إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الرابع ::: 256 ـ 270
(256)
يكون دائماً مشروطاً بوجود الحكم ولايمكن أن يدل قوله « الحكم مستمر كلّ زمان » على وجود الحكم مع الشكّ فيه.
    وهذا نظير قوله تعالى : ( أَوفوا بالعقود ) (1) إذا كان معناه « يجب الوفاء بالعقود والوجوب مستمر في كلّ زمان » فإذا خرج زمان العلم بالغبن وشكّ في حكم العام ، فلايصح التمسك ، لأنّ الحكم بالاستمرار فرع إحراز الموضوع وهو الحكم مع أنّه مشكوك فلايستدل بالمحمول « مستمر في كلّ زمان » على وجود الموضوع أي « وجوب الوفاء » . (2)
    يلاحظ عليه بوجهين :
    أوّلاً : انّ ما ذكره من التفريق بين الصورتين تقسيم عقلي ، لايلتفت إليه العرف ، فهو يتلقّى الزمان قيداً ، للمتعلّق وواقعاً تحت دائرة الحكم ، لامحمولاً على الحكم وواقعاً فوق دائرة الحكم ، فلو كان قوله سبحانه ( أَوفُوا بِالعُقُود ) متضمناً لعموم زماني فهو من قيود المتعلّق أي الوفاء ، لاانّه محمول على الوجوب حتى يكون معنى الآية : الوفاء بالعقد واجب وحكمي بالوجوب ثابت في كلّ زمان.
    وثانياً : سلمنا انّ مصب العموم الزماني هو الحكم والعموم الزماني محمول عليه ، لكن قوله : انّ الشك يرجع إلى وجود الموضوع ( الحكم ) ، ومع الشكّ فيه لايثمر العموم الزماني ، لأنّه لايثبت موضوعه ، منظور فيه ، لأنّ الموضوع ( الحكم ) إمّا أن يكون الطبيعة السارية ، أي الحكم في كلّ الأحوال ، أو الطبيعة المهملة ( الحكم في الجملة ) ، والأوّل يستلزم أخذ الاستمرار في جانب الموضوع فيكون حمل مستمر عليه ، مستلزماً للتكرار ويرجع إلى كون القضية من قبيل الضرورة بشرط المحمول.
1. المائدة : 1.
2. فوائد الأُصول : 4 / 531 ـ 540 بتلخيص.


(257)
    فيبقى الأوّل وهو أمر محرز ، لأنّ الحكم بنحو الموجبة الجزئية التي تلازم المهملة محرز قطعاً وإلاّ يلزم عدم صدق الآية بتاتاً.

    4. المرجع هو العام مطلقاً
    الحقّ انّ المرجع في ظرف الشكّ هو العام مطلقاً إذا كان الدليل ظاهراً في استمرار الحكم الواحد ، وعمومه لجميع الأزمنة فيجب التمسك به في غير ما علم خروجه قطعاً ، ويعلم ذلك بتوضيح الأقسام التالية :
    إنّ العام يتصوّر على أقسام :
    1. أن يكون الزمان قيداً للموضوع بحيث يكون الفرد في كلّ زمان مصداقاً مستقلاً.
    2. أن لايكون الزمان مأخوذاً في العام لابنحو الظرفية ولابنحو القيدية.
    3. أن يكون الزمان قيداً للفرد على نحو العام المجموعي بحيث يكون الفرد في مجموع الأزمنة فرداً واحداً على نحو يكون خروج الفرد في قطعة من الزمان سبباً لانهدام أصل الحكم المتعلّق بذلك الفرد ، لأنّ ذلك مقتضى كون الزمان مأخوذاً في جانب الفرد على نحو العام المجموعي.
    4. أن يكون الزمان مأخوذاً في جانب العام على نحو الظرفية.
    أقول : محلّ النزاع هو القسم الرابع فقط.
    أمّا الأوّل : فلا شكّ انّ المرجع هو العام ، لاستلزام الاعراض عن العام ، التخصيصَ الزائد.
    كما انّ القسم الثاني : وهو خلو الدليل عن أخذ الزمان فيه لا ظرفاً ولا قيداً


(258)
خارج عن محط البحث ، إذ عندئذ لايتصوّر التخصيص الزماني الذي هو محط البحث ، ويكون التخصيص أفرادياً لا أزمانياً.
    وأمّا القسم الثالث : فحكمه معلوم ، لانّه إذا كان مجموع الأزمنة مأخوذاً بنحو العام المجموعي في مورد فرد من الافراد يكون خروجه في فترة خاصة موجباً لانتفاء الحكم عن الفرد بتاتاً في بقية الأزمنة ، وهو خلف الفرض.
    فتعين الباقي وهو أن يكون الزمان ظرفاً.
    وحاصله : انّه إذا كان الشيء مطلوباً في زمان كالوفاء بالعقد على نحو يكون له طاعة واحدة وعصيان واحد ، كما هو مقتضى كون الزمان ظرفاً ولكنّه على نحو يكون مطلوباً أيضاً لو خالف وعصى ، أو خرج بدليل في فترة من الفترات لكن لا مطلوباً بدليل ثان بل بنفس الدليل الأوّل.
    مثلاً انّ الإفطار محرّم في شهر رمضان ، فلو أفطر عصياناً يكون الإمساك أيضاً مطلوباً إلى الغروب بنفس الأمر بالصوم لا بأمر آخر ، ومثله الوفاء بالعقد فهو مطلوب في تمام الأوقات بحكم كون الزمان ظرفاً ، ولكن بما انّ الوفاء بالعقد أساس الحياة فهو مع عدم وجوبه في فترة من الزمان ، يكون مطلوباً أيضاً بنفس الكلام السابق لأجل الملاك الذي ذكرناه ، فعندئذ لو لم يجب الوفاء بالعقد في فترة خاصة أعني : زمن ظهور الغبن ، ولكنّه مطلوب حتى بعد ذلك الزمان ، وإن لم يكن واجباً بوجوب مستقل مغاير للوجوب الخاص.
    فتلخص ممّا ذكرنا أنّ المرجع هو العام سواء كان الزمان قيداً أو ظرفاً ، وكفى كون الفرد داخلاً فيه من أوّل الأمر وخارجاً عنه في ظرف خاص.
    فإن قلت : إنّ الفرد قد خرج في فترة من الزمان ، فعوده إلى تحت العام يحتاج


(259)
إلى دليل ، فما هو جوابكم أمام هذا الدليل ؟
    قلت : إنّ هذه مغالطة ، وذلك لأنّ التخصيص أزماني لا أفرادي ، والفرد لم يخرج من تحت العام بل هو باق تحت العام وإنّما رُفع عنه حكمه في فترة يسيرة من الزمان ، فيتمسك بعموم العام في غير تلك الفترة ولايجوز التمسك بالأصل مع وجود الدليل الاجتهادي.


(260)
التنبيهات
15
    قد يطلق الشك ويراد به اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما ، وهذا هو الشكّ في مصطلح المنطقيّين ، وعليه الراغب في مفرداته وعلى هذا تقسم الحالات الطارئة على الإنسان بأربعة أقسام ، أعني : اليقين ، والظن ، والشكّ ، والوهم.
    وقد يطلق ويراد به ، خلاف اليقين وعليه الجوهري في صحاحه ، وعندئذ يعم الأقسام الثلاثة الأخيرة غير اليقين ، وقد استعمل الشكّ في الكتاب العزيز بالمعنى الثاني ، أي مطلق التردد ، في موارد قال سبحانه : ( فَإِنْ كُنْتَ في شَكّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْألِ الَّذينَ يَقْرءُونَ الكِتاب مِنْ قَبْلِكَ ). (1) وقال تعالى : ( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْض ) (2) ، إلى غير ذلك من الآيات التي أُريد من الشك مطلق التردد الجامع مع الظن والوهم وتساوي الطرفين.
    إذا عرفت ذلك انّ الشكّ الوارد في أخبار الاستصحاب إن أُريد به : اعتدال النقيضين في النفس ، تختص حجية الاستصحاب بما إذا كان النقيضان على حدّ سواء ، ولايعم ما إذا كان هناك ظن على خلاف الحالة السابقة على وجه تكون
1. يونس : 94.
2. إبراهيم : 10.


(261)
الحالة السابقة موهومة وخلافها مظنونة ، وأمّا إذا أُريد به مطلق التردد وخلاف اليقين فيعمّ جميع الأحوال إلاّ إذا كان هناك يقين على الخلاف.
    وقد استدل الشيخ في الفرائد (1) على انّ المراد هو الوجه الثاني ، لوجوه ثلاثة أوضحها هو الوجه الثاني ، أعني : الرجوع إلى روايات الباب واستظهار المراد بها ، حيث إنّ فقرات الصحاح الدالّة على المقصود وهي كالتالي :
    1. قوله ( عليه السلام ) : قال : « حرك في جنبه شيء وهو لايعلم ... » ، فانّ ظاهره فرض السؤال بما كان معه أمارة النوم.
    2. قوله ( عليه السلام ) : « لا حتى يستيقن » حيث جعل غاية وجوب الوضوء ، الاستيقان بالنوم ومجيء أمر بيّن منه.
    3. قوله ( عليه السلام ) : « ولكن تنقضه بيقين آخر » فانّ الظاهر سوقه في مقام بيان حصر ناقض اليقين في اليقين.
    4. قوله ( عليه السلام ) : في الصحيحة الثانية لزرارة : « فلعلّه شيء أوقع عليك وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ » فانّ كلمة « لعل » ظاهرة في مجرد الاحتمال مع وروده في مقام إبداء ذلك ، كما في المقام فيكون الحكم متفرعاً عليه.
    5. قوله ( عليه السلام ) في مكاتبة القاساني حيث فرّع قوله : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » على قوله « اليقين لايدخل فيه الشك » والمراد عدم كفاية الظن بدخول رمضان أو شوال.
    وهناك وجه آخر قد سبق منّا عند البحث في روايات الباب وهو أنّ المراد من اليقين ، ليس هو اليقين المنطقي ، أعني : الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، بل
1. الفرائد : 398.

(262)
المراد هو الحجّة الشرعية ، وبذلك يعلم معنى الشكّ لأجل التقابل فيكون معنى قوله : « لاتنقض اليقين بالشك » ، لاتنقض الحجّة باللا حجة ، ويكون الملاك عدم وجود الحجّة ، من دون نظر إلى كون بقاء المتيقّن ، راجحاً أو مرجوحاً أو متساوياً.
    والظن على خلاف المسألة السابقة إذا لم يقم دليل على حجّيته ، يدخل تحت قوله « باللا حجة » سواء قام الدليل على عدم حجّيته كالقياس والاستحسان ، أو شك في حجّيته ، فإنّ الشكّ في الحجّية كاف في الحكم بعدم الحجّية على ما مرّ فيكون الجميع داخلاً في قوله : « بالشك » أي اللا حجة ، فلاينقض بها اليقين.
    ثمّ إنّ الشيخ استدل بوجهين آخرين :
    الأوّل : الإجماع القطعي على تقدير اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار.
    يلاحظ عليه : انّ هذا النوع من الإجماع المحصَّل ، ليس بحجة ، لاحتمال اعتماد المجمعين على الدليل الماضي.
    الثاني : انّ الظنّ المخالف للحالة السابقة إمّا أن يكون من الظنون المنهية كالقياس فمعناه انّ وجوده كعدمه ، أو يكون من المشكوكة حجّيتها ، فرفع اليد عن الحالة السابقة بهذا النوع من الظن ، من مقولة نقض اليقين بالشكّ. (1)
    وأورد عليه في الكفاية : بأنّ مرجع عدم اعتباره لأجل الغاية ، أو لعدم الدليل على اعتباره إلى عدم إثبات مظنونه به تعبّداً ، لا ترتيب آثار الشكّ عليه مع عدمه. (2)
1. الفرائد : 398.
2. كفاية الأُصول : 2 / 345.


(263)
    توضيحه : انّه لو غُضّ النظر عمّا أقمنا من الدليل على أنّ المراد من الشكّ ، هو خلاف اليقين ، وصرنا إلى انّ المراد به هو حالة تساوي النقيضين ، بكون الظنون غير المعتبرة هادماً لهذه الحالة فهي وإن لم تكن حجّة مثبتة لمظنونه ، لكنّها تصلح تكويناً لرفع موضوع الاستصحاب ، أعني حالة التساوي بين الأمرين ، فكونها هادمة لا يلازم حجّيتها واستعدادها لا ثبات متعلّقه.
    والحقّ أن الباحث لغني بما ذكر من تفسير اليقين والشكّ عن ذينك الدليلين ، فتدبّر.


(264)
    ذُكر للاستصحاب شروط وصفها بعضهم بشروط العمل به ، وجعلها الشيخ شروطاً لجريانه ، والفرق بينهما واضح ، حيث إنّها على القول الثاني شرائط تحقّقه ولولاها لايكون هناك موضوع للاستصحاب ، بخلافه على الأوّل فالاستصحاب بدونها متحقق غير انّه لا يعمل به.
    ولكن الحقّ انّ أكثرها من شروط جريانه كوحدة الموضوع ، واتحاد متعلّقي اليقين والشكّ ، وبقاء اليقين في طرف الشكّ ، وبعضها كعدم أصل معارض من قبيل شروط العمل ، وسيتضح حال الجميع في البحوث التالية :

    الشرط الأوّل : بقاء الموضوع أو وحدة القضيّتين
    وقد عُبِّر عن هذا الشرط تارة ببقاء الموضوع ، وأُريد به معروض المستصحب ، وأُخرى باتحاد القضية المشكوكة مع المتيقّنة.
    نقول إنّ هنا مقامات ثلاثة :
    1. هل الشرط بقاء الموضوع أو وحدة القضيتين ؟
    2. ما هو الدليل على هذا الشرط ؟


(265)
    3. ما هو الملاك لوجود هذا الشرط وعدمه ؟
    وإليك الكلام فيها :

    المقام الأوّل : هل الشرط بقاء الموضوع أو وحدة القضّيتين ؟
    ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الشرط هو بقاء الموضوع ، والمراد به موضوع المستصحب ، فاستصحاب وجود زيد ، أو قيامه رهن تحقّق الموضوع ( زيد ) في الزمن اللاحق على النحو الذي كان معروضاً في السابق سواء أكان تحقّقه في السابق بتقرره ذهناً أو لوجوده خارجاً ، فزيد بوصف تقرره ذهناً معروض للوجود ، وبوجوده خارجاً معروض للقيام. (1)
    وبعبارة أُخرى : المستصحب لو كان مفاد كان التامة ( أي وجود زيد ) فالموضوع هو ماهيته التي عرضها الوجود ، والتي يصلح لأن يحكم عليها بالوجود والعدم ، ولو كان هو مفاد كان الناقصة كحياته فالموضوع هو وجوده الخارجي التي يصلح لأن يحكم عليه بالحياة تارة والموت أُخرى.
    يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ اللائح من عبارته انّ المستصحب هو المحمول دون مجموع القضية وهو غير تام ، لأنّ المفروض انّ المستصحب هو الذي يتعلّق به اليقين في السابق ، وهو لايتعلّق بالمفرد ، أعني : نفس المحمول أو النسبة التصوّرية ، وإنّما يتعلّق بمفاد القضية ومفهومها ، سواء أكانت مصاغة على نحو مفاد كان التامة نحو كان زيد موجود أو مفاد كان الناقصة نحو كان زيد قائماً ، فلابدّ أن يكون المستصحب نفس القضية ، لامحمولها ولاالنسبة التصوّرية فيها.
    وثانياً : انّ اشتراط بقاء الموضوع إنّما يصحّ في الوجود الرابط أي مفاد كان
1. الفرائد : 399.

(266)
الناقصة كاستصحاب حياة زيد وعدالته القائمتين بوجوده الخارجي ، لا في الوجود المحمولي ومفاد كان التامة كوجود زيد ، فإذا كان المستصحب هو وجود زيد ، فما هو الموضوع وراءه وليس هنا وراء المستصحب شيء ؟! ولذلك التجأ الشيخ إلى تصوير موضوع لوجوده باسم الماهية والتقرر الذهني ، ومن المعلوم انّه فكر فلسفي غير مطروح في الخطابات العرفية.
    وبذلك يعلم أنّ اشتراط وحدة الموضوع إمّا هو غير جامع كما في الوجود المحمولي ، أو أمر مستدرك كما في الوجود الرابط حيث يغني عنه اشتراط وحدة القضيتين ، بخلاف الثانية فانّها تعمّ كلا النحوين من الوجود ، فالاولى التعبير عن هذا الشرط بوحدة القضيتين.

    المقام الثاني : ما هو الدليل على هذا الشرط ؟
    استدل الشيخ على اعتبار هذا الشرط بأنّ نسبة المستصحب إلى الموضوع نسبة العرض إلى موضوعه ، فإذا لم يكن الموضوع باقياً وأُريد إبقاء المستصحب فله حالتان :
    الأُولى : أن يبقى العرض بلا موضوع ومحل ، وهو محال.
    الثانية : أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق ، فيرد عليه أمران :
    1. انّ هذا ليس إبقاء لنفس العارض ، وانّما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد ، والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ، ليس نقضاً للمتيقّن السابق.
    2. انّه يستلزم انتقال العرض الذي هو محال لاستلزامه كون العرض بلا


(267)
موضوع في حالة الانتقال.
    يرد عليه أوّلاً : إنّما ذكره من قبيل إسراء حكم الحقائق إلى الأُمور الاعتبارية ، فلو أُريد إثبات وجود العرض تكويناً فهو لامحالة رهن تحقّق الموضوع وإلاّ يلزم أحد الأمرين : إمّا بقاء العرض بلا موضوع ، أو بقاءه في موضوع آخر ، وكلاهما باطلان ، وأمّا إذا أُريد به التعبّد ببقاء العرض حتى يترتب عليه الأثر الشرعي فهو رهن عدم العلم بارتفاع الموضوع إذ العلم به يلازم حدوث اليقين بارتفاع المتيقّن ولايتوقف على إحراز وجود الموضوع.
    ثانياً : إذا كان المستصحب أمراً وجودياً فهو رهن وجود الموضوع ، دون ما إذا كان عدمياً كما في السلب التحصيلي : إذا قلت : ليس زيد قائماً ، فانّ عدم القيام يصدق تارة مع وجود الموضوع ، وأُخرى مع عدمه فاستصحاب مثله لايتوقّف على الموضوع ، نعم يتوقّف على وحدة القضيتين.
    فالأولى الاستدلال عليه بما يلي :
    إنّ صدق الشك في البقاء ، وكون رفع اليد نقضاً لليقين السابق فرع وحدة القضيتن ، فلو كان هناك تغاير في الموضوع كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد وشك في عدالة عمرو ، أو في المحمول كما إذا تعلّق اليقين بعدالة زيد والشكّ باجتهاده فلايعد مثل هذا الشكّ ، شكاً في البقاء ، ولارفع اليد ، نقضاً لليقين السابق ، فانّ صدق الأمرين اللّذين يعدان ركنين للاستصحاب رهن وحدة القضيتين موضوعاً ومحمولاً ونسبة ، كما لايخفى.

    المقام الثالث : ما هو الملاك لوحدة القضيتين ؟
    إذا كان الشرط لجريان الاستصحاب هو وحدة القضيتين موضوعاً ومحمولاً


(268)
ونسبة ، أو كان الشرط بقاء الموضوع ، فما هو الملاك لتميّز وحدتهما عن كثرتهما ؟ هاهنا احتمالات :
    أ : الملاك قضاء العقل بأحد الأمرين
    ربما يحتمل أنّ الملاك هو قضاء العقل بوحدة القضيتين أو كثرتهما ، ومن المعلوم أنّ قيود القضايا وشروطها ترجع عند العقل إلى الموضوع وتشكِّل برمتها موضوعاً واحداً ، فلو قال : إذا جاء زيد وسلَّم عليك وأكرمك ، فاطعمه ، فالموضوع في لسان الدليل وإن كان هو زيد ولكنّه عند العقل هو المركب منه ومن سائر القيود ، كأنّه قال : زيد الجائي غداً المُسلِم المُكرم ، يُطعَم. ولذلك يقول الحكماء : « الجهات التعليلية عند العقل جهات تقييدية » ، فلو كان أكرم زيداً لعلمه ، فالموضوع زيد العالم لازيد فقط.
    فلو صحّ ذلك الاحتمال وكان المرجع هو العقل فهو قاض دقيق الملاحظة يجعل كلّ القيود جزء الموضوع ، وعندئذ يمتنع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية ، لأنّ الشكّ في بقاء الحكم الكلي نابع عن اختلال قيد من قيود الحكم ، فلو كانت القيود محفوظة لما تسرّب الشك.
    مثلاً : الشك في بقاء نجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيّره نابع عن زوال التغيّر بنفسه ، فهو عند العقل قيد لموضوع الحكم ، ومع زواله يكون الموضوع في الآن اللاحق مختلفاً كما تكون القضيتان متعدّدتين فلايصدق الشك في البقاء ، ولايعد رفع اليد نقضاً لليقين السابق ، فيختصّ جريانه بالشبهات الموضوعية كاستصحاب حياته.
    فإن قلت : على هذا الاحتمال يختص عدم الجريان بالشبهات الحكمية إذا


(269)
كان الشك فيها ، شكاً في المقتضي كالمثال السابق ، وأمّا إذا كان الشك في الرافع ذاتاً أو وصفاً فلايمنع عن جريانه كما أفاده الشيخ الأعظم في فرائده. (1)
    قلت : بل لايجري في الشكّ في الرافع بكلا قسميه أيضاً ، لأنّ الموضوع في قوله « المتوضئ متطهر » عند العقل هو المتوضئ الذي لم يصدر منه الحدث يقيناً ، وهذا النوع من العلم الذي هو قيد للموضوع مرتفع في الآن اللاحق لكونه شاكاً في صدور الحدث وجوداً أو وصفاً ، كما إذا تردّد البلل بين كونه بولاً أو مذيّاً.
    فتبين انّه لو كان الملاك هو قضاء العقل بالوحدة والكثرة فلايجري في الشبهات الحكمية وإنّما تجري في الشبهات الموضوعية فقط ، كما مثّلناه.
    هذا هو عصارة الوجه الأوّل ، ولكنّه غير صحيح بالمرة. لأنّ العقل هو المرجع الوحيد في أحكامه ، فهو الحاكم الذي يعيِّن موضوع حكمه وحدوده وسائر خصوصياته ، كقولنا العدل حسن والظلم قبيح.
    وأمّا الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة فالمخاطب فيها هو العقل الحاكم في العرف لا الحاكم في الفلسفة : النظرية والعملية.
    وهذا ليس بمعنى الازدراء بالعقل الفلسفي ، بل مع ما نكنّ له من التبجيل والتكريم فله مجال واسع في باب المعارف والعقائد ، لا الخطابات العرفية التي صدرت لإفهام عامة الناس.
    ب : الملاك هو لسان الدليل
    إنّ الملاك لإحراز الوحدة أو الكثرة هو ملاحظة لسان الدليل ، مثلاً إذا قال : الماء المتغيّر نجس ، فإذا زال تغيّره يرتفع موضوع الدليل ، بخلاف ما إذا قال
1. الفرائد : 401 ، ط رحمة الله.

(270)
: الماء نجس إذا تغيّر ، فزوال التغيّر لايثبت زوال الموضوع ، لأنّه في لسان الدليل هو الماء والمفروض بقاؤه.
    يلاحظ عليه : أوّلاً : أنّ الاعتماد على لسان الدليل الوارد في مجال الأحكام والأخلاق أمر من الصعوبة بمكان ، وذلك لأنّ الرواة لم يلتزموا بنقل ما سمعوه من الإمام بحذافيره وكيفيته ، بل كان اهتمامهم منصباً على أداء المفاهيم التي تلقّوها من الإمام سواء أوافقت لفظ الإمام كماً وكيفاً أو لا ، ولذلك لما سأل محمد بن مسلم أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن نقل الحديث بالمعنى ، فقال : « إن كنت تريد معانيه فلا بأس » . (1)
    نعم كان الرواة ملتزمين بنقل الخطب والأدعية بنصوصها ، لأنّ روعتها تكمن في ألفاظها الناصعة وتراكيبها الخلاّبة ، وهذا بخلاف ماله صلة بالأحكام والأخلاق ، ولأجل ذلك لايمكن الاعتماد كلياً على لسان الدليل.
    وثانياً : أنّ هذا الاحتمال إنّما يتميّز عن الاحتمال الثالث إذا كان المراد الجمود على ظاهر اللفظ من دون ملاحظة المناسبات بين الموضوع والحكم الموجودة في أذهان العرف ، وأمّا مع هذه الملاحظة فهو يرجع إلى الاحتمال الثالث الذي سنذكره.
    ج : المرجع فهم العرف من الدليل
    المرجع هو الدليل الاجتهادي المتكفّل للحكم الأوّلي الكلّي ، لكن حسب ما يفهم العرف منه ، فسواء أورد ، قوله : الماء المتغيّر نجس ، أم ورد قوله : الماء ينجس إذا تغيّر.
1. بحار الأنوار : 2 / 164.
إرشاد العقول إلى مباحث الأصول المجلد الرابع ::: فهرس