فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 391 ـ 405
(391)
فرضنا ان موطن وجوب ذي المقدمة الذي هو المهم سابق على مقدمته الوجوبية الذي هو ترك الأهم ، فلا يلزم الخلف من وجوب المقدمة الوجوبية.
    ولكن مع ذلك لا يعقل ان يكون ترك الأهم واجبا بالوجوب المقدمي ، لكفاية الجهتين الأوليين في امتناعه ، وهما العمدة لاطرادها في جميع المقدمات الوجوبية واختصاص الجهة الثالثة بالمقدمة السابقة في الزمان على ذيها.
    وكان المحقق الرشتي (ره) لم يلتف إلى الجهتين الأوليين ، واقتصر على الأخيرة ، فأنكر على المحقق صاحب الحاشية الذي أجاب (1) عن اشكال لزوم اجتماع الحكمين المتضادين في ترك الأهم بناء على المقدمية والامر الترتبي بما ذكرنا : من أن ترك الأهم مقدمة وجوبية فلا تجب ، بما حاصله : انه لا مانع من وجوب ترك الأهم بالوجوب المقدمي ، بعد القول بالتقدير وسبق زمان وجوب المهم على ترك الأهم ، لأنه لا يلزم بناء على هذا القول سبق وجوب ذي المقدمة على موطنه. وحيث إن المحقق صاحب الحاشية من القائلين بالتقدير ، فأنكر (2) عليه المحقق الرشتي : بأنه يلزمك القول بوجوب ترك الأهم مقدمة لوجود المهم ، فيلزم اجتماع الحكمين المتضادين في ترك الأهم. وجعل المحقق الرشتي هذا هو المانع عن الامر الترتبي ، وكانه سلم ان الامر الترتبي لا مانع عنه سوى ذلك ، وتخيل ان هذا المانع مما لا دافع عنه. وأنت خبير بأنه لو انحصر المانع عن الامر الترتبي بذلك فالامر فيه هين ، لأنه أولا مبنى على التقدير الذي قد تقدم فساده بما لا مزيد عليه ، وثانيا ان المانع عن وجوب المقدمة الوجوبية لا ينحصر بالجهة الثالثة ، بل الجهتان الأوليان هما العمدة في المنع ، فترك الأهم لا يعقل ان يجب بالوجوب المقدمي ، حتى يجتمع فيه الحكمان المتضادان. فتحصل : انه لا مانع من الامر الترتبي ، حتى بناء على اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده من جهة المقدمية ، فتأمل جيدا.
1 ـ راجع هداية المسترشدين ـ بحث الضد ـ في بيان الثمرة المتفرعة ـ على الخلاف في المسألة. « فان قلت : ان المنافاة حاصلة في المقام .. »
2 ـ بدايع الأفكار ـ المقصد الأول من المقاصد الخمسة ـ بحث الضد ، القول في ثمرات المسألة ، اما الاشكال الخامس .. » ص 391


(392)
    المسألة الرابعة :
    من مسائل الترتب ، ما إذا كان التزاحم لأجل لملازمة بين المتعلقين. و الأقوى عدم جريان الامر الترتبي في ذلك ، لأنه يلزم منه طلب الحاصل. فإنه لو كان استقبال القبلة الملازم لاستدبار الجدي هو المأمور به الأصلي ، وأريد اثبات وجوب استقبال الجدي بالامر الترتبي عند عصيان استقبال القبلة ، لزم من ذلك طلب استقبال الجدي بعد فرض حصوله. فلا يصح ان يقال : ان لم تستقبل القبلة فاستقبل الجدي لان عدم استقبال القبلة ملازم لاستقبال الجدي خارجا ، فيلزم طلب استقبال الجدي بعد حصوله. وان ناقشت في المثال فعليك بمثال الجهر و الاخفات ، وقد تقدم الكلام عن ذلك في الامر الثاني في رد مقالة الشيخ كاشف الغطاء (1).
    المسألة الخامسة :
    من مسائل الترتب ، ما إذا كان التزاحم لأجل اتحاد المتعلقين خارجا ، و لا يمكن جريان الامر الترتبي فيه أيضا ، لأنه يلزم اما طلب الممتنع ، واما طلب الحاصل. فإنه لو قال : لا تغصب وان غصبت فصل ، فالمراد من ( ان غصبت ) ان كان العزم والقصد على الغصب ، فهذا لايكون من الامر الترتبي ، لان شرط الامر الترتبي هو التلبس بالعصيان ، لا العزم على العصيان ، والا لزم الامر بالضدين على وجه المحال كما لا يخفى. وان كان المراد منه التلبس بالعصيان خارجا وفعلية الغصب منه ، فان كان المراد التلبس بالغصب الصلواتي يلزم طلب الحاصل بالعينية لا بالملازمة ، وان كان المراد التلبس بغير الصلاة يلزم طلب الممتنع ، وان كان الأعم يلزم كلا المحذورين ، وقد تقدم الكلام في ذلك أيضا في طي المباحث السابقة. (2).
    فتحصل : ان الامر الترتبي لا يجرى الا في مسئلتين من مسائل التزاحم ، إحديهما مسألة الضدين ، وثانيهما مسألة المقدمة وذيها. واما فيما عدى ذلك من
1 ـ راجع الامر الثاني من تنبيهات الترتب ، ص 369
2 ـ تقدم تفصيل هذا البحث في المسألة الثانية ص 380


(393)
المسائل الثلث الآخر فلا يعقل فيها الترتب أصلا.
    والحمد لله أولا وآخرا والصلاة على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين.
    وقد وقع الفراغ من تسويده يوم الثلثا تاسع عشر من شهر ربيع المولود سنة 1347.
    وانا الأحقر الجاني محمد على بن حسن الكاظمي الخراساني.


(394)
المقصد الثاني في النواهي
    وفيه مباحث : المبحث الأول : في مفاد صيغة النهى لا اشكال في أن متعلقات النواهي كمتعلقات الأوامر انما هي الطبايع الكلية ، وان كان المطلوب في باب الأوامر هو وجود الطبيعة ، وفي باب النواهي هو الترك. وليس المطلوب في باب النواهي هو الكف ، بتوهم ان نفس الترك امر عدمي ، والعدم خارج عن الاختيار ، فلا يصح ان يتعلق التكليف به. وذلك لان نفس العدم الأزلي وان كان خارجا عن الاختيار الا ان ابقاء العدم واستمراره امر اختياري ، وهو المطلوب في النواهي ، وهذا لا اشكال فيه.
    انما الاشكال في أن المطلوب في باب النواهي ، هل هو السلب الكلي على نحو العام المجموعي ؟ بحيث يتحقق عصيانه بأول وجود الطبيعة ويسقط النهى حينئذ رأسا ، أو ان المطلوب هو العام الاستغراقي الانحلالي ؟ بحيث تكون جميع وجودات الطبيعة مبغوضة ويكون لكل وجود عصيان يخصه. ولا اشكال في امكان كل من الوجهين في عالم الثبوت ، بل قد ذكرنا في رسالة المشكوك ، انه يتصور وجهان آخران في باب النواهي.
    أحدهما : ان يكون المطلوب هو ترك مجموع الافراد ، بمعنى ان ارتكاب جميع الافراد مبغوض ، فلا يتحقق عصيانه الا بارتكاب الجميع. كما ربما يدعى ظهور مثل قوله ـ لا تأكل كل رمانة في البستان ـ في ذلك ، فلو اكل جميع رمانات البستان الا واحدة لم يكن فاعلا للمنهي عنه.
    ثانيهما : ان يكون المطلوب في النهى على نحو القضية المعدولة المحمول ، بحيث يكون المطلوب في مثل لا تشرب الخمر هو كون الشخص لا شارب الخمر ، على وجه


(395)
يكون وصفا للمكلف. ففي عالم الثبوت يمكن ان يكون المطلوب بالنهي على أحد وجوه أربعة. واما في مقام الاثبات والاستظهار ، فلا اشكال في أن الوجهين الأخيرين خلاف ظواهر النواهي. واما الوجهان الأولان ، فاستظهار كون المطلوب بالنهي هو السلب الكلي على نحو العام المجموعي مبنى على استظهار كون المطلوب بالنهي هو خلو صفحة الوجود عن الطبيعة المنهى عنها ، بحيث يلاحظ خلو الصفحة معنى اسميا ، ويكون المبغوض هو اشتغال صفحة الوجود بالطبيعة ، فيكون مفاد النهى ح هو السلب الكلي.
    ومقتضى مقابلة النهى للامر ، هو ان يكون مفاد النهى السلب الكلي ، حيث إن المطلوب في باب الأوامر هو صرف الوجود على نحو الايجاب الجزئي ، لا مطلق الوجود على نحو الايجاب الكلي ، فان ظاهر تعلق الامر بالطبيعة يقتضى ان يكون المطلوب ايجاد الطبيعة وخروجها عن كتم العدم إلى عرصة الوجود ، وذلك يتحقق بأول وجود الطبيعة ، الا ان تقوم قرينة على إرادة مطلق الوجود. والايجاب الجزئي انما يقابل السلب الكلي ، حيث إن نقيض الموجبة الجزئية هو السالبة الكلية ، هذا.
    ولكن الظاهر في باب النواهي ، ان يكون النهى لأجل مبغوضية متعلقه لقيام المفسدة فيه ، لا ان المطلوب هو خلو صفحة الوجود عنه ، بل مبغوضية الطبيعة بافرادها أوجبت النهى عنها ، ومبغوضية الطبيعة تسرى إلى جميع افرادها ، فينحل النهى حسب تعدد الافراد ويكون لكل فرد معصية تخصه ، من غير فرق بين ان يكون للنهي تعلق بموضوع خارجي ، كقوله : لا تشرب الخمر ، أو ليس له تعلق بموضوع خارجي ، كقوله : لا تكذب. غايته ان الانحلال فيما إذا كان له تعلق بموضوع خارجي يكون بالنسبة إلى كل من الموضوع والمتعلق ، فيكون كل فرد من افراد الشرب الذي يمكن ان يقع الشرب عليه لكل فرد من افراد الخمر مبغوضا ومتعلقا للنهي. وفيما إذا لم يكن له تعلق بموضوع خارجي يكون الانحلال في ناحية المتعلق فقط. وعلى كل حال ، لا ينبغي التأمل في أن الظاهر في باب النواهي هو ان يكون المطلوب فيها هو ترك كل فرد فرد ، على نحو العام الاستغراقي. ودلالة النهى


(396)
على ذلك في الافراد العرضية مما لا اشكال فيه.
    واما الافراد الطولية : فدلالة النهى عليها مبنية على أن يكون نفس تعلق النهى بالطبيعة يقتضى نهى جميع الافراد العرضية والطولية ، بحيث يكون مفاد صيغة النهى في مثل قوله : لا تشرب الخمر ، هو ان يكون شرب الخمر في كل آن آن مبغوضا ، فيدل النهى على المنع في الافراد الطولية أيضا ، ويكون العموم الزماني مستفادا من نفس تعلق النهى بالطبيعة ، بلا حاجة إلى استفادة العموم الزماني من دليل الحكمة بل النهى وضعا يدل على ذلك ، ويكون مصب العموم الزماني هو المتعلق لا الحكم.
    وقد ذكرنا ما عندنا في ذلك ، في ـ التنبيه الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب ـ عند تعرض الشيخ ( قده ) لمقالة المحقق الكركي (ره) في مفاد أوفوا بالعقود ، من أن المرجع بعد تخصيص العام في بعض الأزمنة بالنسبة إلى بعض الافراد والشك في الزمان الزائد هل هو عموم العام أو استصحاب حكم المخصص ، وبينا الفرق بين استفادة العموم الزماني من نفس مفاد النهى ، أو من دليل الحكمة. وقد اختار شيخنا الأستاذ مد ظله في المقام كون العموم الزماني في باب النهى مستفادا من دليل الحكمة ، وفي ذلك المقام اختار كونه مستفادا من نفس تعلق النهى بالطبيعة. فراجع ذلك المقام لكي تكون على بصيرة.
    ثم إن القوم قد تعرضوا في باب النواهي لبعض المباحث التي لا يهمنا البحث عنها. فالأولى عطف عنان الكلام إلى مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي ، التي وقعت معركة الآراء قديما وحديثا فنقول : ومن الله التوفيق.
    المبحث الثاني : في جواز اجتماع الأمر والنهي.
    والقوم وان عنونوا النزاع على هذا الوجه ، الا انه ليس ظاهر العنوان مرادا قطعا ، فان ظاهر العنوان يعطى ان يكون النزاع في تضاد الأمر والنهي وعدمه ، مع أن تضاد الاحكام بأسرها امر مفروغ عنه غير قابل للنزاع فيه. بل المبحوث عنه في المقام ، هو أصل لزوم الاجتماع وعدمه ، لا جوازه وعدمه. فالأولى تبديل العنوان بان يقال : إذا اجتمع متعلق الأمر والنهي من حيث الايجاد والوجود ، فهل يلزم من


(397)
الاجتماع كذلك ان يتعلق كل من الأمر والنهي بعين ما تعلق به الآخر ؟ كما هو مقالة القائل بالامتناع ، أو لا يلزم ذلك ؟ كما هو مقالة القائل بالجواز. وسيأتي ما هو المراد من الاجتماع ايجادا ووجودا.
    ثم إن البحث عن مسألة اجتماع الأمر والنهي يقع في مقامين.
    المقام الأول :
    هو ما عنونا به المسألة ، من أن اجتماع متعلق الأمر والنهي من حيث الايجاد والوجود هل يوجب ان يتعلق الامر بعين ما تعلق به النهى ولو لمكان اطلاق كل منهما لمتعلق الآخر ؟ فيمتنع صدور مثل هذا الأمر والنهي وتشريعهما معا بلحاظ حال الاجتماع ، ويكون بين الدليلين المتكفلين لذلك تعارض العموم من وجه. أو انه لا يلزم من الاجتماع المذكور تعلق كل منهما بعين ما تعلق به الآخر ؟ فلا يمتنع تشريع مثل هذا الأمر والنهي ، ولا يكون بينهما تعارض. وبعبارة أخرى : البحث في المقام الأول ، انما هو في أن جهة الأمر والنهي هل تكون تقييدية مكثرة للموضوع ؟ فلا تعلق لأحدهما بالآخر ، أو ان الجهة تعليلية ؟ فيتعلق كل منهما بعين ما تعلق به الآخر.
    المقام الثاني :
    هو انه بعد ما كانت الجهتان تقييديتين ولا يتعلق الأمر والنهي بعين ما تعلق به الآخر ولا يكون بين الدليلين تعارض ، فهل وجود المندوحة للمكلف و تمكنه من ايجاد الصلاة خارج الدار الغصبية يجدى في رفع غائلة التزاحم بين الامر و النهى ؟ ويكفي في انطباق المأمور به والمنهى عنه على الجامع وهو الصلاة في الدار الغصبية فتصح الصلاة. أو ان وجود المندوحة لا يجد في ذلك ؟ ولا ينطبق المأمور به على المجمع. والبحث عن المقام الثاني هو عين البحث المتقدم مع المحقق الكركي (ره) من أن القدرة على الطبيعة المأمور بها في الجملة ولو في ضمن فرد ما يكفي في انطباق الطبيعة المأمور بها على الفرد المزاحم بالأهم فيكون الاجزاء عقليا ـ على ما (1)
1 ـ راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ، مبحث الضد ص 312 ـ 313

(398)
تقدم تفصيله في بعض مقدمات الترتب ـ والمحقق الكركي (ره) وان كانت مقالته في وجود المندوحة بالنسبة إلى الافراد الطولية ، الا ان جهة البحث مشتركة بين الافراد الطولية والعرضية ، حيث إن العبرة بوجود المندوحة وتمكنه من فعل ما لايكون مزاحما بالأهم منه ، سواء في ذلك الافراد الطولية كتمكنه من الاتيان بالفرد من الصلاة الذي لايكون مزاحما لأداء الدين أو إزالة النجاسة ، أو الافراد العرضية كتمكنه من الاتيان بالفرد من الصلاة الذي لايكون مجامعا للغصب.
    وعلى كل حال : البحث عن المقام الثاني ، انما يكون بعد الفراغ عن المقام الأول كما عرفت ، إذ لا يتفاوت الحال في البحث عن المقام الأول بين وجود المندوحة وعدمه ، فان البحث في ذلك المقام يكون بحثا عن عالم التشريع والثبوت ، الذي لا يتفاوت الحال فيه بين وجود المكلف والمندوحة وعدمه ، فاعتبار المندوحة انما تنفعنا في البحث عن المقام الثاني.
    ومن هنا يمكن ان يستظهر من اخذ قيد المندوحة في عنوان النزاع ـ كما عليه قاطبة المتقدمين ـ ان النزاع انما كان في المقام الثاني ، وان المقام الأول كأنه كان مفروغا عنه ، وانه لا كلام في جواز الاجتماع من الجهة الأولى. ولكن المتأخرين كأنهم أهملوا البحث عن المقام الثاني ، وخصوا النزاع بالمقام الأول. ولكن نحن نتكلم في كل من المقامين على حده.
    والأقوى عندنا في المقام الأول الجواز ، وان الاتحاد لا يوجب تلعق كل من الأمر والنهي بعين ما تعلق به الآخر ، وفي المقام الثاني عدم كفاية المندوحة في رفع التزاحم. ولنقدم امام المقصود مقدمات : منها ما يشترك فيها كلا المقامين ، ومنها ما تختص بالمقام الأول ، ومنها ما تختص بالمقام الثاني.
    اما المقدمات المشتركة.
    فمنها :
    ان الظاهر كون المسألة من المبادئ ، لا من المسائل الأصولية ، ولا من مسائل علم الكلام ، ولا من المسائل الفقهية.
    اما عدم كونها من المسائل الكلامية والفقهية فواضح ، فلان البحث في


(399)
المقام ليس عن امكان الاجتماع وامتناعه ، حتى يكون البحث عن مسألة كلامية ، حيث إن علم الكلام هو المتكفل لبيان حقايق الأشياء من واجباتها وممكناتها و ممتنعاتها. وكان توهم ، كون المسألة كلامية نشأ عن ظاهر العنوان ، حيث إن ظاهره يعطى كون البحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه ، فتخيل كون البحث راجعا إلى مسألة كلامية ، الا انه قد تقدم ان البحث في المقام راجع إلى أصل الاجتماع وعدمه ، لا إلى جوازه وامتناعه.
    وكذا ليس البحث في المقام راجعا إلى صحة الصلاة في الدار الغصبية و عدم الصحة أو حرمتها وعدم الحرمة حتى تكون المسألة فقهية ، فان جهة البحث ليست ذلك ، وان كانت النتيجة تنتهي بالآخرة إلى ذلك ، الا ان مجرد ذلك لا يكفي في كون المسألة فقهية ما لم تكن الجهة المبحوث عنها مما تتعلق بفعل المكلف بلا واسطة ، وذلك واضح.
    واما عدم كون المسألة من المسائل الأصولية ، فلان البحث فيها وان كان راجعا إلى باب الملازمات العقلية للخطابات الشرعية ، كالبحث عن مقدمة الواجب ، واقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده ـ وان كان الفرق بين المسألة وتلك المسائل ، هو ان البحث في تلك المسائل عن لازم خطاب واحد ، وفي هذه المسألة عن لازم خطابين أعني خطاب الامر وخطاب النهى ـ الا ان مجرد ذلك لا يكفي في كون المسألة أصولية ما لم تكن الكبرى المبحوث عنها بنفسها واقعة في طريق الاستنباط ، بحيث تصلح ان تكون كبرى لقياس الاستنباط ويستنتج منها حكم كلي فقهي. والكبرى المبحوث عنها في المقام لا تصلح ان تكون كبرى لقياس الاستنباط ، فان الكبرى المبحوث عنها انما هي اقتضاء اتحاد المتعلقين من حيث الايجاد والوجود و تعلق كل من الأمر والنهي بعين ما تعلق به الآخر. وهذا كما ترى يكون بحثا عن صغرى التعارض. وفي المقام الثاني أعني كفاية المندوحة يكون بحثا عن صغرى التزاحم ، فتكون المسألة من مبادئ مسائل التعارض والتزاحم. فان حقيقة البحث في المقام ، يرجع إلى البحث عما يقتضى تعارض الأمر والنهي ـ في مورد الاجتماع و اتحاد المتعلقين من حيث الايجاد والوجود ـ وعدم ما يقتضى تعارضهما ، أو تزاحم


(400)
الأمر والنهي عند وجود المندوحة وعدم التزاحم. وهذا بحث عن وجود ما هو الموضوع لمسائل التعارض والتزاحم ، وأين هذا من المسألة الأصولية ؟.
    والحاصل : ان البحث عن الملازمات العقلية للخطابات الشرعية ، تارة : يكون بحثا عن المسألة الأصولية ، كالبحث عن مسألة الضد ومقدمة الواجب ، فان المبحوث عنه في هذه المسألة عن اقتضاء الامر بالشيء للنهي عن ضده ، واقتضاء ايجاب الشيء لايجاب مقدماته يكون بحثا عن كبرى قياس الاستنباط ، ويستنتج منه حكم كلي فقهي ، وهو فساد الضد إذا كان عبادة ، ووجوب مقدمة الواجب. و أخرى : لايكون البحث عن الملازمات العقلية بنفسه بحثا عن مسألة أصولية ، لعدم وقوع المبحوث عنه كبرى لقياس الاستنباط ، كما في المقام.
    فان المبحوث عنه فيما نحن فيه في المقام الأول انما هو استلزام تعلق الأمر والنهي بعين ما تعلق به الآخر عند اتحاد المتعلقين ، فيكون الأمر والنهي متعارضين ، أو عدم استلزام ذلك فلا تعارض. وثبوت التعارض وعدمه لا يقع بنفسه كبرى القياس ، ما لم ينضم إليه قواعد التعارض من الترجيح والتخيير. وفي المقام الثاني : انما هو في كفاية وجود المندوحة في رفع غائلة التزاحم وعدم كفايته ، فيكون بحثا عما يقتضى وجود التزاحم وعدمه وهو أيضا ليس بنفسه كبرى القياس ، ما لم ينضم إليه قواعد التزاحم.
    فالانصاف : ان البحث في المسألة أشبه بالبحث عن المبادئ التصديقية ، لرجوع البحث فيه إلى البحث عما يقتضى وجود الموضوع لمسألة التعارض و التزاحم ، وليس بحثا عن المسألة الأصولية ، ولا عن المبادئ الاحكامية التي هي عبارة عما يتوقف عليه معرفة الأحكام الشرعية المستنبطة ، ككون الحكم تكليفيا أو وضعيا ، وان الحكم الوضعي قابل للجعل أو غير قابل. وقد كان بناء شيخنا الأستاذ ( مد ظله ) سابقا على أن البحث في المقام راجع إلى البحث عن مسألة أصولية ، الا انه عدل عن ذلك وجعل البحث راجعا إلى المبادئ. والامر في ذلك سهل.
    ومنها :
    ان متعلقات الاحكام ليست هي المفاهيم والعناوين الكلية ، التي يكون


(401)
موطنها العقل بما ان موطنها العقل ، لامتناع انطباق تلك المفاهيم على الحقايق الخارجية ، بل هي من المعقولات الثانوية الممتنعة الصدق على الخارجيات ، فلا يعقل ان يتعلق بها التكليف. بل تلك المفاهيم انما تكون كليات عقلية ليس موطنها الا العقل ، وهي باعتبار ذلك الموطن متباينة دائما ، ليس بينها نسبة التساوي ، أو العموم من وجه ، أو العموم المطلق ، بل متعلقات التكاليف انما هي المفاهيم والعناوين الملحوظة مرآة لحقايقها الخارجية القابلة الصدق والانطباق على الخارجيات ، التي تكون بهذا الاعتبار كليات طبيعية ، وبذلك يصح ملاحظة النسبة بينها ، فتارة : يكونان متلازمين في الصدق فيكون النسبة هي التساوي. وأخرى : لا يكونان كذلك ، فاما ان يتصادقا في مورد أصلا فالنسبة تكون هي التباين ، وأخرى يتصادقان في مورد ويفترقان في مورد آخر فالنسبة تكون هي العموم من وجه ان كان الافتراق من الجانبين ، والا فالعموم المطلق ، على ما سيأتي من ضابطة النسب الأربع. و ملاحظة النسبة كذلك لايكون الا في الكليات الطبيعية الملحوظة مرآة لما في الخارج ، لا الكليات العقلية.
    ثم إن المفاهيم والعناوين الملحوظة مرآة لما تنطبق عليه من الخارجيات ، تارة : تكون متأصلة في عالم العين سواء كانت من مقولة الجواهر أو الاعراض ، و أخرى : تكون متأصلة في عالم الاعتبار ، بحيث يكون وجودها عين اعتبارها ممن بيده الاعتبار. وللامر الاعتباري نحو وجود متأصل في عالمه نحو وجود المتأصل في عالم العين ، وان كان وجود الامر الاعتباري أضعف من وجود الامر العيني ، الا ان ذلك لا يلحقه بالانتزاعيات التي ليس لها وجود الا بوجود منشأ انتزاعها ، وتكون من خارج المحمول ، بل الانتزاعي امر والاعتباري امر آخر ، وليس الاعتباري عين الانتزاعي ، وان كان ربما يطلق أحدهما على الآخر ، الا ان ذلك لا يخلو عن مسامحة. فالامر الاعتباري مقابل للامر الانتزاعي ، حيث إن للأول نحو وجود في وعاء الاعتبار وليس للثاني وجود ، بل الموجود هو منشأ الانتزاع ، سواء كان المنشأ من الأمور المتأصلة في عالم العين ، أو كان من الأمور المتأصلة في عالم الاعتبار ، فان الامر الاعتباري يصلح ان يكون منشأ لانتزاع امر ، كصلاحية الامر العيني لذلك.


(402)
    فالعنوان الملحوظ على وجه المرآتية يكون على اقسام ثلاثة : متأصل في عالم العين ، ومتأصل في عالم الاعتبار ، ومنتزع عن أحدهما ، وهو باقسامه يصلح ان يتعلق به التكليف ، غايته ان التكليف بالانتزاعي يكون تكليفا بمنشأ الانتزاع ، إذ هو المقدور الذي تتعلق به إرادة الفاعل ، والانتزاعي انما يكون مقدورا بواسطته ، و ذلك كله واضح. (1).
    ومنها :
    ان العناوين والمفاهيم التي يكون بينها التباين الجزئي لا يعقل ان يتصادقا على متحد الجهة ، فان جهة الصدق والانطباق في أحد العنوانين لا بد ان تغاير جهة الصدق والانطباق في الآخر ، والا لامتنع صدق أحدهما بدون صدق الآخر ، وكانا متلازمين في الصدق والانطباق ولم يحصل بينهما افتراق. فإنه بعد فرض وحدة الجهة يكون الموجب لانطباق أحد العنوانين على شيء هو الموجب لانطباق العنوان الآخر عليه ، فلا يعقل الافتراق من جانب أو من جانبين ، فافتراق العنوانين في الصدق و الانطباق يكشف عن تعدد جهة الصدق في مورد الاجتماع ، فلا يعقل تصادق عنوانين على متحد الجهة مع فرض امكان افتراق أحد العنوانين عن الآخر ولو في الجملة ومن جانب واحد.
    ولا ينتقض ذلك بالباري تعالى حيث إنه ينطبق عليه عناوين متباينة بالتباين الجزئي ، مع أنه تعالى ليس فيه تعدد جهة لكونه تعالى بسيطا كل البساطة ، و مع ذلك ينطبق عليه عنوان العالم والقادر ، مع أن بينهما العموم من وجه : وذلك لأنه لا يقاس التراب مع رب الأرباب ، فان العناوين المنطبقة عليه تعالى كلها راجعة إلى الذات ، فهو بذاته قادر ، وعالم ، وحى قيوم ، وليس العلم أو القدرة مغايرا للذات.
    والحاصل : ان القياس ليس في محله ، فان مقام الباري تعالى مقام لا تصل
1 ـ ولا يخفى عليك ان هذه المقدمة وما يتلوها من المقدمات ليس لها كثير ربط بالمقام الثاني ، بل ينبغي جعلها من مقدمات المقام الأول كما لا يخفى ـ منه.

(403)
إليه الأوهام ، ولا يمكن تعقل حقيقة انطباق تلك العناوين عليه ، فلا يصح جعل ذلك نقضا للبرهان العقلي الفطري الذي هو ـ عدم امكان انطباق العناوين المتباينة المفترقة في الصدق على متحد الجهة ـ وهذا يكفي في تصديقه نفس تصوره ، و لا يحتاج إلى مزيد بيان.
    نعم : ينبغي بيان مناط تصادق العناوين وعدم تصادقها وانه كيف يتصادق بعض العناوين دون بعض.
    فنقول : لا اشكال في أن صدق أي عنوان على أي شيء لا بد ان يكون لجهة تقتضي ذلك الصدق ، سواء كانت تلك الجهة راجعة إلى الذات كصدق الانسان على زيد ، أو إلى امر خارج عن الذات كصدق العالم عليه ، إذ لا يعقل صدق عنوان من دون ان يكون هناك جهة الصدق ، والا لصدق كل شيء على كل شيء.
    ثم إن جهة صدق أحد العنوانين ، اما ان تكون متباينة مع جهة صدق العنوان الآخر ، واما ان لا تكون متباينة. وما كانت متباينة ، فاما ان يكون بينهما مضافا إلى التباين منافرة ومضادة ، واما ان لا يكونا كذلك ، بل كان بينهما مجرد المخالفة والمغايرة. والمخالفة والمغايرة ، اما ان تكون من قبيل المغايرة الجنسية و الفصلية وما يلحق بذلك بحيث يكون التخلف من إحدى الجهتين دون الأخرى ، و اما ان لا تكون من هذا القبيل بل كان التخلف من الجهتين. فهذه جملة ما يمكن ان يتصور عقلا في الجهات الموجبة لصدق العناوين على حقايقها الخارجية ، ولا خامس لهذه الأقسام ، فان الحصر عقلي لا استقرائي.
    فان لم يكن بين الجهتين مباينة ومخالفة : فلا محالة يتلازم العنوانان في الصدق ، فان عدم التلازم يكشف عن تخلف إحدى الجهتين عن الأخرى ، مع أن المفروض عدم المخالفة بينهما ، فلا بد ان يكون بين العنوانين تلازم في الصدق ويكون العنوانان متساويين في الانطباق ، بحيث انه كلما صدق أحدهما صدق الآخر كما في الانسان والضاحك.
    وان كان بين الجهتين مخالفة ومباينة : فان كان التخالف على وجه التنافر والتضاد ، كالفصول المنوعة للأجناس ـ حيث إن بين الفصول والصور النوعية


(404)
كمال المنافرة والمضادة ، لان الجنس لا يمكن ان يتحمل فصلين ويعتوره صورتان مجتمعتان ـ فلا محالة يكون بين العنوانين تباين كلي ، كالانسان والشجر ، حيث إن جهة صدق الانسان هي الفصل المقوم له والصورة النوعية التي يكون بها الانسان انسانا ، وجهة صدق الشجر أيضا هي الفصل والصورة النوعية التي يكون بها الشجر شجرا ، وبين الصورتين كمال المنافرة والمضادة ، فلامحة يكون بين الانسان والشجر تباين كلي.
    وان لم يكن بين الجهتين تنافر وتضاد ، بل كان بينهما مجرد المخالفة : فان كان التخلف من إحدى الجهتين دون الأخرى ، كما إذا كان إحدى الجهتين جهة الجنسية والأخرى جهة الفصلية ـ حيث إن التخلف انما يكون من جهة الفصلية لامكان تحمل الجنس فصلا آخر دون جهة الجنسية ، لعدم امكان القاء الفصل جهة الجنسية ، كما يتضح ذلك في مثل الحيوان والانسان ـ فلامحة يكون بين العنوانين العموم المطلق. وان كان التخلف من جانب كل من الجهتين ، فيكون بين العنوانين العموم من وجه.
    ومما ذكرنا ظهر ان نسبة العموم من وجه لا يعقل ان تتحقق بين العنوانين الجوهريين ، لان جهة صدق العنوان الجوهري على شيء انما يكون باعتبار ماله من الصورة النوعية التي بها يكون الشيء شيئا ، وقد عرفت : ان الصور النوعية متباينة بالتباين الكلي لا يمكن ان يجتمعا ، نعم : جهة الجنسية والفصلية يمكن اجتماعهما. و النسبة بين الجهة الجنسية والفصلية دائما تكون العموم المطلق. فالعموم من وجه لا بد ان يكون ، اما بين الجوهري والعرضي كالانسان والأبيض ، واما بين العرضيين كالعالم والفاسق. ومعلوم : ان جهة الصدق والانطباق في العرضيين المجتمعين انما تكون هي مبدء الاشتقاق ، حيث إن المبدء هو العلة لتولد عنوان المشتق منه ، ويكون انطباق العالم على زيد من جهة علمه ، وانطباق الفاسق عليه من جهة فسقه ، فالعلة لانطباق العنوانين الذين يكون بينهما العموم من وجه ليست الا مبدء الاشتقاق ، و ذلك المبدء هو الذي أوجب حدوث نسبة العموم من وجه بين العنوانين ، حيث لم يكن بين المبدئين منافرة ومضادة ، وقد تقدم في المشتق انه لا فرق بين المشتق ومبدء


(405)
الاشتقاق الا باللابشرطية والبشرط اللائية ، حيث إن العرض ان لوحظ لا بشرط عما يتحد معه يكون عنوانا عرضيا محمولا ، وان لوحظ بشرط لايكون عرضا مفارقا غير محمول. فالعرض هو الذي يكون عرضيا عند ملاحظته لا بشرط ، ويكون هو العلة لصدق العرضي المشتق منه على الذات فجهة الصدق في المشتقات ليست الا مبدء الاشتقاق.
    ومن هنا ظهر : ان الجهتين اللتين أوجبتا صدق العنوانين العرضيين على شيء لا تكونان الا تعليليتين ، ولا تصلحان ان تكونا تقييديتين ، لما عرفت : من أن المبدء دائما يكون علة لصدق المشتق على الذات المتحدة معه ، فجهة انطباق عنوان العالم على زيد وكذا جهة انطباق الفاسق عليه تكون تعليلية ، ويقال : زيد عالم و فاسق ، لعلة علمه وفسقه. هذا بالنسبة إلى العناوين الاشتقاقية.
    واما بالنسبة إلى نفس المبادئ الاشتقاقية ، فلا يعقل اتحاد بعضها مع بعض ، ولا اتحادها مع الذات القائمة بها ، فإنها من هذه الحيثية تكون بشرط لا دائما ، ولا يعقل ان تلاحظ المبادئ بعضها مع بعض لا بشرط ، إذ المبادئ كلها متباينة ، و العلم على أي وجه لوحظ يكون غير الفسق ، وكذا الفسق يكون غير العلم ، ولا يصح حمل أحدهما على الآخر ، ولا حملهما على الذات ، فلا يقال : زيد علم ولا العلم فسق.
    والحاصل : ان العرض بالنسبة إلى الذات القائم بها يصح لحاظه لا بشرط فيكون عنوانا مشتقا يصح حمله على الذات المنطبق عليها ، ويصح لحاظه بشرط لا فيكون مفارقا لا يصح حمله على الذات. فصحة لحاظه لا بشرط أو بشرط لا انما يكون بالنسبة إلى الذات القائم بها ، واما بالنسبة إلى عرض آخر فدائما يكون بشرط لا ، إذ لا ربط بينهما ، لعدم قيام عرض بعرض آخر ، فلا يصح لحاظ العلم لا بشرط بالنسبة إلى الفسق ، وان صح لحاظه لا بشرط بالنسبة إلى الذات القائم بها. وح فلا يعقل الاتحاد بين المبادئ.
    نعم : تختلف المبادئ من حيث امكان اجتماع بعضها مع بعض في الوجود وعدم امكانه ، لان المبادئ ان كانت مقولة الكيف ، كالعلم ، والفسق ، والحلاوة ، والبياض ، فلا يعقل اجتماع بعضها مع بعض في الوجود ، بحث يكون مبدء مجامعا
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس