك يأتي كلا البيانين :
    أ : لايصحّ انتزاع وصف السببية التي في جوهر العلة عن المعلول المتأخّر.
    ب : لايصحّ جعل السببية جعلاً تشريعياً بعد تحقّقها تكويناً.
    فيترتب على ذينك البيانين أنّ السببية والشرطية والمانعية والرافعية في العلل التكوينية ليست منتزعة من المسببات والمعاليل ، ولامجعولة بالجعل التشريعي بعد تحقّقها تكويناً.
    وأمّا إذا كانت الأسباب والشرائط للتكليف أُموراً اعتبارية من دون توفّر رابطة تكوينية بين السبب والمسبب سوى لحاظ الشارع أو المقنِّن أحدهما بعد الآخر في عالم الاعتبار واللحاظ ، فمثل ذلك قابل للجعل استقلالاً ، كما هو قابل للجعل تبعاً وانتزاعاً.
    أمّا استقلالاً : كما إذا قال : جعلتُ الدلوك سبباً لوجوب الصلاة ، أو جعلتُ الإيجاب والقبول سبباً للملكية ، أو قول القائل : « أنت طالق » سبباً لحل عقدة النكاح.
    كما أنّه يجوز انتزاعُ تلك الأُمور من الحكم التكليفي بالصلاة عند الدلوك ، فإذا قال : ( أَقم الصلاة لدلوك الشمس ) ينتزع منه سببيّة الدلوك بوجوب الصلاة ، فتكون مجعولة جعلاً تبعياً.
    ويرشدك إلى ذلك أمران :
    الأمر الأوّل : انّ النطق بهذه الأسباب ليس مؤثراً في إيجاد المسببات قبل جعل الشارع أو العقلاء ، وهذا خير شاهد على فقدان الرابطة التكوينية بين ما


(90)
جعل سبباً وما جعل مسبباً.
    الأمر الثاني : انّ سنخ الأثر يكشف عن سنخ المؤثر ، فإذا كان المعلول في قوله : ( أقم الصلاة ) وجوب الصلاة أو كان المعلول اعتبار الملكية فلابدّ أن يكون السبب من سنخ ذلك الأثر لاسبباً تكوينياً.
    وخلاصة القول : إنّ الذي حدا بالمحقّق الخراساني إلى القول بامتناع الجعل في هذه الأقسام هو قياس العلل الاعتبارية بالعلل التكوينية مع البون الشاسع بين العلّتين.
    ثمّ إنّ المحقّق النائيني برهن على عدم مجعولية السببية بوجهين.
    وحاصل الوجه الأوّل : أنّ المجعول بالوجدان هو الحكم التكليفي لاالوضعي قال :
    لو قلنا بجعل السببية في التكليف ، كجعل السببية للدلوك ، أو في الوضع ، كجعلها للعقد المركب من الإيجاب والقبول ، يلزم أن لايكون الوجوبُ في الأوّل ، والملكية في الثاني ، فعلاً اختيارياً للشارع ، بل كانا من الأُمور الحاصلة قهراً بلا إنشاء من الشارع ، فانّ ترتب المسبب على سببية أمر قهري لايعقل فيه التخلّف ولايمكن أن يدخله الاختيار.
    يلاحظ عليه : المدّعى هو امتناع تعلّق الجعل بالسببية ولكن الدليل لايثبت أزيد من عدم الوقوع ، حيث نعلم وجداناً أنّ الوجوب بعد الدلوك ، والملكية بعد الإيجاب والقبول ، فعل للشارع ، ولو قلنا بجعل السببية يلزم الغنى عن جعل المسببات والأحكام.
    أضف إلى ذلك أنّه لا مانع من نسبة الوجوب والملكية إلى الشارع حتى على
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الرابع ::: فهرس