فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 106 ـ 120
(106)
فيعلم من ذلك : ان لحاظ المبدء لا بشرط عما يتحد معه من الذات في المشتقات غير مستلزم لدخول الذات فيه ، والا لاستلزم في الجوامد دخول كل من الجنس والفصل والنوع في الاخر ، فيكون معنى الحجر حينئذ شيء ثبت له الحجرية إذا الفصل في الحجر انما يكون فصلا له بعد لحاظه لا بشرط عما يتحد معه من الجسمية فتكون الجسمية داخلة في مفهوم الحجر ، وهكذا الكلام في سائر الأنواع و الأجناس والفصول ، عاليها وسافلها (1).
    إذا عرفت ذلك فاعلم : انه يدل على المختار من بساطة المشتق وجوه :
    الأول :
    ان المشتق على ما عرفت مرارا انما ينتزع من لحاظ المبدء لا بشرط ، فلو كانت الذات مأخوذة في مفهومه وجزء لمدلوله لخرج عن كونه لا بشرط إلى بشرط شيء ، وهذا خلف ، إذ الفرق بين المشتق ومبدئه ليس الا باللابشرطية والبشرط اللائية ، واعتبار الذات يلازم البشرط الشيئية ، وهو خلاف ما اتفقوا عليه.
    الثاني :
    ان الألفاظ موضوعة بإزاء المفاهيم بما أنها مرآة الحقايق ، لا بما هي هي حتى يمتنع صدق ما وضع له الألفاظ على الخارجيات ، والمفهوم عبارة عن المدرك العقلاني ، وهو في غاية البساطة ليس فيه شائبة التركيب ، فلا يمكن ان يكون مفهوم المشتق مركبا من الذات والمبدء.
    الثالث :
    انه يلزم تكرار الموصوف في مثل قولك : ذات باردة لأنه لو كان معنى
1 ـ وينبغي مراجعة كلام المستشكل فان ظاهر كلامه ان اشكاله مقصور بدعوى خروج الذات عن الجوامد ، كما هو الظاهر من الكلام المحكى عن الشيخ ( قدس سره ) وظني ان استلزام دخول الجنس في الفصل و بالعكس لا يرفع اشكال المستشكل ، فتأمل ـ منه.

(107)
الباردة ذات ثبت لها البرودة لزم تكرار الذات في القضية ، مع شهادة الوجدان بخلافه ، بل يلزم التكرار في كل قضية كان المحمول فيها من العناوين المشتقة إذا كان المراد من اخذ الذات اخذ مصداق الذات ، أي الذوات الشخصية ، لا مفهوم الذات ، فان في قولك : زيد كاتب ، يكون شخص زيد مأخوذا في مفهوم الكاتب ، فيكون مفاد القضية زيد زيد ثبت له الكتابة ، فيلزم تكرار الموصوف في كل قضية ، و انسباقه إلى الذهن مرتين وهو كما ترى ، بل يلزم ان يدخل المشتق في متكثر المعنى ، بناء على اخذ الذوات الشخصية في مفهومه ، ويكون من باب الوضع العام والموضوع له الخاص ، مع أن هيئة فاعل موضوعة بوضع نوعي لكلي المتلبس بالمبدء على نحو عموم الموضوع له.
    ومن الغريب : ما صدر عن بعض في هذا المقام ، حيث أساء الأدب إلى أستاذ الأساتيذ السيد الجليل الميرزا الشيرازي قده ، عند ما أورد اشكال لزوم كون المشتق من متكثر المعنى ، بناء على اخذ الذوات الشخصية في مفهومه ، وقال : ان الاشكال بذلك انما هو لأجل عدم تعقل المعاني الحرفية ، ثم أطال الكلام في أن هيئة المشتق كهيئات الافعال انما هي موضوعة للمعاني الحرفية النسبية بالوضع العام و الموضوع له العام ، غايته ان هيئات الافعال موضوعة للنسبة التامة الخبرية ، وهيئة المشتق موضوعة للنسبة الناقصة التقييدية. وأنت خبير بما في هذا الكلام من الخلط و الاشتباه في قياس هيئة المشتق على هيئة الافعال ، وحسبان ان الهيئة مط موضوعة للمعنى الحرفي النسبي ، مع وضوح بطلان القياس.
    وذلك : لأنه لا يعقل ان يكون مفاد الهيئة في المشتق معنى حرفيا ، بان تكون موضوعة للنسبة الناقصة التقييدية ، بداهة ان النسبة الناقصة التقييدية انما تكون نتيجة النسبة التامة الخبرية ، ومتأخرة عنها بالذات ، ولذا قالوا : ان الاخبار بعد العلم بها تكون أوصافا ، فالنسبة الناقصة التقيدية دائما انما تحصل من النسبة التامة الخبرية وتكون من نتايجها ، وحينئذ نسئل عن النسبة التامة الخبرية التي تكون النسبة الناقصة المستفادة من هيئة ضارب نتيجة لها ، مع أنه لم يكن هناك نسبة تامة خبرية قبل حمل الضارب على زيد في قولك : زيد ضارب ، إذ هذا القول هو الذي


(108)
يتضمن النسبة التامة ، وتنقلب هذه النسبة التامة بعد الاخبار بها إلى النسبة الناقصة التقييدية. واما قبل الحمل والاخبار فليس هناك نسبة تامة خبرية حتى تكون نتيجتها النسبة الناقصة المستفادة من هيئة ضارب.
    والحاصل : انه يلزم القول بدلالة هيئة المشتق على النسبة الناقصة التقييدية ، القول بان في مثل حمل الضارب على زيد في قولك : زيد ضارب يتضمن (1) نسبا أربع : نسبتين تامتين ، ونسبتين ناقصتين.
    اما التامتان : فإحديهما نسبة الضارب إلى زيد التي تكفلها نفس الكلام ، و ثانيهما النسبة التامة التي تكون نتيجتها النسبة الناقصة المستفادة من هيئة ضارب ، لما عرفت : من أن كل نسبة ناقصة تقييدية فهي من نتايج النسبة التامة ، فيلزم القول بدلالة الهيئة على النسبة الناقصة القول بوجود نسبة تامة أخرى ، غير نسبة الضارب إلى زيد في قولك : زيد ضارب ، حتى تكون نتيجة تلك النسبة التامة هي النسبة الناقصة المدعى دلالة الهيئة عليها.
    واما الناقصتان : فإحديهما هي النسبة الناقصة التقييدية ، الموضوع لها هيئة ضارب كما هو المدعى ، وثانيهما النسبة الناقصة التقييدية التي تكون نتيجة حمل الضارب على زيد ، حيث إن الاخبار بعد العلم بها تكون أوصافا ، فلابد ان تحصل هناك نسبة ناقصة أخرى بعد الاخبار بضاربية زيد ، فيتحصل من قولك زيد ضارب نسب أربع ، وهو كما ترى يكذبه الوجدان. مع أنه يلزم ان تكون النسبة الناقصة التقييدية في عرض النسبة التامة الخبرية ، إذ قولك : زيد ضارب ، متكفل لنسبة تامة خبرية ، ومتكفل لنسبة ناقصة تقييدية الموضوع لها هيئة ضارب ، والحال انه لا يعقل ان تكون النسبة الناقصة في عرض النسبة التامة ، لما عرفت من أن النسبة الناقصة تكون في طول النسبة التامة ومن نتايجها ، فكيف يعقل ان تكون في عرضها ؟.
    وبالجملة : دعوى ان هيئة ضارب موضوعة بوضع حرفي للنسبة الناقصة
1 ـ مرادنا من التضمن الأعم من المطابقة والالتزام ، فلا تغفل وتتخيل خلاف المراد ـ منه.

(109)
التقييدية ، (1) مما لا ترجع إلى محصل ، إذ يلزم عليه مضافا إلى ما ذكرنا ، ان يكون المشتق لازم البنا ، ولا يمكن ان يكون معربا يقع مسندا ومسندا إليه ، لان المعنى الحرفي يلازم البنا ، فكيف صار معربا يقع مبتداء وخبرا في الكلام ؟ (2) فلا محيص من القول بان هيئة المشتق موضوعة بوضع استقلالي اسمى للعنوان المتولد من قيام العرض بمحله. فظهر صحة ما حكى عن سيدنا الميرزا قده : من أنه لو كانت الذوات الشخصية مأخوذة في مفهوم المشتق يلزم ان يكون من متكثر المعنى مع أنه ليس كذلك فإذا لا يمكن ان تكون الذوات الشخصية مأخوذة في مفهومه ، كما لا يمكن ان تكون الذات الكلية مأخوذة فيه لما تقدم من المحاذير ، مضافا إلى أنه يلزم دخول الجنس في مفهوم الفصل وبالعكس على ما عرفت ، فلا محيص ح عن القول ببساطة المشتق.
    بقى في المقام : ما افاده السيد الشريف في حاشيته على شرح المطالع ، من الاستدلال على بساطة المشتق عند تعريف صاحب المطالع النظر بأنه « ترتيب أمور حاصلة في الذهن ، يتوصل بها إلى تحصيل غير الحاصل » حيث قال الشارح : « وانما قال أمور ، لان الترتيب لا يتصور في امر واحد والمراد منها ما فوق الواحد » ثم قال الشارح : « والاشكال الذي استصعبه قوم ، بأنه لا يشتمل تعريف النظر التعريف بالفصل وحده أو بالخاصة وحدها حتى غيروا التعريف إلى ترتيب امر أو أمور فليس من تلك الصعوبة في شيء ، وذلك لان التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات ، و المشتق وان كان في اللفظ مفردا ، الا ان معناه شيء له المشتق منه ، فيكون من حيث المعنى مركبا (3)
1 ـ ولا ينافي ذلك ما تقدم منا : من أن المشتق واقع في المرتبة الثالثة من النسب ، لان مرادنا من ذلك : هو ان معنى المشتق متأخرة في الرتبة عن الماضي والمضارع ، لا انه يدل على النسبة حقيقة ، فتأمل ـ منه.
2 ـ ولكن لا اشكال في أن هيئة المضارع تدل على النسبة التامة مع أنه قد يعرض عليه الاعراب ، فدلالته على النسبة لا يلزم البناء ـ منه.
3 ـ ولا يخفى ان المحقق المقرر ( قدس سره ) نقل عبارة شارح المطالع مع تصرفات موضحة لمعنى المقصود منها. واليك نص عبارته :
    « وانما قال أمور لان الترتيب لا يتصور في امر واحد ، والمراد بها ما فوق الواحد سواء كانت متكثرة أولا ، و


(110)
    فاورد عليه السيد الشريف في حاشيته على هذا الجواب : بان مفهوم الشيء لا يعتبر في معنى الناطق ، والا لكان العرض العام داخلا في الفصل ، ولو اعتبر في المشتق ما صدق عليه الشيء انقلب مادة الامكان الخاص ضرورية ، فان الشيء الذي له الضحك هو الانسان ، وثبوت الشيء لنفسه ضروري. (1) انتهى ما حكى عن المطالع وشرحها والمحشى.
    وحاصل ما افاده المحشى في وجه بساطة المشتق : هو انه ان اخذ مفهوم الشيء في مفهوم الفصل يلزم ان يدخل العرض العام في الفصل ، فان الناطق الذي هو الفصل يكون معناه شيء ثبت له النطق ، والشيء امر عرضي والنطق ذاتي ولا يعقل دخول العرضي في الذاتي ، وان اخذ مصداق الشيء يلزم انقلاب القضية الممكنة إلى القضية الضرورية ، فان المصداق الذي يثبت له الضحك في قولك : الانسان ضاحك ليس هو الا الانسان ، فيرجع الامر في القضية الحملية إلى ثبوت الانسان للانسان ، ومن المعلوم : ان ثبوت الشيء لنفسه ضروري ، فتنقلب القضية من الامكان إلى الضرورة.
    ثم انه أورد على كل من شقي الترديد اللذين ذكرهما المحشى. فما أورد على الشق الأول ( وهو ما إذا كان المأخوذ في المشتق مفهوم الشيء يلزم دخول العرض العام في الفصل ) ما ذكره صاحب الفصول : (2) من أن الناطق انما يكون فصلا في
هي أعم من الأمور التصورية والتصديقية ، وقيدها بالحاصلة لامتناع الترتيب فيها بدون كونها حاصلة ويندرج فيها مواد جميع الأقيسة » إلى أن قال :
    « والاشكال الذي استصعبه قوم بأنه لا يتناول التعريف بالفصل وحده ولا بالخاصة وحدها ، مع أنه يصح التعريف بأحدهما على رأى المتأخرين حتى غيروا التعريف إلى تحصيل امر أو ترتيب أمور فليس من تلك الصعوبة في شيء ، اما أولا ، فلان التعريف بالمفردات انما يكون بالمشتقات كالناطق والضاحك والمشتق وان كان في اللفظ مفردا الا ان معناه شيء له المشتق منه فيكون من حيث المعنى مركبا. ( انتهى موضع الحاجة من كلامه ).
1 ـ حاشية مير سيد شريف هامش ص 8 من شرح المطالع.
2 ـ الفصول ص 62. تنبيهات المشتق. « ويدفع الاشكال بان كون الناطق مثلا فصلا مبنى على عرف المنطقيين حيث اعتبروه مجردا عن مفهوم الذات وذلك لا يوجب ان يكون وضعه لغة كذلك » .


(111)
عرف المنطقيين ، والذي جعله المنطقيون فصلا ليس هو تمام ما وضع له لفظ الناطق ، بل الذي جعل فصلا هو المعنى المجرد عن مفهوم الشيء ، فيكون الفصل أحد جزئي المدلول فلا يلزم دخول العرض في الفصل بعد هذا التجريد هذا.
    وقد أورد على الفصول المحقق صاحب الكفاية (1) بما حاصله : انه من المقطوع ان المنطقيين لم يتصرفوا في مفهوم الناطق ، بل جعلوا الناطق فصلا بماله من المعنى من دون تجريد. ومما أورد على المحشى أيضا ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (2) وحاصله : ان الناطق ليس بفصل حقيقي ، بل انما هو من لوازم الفصل وخواصه ، ويكون بالنسبة إلى الانسان من الاعراض الخاصة وليس هو من الذاتي له ، فلا يلزم من اخذ مفهوم الشيء في مفهوم الناطق الا دخول العرض العام في العرض الخاص ، وهو ليس بمحذور هذا.
    ولكن لا يخفى عليك : ان هذا الايراد مبنى على جعل الناطق بمعنى المدرك للكليات فان ادراك الكليات يكون من خواص الانسان وعوارضه ، واما لو كان الناطق عبارة عما يكون له النفس الناطقة ، التي بها يكون الانسان انسانا ، فهو فصل حقيقي للانسان وليس من العوارض.
    ومما أورد على المحشى أيضا ما ذكره شيخنا الأستاذ مد ظله.
    وحاصل ما ذكره : هو ان جعل الشيء من العرض العام مما لا يستقيم ، إذ الضابط في العرض العام ، والمايز بينه وبين الخاصة ، هو انه إذا كان الشيء أمرا خارجا عن حقيقة الذات وكان يلحق الذات لجنسها ـ كالمتحرك بالإرادة و الحساس اللاحق للانسان لمكان كونه حيوانا ـ فهو يكون من العرض العام ، كما أن ما يلحق الذات باعتبار فصلها يكون من العرض الخاص ، كالضحك والتعجب اللاحقين للانسان بواسطة كونه ناطقا ، فيعتبر في العرض العام ان يكون أمرا خارجا
1 ـ الكفاية ـ المجلد الأول ص 78 « وفيه : ان من المقطوع ان مثل الناطق قد اعتبر فصلا بلا تصرف في معناه أصلا ، بل بما له من المعنى كما لا يخفى.
2 ـ المدرك السابق ص 78 قوله : « والتحقيق ان يقال ان مثل الناطق ليس بفصل حقيقي .. »


(112)
عن الحقيقة والهوية ، ويكون مما يلحق الجنس ويعرض له ، سواء كان مما يعرض الجنس القريب كالمتحرك بالإرادة العارض للحيوان ، أو الجنس البعيد كالنامي العارض للجسم. وحينئذ لو كان مفهوم الشيء من العرض العام لكان اللازم ان يكون من اللواحق والعوارض الجنسية ، ونحن لا نتعقل ان يكون هناك جنس يكون الشيء من عوارضه ، إذ ليس فوق مفهوم الشيء امر يكون الشيء عارضا عليه ، بل الشيء هو فوق كل موجود في العالم ، بحيث يصدق على جميع الموجودات من الماديات والمجردات والجواهر والاعراض ـ انه شيء ، فكيف يمكن ان يكون الشيء من العوارض الجنسية ؟ وأي جنس يكون فوق الشيء ؟ حتى يكون الشيء عارضا له ، فلابد ان يكون الشيء هو بنفسه جنسا عاليا لجميع الموجودات الامكانية من الماديات و غيرها.
    واما توهم انه لا يمكن ان يكون الشيء جنسا للموجودات ، لاطلاق الشيء على الباري تعالى ، مع أنه لا جنس له لاستلزامه التركيب.
    فلا يخفى فساده ، فإنه تعالى شيء الا انه لا كالأشياء ، كما ورد ذلك في خطبته عليه السلام (1) فليس اطلاق الشيء عليه كاطلاقه على سائر الأشياء حتى يلزم التركيب في ذاته تعالى.
    فان قلت : ان الشيئية انما تكون من الأمور الانتزاعية الخارجة المحمول ، فلا يمكن ان تكون جنسا عاليا ، لان الجنس لابد ان يكون ذاتيا للشيء ، فلا يمكن ان
1 ـ لم نجد في خطب نهج البلاغة ما ورد بهذا المضمون.
    نعم ورد هذا المضمون في بعض الروايات كقوله (ع) : هو شيء بخلاف الأشياء في خبر هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع). وقوله (ع) انه شيء لا كالأشياء في خبر محمد بن عيسى بن عبيد عن أبي الحسن الرضا (ع).
    ولكن الأول مجهول بعباس بن عمرو الفقيمي والثاني مرسل.
    وفى المقام روايات أخرى يستفاد منها صحة اطلاق القول بأنه تعالى شيء ، راجع أصول الكافي الجزء 1 ، كتاب التوحيد ، باب اطلاق القول بأنه شيء ص 109.
    توحيد الصدوق. باب في أنه تبارك وتعالى شيء ص 62.
    بحار الأنوار الجزء 3 ، باب 9 من كتاب التوحيد ص 257.


(113)
يكون ما هو خارج المحمول وما يكون انتزاعيا محضا جنسا للأنواع المندرجة تحته.
    قلت : ان الشيئية وان كانت من الأمور الانتزاعية ، الا انها لما كانت تنتزع من مقام الذات فهي ملحقة بالذاتي ، كما أن ما يكون منتزعا من غير مقام الذات ملحق بالعرض كالتقدم والتأخر ، على ما تقدم تفصيل ذلك ، فكون الشيئية من الأمور الانتزاعية لا يضر بدعوى كون الشيء جنسا للأجناس ، فان الشيئية انما تنتزع من الماهيات عند وجودها ، ولذا كان شيئية الشيء مساوقة لوجوده ، لان الماهية عند وجودها تكون شيئا فتأمل.
    فتحصل : ان دعوى كون الشيء من العرض العام مما لا نتعقله ، فلوا بدل المحشى اشكال دخول العرض العام في الفصل باشكال دخول الجنس في الفصل كان أولى. فتأمل في المقام جيدا ، فان ما ذكره شيخنا الأستاذ مد ظله في المقام مما لا يخلوا عن اشكال. (1) هذا تمام الكلام في الشق الأول الذي ذكره المحشى.
    واما الشق الثاني : وهو ما إذا اخذ مصداق الشيء في مفهوم المشتق ، حيث قال : يلزم انقلاب الامكان إلى الضرورة.
    فقد أورد (2) عليه صاحب الفصول بما حاصله : ان اخذ مصداق الشيء في مفهوم المشتق لا يلازم الانقلاب ، فان عقد الحمل قد قيد بقيد تكون القضية باعتبار ذلك القيد ممكنة. مثلا في قولنا : الانسان ضاحك ، قد قيد الانسان الذي تضمنه الضاحك بقيد الضحك ، فيكون المحمول المجموع من القيد والمقيد ، وثبوت الانسان
1 ـ وظني ان مرادهم من العرض العام في المقام غير العرض العام الذي اصطلح عليه المنطقيون الذي يجعلونه مقابل العرض الخاص وهو ما كان يعرض الشيء لجنسه ، بل المراد من العرض العام في المقام هو المعقول الثانوي الذي ينتزعه العقل كالامكان والوجوب وغير ذلك ، وما ذكره شيخنا الأستاذ من جعل ( الشيء ) جنس الأجناس مما لا يمكن المساعدة عليه ، إذ يلزم ان يكون بين الجوهر والعرض جنسا ذاتيا ، ويلزم تركب العرض ، و غير ذلك مما لا يخفى على المتأمل ـ منه.
2 ـ الفصول ص 62 تنبيهات المشتق التنبيه الأول ، « ويمكن ان يختار الوجه الثاني أيضا ويجاب بان المحمول ليس مصداق الشيء والذات مطلقا ، بل مقيدا بالوصف ، وليس ثبوته حينئذ للموضوع بالضرورة ، لجواز ان لايكون ثبوت القيد ضروريا.


(114)
المقيد بالضحك لمطلق الانسان الذي اخذ موضوعا في القضية ليس ضروريا باعتبار قيد الضحك وان كان ثبوت الانسان المجرد عن القيد للانسان ضروريا لان ثبوت الشيء لنفسه ضروري ، فالقضية باعتبار القيد لا تخرج عن كونها ممكنة ، لان النتيجة تتبع أخس المقدمات.
    ثم تنظر هو قده (1) في الايراد بما حاصله : ان القيد ان كان ثابتا للمقيد واقعا صدق الايجاب بالضرورة ، وان لم يكن ثابتا له صدق السلب بالضرورة هذا ، ولكن لا يخفى ما في كل من الايراد والجواب من النظر.
    اما في الايراد فتوضيحه : ان الجزئي بما هو جزئي غير قابل للتقييد ، لان التقييد انما يرد على الماهيات الكلية القابلة للتنويع بالقيود ، واما الأمور الجزئية فهي غير قابلة للتنويع ، فلا يمكن ان تقيد بقيد. نعم الأمور الجزئية قابلة للتوصيف ، حيث إن الجزئي يمكن ان يكون موصوفا بوصف في حال وبوصف اخر في حال آخر كما يقال : زيد راكب في اليوم وجالس في الغد ، واما اخذ الركوب قيدا لزيد على وجه يكون متكثرا للموضوع واقعا فهو غير معقول. ومن هنا قالوا : انه لو قال : بعتك هذا الكاتب يكون المبيع هو الشخص المشار إليه كاتبا كان أو لم يكن ، غايته انه عند تخلف الوصف يكون للمشتري الخيار ، بخلاف ما إذا قال : بعتك عبدا كاتبا فان المبيع يكون المقيد بالكتابة.
    وبالجملة : لا اشكال في أن الجزئي غير قابل للتقييد ، وان كان قابلا للتوصيف ، فح إذا اخذ مصداق الشيء في مفهوم الضاحك مثلا فلا يمكن ان يكون المصداق مقيدا بالضحك ، لان المصداق ليس هو الا الجزئي ، وقد عرفت ان الجزئي غير قابل للتقييد ، فليس المحمول في قولك : زيد ضاحك أو الانسان ضاحك ، هو زيد المقيد بالضحك ، بل المحمول زيد الموصوف بالضحك ، ومن المعلوم : ان المحمول حينئذ
1 ـ المدرك السابق. قوله : « وفيه نظر ، لان الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا ان كانت مقيدة به واقعا صدق الايجاب بالضرورة والا صدق صدق السلب بالضرورة ، مثلا لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن يصدق زيد الكاتب بالفعل أو بالقوة بالضرورة » .

(115)
يكون كلا من الموصوف والصفة ، فتنحل قضية زيد ضاحك أو الانسان ضاحك إلى قولنا الانسان انسان وقولنا الانسان ذو ضحك ، لان القضية تتعدد حسب تعدد الموضوع أو المحمول ، وفي المقام المحمول متعدد واقعا وان كان واحدا صورة ، لما عرفت : من أن المحمول يكون كلا من الصفة والموصوف ، وليس المحمول أمرا واحدا مقيدا ، فقضية الانسان ضاحك أو كاتب تنحل إلى قضية ضرورية ، وهي قولنا الانسان انسان ، والى قضية ممكنة ، وهي قولنا الانسان ذو ضحك أو كتابة ، والمراد من الانقلاب في كلام السيد الشريف هو هذا ، أي ان القضية بعد ما كانت ممكنة تنقلب إلى قضية ضرورية وان كان هناك قضية أخرى ممكنة ، لان ذلك لا يضر بدعوى الانقلاب.
    والحاصل : انه فرق ، بين ان يكون المحمول أمرا واحدا مقيدا ، وبين ان يكون المحمول متعددا من الوصف والموصوف. ففي الأول لا تنحل القضية إلى ضرورية وممكنة ، وفي الثاني تنحل إلى ضرورية وممكنة ، فان اخذ الموضوع في المحمول يوجب كون القضية ضرورية ، كما في قولك : زيد زيد الكاتب. كما أن اخذ المحمول في الموضوع يوجب كون القضية ضرورية كقولك : زيد الكاتب كاتب ، فتأمل في المقام جيدا.
    واما ما أجاب به عن الايراد بقوله : وفيه نظر الخ ، فلم نعرف له معنى محصلا ، فان العبرة في كون القضية ضرورية أو ممكنة ، هو ملاحظة مادة المحمول و نسبته إلى الموضوع ، فان كان المحمول مما يقتضيه ذات الموضوع ، فالقضية تكون ضرورية لا محالة كما في قولك : الانسان ناطق ، فان ذات الانسان يقتضى الناطقية. وان لم يكن المحمول مما يقتضيه ذات الموضوع بل كان من الأوصاف الخارجة عن متقضيات الذات ، فالقضية لا محالة لا تكون ضرورية ، سواء دام ثبوت الوصف للموضوع كما في قولك : كل فلك متحرك دائما ، أولم يدم كما في قولك : الانسان كاتب ، فالعبرة في كون القضية ممكنة أو ضرورية هو هذا ، لا ان العبرة بقيام الوصف بالموضوع خارجا وعدم قيامه ، كما يعطيه ظاهر كلام الفصول (ره) فان القيام وعدم القيام خارجا أجنبي عن جهة القضية وانها موجهة بأي جهة من


(116)
الضرورة والدوام والامكان كما لا يخفى. فتأمل ، فان عبارة الفصول في قوله ـ وفيه نظر ـ تحتمل وجها اخر.
    وعلى كل حال لا اشكال فيما ذكره السيد الشريف في كلا شقي الترديد ، و ان كان الأولى تبديل الشق الأول بدخول الجنس في الفصل.
    ثم انه يمكن ان يجاب عن الشق الثاني ( وهو لزوم انقلاب الممكنة إلى الضرورية ) بان الانقلاب انما يكون إذا اخذ الكاتب مثلا بمفهومه المركب من الذات والمبدء محمولا في القضية ، وأما إذا جرد عن الذات ، كما لا محيص عنه لئلا يلزم حمل الشيء على نفسه ، فلا تنقلب القضية إلى الضرورية. ودعوى : انه لم يكن هناك عناية التجريد ، بل الكاتب بماله من المعنى يحمل على زيد ، فهي من الشواهد على بساطة المفهوم.
    فتحصل : انه لا محيص عن القول ببساطة المشتق ولا يمكن القول بتركبه.
    ( الامر التاسع )
    في شرح ما يقال : من أن الفرق بين المشتق ومبدئه ، هو البشرط اللائية و اللابشرطية ، كما هو الفرق بين الجنس والمادة والفصل والصورة.
    فنقول : ان المراد من لا بشرط وبشرط لافى المقام ، غير المراد من بشرط لا و لا بشرط وبشرط شيء في تقسيم الماهية المبحوث عنها في باب المطلق والمقيد ، فان تقسيم الماهية إلى ذلك في ذلك المبحث انما هو باعتبار الطوارئ والانقسامات اللاحقة للماهية المنوعة والمصنفة لها.
    فتارة : تلاحظ الماهية مجردة عن جميع الطوارئ واللواحق والانقسامات التي يمكن ان يفرض لها ، فهذه هي الماهية بشرط لا التي تكون من الأمور العقلية ، التي يمتنع صدقها على الخارجيات ، بداهة انه لا وجود لها بما هي كذلك.
    وأخرى : تلاحظ واجدة لطور خاص وامر مخصوص كالايمان بالنسبة إلى الرقبة ، فهذه هي الماهية بشرط شيء.
    وثالثة : تلاحظ على وجه السريان في جميع الانقسامات والطواري ، بحيث


(117)
يساوى كل لاحق مع نقيضه ، فهذه هي الماهية لا بشرط ، وهي المعبر عنها بالمطلق كما أوضحناه في محله.
    وهذا المعنى من اللا بشرط وبشرط لا غير مقصود في المقام. بل مرادهم من قولهم : ان الفرق بين المشتق ومبدئه ، هو ان المشتق اخذ لا بشرط ، والمبدء اخذ بشرط لا ، انما هو معنى آخر ، غير المعنى المذكور في باب المط والمقيد.
    وتوضيح المراد في المقام : هو ان العرض لما كان وجوده لنفسه وبنفسه و في نفسه عين وجوده لغيره وبغيره وفي غيره لاستحالة قيام العرض بذاته بل تقرره انما يكون بمحله ، فيمكن ان يلاحظ العرض بما هو هو ومع قطع النظر عن عينية وجوده لوجود الموضوع ، كما أنه يمكن ان يلاحظ على ما هو عليه من القيام والاتحاد ، من دون تجريده وتقطيعه عما هو عليه من الحالة ، أي حالة القيام بالغير. فان لوحظ على الوجه الأول كان حينئذ عرضا مباينا غير محمول ويكون ملحوظا بشرط لا ، أي بشرط عدم الاتحاد والقيام بالمحل. وان لوحظ على الوجه الثاني كان حينئذ عرضيا متحدا محمولا ويكون ملحوظا لا بشرط ، أي لا بشرط عن التجرد والتقطيع ، بل لوحظ على ما هو عليه من الحالة من القيام بالموضوع.
    والحاصل : انه لا اشكال في أن العرض مط من أي مقولة كان ، هو بنفسه من الماهيات الامكانية التي لها حظ من الوجود ، ويقابل الجوهر عند تقسيم الممكنات. وكذا لا اشكال في أن قوام تقرر العرض بالموضوع ، حيث إنه ليس هو بنفسه متقررا في الوجود كتقرر الجوهر ، بل لابد في العرض من أن يوجد في محل و يقوم به ويتحد معه بنحو من الاتحاد ، وهو الاتحاد في الوجود ، وهذا معنى ما يقال : من أن وجود العرض لنفسه وبنفسه وفي نفسه عين وجوده لموضوعه وبموضوعه وفي موضوعه. وإذا كان الامر كذلك ، فتصل النوبة حينئذ إلى التفكيك بين الحيثيتين في مرحلة اللحاظ ، فيمكن لحاظه من الحيثية الأولى وذلك لايكون الا بالتجريد عن عينية وجوده لوجود موضوعه ، فيكون عرضا مفارقا غير محمول ، إذ التجريد يوجب مباينة وجوده لوجود موضوعه ، ومن المعلوم : انه لا يصح حمل أحد المتباينين على الاخر ، إذ يعتبر في الحمل نحو من الاتحاد ، سواء كان على وجه


(118)
الاتحاد في الهوية ، كما في اتحاد الحد للمحدود في قولك : الانسان حيوان ناطق ، أو على وجه الاتحاد في الوجود كقولك : زيد ضارب ، فلا يصح قولنا : زيد ضرب. و لحاظه بهذا لوجه هو المعنى بقولهم بشرط لا أي بشرط ان لايكون في الموضوع ، لا انه لايكون واقعا لاستحالة ذلك ، بل يقطع النظر عن كونه في الموضوع ، إذ قطع النظر عن ذلك ولحاظه على هذا الوجه بمكان من الامكان. كما أنه يمكن لحاظه من الحيثية الثانية ، أي لحاظه لا بشرط التجرد ، بل يلاحظ على ما هو عليه من العينية و الاتحاد ، فيكون عرضيا متحدا محمولا ويكون هو مفاد المشتق.
    ومن هنا يظهر : ان مبدء الاشتقاق لابد ان يكون معنى قابلا للحاظه بشرط لا أولا بشرط ، بان يكون هو بنفسه مجردا عن ذلك ، فلا يصح جعل المصدر أو اسم المصدر مبدء الاشتقاق ، لان كلا من المصدر واسم المصدر له معنى لا يمكن لحاظه لا بشرط ، بحيث يصح حمله على الخارج الا إذا جرد عن معناه فيخرج حينئذ عن كونه مصدرا أو اسم مصدر ، فتأمل جيدا.
    وعلى كل حال ، فقد ظهر المراد من قولهم : ان الفرق بين المشتق ومبدئه هو اللابشرطية والبشرط اللائية ، واتضح ان المشتق عبارة عن تلك الكيفية الحاصلة للعرض من قيامه بمعروضه ، واتحاد وجوده لوجوده ، وأين هذا من دخول الذات في مفهومه ؟.
    ثم انه لا فرق في ما ذكرناه من معنى المشتق ، بين اسم الفاعل والصفة المشبهة ، وغيرهما من الأسماء المشتقة : من اسم المفعول ، واسم المكان ، واسم الآلة كمضروب ومقتل ومفتاح وغير ذلك ، فإنه بعد ما كان وجود العرض وجودا رابطيا ، فلا محالة يكون بين العرض وبين موضوعه ـ من الآلة والمكان وغير ذلك من ملابسات الفعل ـ نحو من الربط والاتحاد المصحح للحمل ، غايته ان كيفية الاتحاد تختلف ، ففي اسم الفاعل يكون نحو من الاتحاد ، وفي اسم المفعول يكون نحوا آخر من الاتحاد ، وفي اسم الآلة أو اسم المكان نحو آخر. ويجمع الجميع : ان من قيام المبدء بالذات ـ على اختلاف أنحاء القيام والإضافة الحاصلة بين المبدء والذات ـ يحصل عنوان للعرض وكيفية للمبدء ، يكون الاسم موضوعا لذلك


(119)
العنوان ولتلك الكيفية.
    إذا عرفت هذه الأمور
    فاعلم : انه اختلف القوم في كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس أو للأعم منه وما انقضى على أقوال.
    ثالثها : التفصيل ، بين اسم الفاعل واسم المفعول ، وغيره من سائر هيئات المشتقات.
    ورابعها : التفصيل ، بين ماذا كان المبدء من الملكات والصناعات ، و غيرهما.
    وخامسها : التفصيل ، بين المتعدى كضارب ، وغيره كعالم.
    وسادسها : التفصيل ، بين ما إذا طرء ضد وجودي ، وغيره.
    وغير ذلك من الأقوال التي يقف عليها المراجع. الا ان الظاهر : ان هذه الأقوال حادثة بين المتأخرين ، بعد ما كانت المسألة ذات قولين : قول بوضعه لخصوص المتلبس مط في جميع التقادير ، وقول بوضعه للأعم كذلك. وهذه التفاصيل كلها نشأت من حسبان اختلاف الهيئات الاشتقاقية ، أو اختلاف مبادئ المشتقات فيما نحن فيه ، مع أن الظاهر أن ذلك لا يوجب اختلافا فيما نحن فيه ، إذ الكلام في وضع الهيئة للأخص أو الأعم ، وذلك مما لا يختلف فيه المبادئ كما لا يخفى ، غايته لو كان المبدء ملكة أو حرفة يكون الانقضاء باعتبار ذهاب الملكة ورفع اليد عن الحرفة ، ولو كان المبدء من الفعليات يكون الانقضاء بعدم الفعلية. وكان منشأ توهم التفصيل بين المبادئ ، هو تخيل صدق البقال مثلا بالنسبة إلى من لم يكن مشتغلا ببيع البقل ، فتوهم ان البقال لابد ان يكون للأعم. و كذا الكلام في غير البقال من سائر الصيغ التي تكون المبادئ فيها حرفة أو صناعة أو ملكة ، ولكن لا يخفى فساد التوهم ، فإنه بعد ما كان المبدء حرفة أو ملكة أو صناعة يكون العبرة في الانقضاء هو تبدل الحرفة والصناعة بحرفة وصناعة أخرى ، أو مجرد رفع اليد عن تلك الحرفة وان لم يتلبس بحرفة أخرى.
    وبالجملة : لا وجه للتفصيل بين مبادئ المشتقات أو هيئاتها ، فالعمدة في


(120)
المسألة هو اثبات وضع المشتق لخصوص المتلبس مط في جميع الموارد ، أو وضعه للأعم كذلك مط.
    والأقوى : انه موضوع لخصوص المتلبس مجاز في غيره ويدل على المختار أمور.
    الأول :
    انه بعد القول بالبساطة وخروج الذات عن مفهوم المشتق ، لا محيص عن القول بوضعه لخصوص المتلبس ، ولا يمكن ان يكون موضوعا للأعم ، إذ الوضع للأعم لايكون الا إذا كان هناك جامع بين المتلبس والمنقضى عنه المبدء ، حتى يكون اللفظ موضوعا بإزاء ذلك الجامع وليس في البين جامع بناء على البساطة ، وذلك لان المشتق يكون ح عبارة عن نفس العرض الملحوظ لا بشرط كما تقدم ، وليس وظيفة الهيئة الا جعل العرض المباين عرضيا محمولا ، فالمشتق هو عبارة عن العرض المحمول ، ومن المعلوم : توقف ذلك على وجود العرض حتى يصح لحاظه لا بشرط.
    والحاصل : ان انقضاء المبدء موجب لانعدام ما هو قوام المشتق وحقيقته ، إذ بعد ما كانت الذات منسلخة عن مدلول المشتق وكان حقيقة المشتق عبارة عن نفس العرض لا بشرط ، فلا يعقل ان يكون هناك جامع بين حالتي الانقضاء و التلبس يكون اللفظ موضوعا بإزائه ، لان الانقضاء موجب لانعدام عنوان المشتق ، ولا يعقل ان يكون اللفظ موضوعا بإزاء كلتا حالتي وجود المعنى وانعدامه ، إذ لا جامع بين الوجود والعدم ، فلا محيص من أن يكون المشتق موضوعا لخصوص المتلبس.
    وبالجملة : بناء على البساطة يرتفع الفارق وبين الجوامد والمشتقات ، الا من حيث كون الجوامد عناوين للذاتيات ، والمشتقات عناوين للعرضيات ، واما من حيث الوضع لخصوص المتلبس فلا فرق بينهما ، إذ كما أن انعدام الصورة النوعية الذاتية التي بها يكون الحجر حجرا يوجب انعدام العنوان وعدم انحفاظ ما وضع اللفظ بإزائه ، كذلك انعدام الصورة النوعية العرضية التي بها يكون الضارب ضاربا موجب لانعدام عنوان الضارب وعدم انحفاظ ما وضع اللفظ بإزائه. كل ذلك لمكان عدم ثبوت الجامع الباقي بين الحالتين الا الهيولي في الجوامد والذات
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس