فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 301 ـ 315
(301)
    والحاصل : انه بعد ما تقدم من أنه لا يترتب على البحث في وجوب المقدمة ثمرة عملية أصلا ، بل كان البحث علميا صرفا ، فلا تكون المسألة مجرى لأصل من الأصول ، بعد ما كانت الأصول مجعولة في مقام العمل ، وذلك واضح.
    هذا تمام الكلام في مقدمة الواجب. والحمد لله أولا وآخرا والصلاة على محمد واله.
    وقد وقع الفراغ من تسويده ليلة الحاد يعشر من شهر ذي القعدة.
    القول في اقتضاء الامر بالشيء النهى عن ضده
    وتنقيح البحث فيه يستدعى تقديم أمور.
    الامر الأول :
    لا اشكال في أن المسألة من مسائل الأصول ، وليست من المبادئ الأحكامية ، وان كان فيها جهتها ، الا ان مجرد ذلك لا يكفي في عدها من المبادئ بعد ما كان نتيجتها تقع في طريق الاستنباط ، على ما تكرر منا في ضابط المسألة الأصولية.
    الامر الثاني :
    ليست المسألة من المباحث اللفظية ، لوضوح ان المراد من الامر العنوان الأعم من اللفظي واللبي المستكشف من الاجماع ونحوه ، بل هي من المباحث العقلية ، وليست من المستقلات العقلية ، بل هي من الملازمات ـ على ما تقدم شرح ذلك في أول البحث عن وجوب المقدمة ـ وذكرها في المباحث اللفظية لكون الغالب في الأوامر كونها لفظية.
    الامر الثالث :
    المراد من الاقتضاء في العنوان الأعم من كونه على نحو العينية ، أو التضمن ، أو الالتزام بالمعنى الأخص أو الأعم ، لان لكل وجها بل قائلا. كما أن المراد من الضد ليس خصوص الامر الوجودي ، وان كان الظاهر منه ذلك ، بل المراد منه مطلق المعاند الشامل : للنقيض بمعنى الترك ، وللامر الوجودي الخاص المعبر عنه


(302)
بالضد الخاص ، وللقدر المشترك بين الأضداد الوجودية ان كان للشيء اضداد متعددة ، وهو المعبر عنه بالضد العام في كلام جملة.
    إذا عرفت ذلك ، فنقول : البحث يقع في مقامين :
    المقام الأول
    في اقتضاء الامر النهى عن ضده بمعنى النقيض ، والظ انه لا خلاف في اقتضائه ، انما الكلام في كيفية الاقتضاء.
    فربما قيل : انه بنحو العينية ، وان الامر بالصلاة عين النهى عن تركها ، لان النهى عن الترك عبارة عن طلب ترك الترك ، وهو عين طلب الفعل خارجا ، حيث إنه لا فرق بين ان يقول : صل ، وبين ان يقول : لا تترك الصلاة ، فان العبارتين تؤديان معنى واحدا ، وهو طلب وجود الصلاة في الخارج ، هذا.
    ولكن لا يخفى ضعفه ، فإنه ان كان المراد من عدم الفرق بين العبارتين : انهما يكونان بمنزلة الانسان والبشر لفظين مترادفين ، وكان ما بإزاء أحدهما عين ما بحذاء الآخر مفهوما وخارجا ، ففساده غنى عن البيان ، لوضوح ان مدلول لا تترك الصلاة أو اطلب منك ترك ترك الصلاة غير مدلول صل ، لان معاني مفردات تلك الجملة غير معنى جملة صل ، فلا يكون هناك اتحاد مفهومي. وان كان المراد : ان النتيجة واحدة والمقصود هو طلب وجود الصلاة ، فهو مما لا ينفع القائل بالعينية ، فان حديث العينية ان يكون قوله : صل ـ عين قوله : لا تترك الصلاة ، وذلك لايكون الا بدعوى الاتحاد المفهومي ، وقد عرفت ، انه مما لا سبيل إلى دعواه.
    وربما قيل : انه بنحو التضمن ، بتوهم ان معنى الوجوب مركب من الاذن في الفعل مع المنع من الترك ، فيدل على المنع من الترك تضمنا.
    وفيه ، انه ليس معنى الوجوب مركبا بل هو بسيط بالهوية لا تركيب فيه أصلا ، وانما الوجوب عبارة عن مرتبة من الطلب ، وبذاته يمتاز عن الاستحباب ، بل قد تقدم في أول الأوامر (1) انه ليس الفرق بين الوجوب والاستحباب باختلاف
1 ـ بحث الأوامر ـ الامر الخامس ص 134

(303)
المرتبة أيضا ، وانما الوجوب حكم عقلي ، والشددة والضعف انما تكون في ملاكات الاحكام لا في نفسها ، فراجع. فلا دعوى العينية تستقيم ولا دعوى التضمن.
    نعم : لا بأس بدعوى اللزوم بالمعنى الأخص ، حيث إن نفس تصور الوجوب والحتم والالزام يوجب تصور المنع من الترك والانتقال إليه ، وذلك معنى اللازم بالمعنى الأخص.
    والحاصل : انه سواء قلنا : بان الوجوب عبارة عن مرتبة شديدة من الطلب ، أو قلنا : بان الوجوب عبارة عن حكم العقل بلزوم الانبعاث من بعث المولى ، يلزمه المنع من الترك ، كما لا يخفى. وعلى كل حال الامر في ذلك سهل ، لان الظاهر عدم ترتب ثمرة عملية على ذلك ، كما هو واضح.
    المقام الثاني
    في اقتضاء الامر للنهي عن ضده الوجودي ، سواء كان الضد الخاص ، أو القدر المشترك بين الأضداد الوجودية. فقد قيل : بالاقتضاء أيضا على نحو العينية ، أو الاستلزام بالمعنى الأخص أو الأعم ، على اختلاف الأقوال في ذلك.
    نعم : لا يعهد القول بالتضمن في هذا المقام ، ولا سبيل إلى دعواه. والأقوى في هذا المقام عدم الاقتضاء مطلقا.
    وقد استدل القائل بالاقتضاء بوجهين :
    الوجه الأول : استلزام وجود الضد المأمور به لعدم الضد الآخر ان كان الضدان مما لا ثالث لهما ، ولعدم كل من الأضداد الآخران كان هناك ثالث ، لوضوح انه لا يمكن الجمع بين الضدين أو الأضداد في الوجود ، فوجود كل ضد يلازم عدم الأضداد الاخر ، والمتلازمان لابد ان يكونا متوافقين في الحكم ، فلو كان أحد الضدين واجبا لابد ان يكون عدم الاخر أيضا واجبا ، قضية للتوافق ، فإذا كان عدمه واجبا كان وجوده محرما ، فيثبت المقصود من كونه منهيا عنه ، هذا.
    وفيه ، ان المتلازمين لا يلزم ان يكونا متوافقين في الحكم ، بل الذي لابد منه هو ان لا يكونا متخالفين في الحكم ، بان يكون أحد الضدين واجبا والاخر محرما ، و


(304)
الا كان بين الدليلين تعارض ان كانت الملازمة دائمية ، وان كانت اتفاقية كان من التزاحم.
    وبالجملة ، حديث الملازمة لا يقتضى أزيد من عدم المخالفة بين حكمي المتلازمين ، واما التوافق ، فلا ، بل يمكن ان لايكون أحد المتلازمين محكوما بحكم ملازمه أصلا هذا.
    ولكن يمكن ان يقال : في الضدين الذين لا ثالث لهما ، كالحركة و السكون ، والاجتماع والافتراق ( بناء على أن يكون السكون والافتراق وجوديين ) ان الامر بأحد الضدين يلازم الامر بعدم ضده الاخر ، فان الحركة وان لم تكن مفهوما عين عدم السكون ، ولا الاجتماع عين عدم الافتراق مفهوما ، الا انه خارجا يكون عدم السكون عبارة عن الحركة ، وعدم الافتراق عبارة عن الاجتماع بحسب المتعارف العرفي ، وان كان بحسب العقل ليس كذلك ، لوضوح انه عقلا لايكون عدم السكون عين الحركة ، بل يلازمها ، فان العدم لا يتحد مع الوجود خارجا و لايكون هو هو مفهوما وعينا ، ولكن بحسب المتعارف العرفي يكون الحركة عبارة عن عدم السكون ، ويكون الامر بأحدهما أمرا بالآخر ، بحيث لا يرى العرف فرقا بين ان يقول ـ تحرك ـ وبين ان يقول ـ لا تسكن ـ ويكون مفاد إحدى العبارتين عين مفاد الأخرى ، فيكون حكم الضدين الذين لا ثالث لهما حكم النقيضين ، من حيث إن الامر بأحدهما امر بعدم الآخر ، وان كان في النقيضين أوضح من جهة ان عدم العدم في النقيضين هو عين الوجود خارجا ، وليس الامر في الضدين كذلك ، الا ان العرف لا يرى فرقا بينهما ، والاحكام انما تكون منزلة على ما هو المتعارف العرفي ، فدعوى ان الامر بالشيء يقتضى النهى عن ضده الخاص فيما لا ثالث لهما ليس بكل البعيد ، و اما فيما كان لهما ثالث فالامر بأحد الأضداد لا عقلا يلازم النهى عن الأضداد الاخر ولا عرفا ، إذ لايكون صل بمعنى لا تبع مثلا ولا بمعنى لا تأكل حتى عند العرف.
    وتوهم انه وان لم يقتض النهى عن كل واحد من الأضداد الوجودية بخصوصه عرفا ، الا انه يقتضى النهى عن الجامع بين أضداده الوجودية ، فان الضد المأمور به مع ذلك الجامع يرجع إلى الضدين الذين لا ثالث لهما ، فيكون ذلك الجامع


(305)
منهيا عنه ، ولمكان انطباق ذلك الجامع على كل واحد من الأضداد الوجودية يسرى النهى إلى كل واحد من تلك الأضداد ، لسراية النهى أو الامر المتعلق بالكلي إلى افراده ، فيكون كل واحد من تلك الأضداد الوجودية منهيا عنه ، غايته انه لا بخصوصه ، بل لمكان انطباق المنهى عنه عليه ، فيصح ان يقال : ان الامر بالشيء يقتضى النهى عن ضده الخاص مط ، سواء كان الضدان مما لا ثالث لهما أو لم يكن فاسد.
    فإنه يرد عليه :
    أولا : ان هذا الجامع ليس من الأمور المتأصلة التي يتعلق بها التكليف كالكلي الطبيعي ، بل هو من الأمور الانتزاعية ، والنهى عن الجامع الانتزاعي يكون نهيا عن منشأ الانتزاع ، ومنشأ الانتزاع في المقام ليس الا الأضداد الخاصة ، و لا ملازمة بين الامر بالشيء والنهى عن شيء منها.
    وثانيا : ان النهى عن كل جامع وكلي انما يكون بلحاظ المرآتية لما ينطبق عليه في الخارج ، كما أن الامر بكل جامع يكون كذلك ، لوضوح ان الكلي بما هو هو من غير لحاظه مرآة لما في الخارج لا يتعلق به امر ولا نهى ، لأنه كلي عقلي لا موطن له الا العقل ويمتنع امتثاله ، وفي المقام يكون المرئي بذلك الجامع انما هو الأضداد الخاصة ، والامر بشيء لا يلازم النهى عن شيء منها كما هو واضح. فتأمل ، فان ما افاده مد ظله في المقام لا يخلو عن اشكال.
    هذا كله ، إذا كان بين الشيئين تناقض أو تضاد ، وقد عرفت ان الامر بالشيء يقتضى النهى عن النقيض باللازم بالمعنى الأخص ، ويقتضيه بالنسبة إلى الضدين الذين لا ثالث لهما باللازم بالمعنى الأعم ، حيث لم يكن بوضوح النقيض كما عرفت ، وفي الضدين الذين لهما ثالث لا يقتضيه أصلا. واما فيما إذا كان بين الشيئين عدم وملكة فالظاهر أنه ملحق بالنقيضين في الموضوع القابل لهما ، حيث إن الامر بأحدهما يلازم النهى عن الآخر باللزوم بالمعنى الأخص ، فالامر بالعدالة يلزمه النهى عن الفسق ، كما لا يخفى.


(306)
    الوجه الثاني :
    من الوجهين الذين استدل بهما القائل باقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده الخاص ، هو مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الاخر ، فيكون عدمه واجبا لوجوب مقدمة الواجب ، فيكون وجوده منهيا عنه وهو المقصود. اما وجه كون عدم الضد مقدمة لوجود الآخر ، فلما بين المتضادين من التمانع ، ومعلوم ان عدم المانع من اجزاء علة وجود الشيء ، وحيث انجر الكلام إلى ذلك ، فلا بأس بالإشارة إلى مسألة مقدمية ترك أحد الضدين للآخر التي وقعت معركة للآراء بين المتقدمين و المتأخرين.
    فنقول : الأقوال في هذه المسألة على ما يظهر منهم خمسة :
    1 ـ قول بمقدمية وجود أحد الضدين لعدم الآخر ومقدمية عدم أحدهما لوجود الآخر ، فتكون المقدمية من الطرفين وهذا هو الذي ينسب إلى الحاجبي و العضدي.
    2 ـ وقول بمقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر ولا عكس ، وهذا هو الذي ينسب إلى المحقق القمي ، وصاحب الحاشية ، والسبزواري وغيرهم ، وعلى ذلك بنوا اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده الخاص.
    3 ـ وقول بمقدمية الوجود للعدم ولا عكس ، وعليه يبتنى شبهة الكعبي من نفى المباح.
    4 ـ وقول بنفي المقدمية من الجانبين لا مقدمية الوجود للعدم ولا مقدميـة العدم للوجود وهذا هو الذي اختاره بعض المحققين والذي ينبغي البناء عليه ، على ما سيأتي.
    5 ـ وقول بالتفصيل بين الضد الموجود فيتوقف وجود الآخر على رفع الموجود وعدمه فيكون عدم الضد الموجود من اجزاء علة وجود الضد الآخر ، وبين ما لم يكن أحد الضدين موجودا ، فإنه لا توقف ح من الجانبين.
    اما القول الأول ، ففساده غنى عن البيان ، لاستلزامه الدور الذي لا يخفى على أحد.
    واما القول الثاني ، فقد عرفت ان عمدة استدلالهم عليه هو تمانع الضدين


(307)
وان عدم المانع من اجزاء علة وجود الشيء ، وتوضيح فساده يتوقف على بيان المراد من المانع الذي يكون عدمه من اجزاء العلة.
    فنقول : المانع هو ما يوجب المنع عن رشح المقتضى ، بحيث انه لولاه لاثر المقتضى اثره من افاضته لوجود المعلول ، فيكون الموجب لعدم الرشح والإفاضة هو وجود المانع ، وهذا المعنى من المانع لا يتحقق الا بعد فرض وجود المقتضى بما له من الشرائط فإنه عند ذلك تصل النوبة إلى المانع ، ويكون عدم الشيء مستندا إلى وجود المانع ، واما قبل ذلك فليس رتبة المانع ، لوضوح انه لايكون الشيء مانعا عند عدم المقتضى أو شرطه ، فلا يقال للبلة الموجودة في الثوب انها مانعة عن احتراق الثوب الا بعد وجود النار وتحقق المجاورة والمماسة بينها وبين الثوب ، فح يستند عدم احتراق الثوب إلى البلة الموجودة فيه ، واما مع عدم النار أو عدم المجاورة فيكون عدم الاحتراق مستندا إلى عدم المقتضى أو شرطه ، فان الشيء يستند إلى أسبق علله ، ولا يصح اطلاق المانع على البلة مع عدم وجود النار ، فرتبة المانع متأخرة عن رتبة المقتضى والشرط ولا يقال للشيء انه مانع الا بعد وجود المقتضى والشرط ، فكما ان المعلول مترتب على علته بجميع اجزائها فيقال : وجدت العلة فوجد المعلول ويتخلل بينهما فاء الترتب ، كذلك اجزاء العلة من المقتضى والشرط وعدم المانع تكون مترتبة ، فيقال : وجد المقتضى فوجد شرطه فلم يكن ما يمنعه ، فالشرط والمانع متأخران عن المقتضى ، والمانع متأخر عن الشرط أيضا. ومرادنا من ترتب اجزاء العلة ليس ذواتها في الوجود فان ذلك واضح البطلان لوضوح انه يمكن وجود ذات البلة في الثوب قبل وجود النار ، كما أنه يمكن وجود النار والمجاورة دفعة واحدة ، بل مرادنا من الترتب في الاستناد والتأثير على وجه يصح اطلاق الشرط أو المانع على الشيء ، وقد عرفت الترتب في التأثير وصحة الاطلاق وانه لا يصح اطلاق كون الشيء شرطا أو مانعا الا بعد وجود المقتضى.
    إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه مما يتفرع على ما قلناه من تأخر رتبة المانع عن المقتضى والشرط ، هو عدم امكان جعل أحد الضدين شرطا والآخر مانعا ، وان مثل هذا الجعل ممتنع ، كما استقصينا الكلام في ذلك في رسالة اللباس المشكوك عند


(308)
بيان كون اللباس من محلل الاكل شرطا أو ان كونه من محرم الاكل مانعا ، حيث أوضحنا بما لا مزيد عليه في ذلك أنه لا يمكن الجمع بين هذين الجعلين فراجع. (1).
    ومما يتفرع على ما قلناه : من تأخر رتبة المانع عن وجود المقتضى والشرط ، هو عدم امكان مانعية وجود أحد الضدين للآخر ، لان مانعية وجود أحدهما لوجود الآخر انما يمكن بعد فرض وجود المقتضى لكلا الضدين ، لان كون وجود أحدهما مانعا لايكون الا بعد تحقق علته التامة من المقتضى والشرط وعدم المانع ، حتى يتحقق له وجود ليكون مانعا من وجود الآخر ، فالمقتضي لهذا الضد الذي فرض مانعا لابد ان يكون موجودا ، ثم فرض مانعية هذا الضد للضد الاخر لايكون الا بعد وجود مقتضيه ، لما تقدم من أنه لايكون الشيء مانعا عن وجود الشيء الا بعد وجود مقتضى ذلك الشيء ، ففرض مانعية أحد الضدين للآخر لايكون الا بعد فرض وجود المقتضى لكل من الضدين وذلك محال. لأنه كما لا يمكن اجتماع الضدين ، كذلك لا يمكن اجتماع مقتضى الضدين لمضادة مقتضيهما أيضا ، وبعد عدم امكان اجتماع مقتضى الضدين لا يمكن كون أحدهما مانعا عن الآخر ، لما عرفت من توقف المانعية على ذلك ، فالمانعية موقوفة على فرض محال ، وهو اجتماع كل من مقتضى الضدين ، من غير فرق بين المقتضيات التكوينية الخارجة عن القدرة والإرادة وبين المقتضيات الإرادية ، فان تعلق الإرادة بايجاد كل من الضدين محال ، سواء كانت إرادة شخص واحد أو إرادة شخصين ، فان المقتضى في الشخصين يكون هو الإرادة القاهرة و الغالبة على إرادة الاخر ، فتخرج الإرادة المغلوبة عن كونها مقتضية فعلا ، فلا يمكن وجود المقتضى لكل من الضدين مط.
    ومن الغريب ان المحقق الخونساري ، والمحقق صاحب الحاشية ، قد حاولا دفع الدور الوارد على القول بمقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر ـ على ما سيأتي بيانه ـ بذلك ، أي بامتناع اجتماع المقتضيين للضدين ، ومع ذلك ذهبا إلى المقدمية ، و
1 ـ راجع ما الفه المحقق النائيني قدس سره في حكم اللباس المشكوك فيه المطبوع في آخر الجزء الثاني من كتاب « منية الطالب في حاشية المكاسب » ، الامر الثالث من مقدمة البحث ، ص 243

(309)
الحال ان ما دفعا به الدور يهدم أساس المقدمية ، لما عرفت من أن امتناع اجتماع المقتضيين يوجب ان لايكون وجود أحد الضدين مانعا عن وجود الاخر ، فلا يكون عدمه من اجزاء علة وجوده ، فلا يجتمع القول بالمقدمية مع القول بامتناع اجتماع المقتضيين.
    وعلى كل حال ، فقد ظهر لك انه لا سبيل إلى القول بمقدمية عدم أحد الضدين لوجود الاخر.
    هذا كله ، مضافا إلى ما يرد على القول بالمقدمية من لزوم الدور ، فإنه لو كان عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الآخر ، كان وجود أحد الضدين علة لعدم الآخر ، وذلك لأنه لا موجب لدعوى مقدمية العدم للوجود الا كون وجود أحدهما مانعا عن وجود الآخر ليكون عدمه من اجزاء العلة ، فإذا كان وجود أحد الضدين مانعا عن وجود الاخر ، فيكون علة لعدم الاخر ، لان كل مانع يكون سببا لعدم ما لولاه لوجد ، فيلزم ان يكون وجود أحد الضدين علة لعدم الآخر وعدم أحدهما من اجزاء علة وجود الآخر وان لم يكن تمام علته ، الا انه لا فرق في الاستحالة ولزوم الدور بين ان يكون كل من طرفي التوقف علة تامة للآخر ، وبين ان يكون أحدهما علة تامة و الآخر جزء العلة كما في المقام ، حيث إن وجود أحد الضدين علة تامة لعدم الاخر لكونه مانعا ، وعدم أحد الضدين من اجزاء علة وجود الآخر لكونه من قبيل عدم المانع الذي هو جزء العلة ، فالقول بمقدمية العدم للوجود موجب للدور المحال.
    وقد أجيب عن هذا الدور بوجوه :
    أحدها : ما حكى عن المحقق الخونساري وصاحب الحاشية (1) من امكان منع مانعية أحد الضدين لوجود الآخر حتى يكون علة لعدمه ، لان مانعيته له
1 ـ حكاه الشيخ قدس سره في التقريرات ، راجع مطارح الأنظار ، الهداية الثانية من مباحث الضد ، ص 102. هداية المسترشدين ، مبحث الضد ، ما افاده في مقام الجواب عن الوجه الثاني من الوجوه التي استدل بها لنفى المقدمية ، وهو محذور الدور ، « ان وجود الضد من موانع وجود الضد الآخر ... » .

(310)
فرع وجود المقتضى له ، ولا يمكن فرض وجود المقتضى له مع وجود المقتضى للآخر ـ على ما تقدم بيانه ـ فلا دور.
    وتوهم انه يفرض وجود المقتضى والشرط للضد الآخر فيكون وجود هذا الضد مانعا فيعود محذور الدور ، فاسد ، لاستحالة هذا الفرض وامتناع صلاحية وجود الضد لان يكون مانعا عن الاخر وعلة لعدمه على هذا الفرض المحال ، فان فرض وجود المقتضى له ممنوع ، أي لا نسلم امتناع مثل هذه الصلاحية الفرضية ، لان ذلك لا يوجب دورا فعليا ، فتأمل ، فإنه يكفي في الدور الصلاحية. ولقد أجادوا في منع كون أحد الضدين مانعا عن الآخر ، وفي عدم امكان اجتماع المقتضيين ، الا انهم غفلوا عن أن لازم ذلك انكار المقدمية من الطرفين ، وذهبوا إلى مقدمية العدم للوجود.
    فتحصل من جميع ما ذكرنا : انه لا يمكن القول بمقدمية العدم للوجود ، ومنه يظهر فساد القول الثالث من مقدمية الوجود للعدم.
    واما التفصيل بين الضد الموجود فيتوقف وجود الاخر على رفعه ، وبين فراغ المحل عن كلا الضدين فلا توقف من الجانبين ، فهو الذي ينسب إلى المحقق الخونساري ، وحكى ميل الشيخ إليه ، ولعل منشأ التوهم هو ما يشاهد بالوجدان من أن وجود البياض في مكان مشغول بالسواد يتوقف على رفع السواد واعدامه ، فيكون اعدام السواد من مقدمات وجود البياض.
    ولكن لا يخفى عليك ، ان مناط الاستحالة مطرد في الضد الموجود والضد المعدوم ، فإنه لا يفرق الحال في كون الشيء مقدمة بين ان يكون موجودا وبين ان يكون معدوما ، فإنه في كلا الحالين يكون مقدمة ، لان مناط المقدمية هو كونه مما يتوقف عليه الشيء ، فإذا امتنع كون الشيء مقدمة في حال عدمه امتنع كونه مقدمة في حال وجوده أيضا ، فان صعود السلم مقدمة للكون على السطح في كل حال.
    ومن الغريب ، ان المحقق الخونساري مع اعترافه بامتناع اجتماع المقتضيين للضدين كيف ذهب إلى ذلك ، مع أنه يلزمه القول باجتماع المقتضيين ، فان الضد الموجود انما يكون وجوده بوجود المقتضى ، ومع وجود مقتضيه كيف يمكن وجود


(311)
مقتضى الآخر حتى يكون عدم الموجود ورفعه من مقدمات وجود الآخر ؟ الا ان يقول : باستغناء الضد الموجود في بقائه عن المؤثر والمقتضى ، وانما الذي يحتاج إلى المقتضى هو الحدوث واما البقاء فلا يحتاج إلى ذلك بل هو يبقى بنفسه ، فلا يكون بقاء وجود الضد الموجود مجامعا لوجود مقتضيه حتى يمتنع وجود مقتضى الاخر ، هذا.
    ولكن مع أن هذه المقالة من أصلها فاسدة ، لوضوح ان الموجب لحاجة الشيء في حدوثه إلى المؤثر ليس هو الا الامكان ، وذلك بعينه يقتضى الحاجة في بقائه إلى المؤثر لبقائه على صفة الامكان ، والا يلزم تعطيل الباري تعالى ، وما مثل به من الحجر واللون حيث إن بقائه لا يحتاج إلى مؤثر فليس كذلك بل يحتاج أيضا إلى ذلك ، غايته انه في بعض المقامات تكون العلة المحدثة هي المبقية ، مثلا في مثل الحجر يكون الميل إلى المركز موجبا لبقائه في المكان ، وفي مثل اللون يكون الموجب هو ما أودعه الله تعالى في طبعه من أنه لا يزول الا برافع ، وبالجملة : كون المحدثة هي المبقية غير كون البقاء لا يحتاج إلى مؤثر ، كما لا يخفى.
    ثم إن ذلك على تقدير تسلميه فهو في الأمور التكوينية الخارجة عن الإرادة ، واما في الأمور الإرادية فلا يمكن ذلك ، لان الفعل الإرادي لابد ان يكون حدوثه و بقائه بالإرادة ، فبقاء الصلاة انما تكون ببقاء ارادتها ، ومع ذلك كيف يجامع إرادة ضدها من الإزالة ، وهل هو الا اجتماع المقتضيين ؟ فلو كان وجود الإزالة متوقفا على عدم الصلاة ورفعها يلزم ما فر منه : من اجتماع المقتضيين.
    فالانصاف : انه لا فرق في الاستحالة بين كون المحل ، مشغولا بأحد الضدين أو كونه خاليا عنها ، وانه ليس في البين توقف ومقدمية أصلا ، ومجرد تمانع الضدين في الوجود لا يقتضى المقدمية ، بل هو مجرد التعاند في الوجود حسب ذاتهما ، ولكن العلة المحدثة لأحدهما هي الطاردة للآخر ، وليس التعاند بين الضدين أقوى من التعاند بين النقيضين ، بل تعاند النقيضيين أقوى وأشد وأتم ، ومع ذلك ليس بين النقيضين ترتب وتوقف ومقدمية ، والا يلزم توقف الشيء على نفسه ، فكذلك ليس بين الضدين ترتب وتوقف لاستلزام توقف الشيء على نفسه أيضا كالنقيضين. وكما أن العلة للوجود هي الطاردة للعدم في النقيضيين ، فكذلك العلة


(312)
لوجود أحد الضدين هي الطاردة للاخر ، سواء كان المحل فارغا عنه أو مشغولا به.
    وبما ذكرنا اندفعت شبهة الكعبي أيضا ، وهي انتفاء المباح بدعوى ان ترك الحرام يتوقف على فعل وجودي لعدم خلو الانسان عنه ، فيكون الفعل مقدمة لترك الحرام. وجه الدفع : هو ان ترك الحرام لا يتوقف على فعل وجودي ، بل يتوقف على الصارف عنه ، والفعل لايكون الا من المقارنات ، نعم لا مضايقة في وجوب الفعل إذا توقف بقاء الصارف عليه ، كما إذا توقف بقاء الصارف عن الزناء على الخروج عن الدار بحيث لولاه لوقع في الزنا ، فالالتزام بوجوب الخروج في مثل هذا الفرض لا محذور فيه ولا يلزم نفى المباح رأسا. مع أنه يمكن المنع حتى في هذا الفرض ، لان الصارف لم يكن واجبا شرعيا حتى يجب ما يتوقف عليه ، بل هو واقع في مرحلة الامتثال الذي يكون الحاكم به العقل ، فتأمل جيدا.
    فتحصل من جميع ما ذكرنا : ان الامر بالشيء لا يقتضى النهى عن ضده الخاص فيما كان للضد ين ثالث ، كما هو الغالب ، لا من جهة الملازمة ولا من جهة المقدمية ، كما مر. ثم انهم عدوا للنزاع في الاقتضاء وعدم الاقتضاء ثمرات :
    منها : وهي العمدة ـ فساد الضد إذا كان عبادة بناء على الاقتضاء لأنه يكون من النهى في العبادة ، وعدم فساده بناء على عدم الاقتضاء. وعن البهائي (1) انكار هذه الثمرة ، والقول بان الفساد لا يتوقف على القول بالاقتضاء ، بل يكفي في الفساد عدم الامر بالضد ، حيث إن صحة العبادة تتوقف على الامر بها ، وبعد ما لم يكن الضد مأمورا به لامتناع الامر بالضدين فلا محالة من أن يقع فاسدا ، هذا. وحكى (2) عن المحقق الكركي (3) وجماعة ممن تأخر عنه : المنع عن
1 ـ راجع زبدة الأصول ، المطلب الأول من المنهج الثالث بحث الضد ، ص 82.
2 ـ ولا يخفى عليك انه ليس في عبارة المحقق تصريح بهذا البيان والتفصيل ، بل له كلام في شرح قول العلامة ببطلان الصلاة في أول وقتها لمن كان عليه دين واجب الأداء فورا يظهر منه ان اطلاق الامر بالموسع يعم الفرد المزاحم للمضيق ولازم كلامه ذلك هو ما ذكرناه من التفصيل في المقام ، كما أن له كلاما يظهر منه صحة الامر الترتبي ، فراجع كلامه وتأمل في ما افاده من جواب الاشكالات التي أوردها على نفسه ـ منه.
3 ـ راجع « جامع المقاصد في شرح القواعد » كتاب الدين وتوابعه ، المطلب الأول من المقصد الأول.


(313)
اطلاق مقالة البهائي ره من فساد الضد لو قلنا بتوقف العبادة على الامر ، بل ذلك انما يتم في خصوص المتزاحمين المضيقين إذا كان أحدهما أهم ، كما لو فرض مزاحمة الصلاة في اخر الوقت لواجب آخر أهم ، فان في مثل هذا يتم كلام البهائي من فساد الصلاة بناء على توقف صحة العبادة على الامر بها ، لأنه لا امر بها ح مع مزاحمتها لواجب أهم. واما لو فرض وقوع التزاحم بين مضيق وموسع ، كما لو فرض مزاحمة الصلاة في بعض أوقات وجوبها لواجب آخر مضيق ، ففي مثل هذا يمكن القول بصحة الفرد المزاحم من الصلاة لذلك الواجب ، ولو قلنا بتوقف صحة العبادة على الامر.
    وحاصل ما يمكن من توجيه ما افاده المحقق هو انه : لما تعلق الامر بالطبيعة على نحو صرف الوجود ، لا على نحو السريان كما في النهى عن الطبيعة كانت القدرة على ايجاد الطبيعة ولو في ضمن فرد ما كافية في تعلق الامر بالطبيعة ، لخروجه بذلك عن قبح التكليف بما لا يطاق ، ولا يتوقف الامر بالطبيعة على القدرة على جميع افرادها ، بل يكفي في صحة تعلق الامر بالطبيعة تمكن المكلف من صرف الايجاد حتى لا يلزم التكليف بما لا يطاق ، وبعد تعلق الامر بالطبيعة تكون جميع الافراد متساوية الاقدام في الانطباق ، لان انطباق الكلي على افراده قهري ، وبعد الانطباق يكون الاجزاء عقليا ، وحينئذ لا مانع من الاتيان بذاك الفرد من الصلاة المزاحم للإزالة مثلا بداعي امتثال الامر المتعلق بالطبيعة ، ولا يتوقف صحته على تعلق الامر به بالخصوص ، حتى يقال : بعد الامر بالإزالة لا يمكن الامر بذاك الفرد المزاحم لاستلزامه الامر بالضدين ، بل يكفي في صحته تعلق الامر بالطبيعة ، وبعد ذلك يكون الانطباق قهريا والاجزاء عقليا. فلو قلنا : ان صحة العبادة تتوقف على الامر بها كان الضد الموسع صحيحا إذا كان عبادة ، نعم لو قلنا : ان الامر بالشيء يقتضى النهى عن ضده كان ذلك الفرد من الصلاة المزاحم للإزالة منهيا عنه ، وبعد تعلق النهى به يخرج عن قابلية انطباق الطبيعة المأمور بها عليه ، فلا يصلح ان يأتي به بداعي الامر بالطبيعة ، لان هذا الداعي انما يصح في الافراد المنطبقة لا الافراد الغير المنطقة.
    فظهر ان نفى الثمرة في اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده وعدم اقتضائه


(314)
بناء على توقف صحة العبادة على الامر ـ كما عن البهائي ره ـ على اطلاقه لا يستقيم ، بل هو مختص بالمضيقين المتزاحمين ، واما في المضيق والموسع فالثمرة تظهر على ما بينا. هذا غاية ما يمكن ان يوجه به مقالة المحقق ومن وافقه.
    ولكن لا يخفى عليك ما فيه ، فإنه لو كان وجه اعتبار القدرة في التكاليف هو مجرد حكم العقل بقبح تكليف العاجز لكان الامر كما ذكر ، حيث إنه يكفي في صحة التكليف بالطبيعة القدرة على ايجادها ولو في ضمن فرد ما ، ولكن هناك وجه آخر في اعتبار القدرة وهو اقتضاء الخطاب ذلك ، حيث إن البعث والتكليف انما يكون لتحريك إرادة المكلف نحو أحد طرفي المقدور ، بل حقيقة التكليف ليس الا ذلك ، فالقدرة على المتعلق مما يقتضيه نفس الخطاب ، بحيث انه لو فرض عدم حكم العقل بقبح تكليف العاجز ، وقلنا بمقالة الأشاعرة من نفى التحسين والتقبيح العقليين ، لقلنا باعتبار القدرة في متعلق التكليف لمكان اقتضاء الخطاب والبعث ذلك ، حيث إن حقيقة الخطاب هي البعث وتحريك الإرادة نحو أحد طرفي المقدور و ترجيح أحد طرفيه ، وحينئذ يدور سعة دائرة المتعلق وضيقه مدار سعة القدرة و ضيقها ولا يمكن ان يكون دائرة المتعلق أوسع من دائرة القدرة ، فالفرد المزاحم لواجب مضيق لا يمكن ان يعمه سعة المتعلق لعدم سعة قدرته ذلك حسب الفرض ، حيث إن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي ، ومجرد انطباق طبيعة الصلاة على ذلك الفرد لا ينفع بعد عدم انطباق الصلاة المتعلقة للطلب عليه. فدعوى انه لا يحتاج الفرد إلى القدرة عليه بعد القدرة على ايجاد الطبيعة ولو في ضمن فرد ما ـ لان الانطباق يكون ح قهريا والاجزاء عقليا ـ مما لا تستقيم ، بعد ما كان الخطاب يقتضى القدرة على المتعلق بحيث يدور سعة دائرة المتعلق أو ضيقه مدار سعة القدرة وضيقها ، وبعد عدم القدرة على ايجاد الطبيعة في ضمن الفرد المزاحم لواجب مضيق تخرج تلك الحصة من الطبيعة عن متعلق الامر ، فلا يمكن ايجاد الفرد امتثالا للامر المتعلق بالطبيعة ، فلو قلنا بتوقف العبادة على الامر يبطل ذلك الفرد المزاحم ولا يمكن تصحيحه.
    تبصرة :
    لا يخفى عليك ان ما قلناه : من أن كل خطاب يقتضى القدرة على متعلقه ،


(315)
لا يلزم منه ان يكون القدرة المعتبرة في جل التكاليف شرعية حتى ينافي تقسيم القدرة إلى شرعية وعقلية وترتيب ما يترتب على هذا التقسيم من الثمرات كما سيأتي ، و ذلك لان مرادنا من القدرة الشرعية ما اخذت في لسان الدليل بحيث يستكشف منه ان لها دخلا في ملاك الحكم ومناطه ، كما في قوله (1) تعالى ، « لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » ، حيث قيد الوجوب بالاستطاعة في نفس الدليل ، وأين هذا مما نقوله في المقام من اقتضاء كل خطاب القدرة على متعلقه ، فان ذلك لا يوجب ان تكون القدرة شرعية.
    وحاصل الضابط بين القدرة التي نسميها شرعية والقدرة التي نسميها عقلية ، هو انه إذا اخذت القدرة في موضوع الخطاب المستكشف من ذلك مدخليتها في ملاك الخطاب كانت القدرة حينئذ شرعية ، سواء اخذت في موضوع الخطاب صريحا كما في آية الحج ، أو كانت مستفادة من خطاب آخر كما في آية الوضوء ـ على ما سيأتي بيانه ـ وان لم تؤخذ في موضوع الخطاب ، بل كانت مما يقتضيه نفس الخطاب ، اما لمكان قبح مخاطبة العاجز عقلا ، واما لمكان كون الخطاب هو البعث والتحريك نحو المقدور ـ على ما بيناه ـ كانت القدرة عقلية ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك.
    وعلى كل حال ، فقد ظهر لك : ان بناء على توقف صحة العبادة على الامر بها يكون الحق مع البهائي من عدم الثمرة في اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده و عدم اقتضائه ، إذ لا امر بالضد على كل حال ، فالعبادة لا تصح مطلقا ، الا ان الشأن في أصل المبنى ، لوضوح انه لا يتوقف صحة العبادة على الامر بها ، بل يكفي في صحة العبادة اشتمالها على الملاك التام ، وان لم يؤمر بها فعلا لمانع. ومن هنا قلنا : يكفي قصد الجهة في العبادة ولا يحتاج إلى قصد امتثال الامر ، خلافا للمحكى عن صاحب الجواهر (2) حيث اعتبر خصوص قصد امتثال الامر في صحة العبادة ، و يلزمه القول ببطلان الضد إذا كان عبادة. ولكن الانصاف : ان الالتزام بذلك
1 ـ آل عمران ، الآية 97.
2 ـ قدم كلام صاحب الجواهر قدس سره في المقام في هامش ص 150
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس