فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 136 ـ 150
(136)
النفس للعضلات في كلا المقامين على نسق واحد. نعم ربما تختلف الإرادة بالشدة والضعف كسائر الكيفيات النفسانية ، الا ان الإرادة ما لم تكن واصلة إلى حد الشوق المؤكد الذي لا مرتبة بعده لا تكون مستتبعة لتصدي النفس. هذا في طلب الفاعل وارادته ، وقس على ذلك طلب الآمر ، فإنه لا يختلف بعث الآمر حسب اختلاف ملاكات البعث ، بل إنه في كلا المقامين يقول : افعل ، ويبعث المأمور نحو المطلوب ، ويقول مولويا : اغتسل للجمعة ، كما يقول : اغتسل للجنابة.
    فدعوى اختلاف الطلب في الشدة والضعف ، وكون ذلك هو المايز بين الوجوب والاستحباب مما لاوجه لها ، بل العرف والوجدان يكذبها وان قال به بعض الأساطين.
    والذي ينبغي ان يقال : هو ان الوجوب انما يكون حكما عقليا ، لا انه امر شرعي ينشأه الآمر حتى يكون ذلك مفاد الصيغة ومدلولها اللفظي ، كما هو مقالة من يقول بوضعها لذلك ، ومعنى كون الوجوب حكما عقليا ، هو ان العبد لابد ان ينبعث عن بعث المولى الا ان يرد منه الترخيص بعد ما كان المولى قد اعمل ما كان من وظيفته وأظهر وبعث وقال مولويا : افعل ، وليس وظيفة المولى أكثر من ذلك ، و بعد اعمال المولى وظيفته تصل النوبة إلى حكم العقل من لزوم انبعاث العبد عن بعث المولى ، ولا نعنى بالوجوب سوى ذلك.
    وبما ذكرنا يندفع ما استشكل : من أنه كيف يعقل استعمال الصيغة في الأعم من الوجوب والاستحباب ، كما ورد في عدة من الاخبار ذكر جملة من الواجبات والمستحبات بصيغة واحدة كقوله : اغتسل للجمعة ، والجنابة ، والتوبة ، وغير ذلك ، فإنه لو كان الوجوب عبارة عن شدة الطلب ، والاستحباب عبارة عن ضعفه لكان الاشكال في محله ، بداهة انه لا يعقل ان يوجد الطلب بلا حد خاص من الشدة والضعف ، إذ لا يمكن وجود الكلي بلا حد.
    واما بناء على ما قلناه من معنى الوجوب فلا اشكال فيه ، إذ ليس الطلب منقسما إلى قسمين ، بل الطلب انما يكون عبارة عن البعث ، وهو غير مقول بالتشكيك والصيغة في جميع المقامات لم تستعمل الا لايقاع النسبة بداعي البعث والتحريك


(137)
غايته انه في بعض المقامات قام الدليل على عدم لزوم الانبعاث عن ذلك البعث ، و في بعض المقامات لم يقم ، فيكون المورد على ما هو عليه من حكم العقل بلزوم الانبعاث عن البعث.
    فتحصل من جميع ما ذكرنا : ان الوجوب لا يستفاد من نفس الصيغة وضعا أو انصرافا ، بل انما يستفاد منها بضميمة حكم العقل. وبتقريب آخر : الوجوب ليس معناه لغة الا الثبوت ، ومنه قولهم : الواجب بالذات والواجب بالغير ، فان معنى كونه واجبا بالذات ، هو ان ثبوته يكون لنفسه ولمكان اقتضاء ذاته لا لعلة خارجية تقتضي الثبوت ، ومعنى كونه واجبا بالغير ، هو ثبوت علة وجوده ، أي ان علة وجوده قد تمت وثبتت. هذا في الواجبات التكوينية ، وقس عليه الواجبات التشريعية ، فان معنى كون الشيء واجبا شرعا هو ثبوت علة وجوده في عالم التشريع ، وليس علة وجوده الا البعث ، فالبعث يقتضى الوجود لو خلى وطبعه ولم يقم دليل على أن البعث لم يكن للترغيب الذي هو معنى الاستحباب ، وليكن هذا معنى قولهم : اطلاق الصيغة يقتضى الوجوب ، فتأمل في المقام جيدا.
    ( الامر السادس )
    في دلالة الصيغة على التعبدية والتوصلية.
    اعلم : ان البحث في ذلك يقع في مقامين :
    المقام الأول : فيما يقتضيه الأصلي اللفظي.
    المقام الثاني : فيما يقتضيه الأصل العملي عند عدم الأصل اللفظي ، وتنقيح البحث عن المقام الأول يستدعى تقديم أمور :
    الامر الأول :
    في معنى التعبدية والتوصلية اما التعبدية : فهي عبارة عن الوظيفة التي شرعت لأجل ان يتعبد بها العبد لربه ويظهر عبوديته ، وهي المعبر عنها بالفارسية ( بپرستش ) ومعلوم : ان أهل كل نحلة لهم أفعال يظهرون بها عبوديتهم ، ويعبدون بها معبودهم حتى عبدة الصنم والشمس ، فان لهم حركات خاصة وأفعالا مخصوصة ، بها يتذللون لمعبودهم ، ويظهرون له العبودية. فالمراد من العبادة في شرعنا ، هو ما


(138)
شرع لان يتعبد به العبد لربه ، ومعلوم : ان فعل الشيء لاظهار العبودية لايكون الا بفعله امتثالا لامره ، أو طلبا لمرضاته ، أو طمعا في جنته ، أو خوفا من ناره أو غير ذلك مما يحصل به قصد التقرب ، على ما ذكرنا تفصيل ذلك في الفقه عند البحث عن نية الصلاة ، (1) ولا يكون الشيء عبادة بدون ذلك كما لا يخفى.
    ويقابلها التوصلية ، وهي ما لم يكن تشريعه لأجل اظهار العبودية.
    وقد يطلق التوصلية ويراد منها : عدم اعتبار المباشرة ، أو عدم اعتبار الإرادة والاختيار ، أو عدم اعتبار الإباحة والسقوط بفعل المحرم. ولا يخفى ان النسبة بين الاطلاقين هي العموم من وجه ، إذ ربما يكون الشيء توصليا بالمعنى الأول ، أي ( لم يشرع لأجل اظهار العبودية ) ومع ذلك يعتبر فيه الإرادة والاختيار ، كوجوب رد التحية ، فإنه لا يعتبر فيه قصد التعبد ، ومع ذلك يعتبر فيه المباشرة ، وربما ينعكس الامر ويكون الشيء توصليا بالمعنى الثاني أي لا يعتبر فيه المباشرة ويسقط بالاستنابة و فعل الغير ، ومع ذلك لايكون توصليا بالمعنى الأول بل يكون تعبديا ، كقضاء صلاة الميت الواجب على الولي ، فإنه يعتبر فيه التعبد مع عدم اعتبار المباشرة. وعلى كل حال البحث يقع في مقامين :
    المقام الأول : في أصالة التعبدية المقابلة للتوصلية بالمعنى الأول لها.
    المقام الثاني : في أصالة التعبدية المقابلة للتوصلية بالمعنى الثاني لها.
    ولنقدم الكلام في المقام الثاني ، ثم نعقبه بالمقام الأول.
    فنقول : ان الحق فيه ، هو أصالة التعبدية ، بمعنى اعتبار المباشرة والإرادة و الاختيار والإباحة ، فلا يسقط بفعل الغير ، ولا بلا إرادة واختيار ، ولا بفعل المحرم ، الا ان يقوم دليل على عدم اعتبار أحد القيود الثلاثة أو جميعها ، ولكن تحرير الأصل بالنسبة إلى هذه القيود الثلاثة يختلف ، وليس هناك أصل واحد يقتضى القيود الثلاثة. فينبغي تحرير الأصل الجاري في اعتبار كل قيد على حدة.
1 ـ راجع تفصيل هذا البحث في المجلد الثاني من تقرير أبحاث المحقق النائيني قدس سره في مباحث الصلاة لتلميذه المحقق الحاج شيخ محمد تقي الآملي طاب مضجعه. الفصل الأول من فصول أفعال الصلاة ص 2.

(139)
    فنقول : اما تحرير أصالة التعبدية ، بمعنى اعتبار المباشرة وعدم سقوطه بالاستنابة وفعل الغير ، فيتوقف على بيان كيفية نحو تعلق التكليف فيما ثبت جواز الاستنابة فيه وسقوطه بفعل الغير تبرعا ، بعد ما كان هناك ملازمة بين جواز الاستنابة وجواز التبرع ، فان كلما يدخله الاستنابة (1) يدخله التبرع كذا العكس.
    وليعلم : ان التكليف لا يسقط بمجرد الاستنابة فيما ثبت جواز الاستنابة فيه ، بل انما يسقط بفعل النائب ، لا بنفس الاستنابة ، فيقع الاشكال ح في كيفية تعلق التكليف على هذا النحو ، وانه من أي سنخ من الأقسام المتصورة في التكاليف ؟ من حيث الاطلاق والاشتراط والتعيينية والتخييرية وغير ذلك من الأقسام.
    فنقول : اما تعلق التكليف بالنسبة إلى المادة ، أي الفعل المطالب به ، فيكون على وجه التعيين ، بمعنى انه لا يقوم شيء مقامه ، كما يقوم العتق مقام الصيام و الصيام مقام الاطعام في خصال الكفارة. واما من حيث جهة الصدور عن الفاعل فلا يعتبر فيه التعيينية ، بمعنى انه لا يعتبر فيه مباشرة المأمور بنفسه ، واصدار المكلف بعينه ، بل للمكلف الاستنابة فيه واستيجار الغير له.
    وبذلك يمتاز عن الواجب الكفائي ، فان الوجوب فيه بالنسبة إلى المادة وان كان على وجه التعيين ، ولا يعتبر مباشرة شخص خاص فيه ، الا ان الوجوب فيه متوجه إلى عامة المكلفين ، بحيث ان كل من اتى به فقد اتى بما هو واجب عليه نفسه ، لا انه يأتي به نيابة عن الغير. وهذا بخلاف المقام ، فان الآتي بالعمل ، سواء كان على وجه الاستنابة ، أو على وجه التبرع ، انما يأتي به عن الغير ، ويقصد تفريغ ذمة الغير ، بحث لو لم يأت به على هذا الوجه لكان الواجب بعد باقيا في ذمة الغير و لا يسقط عنه ، كما في القضاء عن الميت ، وأداء الدين ، وأمثال ذلك من الواجبات
1 ـ الا في بعض فروع الجهاد ، حيث يجوز الاستنابة فيه ويقع الفعل عن المنوب عنه ويترتب عليه قسمة الغنيمة ولا يدخله التبرع بل يقع الفعل عن المتبرع ، الا ان يتأمل في ذلك أيضا ، فتأمل وراجع أدلة الباب ـ منه.

(140)
التي يكون المكلف بها شخصا خاصا ، ومع ذلك يسقط بفعل الغير استنابة أو تبرعا ، فقولنا في المقام : انه لا يعتبر فيه صدوره عن المكلف لا يلازم كونه واجبا كفائيا ، بل التكليف بالنسبة إلى جهة جواز الاستنابة يكون على وجه التخيير ، ويكون نتيجة التكليف بعد قيام الدليل على جواز الاستنابة فيه هو التخيير بين المباشرة والاستنابة لان الاستنابة أيضا فعل اختياري للشخص قابلة لتعلق التكليف بها تخييرا أو تعيينا ، ومعلوم ان التخيير على هذا الوجه انما يكون شرعيا لا عقليا ، إذ ليس هناك جامع قريب عرفي حتى يكون التخيير عقليا.
    وبعبارة أخرى : ليس هناك جامع خطابي بين المباشرة والاستنابة ، وما لم يكن في البين جامع خطابي لايكون التخيير عقليا وان كان هناك جامع ملاكي ، فان مجرد وجود الجامع الملاكي لا يكفي في التخيير العقلي.
    وبعبارة ثالثة : يعتبر في التخيير العقلي ان تكون افراد التخيير مندرجة تحت حقيقة واحدة عرفية ، كالانسان بالنسبة إلى افراده ، ولا يكفي في التخيير العقلي الاشتراك في الأثر مع تباين الافراد بالهوية ، كالشمس والنار ، حيث إنهما متباينان بالهوية مع اشتراكهما في الأثر وهو التسخين ، فالتخيير بين المباشرة والاستنابة لابد ان يكون شرعيا.
    وربما يتوهم : ان الاستنابة ترجع إلى التسبيب ، وان المنوب عنه يكون سببا لوقوع الفعل عن الفاعل الذي هو النايب والفعل يستند إليه بتسبيبه.
    وفيه ان ضابط باب التسبيب ، هو ان لا يتوسط بين السبب وبين الأثر إرادة فاعل مختار تام الإرادة والاختيار ، كفتح قفص الطائر الذي يكون سببا لهلاك الطير وامر الصبي الغير المميز ، فان الفعل في مثل هذا يستند إلى السبب دون المباشر ، وأما إذا توسط في البين إرادة فاعل مختار فالفعل انما يستند إلى المباشر دون السبب كما في المقام ، حيث إن الفعل يستند إلى النائب دون المنوب عنه الا بعناية و تسامح كما في بنى الأمير المدينة. فجعل باب الاستنابة من صغريات باب التسبيب كما يظهر من بعض الكلمات مما لا وجه له ، بل الاستنابة هي باب على حدة وعنوان مستقل وتكون في موارد جوازها أحد فردي التخيير الشرعي هذا.


(141)
    وحيث عرفت : ان جواز الاستنابة يلازم جواز التبرع ولو مع عدم رضا المتبرع عنه ، بل تفرغ ذمته قهرا عليه ، فينبغي ح ان يبحث عن كيفية سقوط التكليف بتبرع المتبرع ، وان نحو تعلق التكليف بالمكلف مع سقوطه بفعل المتبرع على أي وجه يكون ؟ فان في مثل هذا لا يمكن ان يكون على وجه التخيير ، وليس تبرع المتبرع من قبيل الاستنابة ، بان يكون أحد فردي التخيير الشرعي فضلا عن التخيير العقلي ، لان أحد طرفي التخيير لابد ان يكون مقدورا للمكلف ويتعلق به ارادته نحو تعلقه بالطرف الاخر ، وفعل الغير لا يدخل تحت قدرة المكلف ، ولا يمكن تعلق الإرادة به ، فلا معنى لان يقال : افعل أنت بنفسك أو غيرك.
    والحاصل : انه لا يمكن ان يكون الشخص مكلفا بفعل غيره ولو على وجه التخيير بين فعله وفعل غيره. بل فيما يكون فعل الغير مسقطا للتكليف عن المكلف إذا توقف اسقاطه على قصد النيابة واتيان الفعل عنه ـ كما في الحج ، والقضاء عن الميت وأداء الدين حيث لا يسقط التكليف عن المكلف الا باتيان الغير نيابة عنه و بقصد تفريغ ذمته ، والا لا يقع الفعل عن المكلف ولا تفرغ ذمته ، بخلاف إزالة النجاسة حيث إن الوجوب يسقط فيها على أي وجه اتفق ـ يكون هناك جهة أخرى تمنع من كونه أحد فردي التخيير ، مضافا إلى أنه خارج عن تحت القدرة والاختيار ، وهي ان اسقاط فعل الغير التكليف عن غيره انما يكون بعد توجه التكليف إليه و مطالبته به ، حتى يمكن للغير قصد النيابة عنه واتيانه بالفعل بداعي تفريغ الذمة و تنزيل نفسه منزلة المكلف ، فيكون السقوط بفعل الغير في طول التكليف وتوجهه نحو المكلف ، إذ بعد توجه التكليف نحوه واشتغال ذمته به يمكن للغير تفريغ ذمته وفعله نيابة عنه ، ومن المعلوم : ان ما كان في طول الشيء لا يمكن ان يكون في عرضه واحد فردي التخيير فتأمل.
    وعلى كل حال ، ان فعل الغير وتبرعه لا يمكن ان يكون أحد فردي التخيير ، وليس فعل الغير كالاستنابة ، حيث إنها يمكن ان تكون أحد فردي التخيير ، لان الاستنابة فعل اختياري للمكلف ، فيمكن تعلق التكليف بها تعيينا أو تخييرا ، وأين هذا من فعل الغير الذي لايكون تحت قدرة المكلف وارادته ؟ فسقوط التكليف بفعل


(142)
الغير لا يمكن ان يكون على وجه التخيير ، بل لابد ان يكون ذلك على وجه تقييد الموضوع فيما إذا كان للتكليف تعلق بموضوع خارجي كخطاب أد الدين ، أو تقييد الحكم فيما إذا لم يكن له تعلق بموضوع خارجي كالحج ، فيكون وجوب أداء الدين من جهة السقوط بفعل الغير من قبيل الواجب المشروط ، ويرجع حقيقة التكليف إلى وجوب أداء الدين الذي لم يؤده الغير ، فالواجب على المكلف هو الدين المقيد. وكذا يقال في الحج : ان وجوب الحج مشروط بعد قيام الغير به تبرعا.
    فتحصل من جميع ما ذكرنا : ان التكليف الذي ثبت فيه جواز الاستنابة و جواز تبرع الغير يجتمع فيه جهات ثلث : جهة تعيينية وهي بالنسبة إلى المادة حيث لا يقوم شيء مقامها ، وجهة تخييرية وهي بالنسبة إلى الاستنابة ، وجهة اشتراط و تقييد وهي بالنسبة إلى السقوط بفعل الغير. هذا إذا ثبت جواز الاستنابة فيه.
    وأما إذا شك ، كما هو المقصود بالكلام ، فالشك في جواز الاستنابة يستتبع الشك في السقوط بفعل الغير ، لما عرفت من الملازمة بينهما ، فيحصل الشك فيه من جهتين : التعيين والتخيير ، ومن جهة الاطلاق والاشتراط ، وأصالة التعيينية و الاطلاق ترفع كلتا جهتي الشك ، كما هو الشأن في جميع موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير ، والاطلاق والاشتراط ، حيث إن ظاهر الامر ومقتضى الأصل اللفظي هو التعيين والاطلاق ، فالأصل اللفظي يقتضى التعبدية بمعنى عدم جواز الاستنابة وعدم السقوط بفعل الغير ، هذ إذا كان هناك اطلاق.
    وأما إذا لم يكن ، ووصلت النوبة إلى الأصل العملي ، فمقتضى الأصل يختلف باختلاف جهتي الشك. اما من جهة الشك في التعيين والتخيير ، فالأصل يقتضى الاشتغال وعدم السقوط بالاستنابة ، على ما هو الأقوى عندنا : من أن الأصل هو الاشتغال في دوران الامر بين التعيين والتخيير كما حررناه في محله.
    واما من جهة الشك في الاطلاق والاشتراط ، فالأصل العملي في موارد دوران الامر بين الاطلاق والاشتراط وان كان ينتج نتيجة الاشتراط ، على عكس الأصل اللفظي ، لرجوع الشك فيه إلى الشك في التكليف في صورة فقدان الشرط ، و الأصل البراءة عنه ، كالشك في وجوب الحج عند عدم الاستطاعة لو فرض الشك في


(143)
اشتراط الوجوب بها ، الا انه في المقام لا يمكن ذلك ، لأن الشك في المقام راجع إلى مرحلة البقاء وسقوط التكليف بفعل الغير ، لا في مرحلة الجعل والثبوت ، ومقتضى الاستصحاب هو بقاء التكليف وعدم سقوطه بفعل الغير. وما قلناه : من أصالة البراءة عند دوران الامر بين الاطلاق والاشتراط ، انما هو فيما إذا رجع الشك إلى ناحية الثبوت كمثال الحج ، لا إلى ناحية البقاء كما في المقام. هذا تمام الكلام في أصالة التعبدية بمعنى اعتبار المباشرة وعدم السقوط بالاستنابة وفعل الغير.
    واما الكلام في أصالة التعبدية بمعنى اعتبار الإرادة والاختيار وعدم السقوط بدون ذلك ، فمجمل القول فيه : هو ان الأقوى فيه أيضا أصالة التعبدية ، بمعنى عدم سقوط التكليف عند فعله بلا إرادة واختيار ، وليس ذلك لأجل اخذ الاختيار في مواد الافعال ، لوضوح فساده ، بداهة عدم توقف الضرب والقتل وغير ذلك من المواد على وقوعها عن إرادة واختيار ، وكذا ليس ذلك لأجل اخذ الاختيار في هيئات الافعال ، لوضوح انه لا يتوقف صدق انتساب المادة إلى الفاعل على الإرادة والاختيار ، وكيف يمكن ذلك ؟ مع أن الافعال تعم أفعال السجايا وغيرها ، كنجل ، وعلم ، وكرم ، واحمر ، واصفر ، وذلك مما لا يمكن فيه الإرادة والاختيار ، فهيئة الفعل الماضي والمضارع لا دلالة فيها على الاختيار. نعم تمتاز هيئة فعل الامر عن سائر الأفعال في اعتبار الاختيارية وذلك لامرين :
    الأول : انه يعتبر في متعلق التكليف ان يكون صدوره عن الفاعل حسنا. و بعبارة أخرى : يعتبر عقلا في متعلق التكليف القدرة عليه ليتمكن المكلف من امتثال الامر على وجه يصدر الفعل عنه حسنا ، ومن المعلوم : ان صدور الفعل حسنا من فاعله يتوقف على الإرادة والاختيار ، إذ الافعال الغير الاختيارية لا تتصف بالحسن والقبح الفاعلي ، وان اتصفت بالحسن والقبح الفعلي ، فلابد من خروج ما لايكون بإرادة واختيار عن متعلق التكليف عقلا ، ولا يمكن ان يعمه سعة دائرة الامر.
    الثاني : هو ان نفس الامر يقتضى اعتبار الإرادة والاختيار مع قطع النظر عن الحكم العقلي ، وذلك لان الامر الشرعي انما هو توجيه إرادة العبد نحو المطلوب و


(144)
تحريك عضلاته ، فالامر هو بنفسه يقتضى اعتبار الإرادة والاختيار ، ولا يمكن ان يتعلق بالأعم لأنه بعث للإرادة وتحريك لها ، وح لو قام دليل على سقوط التكليف عند فعل متعلقه بلا إرادة واختيار ، كان ذلك من قبيل سقوط التكليف بفعل الغير ، وهو يرجع إلى تقييد الموضوع ، واطلاق الخطاب عند الشك يدفع التقييد المذكور ، فالأصل اللفظي يقتضى عدم السقوط عند عدم الإرادة والاختيار. وكذا الحال في الأصل العملي على حذو ما تقدم عند الشك في سقوطه بفعل الغير.
    واما أصالة التعبدية بمعنى عدم سقوطه بفعل المحرم ، فتوضيح الكلام فيه : هو ان السقوط بفعل المحرم لابد ان يكون لمكان اتحاد متعلق الامر مع متعلق النهى خارجا ، والا لم يعقل السقوط بدون ذلك ، وهذا الاتحاد انما يكون بأحد أمرين : اما لكون النسبة بين المتعلقين العموم والخصوص المطلق ، واما لكون النسبة هي العموم من وجه ، إذ لا يمكن الاتحاد بدون ذلك. فان كان بين المتعلقين العموم والخصوص المطلق ، فيندرج في باب النهى عن العبادة ويخرج الفرد المحرم عن سعة دائرة الامر ويقيد الامر لا محالة بما عدا ذلك ، من غير فرق بين العبادة وغيرها كما لا يخفى. و إن كان بين المتعلقين العموم من وجه ، فيندرج في باب اجتماع الأمر والنهي ، فان قلنا في تلك المسألة بالامتناع مع تقديم جانب النهى ، كان من صغريات النهى عن العبادة أيضا على ما سيأتي بيانه انشاء الله تعالى ، وان قلنا بالجواز كما هو المختار فالمتعلق وان لم يتحد واندرج في باب التزاحم ، الا انه مع ذلك لا يصلح الفرد المحرم للتقريب (1) لعدم حسنه الفاعلي وان كان فيه ملاك الامر ، الا انه لما يقع مبغوضا عليه لمكان مجامعته للحرام ، فلا يصلح لان يتقرب به ، فلا يسقط الامر به. فالأصل
1 ـ لا يخفى : ان هذا البيان انما يتم فيما إذا كان المأمور به عبادة ، وأما إذا لم يكن عبادة فبغضه الفاعلي مما لا اثر له بعد ما كان المقام من باب التزاحم واشتمال الفعل على تمام الملاك ، فلا محيص من سقوط الامر حينئذ ولا مجال للشك فيه. وهذا بخلاف المقامات المتقدمة ، فان في جميعها مجالا واسعا لتطرق الشك فيها ، لاحتمال دخل الاختيار مثلا أو المباشرة في ملاك الحكم ، ولأجله نحتاج إلى دليل خارجي يدل على السقوط بذلك بخلاف ما كان من باب التزاحم ، فان نفس دليل الحكم يقتضى السقوط لمكان كشفه عن الملاك حتى في الفرد المزاحم للحرام ، كما هو لازم القول بجواز الاجتماع ، فتأمل ـ منه.

(145)
اللفظي وكذا العملي يقتضى عدم السقوط بفعل المحرم ، كما اقتضيا عدم السقوط بالاستنابة وفعل الغير وعن لا إرادة واختيار. هذا تمام الكلام في المقام الثاني. فلنعطف الكلام إلى المقام الأول ، الذي هو المقصود بالأصالة في هذا المبحث ، وهو ان الأصل يقتضى التعبدية بالمعنى الآخر لها أو لا يقتضى ، وقد عرفت في الامر الأول من الأمور التي أردنا تقديمها في هذا المبحث معنى التعبدية ، وحاصله : ان التعبدية عبارة عن الوظيفة التي شرعت لأجل ان يتعبد بها ، ويظهر العبد عبوديته لمولاه.
    الامر الثاني :
    لا اشكال في أن كل حكم له متعلق وموضوع. والمراد من المتعلق هو ما يطالب به العبد من الفعل أو الترك ، كالحج ، والصلاة ، والصوم ، وغير ذلك من الافعال. والمراد بالموضوع هو ما اخذ مفروض الوجود في متعلق الحكم ، كالعاقل البالغ المستطيع مثلا. وبعبارة أخرى : المراد من الموضوع هو المكلف الذي طولب بالفعل أو الترك بما له من القيود والشرائط : من العقل والبلوغ وغير ذلك.
    ثم إن كلا من الموضوع والمتعلق له انقسامات عقلية سابقة على مرحلة ورود الحكم عليه ، وهذه الانقسامات تلحق له بحسب الامكان العقلي ولو لم يكن هناك شرع ولا حكم ، ككون المكلف عاقلا ، بالغا ، قادرا ، روميا ، زنجيا ، احمر ، ابيض ، اسود ، وغير ذلك من الانقسامات التي يمكن ان تفرض له. وككون الصلاة مثلا إلى القبلة ، أو في المسجد ، أو الحمام ، مقرونة بالطهارة ، إلى غير ذلك من الانقسامات التي يمكن ان تفرض لها في حد نفسها ولو لم تكن متعلقة لحكم أصلا.
    ولكل منهما أيضا انقسامات تلحقهما بعد ورود الحكم عليهما ، بحيث لولا الحكم لما أمكن لحوق تلك الانقسامات لهما ، ككون المكلف عالما بالحكم ، أو جاهلا به ، بداهة ان العلم بالحكم لا يمكن الا بعد الحكم. وهذا بخلاف العلم ، بالموضوع ، فإنه يمكن لحوقه بدون الحكم. هذا بالنسبة إلى الموضوع. واما بالنسبة إلى المتعلق ، ككون الصلاة مما يتقرب ويمتثل بها ، فان هذا انما يلحق الصلاة بعد الامر بها ، إذ لولا الامر لما كان عروض هذا الوصف لها ممكنا.


(146)
    ثم انه لا اشكال في امكان التقييد أو الاطلاق بالنسبة إلى كل من الموضوع والمتعلق بلحاظ الانقسامات السابقة على ورود الحكم ، بل لا محيص اما من الاطلاق أو التقييد ، لعدم امكان الاهمال الواقعي بالنسبة إلى الآمر الملتفت ، لوضوح انه لابد من تصور موضوع حكمه ومتعلقه ، فإذا كان ملتفتا إلى الانقسامات اللاحقة للموضوع أو المتعلق ، فاما ان لا يعتبر فيه انقساما خاصا فهو مطلق ، أو ان يعتبر فيه انقساما خاصا فهو مقيد.
    وبالجملة : لو أوجب اكرام الجيران وهو ملتفت إلى أن الاكرام يمكن ان يكون بالضيافة ويمكن ان يكون بغيرها ، وكذا كان ملتفتا إلى أن في الجيران عدوا وصديقا ، فان تساوت الأقسام في نظره فلا محيص من اطلاق حكمه ، والا فلابد من التقييد بما يكون منها موافقا لنظره ، هذا بحسب الثبوت ونفس الامر. واما بحسب مقام الاثبات ومرحلة الاظهار ، وفيمن فيه الاهمال لغرض له في ذلك. هذا في الانقسامات السابقة على الحكم اللاحقة للموضوع أو المتعلق.
    واما الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيها التقييد ثبوتا ، وإذا امتنع التقييد امتنع الاطلاق أيضا لما بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ، فالقدرة على أحدهما عين القدرة على الآخر ، كما أن امتناع أحدهما عين امتناع الآخر وذلك واضح. فالشأن انما هو في اثبات امتناع التقييد. فنقول : يقع الكلام تارة : بالنسبة إلى الموضوع ، وأخرى : بالنسبة إلى المتعلق. اما بالنسبة إلى الموضوع ، فالتقييد تارة : يكون في مرحلة فعلية الحكم ، وأخرى : يكون في مرحلة انشائه.
    واما التقييد في مرحلة فعلية الحكم فلا يعقل ، للزوم الدور. وذلك لان فعلية الحكم انما يكون بوجود موضوعه ، كما أوضحناه في محله ، فنسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول ، ولا يعقل تقدم الحكم على موضوعه ، والا يلزم عدم موضوعية ما فرض كونه موضوعا ، وذلك واضح. ومن المعلوم : ان العلم بالشيء يتوقف على ثبوت الشيء في الموطن الذي تعلق العلم به ، إذ العلم لابد له من متعلق و رتبة المتعلق سابقة على العلم ليمكن تعلق العلم به ، فلو فرض ان العلم بالحكم اخذ قيد للموضوع فلا بد من ثبوت الموضوع بماله من القيود في المرتبة السابقة على الحكم ، لما


(147)
عرفت : من لزوم تقدم الموضوع على الحكم ، ففعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع ، فلو فرض ان العلم بالحكم اخذ قيدا في الموضوع يلزم توقف الموضوع على الحكم ، لان من اجزاء الموضوع العلم بالحكم ، فلابد من وجود الحكم ليلتئم الموضوع بماله من الاجزاء ، وهذا كما ترى يلزم منه الدور المصرح ، غايته ان التوقف من أحد الجانبين يكون شرعيا وهو توقف الحكم على الموضوع لان الموضوع انما يكون بحسب الجعل الشرعي إذ لو لم يعتبره الشارع لما كاد ان يكون موضوعا ، ومن الجانب الاخر يكون عقليا وهو توقف الموضوع على الحكم ، لان توقف العلم الذي اخذ قيدا للموضوع على المعلوم الذي هو الحكم حسب الفرض عقلي ، ولك ان تجعل التوقف من الجانبين عقليا فتأمل.
    وعلى كل حال ، لا اشكال في لزوم الدور ان اخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مقام فعلية الحكم. واما ان اخذ قيدا في مقام الانشاء فربما يتوهم عدم المانع من ذلك ، لان انشاء الحكم لا يتوقف على وجود الموضوع وان توقف فعليته عليه ، بل انشاء الاحكام انما يكون قبل وجود موضوعاتها ، فيرتفع التوقف من أحد الجانبين هذا.
    ولكن اخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلة الانشاء وان لم يلزم منه الدور المصطلح ، الا انه يلزم منه توقف الشيء على نفسه ابتداء بدون توسيط الدور.
    وتوضيح ذلك : هو ان الدور عبارة عن الذهاب والإياب في سلسلة العلل والمعلولات ، بان يقع ما فرض كونه علة لوجود الشيء في سلسلة معلوله ، اما بلا واسطة كتوقف ( ا ) على ( ب ) و ( ب ) على ( ا ) أو مع الواسطة كما إذا فرض توسط ( ج ) في البين ، والأول هو المصرح ، والثاني هو المضمر.
    والوجه في امتناع الدور ، هو لزوم تقدم الشيء على نفسه الذي هو عبارة عن اجتماع النقيضين ، فان هذا هو الممتنع الأولى العقلي الذي لابد من رجوع كل ممتنع إليه ، والا لم يكن ممتنعا ، فالممتنع الأولى هو ان يكون الشيء موجودا في حال كونه معدوما الذي هو عبارة عن اجتماع الوجود والعدم في شيء واحد في آن واحد ، والدور انما يكون ممتنعا لأجل استلزامه ذلك ، فان توقف ( ا ) على ( ب ) يستدعى تقدم


(148)
( ب ) في الوجود على ( الف ) ، فلو فرض توقف ( ب ) على ( الف ) أيضا يلزم تقدم ( الف ) على ( ب ) المفروض تأخره عنه ، ويرجع بالآخرة إلى توقف ( الف ) على نفسه ، فلو فرض في مورد لزوم هذا المحذور بلا توسط الدور ، فهو أولى بان يحكم عليه بالامتناع.
    وبعد ذلك نقول في المقام : لو اخذ العلم بالحكم قيدا للموضوع في مرحلة الانشاء يلزم تقدم الشيء على نفسه ، وذلك لأنه لابد من فرض وجوده بما انه مرآة لخارجه قبل وجود نفسه ، إذ الانشاءات الشرعية انما تكون على نهج القضايا الحقيقية التي هي المتعبرة في العلوم ، وليس من القضايا العقلية التي لا موطن لها الا العقل ، ولا من أنياب الأغوال التي تكون مجرد فرض لا واقعية لها أصلا ، بل الانشاءات الشرعية انما هي عبارة عن جعل الاحكام على موضوعاتها المقدرة وجوداتها ، هذا الجعل انما يكون قبل وجود الموضوعات في الخارج ، وعند وجودها تصير تلك الأحكام فعلية.
    وحينئذ لو فرض اخذ العلم بالانشاء قيدا للموضوع في ذلك المقام ، فلابد من تصور الموضوع بماله من القيود لينشأ الحكم على طبقه ، والمفروض ان من قيود الموضوع العلم ، بهذا الانشاء نفسه ، فلابد من تصور وجود الانشاء مرآة لخارجه قبل وجود نفسه ، وهذا كما ترى يلزم منه تقدم الانشاء على نفسه ، وهو ضروري الامتناع.
    والحاصل :
    انه لو اخذ العلم بالحكم قيدا في مقام الانشاء ، والمفروض انه لا حكم سوى ما أنشأ ، فلابد من تصور وجود الانشاء قبل وجوده ليمكن اخذ العلم به قيدا ، وليس ذلك مجرد قضية فرضية من قبيل أنياب الأغوال ، حتى يقال : لا مانع من تصور وجود الشيء قبل نفسه لامكان فرض اجتماع النقيضين ، بل قد عرفت : ان الأحكام الشرعية وانشاءاتها انما تكون على نهج القضايا لحقيقية القابلة الصدق على الخارجيات ، وتصور وجود الشيء القابل للانطباق الخارجي قبل وجود نفسه محال هذا كله في الانقسامات اللاحقة للموضوع المترتبة على الحكم.


(149)
    واما الانقسامات اللاحقة للمتعلق المترتبة على الحكم ، كقصد امتثال الامر في الصلاة مثلا ، فامتناع اخذه في المتعلق انما هو لأجل لزوم تقدم الشيء على نفسه في جميع المراحل ، أي في مرحلة الانشاء ، ومرحلة الفعلية ، ومرحلة الامتثال.
    اما في مرحلة الانشاء : فالكلام فيه هو الكلام في اخذ العلم في تلك المرحلة ، حيث قلنا : انه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه ، فان اخذ قصد امتثال الامر في متعلق نفس ذلك الامر يستلزم تصور الامر قبل وجود نفسه ، وكذا الحال عند اخذه في مقام الفعلية ، فان قصد امتثال الامر يكون ح على حذو سائر الشرائط والاجزاء كالفاتحة ، ومن المعلوم : ان فعل المكلف إذا كان له تعلق بما هو خارج عن قدرته ، فلابد من اخذ ذلك مفروض الوجود ليتعلق به فعل المكلف ويرد عليه ، كالأمر في قصد امتثال الامر ، فان قصد الامتثال الذي هو فعل المكلف انما يتعلق بالامر ، وهو من فعل الشارع خارج عن قدرة المكلف ، فلابد ان يكون موجودا ليتعلق القصد به ، كالفاتحة التي يتعلق بها القراءة التي هي فعل المكلف ، وكالقبلة حيث يتعلق الامر باستقبالها ، فلابد من وجود ما يستقبل ليتعلق الامر بالاستقبال ، إذ لا يعقل الامر بالاستقبال فعلا مع عدم وجود المستقبل إليه. وفي المقام لابد من وجود الامر ليتعلق الامر بقصده ، والمفروض انه ليس هناك الا امر واحد تعلق بالقصد وتعلق القصد به ، وهذا كما ترى يلزم منه وجود الامر قبل نفسه كما لا يخفى.
    وبالجملة : قصد امتثال الامر إذا اخذ قيدا في المتعلق في مرحلة فعلية الامر بالصلاة فلابد من وجود الامر ليتعلق الامر بقصد امتثاله ، مع أنه ليس هناك الا امر واحد ، فيلزم وجود الامر قبل نفسه.
    واما في مرحلة الامتثال : فكذلك أي يلزم وجود الشيء قبل نفسه ، بمعنى انه لا يمكن للمكلف امتثاله لاستلزامه ذلك المحذور ، وذلك لان قصد امتثال الامر إذا تعلق الطلب به ووقع تحت دائرة الامر واخذ في المتعلق قيدا على حذو سائر الشروط والاجزاء ، فلابد للمكلف من أن يأتي بهذا القيد بداعي امتثال امره ، كما يأتي بسائر الاجزاء بداعي امتثال امره ، فيلزم المكلف ان يقصد امتثال الامر بداعي امتثال امره ، وهذا كما ترى ، يلزم منه ان يكون الامر موجودا قبل نفسه ،


(150)
ليتحقق منه قصد امتثال الامر بداعي الامر المتعلق به.
    والحاصل : ان المكلف لا يتمكن من الامتثال ، إذ ليس له فعل الصلاة بداعي أمرها ، لان الامر لم يتعلق بنفس الصلاة فقط حسب الفرض ، بل تعلق بها مع قصد امتثال الامر ، فالامر قد تعلق بقصد امتثال الامر ولو في ضمن تعلقه بالصلاة على هذا النحو ، فيلزم المكلف ان يقصد امتثال الامر بداعي امره ، وهذا لايكون الا بعد فرض وجود الامر قبل نفسه ليمكن القصد إلى امتثاله بداعي امره الذي هو نفسه ، إذ ليس في المقام الا امر واحد ، وهذا معنى لزوم وجود الامر قبل نفسه.
    هذا كله ، ان اخذ خصوص امتثال الامر قيدا للمتعلق ، بناء على ما حكى عن الجواهر : (1) من أن العبرة في العبادة انما هو فعلها بداعي امتثال أمرها ولا يكفي قصد الجهة ولا سائر الدواعي الاخر. بل جعل سائر الدواعي في طول داعي امتثال
1 ـ قال في الجواهر : « اما العبادات فلا اشكال في اعتبار القصد فيها ، لعدم صدق الامتثال والطاعة بدونه ، واعتبارهما في كل امر صدر من الشارع معلوم بالعقل والنقل كتابا وسنة ، بل ضرورة من الدين ، بل لا يصدقان الا بالاتيان بالفعل بقصد امتثال الامر فضلا عن مطلق القصد ، ضرورة عدم تشخص الافعال بالنسبة إلى ذلك عرفا الا بالنية ، فالخالي منها عن قصد الامتثال والطاعة لا ينصرف إلى ما تعلق به الامر إذ الامر والعبثية فضلا عن غيرها على حد سواء بالنسبة إليه ، ومن هنا إذا كان الامر متعددا توقف صدق الامتثال على قصد التعيين لعدم انصراف الفعل بدونه إلى أحدهما ..
    وذكر بعد سطور :
    « اما القربة بمعنى القرب الروحاني الذي هو شبيه بالقرب المكاني فهو من غايات قصد الامتثال المزبور و دواعيه ، ولا يجب نية ذلك وقصده قطعا » .
    وذكر أيضا بعد رد الاستدلال على اعتبار قصد الوجه بان جنس الفعل لا يستلزم وجوهه الا بالنية.
    « .. ولا ريب في عدم توقف صدق الامتثال على شيء من هذه المشخصات ، ضرورة الاكتفاء باتحاد الخطاب مع قصد امتثاله عن ذلك كله ، إذ هو متشخص بالوحدة مستغن بها عنها ، والا لوجب التعرض لغيرها من المشخصات الزمانية والمكانية وسائر المقارنات ، إذا لكل على حد سواء بالنسبة إلى ذلك. بل ليست صفة الوجوب الا كتأكد الندب في المندوب المعلوم عدم وجوب نيته زيادة على أصل الندب. » راجع جواهر الكلام ، الجزء 9 ، ص 161 ـ 157 ـ 155 وملخص مختاره هناك ، عدم كون تلك الدواعي عرضية ، بل المعتبر في صحة العبادة اتيانها بداعي امتثال الامر وهذا مما لا محيص عنه.
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس