فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 526 ـ 540
(526)
المصداقية ؟ وكيف تجرى فيه أصالة العموم ؟ مع ما عرفت من أن أصالة العموم انما تكون لاحراز المراد واقعا ولا تحرز المصاديق أصلا ، وهذا في القضايا الحقيقية واضح.
    واما القضايا الخارجية : فقد يتوهم صحة التمسك فيها بالعام في الشبهات المصداقية ، من جهة ان القضية الخارجية وان سيقت بصورة الكبرى الكلية ، الا انه قد تقدم ان الحكم فيها ابتداء يرد على الافراد بلا توسط عنوان ، والعنوان المأخوذ في ظاهر القضية ليس له دخل في مناط الحكم ، فالعام في القضية الخارجية بنفسه ابتداء متكفل لحكم الافراد ، وقد تعرض العام لحكم الفرد المشتبه قبل ورود التخصيص ، وبعد ورود الخاص يشك في خروج الفرد المشتبه عن حكم العام ، والمرجع حينئذ هو أصالة العموم. فلو قال : أكرم كل من في الدار ، ثم قال : لا تكرم من كان في الطرف الشرقي منها ، أو قال : لا تكرم أعدائي الذين هم في الدار ، وتردد حال زيد بين ان يكون من الطرف الشرقي أو غيره ، أو تردد بين ان يكون من الأعداء أولا ، فحيث ان قوله أولا ( أكرم كل من في الدار ) قد شمل زيدا وتعرض لوجوب اكرامه ، ولم يعلم خروجه بعد ذلك عن حكم العام ، كان اللازم وجوب اكرامه لأصالة العموم وعدم التخصيص ، هذا.
    ولكن الانصاف : انه لا فرق بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية ، في عدم التعويل على العام في الشبهات المصداقية ، للعلم بان كيفية استعمال العام والخاص يكون فيهما على نهج واحد ولا يكون الاستعمال في القضية الخارجية على نحو يغاير نحو الاستعمال في القضية الحقيقية وان المناط في عدم صحة الرجوع إلى العام فيهما واحد لا يختلف. غايته ان أصالة العموم في القضية الحقيقية قبل العثور على المخصص انما كانت محرزة لكون عنوان العام تمام الموضوع للحكم الواقعي ، وفي القضية الخارجية كانت محرزة لكون المتكلم لم يحرز ان في الدار عدوا له بعد العلم بأنه لا يريد اكرام عدوه ، وبعد ورود الخاص يعلم أن المتكلم أحرز ان له عدوا في الدار. كما أن بعد ورود الخاص في القضية الحقيقية يعلم أن عنوان العام لم يكن تمام الموضوع للحكم الواقعي ، وبعد ما علم المخاطب ان المتكلم لا يريد اكرام العدو وانه


(527)
محرز لوجود عدو له في الدار ، يعلم : انه لا يريد اكرام كل من في الدار بل خصوص من لم يكن له عدوا وانه ليس مجرد الوجود في الدار موجبا لاكرامه بل يعتبر عدم عداوته. فالمشكوك عداوته لا يعلم اندراجه تحت قوله : أكرم كل من في الدار بضميمة قوله : لا تكرم عدوى.
    والحاصل : ان العنوان في القضايا الخارجية وان لم يكن له دخل في مناط الحكم ، الا انه على أي حال لوحظ مرآة لما تحته من الافراد ، والافراد التي تكون تحته هي ما عدى عنوان الخاص ، وحينئذ فالمشكوك لا يحرز كونه من افراد العام الذي لايكون معنونا بعنوان الخاص ، فيكون حال القضية الخارجية كحال القضية الحقيقية.
    ولا ينتقض ما ذكرناه في القضية الخارجية ، بمثل قوله : أكرم ( هؤلاء ) مشيرا إلى جماعة ، وبعد ذلك قال : لا تكرم هؤلاء مشير إلى جماعة من تلك الجماعة التي أشار إليها أولا ، ثم شك في شمول ( هؤلاء ) الثاني لبعض ما شمله ( هؤلاء ) الأول ، فإنه لا اشكال في مثل هذا في الاخذ بما شمله ( هؤلاء ) الأول فيما عدى المتيقن خروجه وادراج المشكوك في الإشارة الأولى في وجوب اكرامه. وذلك : لان ما ذكر من المثال يكون من قبيل اجمال المخصص مفهوما ، لا مصداقا ، لرجوع الشك فيه إلى أصل وقوع الإشارة الثانية إلى المشكوك من حيث تردد مقدار الإشارة. والمثال المنطبق على الشبهة المصداقية ، هو ما إذا علم أن الإشارة الثانية وقعت على عشرة افراد من تلك الجماعة المشار إليها أولا ، ثم تردد حال زيد بين ان يكون من جملة العشرة ، أولا ، وفي مثل هذا قطعا لا يجب اكرام زيد ، ولا يجوز الرجوع في حكمه إلى الإشارة الأولى ، كما هو واضح.
    ومما ذكرنا ظهر : ان ما يستدل به القائل بصحة التعويل على العام في الشبهات المصداقية ـ من أن المتكلم في القائه العام كأنه قد جمع النتايج وذكر حكم الافراد بعبارة العام ، فكل فرد من افراد العام قد ذكر حكمه بذكر العام ، ومن جملة الافراد الفرد المشكوك ، وحيث لم يعلم دخول الفرد المشكوك في الخاص وجب ترتب ما ذكره أولا من حكم الفرد المشكوك ـ فإنما هو يناسب القضية الخارجية ، لا


(528)
القضية الحقيقية ، فان القضية الحقيقية ليس لها تعرض لحكم الافراد ، وانما سيقت لبيان الكبرى الكلية ، وانما يعلم حكم النتايج والافراد بعد ضم الصغرى إليها. والقضية الخارجية قد عرفت الحال فيها ، وان الاستدلال لا يتم فيها أيضا.
    كما أنه ظهر مما ذكرنا أيضا : ضعف ما استدل به القائل بذلك : من أن عنوان العام مقتض لثبوت الحكم على افراده ، وعنوان الخاص مانع ، ويجب الاخذ بالمقتضى إلى أن يحرز المانع. لمنع كل من الصغرى والكبرى. اما الصغرى : فلانه لا طريق إلى احراز كون عنوان العام مقتضيا والخاص مانعا ، لامكان ان يكون عنوان الخاص جزء المقتضى. واما الكبرى : فلان قاعدة المقتضى والمانع لا أساس لها كما حقق في محله.
    وكذلك ظهر ضعف الاستدلال على ذلك : بان العام حجة بالنسبة إلى الفرد المشكوك لكونه من افراد العام ، والخاص ليس بحجة فيه للشك في كونه فردا له ، فيجب الاخذ بالحجة ، لان اللاحجة لا تزاحم الحجة. وذلك : لان عنوان العام بعد ما صار جزء الموضوع لمكان الخاص لايكون حجة بالنسبة إلى الفرد المشكوك ، ويكون الفرد المشكوك بالنسبة إلى كل من العام والخاص على حد سواء في عدم الحجية ، ولا تجرى فيه أصالة العموم ، على ما تقدم.
    وقياس الأصول اللفظية بالأصول العملية ـ حيث إنه عند الشك في كون الشيء حلالا أو حراما يتمسك بمثل أصالة الحل ، فكذلك عند الشك في اندراج الفرد المشكوك فيما هو المراد من العام يتمسك بمثل أصالة العموم ـ قياس مع الفارق ، لان الأصول العملية مجعولة في مرتبة عدم الوصول إلى الواقع واليأس عنه ، بخلاف الأصول اللفظية ، فإنها واقعة في طريق احراز الواقع والوصول إليه واستخراج المراد النفس الأمري منها ، والمفروض انه قد أحرز المراد الواقعي من العام وهو العالم الغير الفاسق مثلا ، واما كون زيد عالما غير فاسق فهو أجنبي عن المراد الواقعي ، حتى تجرى فيه أصالة العموم.
    وبالجملة : لا ينبغي التأمل في عدم جواز التعويل على العام في الشبهات المصداقية ، سواء في ذلك المخصص المتصل والمنفصل والقضية الحقيقية والخارجية.


(529)
    ثم انه ربما يتوهم : ان الوجه في حكم المشهور بالضمان عند تردد اليد بين كونها عادية أو غير عادية ، هو التعويل على العام في الشبهة المصداقية. بل قد يتخيل ان ذلك يكون من الرجوع إلى العام مع الشك في مصداق العام الذي لم يقل به أحد ، بناء على أن يكون المستفاد من قوله ( على اليد ) خصوص اليد العادية ، ولا يعم اليد المأذون فيها من أول الامر ، فتكون اليد المأذون فيها خارجة بالتخصص ، لا بالتخصيص.
    وبالجملة ، ان قلنا : انه لا يستفاد من عموم ( على اليد ) الا خصوص اليد العادية ، كانت اليد المشكوك كونها عادية من الشبهة المصداقية بالنسبة إلى نفس عنوان العام ، كما إذا شك في عالمية زيد عند قوله : أكرم العلماء. وان قلنا : ان قوله ( على اليد ) يعم اليد العادية والمأذون فيها ويكون اليد المأذون فيها خارجة بالتخصيص ، كانت اليد المشكوك كونها عادية من الشبهة المصداقية بالنسبة إلى عنوان المخصص ، كما إذا شك في فاسقية زيد في مثل قوله : أكرم العلماء الا فساقهم. وعلى كلا التقديرين لا يصح الحكم بالضمان عند الشك في حال اليد ، خصوصا على الأول. مع أن المشهور قالوا بالضمان ، وليس ذلك الا من جهة تعويلهم على العام في الشبهة المصداقية ، هذا.
    ولكن لا يخفى عليك : ان ذهاب المشهور إلى ذلك ليس لأجل صحة التعويل على العام في الشبهة المصداقية ، بل لأجل ان هناك أصلا موضوعيا ينقح حال المشكوك ويدرج المشكوك تحت عنوان العام ، فيتمسك بالعام لاثبات حكمه ، وهو أصالة عدم اذن المالك ورضاه بالتصرف. فيكون المقام من صغريات الموضوعات المركبة المحرز بعض اجزائها بالأصل ، وبعضها الآخر بالوجدان. والأصل الموضوعي في مثل المقام يجرى بلا اشكال ، لكونه مسبوقا بالتحقق بمفاد ليس التامة. والأثر مترتب على مؤدى الأصل بما هو كذلك ، وليس من المقامات التي يكون الأثر فيها مترتبا على مفاد ليس الناقصة ، حتى يستشكل في جريان الأصل من جهة عدم كون مؤداه مسبوقا بالتحقيق كما في مثل أصالة عدم قرشية المرأة ، ولا بأس ببسط الكلام في هذا المقام ليتضح خلط بعض الاعلام.


(530)
    فنقول : ان العنوان الذي تكفله دليل المقيد والمخصص اما : ان يكون من العناوين اللاحقة لذات موضوع العام ، بحيث يكون من أوصافه وانقساماته ، كالعادل والفاسق بالنسبة إلى العالم ، وكالقرشية والنبطية بالنسبة إلى المرأة. واما : ان يكون من مقارنات الموضوع ، بحيث لايكون من انقسامات ذاته ، بل من الانقسامات المقارنة ، كما إذا قيد وجوب اكرام العالم بوجود زيد ، أو مجيئ عمرو ، أو فوران ماء الفرات ، وما شابه ذلك. فان وجود زيد ، ومجيئ عمرو ، وفوران ماء الفرات ، ليس من أوصاف العالم والانقسامات اللاحقة له لذاته ، بل يكون من مقارناته الاتفاقية ، أو الدائمية ، ولا يمكن ان يكون نعتا ووصفا للعالم ، فان وجود زيد بنفسه من الجواهر لايكون نعتا للعالم ، ومجيء عمرو وفوران ماء الفرات يكون وصفا لعمرو ولماء الفرات ، لا للعالم ، وذلك واضح.
    فان كان عنوان المقيد والمخصص من الأوصاف اللاحقة لذات الموضوع ، فلامحة يكون موضوع الحكم في عالم الثبوت مركبا من العرض ومحله ، إذ العام بعد ورود التخصيص يخرج عن كونه تمام الموضوع للحكم لا محالة ويصير جزء الموضوع ، وجزئه الآخر يكون نقيض الخارج بدليل المخصص. ففي مثل قوله : أكرم العلماء الا فساقهم ـ يكون الموضوع هو العالم الغير الفاسق ، ويكون العالم أحد جزئي الموضوع ، و جزئه الآخر غير الفاسق ، ولما كان غير الفاسق من أوصاف العالم ونعوته اللاحقة لذاته ، كان موضوع الحكم مركبا من العرض ومحله.
    وان كان عنوان المقيد والمخصص من المقارنات ، يكون موضوع الحكم مركبا أيضا ، لكن لا من العرض ومحله ، بل اما ان يكون مركبا من جوهرين ، أو عرضين لمحلين ، أو من جوهر وعرض لمحل آخر ، أو من عرضين لمحل واحد ، وأمثلة الكل واضحة.
    إذا عرفت ذلك فاعلم : انه ان كان الموضوع مركبا من غير العرض ومحله بل من الأمور المتقارنة في الزمان ، كان الأصل الجاري في اجزاء المركب هو الوجود والعدم المحمولين بمفاد كان وليس التامتين ، لان الأمور المتقارنة في الزمان لا رابط بينها سوى الاجتماع في عمود الزمان ، فمجرد احراز اجتماعها في الزمان يكفي في


(531)
ترتب الأثر ، سواء كان احرازها بالوجدان ، أو بالأصل ، أو بعضها بالوجدان و بعضها بالأصل.
    نعم : لو كان موضوع الأثر هو العنوان البسيط المنتزع ، أو المتولد من اجتماع الاجزاء في الزمان ـ كعنوان التقديم ، والتأخر ، والتقارن ، والقبلية ، والبعدية ، وقضية الحال ، وغير ذلك من العناوين المتولدة من اجتماع الأمور المتغايرة في الزمان ـ كان احراز بعض الاجزاء بالوجدان وبعضها بالأصل لا اثر له ، من جهة انه لا يثبت ذلك العنوان البسيط الذي هو موضوع الأثر ، الا بناء على القول بالأصل المثبت.
    وذلك كما في قوله عليه السلام : لو أدرك المأموم الامام قبل رفع رأس الامام. فان استصحاب عدم رفع رأس الامام عن الركوع إلى حال ركوع المأموم لا يثبت عنوان القبلية. وكما في قوله : يعزل نصيب الجنين من التركة فان ولد حيا اعطى نصيبه. فان استصحاب حياته إلى زمان الولادة لا يثبت عنوان الحالية وانه ولد في حال كونه حيا.
    وبالجملة : لا يجرى الأصل فيما إذا كان الموضوع للأثر هو العنوان البسيط المنتزع. ولكن كون الموضوع هو ذلك يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص أو استظهاره من الدليل ، والا فالعنوان الأولى الذي يحصل من الأمور المتغايرة ليس الا اجتماعها في الزمان. واما سائر العناوين المتولدة من الاجتماع في الزمان فجعلها موضوعا للأثر يحتاج إلى عناية زائدة ، وقد عرفت : انه إذا كان نفس اجتماع الأمور المتغايرة في الزمان موضوعا للأثر ، كان الأصل في تلك الأجزاء بمفاد كان التامة وليس التامة جاريا بلا اشكال فيه ، إذا الأصل يثبت هذا الاجتماع.
    ومما ذكرنا يظهر : وجه حكم المشهور بالضمان عند الشك في كون اليد يد عادية ، من جهة ان موضوع الضمان مركب من اليد والاستيلاء الذي هو فعل الغاصب ومن عدم اذن المالك ورضاه الذي هو عرض قائم بالمالك ، وأصالة عدم رضاء المالك تثبت كون اليد يد عادية ، إذ اليد العادية ليست الا عبارة عن ذلك ، وهذا المعنى يتحقق بضم الوجدان إلى الأصل.
    فليس حكمهم بالضمان من جهة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ،


(532)
بل من جهة جريان الأصل الموضوعي المنقح حال المشتبه. وقس على ذلك سائر الموضوعات المركبة من غير العرض ومحله ، فإنه في الجميع يكفي احراز الاجزاء بالأصول الجارية بمفاد كان أو ليس التامتين ، الا إذا كان العنوان المتولد موضوعا للأثر ، فان الأصل يكون حينئذ مثبتا ، كما عرفت.
    وأما إذا كان التركيب من العرض ومحله ، فالأصل بمفاد كان وليس التامتين لا اثر له ، بل لا بد ان تكون الجهة النعتية والوصفية مسبوقة بالتحقق ، حتى يجرى الأصل بمفاد كان أو ليس الناقصتين ، لان العرض بالنسبة إلى محله انما يكون نعتا ووصفا له ، ويكون للجهة النعتية والتوصيفية دخل لامحة ، ولا يمكن اخذ العرض شيئا بحيال ذاته في مقابل المحل القائم به ، إذ وجود العرض بنفسه ولنفسه عين وجوده لمحله وبمحله ، فلا محيص من اخذ العرض بما هو قائم بمحله موضوعا للحكم ، وهذا لايكون الا بتوصيف المحل به. فكل أصل أحرز التوصيف والتنعيت كان جاريا ، وهذا لايكون الا إذا كانت جهة التوصيف مسبوقة بالتحقق بعد وجود الموصوف ، وهذا انما يكون بالنسبة إلى الأوصاف اللاحقة لموصوفها بعد وجود الموصوف ، كالفسق ، والعدالة ، والمشي ، والركوب ، وغير ذلك.
    واما الأوصاف المساوق وجودها زمانا لوجود موصوفها ، كالقرشية والنبطية ، وغير ذلك ، فلا محل فيها لجريان الأصل بمفاد كان وليس الناقصتين ، لعدم وجود الحالة السابقة. والأصل بمفاد كان وليس التامتين وان كان جاريا الا انه لا يثبت جهة التوصيف الا على القول بالأصل المثبت. ففي مثل أكرم العلماء الا فساقهم ، يكون الموضوع مركبا من العالم الغير الفاسق ، وعند الشك في فسق زيد العالم تجرى أصالة عدم فسقه بمفاد ليس الناقصة إذا كان عدم فسق زيد مسبوقا بالتحقق ، أو أصالة فسقه بمفاد كان الناقصة إذا كان فسقه مسبوقا بالتحقق ، و يترتب على الأول وجوب اكرامه ، وعلى الثاني عدم وجوبه. وسيأتي في مبحث الاستصحاب ( انشاء الله ) انه لا فرق في مورد جريان الاستصحاب ، بين ان يكون المستصحب نفس موضوع الحكم ، أو نقيضه.
    والاشكال : بأنه لا معنى لاستصحاب نقيض موضوع الحكم ـ إذ الأثر


(533)
الشرعي مترتب على وجود الموضوع ولا اثر لنقيضه ـ ضعيف غايته ، فإنه يكفي في جريان الاستصحاب اثبات عدم الأثر الشرعي ، والا لا نسد باب الاستصحابات العدمية بالنسبة إلى الاحكام ، إذ عدم الحكم ليس مجعولا شرعيا. وسيأتي تفصيل ذلك في محله انشاء الله. وعلى أي حال : ان كان الوجود أو العدم النعتي مسبوقا بالتحقق ، فلا اشكال في جريان الأصل فيه بما انه وجود وعدم نعتي ، وأما إذا لم يكن مسبوقا بالتحقق ، فلا محل للأصل فيه ، وذلك ـ كالمرأة القرشية ـ فان عروض وصف القرشية للمرأة مساوق زمانا لوجود المرأة ، فهي اما ان توجد قرشية واما ان توجد غير قرشية ، وليس العدم النعتي مسبوقا بالتحقق ، لان سبق تحقق العدم النعتي يتوقف على وجود الموضوع آنا ما فاقدا لذلك الوصف ، وأما إذا لم يكن كذلك كالمثال فلا محل لاستصحاب العدم النعتي.
    نعم : استصحاب العدم الأزلي يجرى ، لان وصف القرشية كان مسبوقا بالعدم الأزلي لامحة ، لأنه من الحوادث ، الا ان الأثر لم يترتب على العدم الأزلي ، بل على العدم النعتي ، واثبات العدم النعتي باستصحاب العدم الأزلي يكون من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، إذ عدم وجود القرشية في الدنيا يلازم عقلا عدم قرشية هذه المرأة المشكوك حالها.
    ودعوى : ان عدم القرشية لم يؤخذ جزء الموضوع الا بمعناه الأزلي لا بمعناه النعتي ، قد عرفت ضعفها ، فإنه بعد ما كانت القرشية من الأوصاف اللاحقة لذات المرأة ، لا يمكن اخذها الا على جهة النعتية ، هذا.
    وللمحقق الخراساني (1) ( قده ) كلام في المقام يعطى صحة جريان الأصول العدمية في مثل هذه الأوصاف ، لكن لا مطلقا ، بل فيما إذا كان دليل التقييد منفصلا ، أو كان من قبيل الاستثناء ، لا ما إذا كان متصلا بالكلام على وجه التوصيف ، فان في مثله لا يجرى الأصل. مثلا تارة : يقول : أكرم العالم الغير الفاسق ، أو
1 ـ كفاية الأصول ، المجلد الأول ص 346 ـ 345 « ايقاظ ، لا يخفى ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل ، أو كالاستثناء من المتصل..

(534)
ان المرأة الغير القرشية تحيض إلى خمسين. وأخرى : يقول : أكرم العالم الا فساقهم ، أو بدليل منفصل يقول : لا تكرم فساق العلماء ، أو يقول : المرأة تحيض إلى خمسين الا القرشية أو بدليل منفصل يقول : المرأة القرشية تحيض إلى ستين. ففي الأول : لا بد ان يكون الأصل بمفاد ليس الناقصة جاريا ، بحيث تكون النعتية مسبوقة بالتحقق ، ولا اثر للأصل بمفاد ليس التامة. وفي الثاني : يكفي جريان الأصل بمفاد ليس التامة ولا يحتاج إلى اثبات جهة النعتية.
    ووجه هذا التفصيل ـ على ما يظهر في كلامه ـ ان التقييد في الأول يوجب تنويع العام وجعله معنونا بنقيض الخاص ، والأصل الجاري فيه لا بد ان يكون بمفاد ليس الناقصة على ما بيناه. وهذا بخلاف الثاني ، فإنه حيث لم يكن عنوان القيد وصفا ونعتا لعنوان العام في الكلام ، فلا يوجب التقييد تنويع العام ، بل العام بعد باق على اللاعنوانية ويتساوى فيه كل عنوان. نعم : لا بد ان لايكون عنوان الخاص مجامعا لعنوان العام ، لمكان التخصيص. وحينئذ يكفي نفى عنوان الخاص بأي وجه أمكن نفيه في ترتب الأثر ، لأن المفروض انا لا نحتاج إلى اثبات عنوان خاص ووصف مخصوص للعام ، حتى لا يكفي نفى عنوان الخاص في اثبات ذلك للعام ، بل العام بعد باق على لا عنوانيته ، غايته انه خرج عنه عنوان الخاص ، فيكفي في ثبوت الأثر نفى عنوان الخاص ولو بمفاد ليس التامة ، فصح حينئذ ان يقال : الأصل عدم تحقق الانتساب بين هذه المرأة وبين قريش ، فيحكم على المرأة انها ممن تحيض إلى خمسين ، هذا.
    ولكن لا يخفى عليك : ضعف ما افاده ( قده ).
    اما أولا : فلان التقييد لا يعقل ان لا يوجب تنويع العام وجعله معنونا بعنوان نقيض الخاص ، إذ التقييد يوجب هدم الاطلاق ويخرج عنوان العام عن التسوية بين انقساماته اللاحقة له لامحة ، لان الاطلاق والتقييد لا يمكن ان يجتمعا ، مع ما بينهما من تقابل العدم والملكة الذي هو في المحل القابل يكون مثل تقابل الايجاب والسلب ، من حيث عدم امكان الاجتماع والارتفاع ، وان كان بينهما فرق من جهة امكان ارتفاع الموضوع في تقابل العدم والملكة ، فلا يصدق على الجدار انه


(535)
أعمى أو بصير ، بل يصح سلبهما عنه ، لان الجدار ليس موضوعا للعمى والبصر من جهة انتفاء القابلية ، بخلاف تقابل السلب والايجاب ، فإنه لا يعقل ارتفاع موضوعه ، من جهة ان موضوعه الماهيات المتصفة اما بالوجود واما بالعدم ، كما سيأتي بيانه في محله انشاء الله. ولكن بالنسبة إلى المحل القابل يكون حكم تقابل العدم والملكة حكم تقابل السلب والايجاب ، فلا يعقل ان يكون الانسان أعمى وبصيرا ولا لا أعمى ولا لا بصيرا ، فالتقييد يوجب هدم أساس الاطلاق لامحة ، ويوجب تعنون العام بنقيض الخاص ثبوتا وفي نفس الامر.
    ومجرد ان القيد لايكون وصفا ونعتا اصطلاحيا لا يوجب ان لايكون كذلك ثبوتا ، بل لا يعقل ان لايكون بعد ما لم يكن القيد من الانقسامات المقارنة زمانا لعنوان العام بل كان من الانقسامات اللاحقة له ومن أوصافه ونعوته ، ومع هذا كيف لا يوجب التقييد تنويع العام ؟ وكيف صح له ( قده ) ان يقول : لما لم يكن العام معنونا بعنوان خاص بل بكل عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاص ؟ مع أن قوله ( قده ) « لم يكن ذلك بعنوان الخاص » هو عين التوصيف والتنعيت ، مع ما في قوله ( قده ) « بل بكل عنوان » من المسامحة ، إذ العام لا يعقل ان يكون معنونا بكل عنوان ، لما بين العناوين من المناقضة ، فكيف يكون معنونا بكل عنوان ؟ بل العام يكون بلا عنوان وذلك يساوى كل عنوان يطرء عليه الذي هو معنى الاطلاق ، ولكن بعد ورود التقييد يخرج عن التساوي ويصير معنونا بنقيض الخاص.
    وثانيا : انه أي فائدة في تغيير مجرى الأصل وجعل مجرى الأصل الانتساب الذي هو من الأمور الانتزاعية ؟ فإنه لو كان الأثر مترتبا على العدم الأزلي ، فليجعل مجرى الأصل عدم القرشية بالعدم الأزلي بمفاد ليس التامة. وان كان العدم الأزلي لا يكفي بل يحتاج إلى العدم النعتي بمفاد ليس الناقصة ، فلا اثر لجعل مجرى الأصل عدم الانتساب بمعناه الأزلي ، وبمعناه النعتي غير مسبوق بالتحقق. مع أن قوله ( قده ) « أصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش » هو عين العدم النعتي ، فتغيير العبارة ما أفاد شيئا.
    وبالجملة : في مثل الأوصاف اللاحقة للذات لا ينفع الا العدم النعتي ، ولا


(536)
يجرى الأصل الا بمفاد ليس الناقصة ، ولا اثر للعدم الأزلي الا على القول بالأصل المثبت.
    فما افاده صاحب الكفاية ( قده ) من كفاية العدم الأزلي وجريان الأصل بمفاد ليس التامة مما لا يمكن المساعدة عليه ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيدا.
    هذا كله فيما إذا كان المخصص لفظيا ، وقد تبين عدم صحة التعويل على العام في الشبهات المصداقية ، الا إذا كان هناك أصل موضوعي ينقح حال المشتبه.
    وأما إذا كان المخصص لبيا من اجماع ، أو عقل ضروري ، أو نظري ، فقد تداول في لسان المتأخرين جواز التمسك بالعام عند الشبهة المصداقية فيه. والظاهر : ان أول من أفاد ذلك هو الشيخ ( قده ) على ما في التقرير ، وتبعه من تأخر عنه ، هذا. (1).
    ولكن التحقيق : انه لا فرق في ذلك بين المخصص اللبي والمخصص اللفظي فإنه على كل حال يكون نقيض الخارج قيدا للموضوع ، ولا يصح التعويل على العام مع الشك في الموضوع ، فبعد ما ثبت كون الشيء مخصصا لا يفرق الحال فيه بان يكون دليل المخصص لفظيا ، أو لبيا. والظاهر : ان لايكون مراد الشيخ ( قده ) ومن تبعه هذا المعنى من المخصص ، أي ما كان قيدا للموضوع ، وان كان التعبير بالمخصص اللبي يعطى ذلك ، الا انه من المسامحة في التعبير. فالأولى ان يقال : انه لو ورد عام ، و علم أن المولى لا يريد جميع ما ينطبق عليه عنوان العام كيفما اتفق ، فان كان الذي لم يتعلق ارادته به من العناوين التي لا تصلح الا ان تكون قيدا للموضوع ـ ولم يكن احراز انطباق ذلك العنوان على مصاديقه من وظيفة الآمر والمتكلم ، بل كان من وظيفة المأمور والمخاطب ـ ففي مثل هذا يكون حال المخصص اللبي كالمخصص اللفظي ، في عدم صحة التعويل على العام فيما شك كونه من مصاديق الخارج ، وذلك كما في
1 ـ مطارح الأنظار ، الهداية الثالثة من مباحث العام والخاص ص 192 وتبعه في ذلك صاحب الكفاية قدس سره بالنسبة إلى خصوص المخصص اللبي المنفصل. واما فيما كان كالمتصل بحيث يصح ان يتكل عليه المتكلم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب ، فاختار فيه عدم حجية العام في المصداق المشتبه معللا بأنه لا ينعقد معه ظهور للعام الا في الخصوص. ( كفاية الأصول ، الجلد الأول ، ص 343 )

(537)
مثل قوله عليه السلام : انظروا إلى رجل قد روى حديثنا الخ ، حيث إنه عام يشمل العادل وغيره ، الا انه قام الاجماع على اعتبار العدالة في المجتهد الذي يرجع إليه في القضاء ، فتكون العدالة قيدا في الموضوع ، ولا يجوز الرجوع إلى العموم عند الشك في عدالة مجتهد ، كما إذا كان اعتبار العدالة بدليل لفظي.
    وان كان الذي لم يتعلق ارادته به من العناوين التي لا تصلح ان تكون قيدا للموضوع ـ وكان احرازها من وظيفة الآمر والمتكلم ، بان كان من قبيل الملاكات ـ ففي مثل هذا يجوز الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية. وذلك كما في مثل قوله عليه السلام : اللهم العن بنى أمية قاطبة ، حيث يعلم أن الحكم لا يعم من كان مؤمنا من بنى أمية ، لان اللعن لا يصيب المؤمن ، فالمؤمن خرج عن العام لانتفاء ملاكه ، لمكان ان ملاك اللعن هو الشقاوة ، فكأن قوله عليه السلام : اللهم العن بنى أمية قاطبة ـ قد تكفل ملاك الحكم بنفسه وهو الشقاوة ، ومعلوم ان السعيد يقابل الشقي ، فليس في السعيد ملاك الحكم ، ولكن احراز ان في بنى أمية سعيدا انما هو من وظيفة المتكلم ، حيث لا يصح له القاء مثل هذا العموم ، الا بعد احراز ذلك ، ولو فرض انه علمنا من الخارج ان ( خالد بن سعيد ) مثلا كان سعيدا مؤمنا ، كان ذلك موجبا لعدم اندراجه تحت العموم ، ولكن المتكلم لم يبينه لمصلحة هناك اقتضت ذلك ، فلا يجوز لنا لعنه لمكان علمنا بعدم ثبوت ملاك الحكم فيه. وأما إذا شككنا في ايمان أحد من بنى أمية فاللازم الاخذ بالعموم وجواز لعنه ، لأنه من نفس العموم يستكشف انه ليس بمؤمن وان المتكلم أحرز ذلك ، حيث إنه من وظيفته كان احراز ذلك ، فلو لم يحرز ان المشكوك شقي لما ألقى العموم كذلك ، ولا ينافي ذلك علمنا بايمان بعض الافراد لو فرض علمنا بذلك ، فان عدم جواز اللعن انما هو لمكان علمنا بعدم ارادته من العموم ، وأين هذا مما إذا شك في ايمان أحد ؟ فان أصالة العموم تكون حينئذ جارية ، ويكون المعلوم الخروج من التخصيص الافرادي ، حيث إنه لم يؤخذ عنوانا قيدا للموضوع ، ولم يخرج عن العموم الا بعض الافراد التي يعلم عدم ارادته من العموم.
    والحاصل : ان الضابط الكلي في صحة التعويل على العام عند الشبهة


(538)
المصداقية ، هو ان الخارج لا يمكن ولا يصح اخذه قيدا لموضوع الخارج ، كما في المثال حيث إنه لا يصح ان يقال : اللهم العن بنى أمية قاطبة الا الخير منهم أو العنوا بنى أمية الا الخير منهم ، فان مثل حكم اللعن بنفسه لا يصلح ان يعم المؤمن ، حتى يكون خروج الخير من باب التخصيص والتنويع. بخلاف خروج الفاسق عمن يعتبر قضائه ، فإنه يصلح ان يكون قيدا ، بل لا يصلح الا لذلك. وفي هذا القسم من المخصص اللبي لا يفرق الحال فيه بين ان يكون من العقل الضروري ، أو النظري ، أو لاجماع ، فإنه في الجميع يصح التعويل على العام في الشبهات المصداقية. كما أنه في القسم الأول أيضا لا يفرق الحال فيه في أنحاء لمخصص اللبي في عدم الصحة.
    هذا كله إذا علم أن الخارج من أي قبيل من المخصص ، هل هو مما اخذ قيدا للموضوع أو مما لم يؤخذ ؟ وأما إذا شك في ذلك ـ وذلك في كل مخصص صلح ان يؤخذ قيدا ويوكل احرازه بيد المخاطب وصلح أيضا ان يكون من قبيل الملاكات ويكون احرازه من ناحية الآمر والمتكلم ـ فهل في هذا القسم يرجع إلى العموم في الشبهة المصداقية مطلقا ؟ أولا يرجع مطلقا ؟ أو يفصل بين أنحاء المخصص اللبي من كونه عقلا ضروريا ، أو غيره ؟ مثال ذلك : ما إذا قال : أكرم جيراني ، وعلم بعدم إرادة اكرام العدو من الجيران ، فان العداوة يمكن ان تكون مثل الايمان والسعادة من قبيل الملاكات ويكون الآمر قد أحرز انه ليس في جيرانه عدو ، و يمكن ان تكون من العناوين الراجعة إلى قيود الموضوع ويكون الآمر قد أو كل احرازها بيد المخاطب كعدالة المجتهد.
    والأقوى : في مثل هذا هو التفصيل بين ما إذا كان الدليل الدال على اعتبار الصداقة وعدم العداوة في ( اكرام الجيران ) هو العقل الضروري الفطري ، وبين ما إذا كان عقلا نظريا أو اجماعا. ففي الأول : لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، لان العقل الضروري بمنزلة المخصص المتصل ، ولمكان احتمال كون العداوة من قيود الموضوع يكون العقل الضروري مانعا عن الرجوع إلى العام ، لأنه يكون من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية. والفرق بين هذا ، وبين القسم الأول مما علم كون الخارج من قيود الموضوع ، هو انه في الأول يكون الكلام مما يعلم باحتفافه بالقرينة


(539)
إذا كان الدليل من العقل الضروري ، وفي هذا القسم يكون من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية ، والنتيجة واحدة.
    وأما إذا كان الدليل من العقل النظري ، أو الاجماع ، فهو بمنزلة المخصص المنفصل لا يوجب اجمال العام ، ويرجع إليه. ومجرد احتمال كون العداوة من قيود الموضوع لا اثر له ، بعد ما كان الكلام ظاهرا في اكرام جميع افراد الجيران ، فتأمل فيما ذكرناه.
    المبحث الثالث :
    من مباحث العام والخاص ، انه لا اشكال في عدم جواز الاخذ بالأصول اللفظية ـ من أصالة العموم والاطلاق ـ قبل الفحص عن المقيد والمخصص ، كما لا يجوز الاخذ بالأصول العملية قبل الفحص عن أدلة الاحكام وان كان بين البابين فرق ، من جهة ان الفحص في الأصول العملية انما يكون فحصا عن أصل الحجة ، حيث إن حجية الأصول العملية مقصورة على ما بعد الفحص وليس لها مقتضى قبل الفحص ، فالفحص فيها يكون لاحراز المقتضى لجريانها ، لان الأصول العملية اما ان يكون مدركها العقل : من قبح العقاب بلا بيان ، واما ان يكون مدركها الشرع : من حديث الرفع ، ولا تنقض اليقين بالشك.
    اما العقل : فواضح ان حكمه بقبح العقاب انما هو بعد الفحص وحركة العبد على طبق ما يقتضيه وظيفة العبودية من البحث عن مرادات المولى. وحكم العقل بوجوب الفحص يكون من صغريات حكمه بوجوب النظر إلى معجزة من يدعى النبوة ، حتى لا يلزم افحام الأنبياء ، وذلك واضح.
    واما النقل : فلو سلم اطلاق أدلة الأصول لما قبل الفحص ، الا انه قام الاجماع على اعتبار الفحص ، وانه لا مجرى للأصول الا بعد الفحص. مع أنه يمكن منع اطلاقها من جهة انه لا يمكن تشريع حكم يوجب افحام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد ما عرفت : من أن الفحص في المقام يكون من صغريات الفحص عن معجزة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فتأمل. وسيأتي لذلك مزيد بيان في محله انشاء الله. هذا في الأصول العملية.


(540)
    واما في الأصول اللفظية : فالفحص فيها انما يكون فحصا عما يزاحم الحجية وعما يعارضها بعد الفراغ عن حجيتها وثبوت المقتضى لها ، لبناء العقلاء على الاخذ بها في محاوراتهم العرفية ، فالفحص فيها يكون فحصا عن المانع ، لا عن المقتضى. و على كل حال : تشترك الأصول اللفظية مع الأصول العملية في أصل وجوب الفحص.
    ثم انه قد ذكر لوجوب الفحص في الأصول اللفظية والعملية وجوه كثيرة ، لا يسلم غالبها عن الاشكال ، والعمدة منها وجهان في كل من الأصول اللفظية و العملية.
    اما الوجهان في الأصول العملية.
    فالأول منهما : هو ما تقدمت الإشارة إليه من أن العقل يستقل بأنه لا بد للعبد من المشي لتحصيل مرادات المولى ، وانه لا بد للعبد من أن يقرع باب المولى ليصل إلى مراداته ، وهذا مما يقتضيه وظيفة العبودية. كما أن العقل يستقل أيضا بان وظيفة المولى ان يبين مراداته على النحو المتعارف ، بحيث يمكن للعبد الوصول إليها إذا جرى على ما تقتضيه وظيفته ، فلكل من المولى والعبد وظيفة يستقل العقل بها. فمن وظيفة المولى ان يبين مراداته على نحو يمكن للعبد الوصول إليها. ومن وظيفة العبد ان يبحث عن مرادات المولى حتى يصل إليها ، وذلك واضح.
    والثاني منهما : هو العلم الاجمالي بثبوت احكام الزامية على خلاف الأصول النافية للتكليف ، ولهذا العلم الاجمالي مدركان :
    الأول : هو ان العلم بان هناك شرعا وشريعة يقتضى العلم بان للشريعة احكاما الزامية في الجملة ، إذ لا معنى لشريعة ليس فيها حكم الزامي أصلا.
    الثاني : انه بعد الاطلاع على ما بأيدينا من الكتب ، يعلم أن هناك أدلة تتضمن لاحكام الزامية على خلاف الأصول النافية للتكليف فيما بأيدينا من الكتب.
    واما الوجهان في الأصول اللفظية.
    فالأول منهما : هو العلم الاجمالي بوجود مقيدات ومخصصات فيما بأيدينا من
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس