فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: 391 ـ 405
(391)
التي تقتضي الجعل والتشريع ، والفرق بينهما مما لا يكاد يخفى ، فان شرائط الجعل إنما تكون من الأمور الخارجية التكوينية التي لا تكاد تنالها يد الجعل والتشريع ، وهي إنما تؤثر في الجعل بوجودها العلمي لا بوجودها الواقعي ، لان وجودها الواقعي متأخر عن الجعل والمجعول ، فان الدواعي عبارة عن العلل الغائية المترتبة على وجود الشيء خارجا ، فلا يمكن أن يكون وجودها الخارجي علة للجعل ، بل العلة للجعل هي وجودها العلمي ، ومن غير فرق بين إرادة الآمر وإرادة الفاعل ، فان انقداح إرادة الامر أو الفعل تتوقف علين العلم بترتب الغاية على المأمور به وعلى الفعل ، سواء وافق العلم للواقع أولا ، بداهة أن العلم بوجود الأسد في الطريق يوجب الفرار عنه ، كان في الطريق أسد أو لم يكن ، هذا حال شرائط الجعل.
    وأما شرائط المجعول : فهي بوجودها الخارجي تؤثر في تحقق المجعول وترتبه عليه ، ولا أثر لوجودها العلمي ، فان نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى المعلول ، وإن لم تكن من العلة والمعلول حقيقة ، وإلا أنه من حيث عدم تخلف الحكم عن موضوعه يلحق بباب العلة والمعلول ، فإنه بعدما رتب الحكم على شيء واخذ مفروض الوجود في ثبوت الحكم وتحققه لا يحاد يمكن تخلف الحكم عن ذلك الشيء ، بأن يوجد الحكم قبل وجوده أو بعد وجوده بزمان ، وإلا يلزم الخلف وأن ما فرض كونه موضوعا لم يكن موضوعا.
    ومن هنا يظهر : أن ما ذكره المحقق الخراساني ـ قدس سره ـ في باب الشرط المتأخر : من أن الشرط هو اللحاظ والوجود العلمي المتقدم على المشروط فلا يلزم انخرام قاعدة تقدم الشرط على المشروط ، إنما هو خلط بين شرائط الجعل وبين شرائط المجعول ، فان اللحاظ والوجود العلمي إنما ينفع في شرط الجعل ، والمبحوث عنه في باب الشرط المتأخر إنما هو تأخر شرط المجعول الذي اخذ شرطا بوجوده الخارجي. وهذا من أحد المواقع التي وقع الخلط فيها بين شرائط الجعل


(392)
وشرائط المجعول ، وقد أشرنا في مبحث الأوامر إلى جملة منها ، وسيأتي في المقام أيضا الإشارة إلى بعضها.
    إذا تمهدت هذه الأمور ، فاعلم :
    أن الأحكام الوضعية ، منها : ما تكون متأصلة بالجعل ، ومنها : ما تكون منتزعة عن الوضع أو التكليف الشرعي.
    أما الأولى : فكالأمور الاعتبارية العرفية ، كالملكية والرقية والزوجية والضمان وغير ذلك منشآت العقود والايقاعات وما يلحق بها ، فإنها ـ على ما تقدمت ـ متأصلة في وعاء الاعتبار وليست منتزعة عن الأحكام التكليفية ، بل في بعضها لا يتصور ما يصلح لان يكون منشأ الانتزاع ، كالحجية والطريقية ، وقد تقدم تفصيل ذلك في جعل الطرق والامارات.
    وأما الثانية : فكالجزئية والشرطية والمانعية والسببية (1) فان هذه الأمور
1 ـ أقول : بعدما كان المراد من انتزاع الوضع عن التكليف كون الوضع بحقيقته نحو خصوصية مترتبة على التكليف بحيث لولا التكليف لا يكون هذه الخصوصية موجودة لا أن المراد من الانتزاع مجرد إضافة شيء إلى التكليف ، كيف ! والمكان والزمان والمكلف كلها في إضافتها إلى التكليف منوطة بوجوده ، وحيث عرفت ذلك فنقول :
    إن جزئية الشيء عبارة عن نحو ارتباط بين الوجودات الغير الحاصلة حقيقة إلا بالتكليف الحاوي لجميعها. وأما الشرطية والمانعية للمكلف به : فلا ينتزع إلا عن مرحلة التقيد المأخوذ في الموضوع القائمة به التكليف ، وحينئذ فجهة القيدية للشئ إنما هو محفوظ في الرتبة السابقة عن التكليف وأن التكليف قائم به كنفس الذات ، وإنما التكليف منشأ لإضافة القيد إلى الواجب ، فالتكليف في مثله مقوم إضافة القيد إليه بملاحظة تعلق التكليف بتقيده ، ولقد عرفت : أن هذه الإضافة أجنبية عن مقام انتزاعية الشيء بحقيقته عن التكليف ، وإنما هو موجب لصدق إضافة الشيء المحفوظ في نفسه إلى التكليف ، كإضافة الزمان والمكان إليه ، ولذا نقول : إن الشرطية والمانعية ليس إلا كذات المقيد من الأمور الواقعية المضافة الي التكليف ، لا انها بحقايقها منتزعة عن التكليف ، فتدبر.
    نعم : في السببيه لنفس الحكم فانما هو منتزع عن اناطة شيء بشيء ، وحينئذ فان كان المنوط به من الامور


(393)
كلها انتزاعية لا تنالها يد الجعل التأسيسي والامضائي ، لا استقلالا كجعل وجوب ذي المقدمة ، ولا تبعا كجعل وجوب المقدمة.
    أما الجزئية والشرطية والمانعية : فواضح أنها من الانتزاعيات ، سواء كان منشأ الانتزاع تكليفا أو وضعا.
    فالأول : كالتكليف بعدة من الأمور المتباينة التي يجمعها وحدة الغرض ، فإنه من تعلق التكليف بكل واحد منها وانبساطه عليها تنتزع الجزئية والشرطية والمانعية حسب اختلاف كيفية تعلق التكليف بها ، وبعد انبساط التكليف عليها تنتزع الشرطية والجزئية والمانعية قهرا ، ولا يعقل بعد ذلك جعل شيء آخر جزء أو شرطا للمأمور به أو مانعا عنه ، إلا بنسخ التكليف الأول وإنشاء تكليف آخر يتعلق بما يعم ذلك الشئ.
    والثاني : كالملكية المترتبة على العقد المركب من الايجاب والقبول بما له من الشرائط والموانع فإنه بعد ترتب الملكية عليه تنتزع جزئية الايجاب والقبول ، وشرطية القبض في المجلس في بيع الصرف والسلم ، ومانعية زيادة أحد العوضين عن الآخر في بيع المكيل والموزون ، وذلك كله واضح مما لا إشكال فيه ولا خلاف.
    وإنما الخلاف وقع في جعل السببية ، فعن بعض : أن السببية بنفسها مما
الواقعية المضافة إلى التكليف ، لا أنها بحقايقها منتزعة عن التكليف ، فتدبر. نعم : في السببية لنفس الحكم فإنما هو منتزع عن إناطة شيء بشيء ، وحينئذ فان كان المنوط به من الأمور الواقعية كالحرارة بالنسبة إلى النار ، فالسببية أيضا من الأمور الواقعية ، وإن كان من الأمور الجعلية ، فالإناطة المزبورة أيضا مجعولة تبع جعل المنوط ، لا أنه مجعول مستقل ولا أنه منتزع عن نفس التكليف ، إذ مع عدم جعل الشيء منوطا يستحيل انتزاع السببية لشيء له ، كما هو ظاهر.
    وحيث عرفت أن الإناطة تبع اعتبارية المنوط ، فكما أمكن تعلق الجعل بدوا بالمنوط وكان النظر في مقام الجعل إلى الإناطة تبعا ، كذلك يكون النظر إلى جعل المنوط تبعا ، وبهذه العناية أمكن دعوى جعلية السبب في الاعتباريات ، وفي هذا المقام لا معنى لدعوى واقعية السببية وعدم قابليته للجعل وأن السببية إنما هو من لوازم الذات ، إذ هو أجنبي عن السببية للأمور الاعتبارية ، كما هو ظاهر.


(394)
تنالها يد الجعل ، بل هي المجعولة في باب الوضع والتكاليف وإنما الوضع والتكليف ينتزع عنها ، والمجعول الشرعي تأسيسا أو إمضاء إنما هو سببية العقد للملكية وسببية الدلوك لوجوب الصلاة والاستطاعة لوجوب الحج وغير ذلك من أسباب الوضع وموضوعات التكاليف.
    وحكي عن بعض : استقلال كل من السبب والمسبب بالجعل ، فللشارع جعلان : جعل تعلق بسببية العقد والدلوك للملكية ووجوب الصلاة ، وجعل آخر تعلق بالملكية والوجوب عقيب العقد والدلوك. ولا يخفى استحالة ذلك ، فان أحد الجعلين يغني عن الجعل الآخر ، فيلزم لغوية أحدهما.
    بل التحقيق استحالة جعل السببية مطلقا سواء قلنا بجعل المسبب معها أو لم نقل ، وإنما المجعول الشرعي هو نفس المسبب وترتبه على سببه سواء كان المجعول من مقولة الوضع أو التكليف ، وإلا يلزم أن لا يكون الوجوب فعلا اختياريا للشارع بل كان الوجوب وغيره من التكاليف والوضعيات يحصل قهرا بلا إنشاء من الشارع ، فان ترتب المسبب على سببه وحصول المعلول عقيب علته أمر قهري لا يعقل فيه التخلف ولا يمكن أن يدخله الاختيار والإرادة ، فلو كان المجعول هو سببية الدلوك للوجوب لزم عدم كون الوجوب من المنشآت الشرعية ، وهو كما ترى مما لا يمكن الالتزام به.
    هذا ، مضافا إلى أن السببية لا تقبل الجعل لا تكوينا ولا تشريعا لا أصالة ولا تبعا ، بل الذي يقبل الجعل هو ذات السبب ووجوده العيني ، وأما السببية فهي من لوازم ذاته ، كزوجية الأربعة ، فان السببية عبارة عن الرشح والإفاضة القائمة بذات السبب التي تقتضي وجود المسبب ، وهذا الرشح والإفاضة من لوازم الذات لا يمكن أن تنالها يد الجعل التكويني فضلا عن الجعل التشريعي ، بل هي كسائر لوازم الماهية تكوينها إنما يكون بتكوين الماهية وإفاضة الوجود إلى الذات ، فعلية العلة وسببية السبب ـ كوجوب الواجب


(395)
وإمكان الممكن وامتناع ـ الممتنع إنما تكون من خارج المحمول تنتزع عن مقام الذات ليس لها ما بحذاء لا في وعاء العين ولا في وعاء الاعتبار ، فالعلية لا تقبل الايجاد التكويني ، فضلا عن الانشاء التشريعي.
    ودعوى : أن الانشاء خفيف المؤنة يمكن إنشاء الممتنعات ، واضحة الفساد ، فإنه ليس الكلام في الانشاء بمعنى حركة اللسان ، بل الكلام في الانشاء الذي يتعقبه وجود المنشأ خارجا في وعاء الاعتبار والتشريع.
    وحاصل الكلام : أن السببية لا يمكن أن تكون مجعولة لا تكوينا ولا تشريعا لا أصالة ولا تبعا ، وإنما هي تنتزع من ذات العلة التكوينية في التكوينات ، ومن ترتب المسبب الشرعي على سببه في التشريعيات ، فمن قول الشارع : « تجب الصلاة عند الدلوك » و « تتحقق الملكية عند العقد » تنتزع سببية الدلوك والعقد للوجوب والملكية.

    إزاحة شبهة :
    للمحقق الخراساني ـ قدس سره ـ كلام في المقام يظهر منه الخلط بين علل التشريع وموضوعات الاحكام ، فإنه قال ـ قدس سره ـ ما حاصله : إن السببية لا يمكن انتزاعها عن التكليف أو الوضع ، فإنهما متأخران عن وجود السبب بما له من الاجزاء والشرائط والموانع ، بداهة أنه لولا العقد أو الدلوك لا يكاد يتحقق وجوب الصلاة أو الملكية ، لأن المفروض : أن العقد والدلوك سبب لهما ولا يمكن تقدم المسبب على السبب ، فالتكليف أو الوضع المتأخر عن وجوب السبب لا يعقل أن يكون منشأ لانتزاع السببية ، فسببية العقد للملك والدلوك لوجوب الصلاة إنما تنتزع من ذات العقد والدلوك لخصوصية تكوينية في الذات تقتضي السببية ، لما بين السبب والمسبب من ارتباط خاص وعلقة مخصوصة ، وإلا لزم أن يؤثر كل شيء في كل شيء ، فليست السببية مما تنالها يد التشريع


(396)
لا استقلالا ولا تبعا ، أي لا تكون بنفسها من المجعولات الشرعية ولا منتزعة عن المجعول الشرعي ، بل هي مجعولة تكوينا بتبع جعل الذات ، وكذا جزء السبب وشرطه ومانعه ، فان جزئية شيء للسبب أو شرطيته أو مانعيته تتبع نفس المركب. نعم : جزئية شيء لمتعلق التكليف أو شرطيته أو مانعيته إنما تنتزع من تعلق التكليف بعدة أمور متباينة بالذات يقوم بها غرض واحد ، ففرق بين الجزئية والشرطية والمانعية في باب متعلقات التكاليف وفي باب الأسباب بعد اشتراك الجميع في كونها غير مجعولة بالأصالة ، إلا أنها في الأول تنتزع من تشريع التكليف بالمركب ، وفي الثاني تنتزع من تكوين السبب المركب. هذا حاصل ما أفاده ـ قدس سره ـ في المقام.
    ولا يخفى ضعفه ، فإنه لا ننكر أن في الدلوك والعقد خصوصية ذاتية تكوينية اقتضت تشريع الوجوب وإمضاء الملكية ، إلا أن تلك الخصوصية إنما تكون سببا لنفس التشريع والامضاء لان لا يخلو التشريع والامضاء عن الداعي الذي يتوقف عليه كل فعل اختياري ، ولكن هذا ليس محل الكلام في المقام (1) بل
1 ـ أقول : لو ترى عبارة الكفاية ترى صريحا في أن همه إنكار جعل السببية بمعنى التأثير والتأثر لشيء وأن عنوان الدلوك وعدم جعلية شرطيته بنحو الفرض وأنه لو كان شرطا حقيقيا يستحيل الجعل ، لأنه إما واجد لملاك الشرطية الواقعية أو فاقد وعلى أي تقدير : لا معنى لجعل سببيته ، كما أنه لو كان الغرض من انتزاع السببية بملاحظة إناطة الوجوب به في الخطاب فهو ليس بسبب حقيقي ، فحينئذ من أين استفاد الخلط المزبور من كلامه ؟ نعم : لو جعل محط البحث مثل العلم بالمصلحة للإرادة أو لجعل الوجوب صح حينئذ دعوى خلط البحث في شرطية شيء للوجوب الواقع في حيز الخطاب وشرطية شيء لأصل الجعل الذي هو أمر واقعي محض ، بلا تصور جعل أو انتزاع عن المجعول في مثله. ولكن صريح كلامه جعل محط البحث مثل دلوك الشمس الواقع في حيز الخطاب ، غاية الامر أنكر في حقه حقيقة الشرطية والسببية حسب مختاره بأن حقيقة السببية لابد وأن يكون لخصوصية واقعية ، وأتم مدعاه بأنه لو كان كذا لكان كذا ، كما بينا ، وادعى صريحا بأن السببية المنتزعة له من إناطة الوجوب به في حيز الخطاب ادعائي لا حقيقي ، وهذا المقدار أيضا مما التزمت به في الورق السابق ، فراجع. وليست شعري ! على م هذا الرد والايراد ، بحيث جعل له عنوان مخصوص مع لسان الجسارة عليه ، وكم له من نظير ! اللهم احفظنا !.

(397)
محل الكلام إنما هو في سبب المجعول والممضى وهو نفس الوجوب والملكية ، ومن المعلوم : أن سببية الدلوك والعقد للوجوب والملكية إنما تنتزع من ترتب الوجوب والملكية على الدلوك والعقد ، إذ لولا أخذ الدلوك والعقد موضوعا للوجوب والملكية لم يكن الدلوك والعقد سببا لهما.
    وبالجملة : دواعي الجعل غير موضوعات التكاليف ، فان دواعي الجعل متأخرة في الوجود عن المجعول متقدمة عنه في اللحاظ.
    وأما موضوعات التكاليف : فهي متقدمة عنها في الوجود ، لان نسبة الموضوع إلى التكليف نسبة العلة إلى المعلول ، ولا يمكن أن يتقدم الحكم عما اخذ موضوعا له ، وإلا يلزم الخلف والمناقضة ، فالخصوصية التي تكون في موضوع التكليف والوضع إنما تكون من علل التشريع ودواعي الجعل ، وهي كما أفاده من الأمور الواقعية التكوينية التي لا تنالها يد الجعل التشريعي لا استقلالا ولا إمضاء ، لا أصالة ولا تبعا ، ولا يمكن انتزاعها عن التكليف الذي كان انشائه بلحاظها ، إلا أن ذلك كله خارج عن محل الكلام ، لما عرفت : من أن محل الكلام إنما هو في موضوع التكليف والوضع ، وسببيته إنما تنتزع من ترتب التكليف والوضع عليه.
    وهذا من أحد المواقع التي وقع الخلط فيها بين علل التشريع وموضوعات التكاليف وبين كون المجعولات الشرعية من القضايا الخارجية الجزئية أو كونها من القضايا الحقيقة الكلية ، فإنه بناء على أن تكون الاحكام من القضايا الشخصية تخرج عن حريم النزاع في المقام ، فإنه ليس في البين سببية ولا مسببية ، بل المجعول الشرعي إنما يكون حكما خاصا لشخص خاص ، فليس هناك موضوع اخذ مفروض الوجود في ترتب الحكم عليه حتى ينازع في أن المجعول الشرعي هل هو نفس الحكم أو سببية الموضوع له ؟ وقد استقصينا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في الجزء الأول من الكتاب عند البحث عن


(398)
الواجب المشروط ، فراجع وتأمل جيدا.

    تتمة :
    قد عد من الأحكام الوضعية الصحة والفساد ، والطهارة والنجاسة ، والرخصة والعزيمة.
    أما الصحة والفساد : فعدهما من الأحكام الوضعية إنما يستقيم على أحد المعنيين للصحة والفساد لا مطلقا. وتوضيح ذلك : هو أنه
    تارة : يراد من الصحيح كون الشيء واجدا للخصوصية التي ينبغي أن يكون واجدا لها بحسب طبعه (1) كما يقال : إن هذا البطيخ أو الخل صحيح ، أي كون واجدا للخصوصية التي يقتضيها طبع البطيخ والخل ، ويقابله الفاسد وهو الفاقد لتلك الخصوصية. وكذا يقال : إن هذه الصلاة صحيحة ، أي كونها واجدة للخصوصية التي ينبغي أن تكون الصلاة واجدة لها : من الملاك والمصلحة القائمة بها ، ويقابلها الفاسدة وهي كون الصلاة فاقدة لتلك الخصوصية.
    والصحة والفساد بهذا المعنى إنما ينتزعان عن مقام الذات قبل تعلق الامر بها ، وتكون تلك الخصوصية منشأ لتعلق الامر بالذات ، كالخصوصية القائمة
1 ـ أقول : لا نعني من الصحة إلا تمامية الشيء بلحاظ الجهة المرغوبة الشيء ، فهذه الجهة المرغوبة تارة من الأمور الواقعية ، وأخرى من الأمور الجعلية ، فالتمامية بلحاظ الجهة الأولى ليس إلا من الأمور الواقعية. وأما التمامية بلحاظ الجهة الثانية فلا يكون منتزعا إلا من هذه الجهة ، لأنه لو لم يكن تلك لا مجال لانتزاع تمامية الشيء من هذه الجهة.
    ثم إن الجهة تارة يراد منه التكليف أو الوضع في أبواب المعاملات ، وأخرى يراد منه جهة مسقطية القضاء والإعادة الذي هو يلازم الاجزاء ، وهذه الجهة أيضا لما كان دائرا مدار الوفاء بالغرض في الجملة أو تفويته ، فلا يكون إلا من الأمور الواقعية ، كما لا يخفى. وبالجملة نقول : إن انتزاعية الصحة وواقعيته تابع جعلية الجهة الملحوظة في التمامية وعدمه ، كما هو ظاهر ، وحينئذ فمنع انتزاعية الصحة مطلقا لا وجه له ، كما هو واضح ، فتدبر.


(399)
بذات السبب ، وعلى هذا تكون الصحة من الدواعي وعلل التشريع غير منتزعة عن التكليف المتأخر عنها. ولعل المراد من الفاسد في قوله ـ عليه السلام ـ في صحيحة ابن بكير « فالصلاة في شعره ووبره وصوفه وروثه وألبانه وكل شيء منه فاسدة لا يقبل الله تلك الصلاة » الخبر (1) هو هذا المعنى ، فيكون المراد من فساد الصلاة : هو أن الصلاة في الوبر والصوف ونحوه لا تكون واجدة للخصوصية التي ينبغي أن تكون عليها وفاقدة للملاك والمصلحة التي اقتضت الامر بالصلاة. وعلى كل حال : الصحة والفساد بهذا المعنى ليسا من الأحكام الوضعية الشرعية ، بل هما من الأمور المجعولة بتبع جعل الذات تكوينا.
    وأخرى : يراد من الصحيح كون الشيء موافقا لما تعلق به التكليف أو الاعتبار ، فيقال : إن هذه الصلاة صحيحة أي كونها موافقة للمأمور به ، وهذا العقد صحيح أي كونه موافقا لما اعتبر في موضوع الملكية ، ويقابله الفاسد وهو عدم كونه موافقا للمأمور به أو لموضوع الامر الاعتباري. وهذا المعنى من الصحة والفساد هو الذي ينبغي البحث عنه في كونه من الأحكام الوضعية الشرعية أولا.
    وعلى تقدير أن يكون من الأحكام الوضعية ، فهل هو متأصل بالجعل تأسيسا أو إمضاء ؟ أو أنه منتزع عن الوضع والتكليف ؟ فقد يقال بل قيل : بالتفصيل بين الصحة والفساد في باب المعاملات وفي باب العبادات ، ففي الأول : تكون الصحة والفساد حكمين مجعولين شرعيين ، وفي الثاني : يكونان منتزعين. بل قد قيل : بالتفصيل في خصوص العبادات أيضا ، فالصحة والفساد اللاحقان للعبادة باعتبار الامر الواقعي ـ أي كونها موافقة للامر الواقعي ومخالفة له ـ يكونان انتزاعيين ، والصحة والفساد اللاحقان لها باعتبار الامر الظاهري
1 ـ الوسائل : الباب 2 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

(400)
ـ من حيث كونه مجزيا عن الواقع أو غير مجز ـ يكونان متأصلين في الجعل.
    وهذا التفصيل إنما نشأ من توهم أن إجزاء الامر الظاهري وعدمه عبارة عن الصحة والفساد ، كما أن التفصيل بين العبادات والمعاملات إنما نشأ من توهم أن إمضاء المعاملة عبارة عن الحكم بصحتها.
    هذا ، ولكن التحقيق : أن الصحة والفساد ليسا من الأحكام الوضعية المتأصلة بالجعل ، بل في بعض الموارد يمكن منع كونهما منتزعين عن المجعول الشرعي ، فضلا عن تأصلهما بالجعل.
    وتوضيح ذلك : هو أن الصحة والفساد ـ بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به الواقعي أو الظاهري ـ إنما ينتزعان من نفس فعل المكلف ، فان كان مطابقا للمأمور به ينتزع عنه الصحة ، وإن كان مخالفا ينتزع عنه الفساد ، ولا ينتزعان من نفس التكليف بالفعل حتى يكون منشأ الانتزاع مجعولا شرعيا ، وكذا الكلام في الصحة والفساد بمعنى مطابقة المأتي به خارجا لما هو سبب الحكم الوضعي : من العقد والايقاع وما يلحق بهما.
    نعم : يصح بنحو من العناية والتوسعة القول بكونهما منتزعين عن المجعول الشرعي ، باعتبار أن المطابقة وعدمها إنما تلاحظان بالنسبة إلى متعلق التكليف والوضع.
    وأما الصحة والفساد في الامر الظاهري باعتبار الاجزاء وعدمه : فليس الاجزاء وعدمه عبارة عن الصحة والفساد ، بل قد عرفت في بعض الأمور السابقة : أن الاجزاء في الموارد التي قام الدليل عليه يرجع إما إلى التصرف في الواقع بوجه وإما إلى الاكتفاء بما يقع امتثالا للواقع ، وعلى كلا التقديرين : يلزمه الصحة ، وليست هي عين المجعول الشرعي ، فالصحة والفساد ليسا من المجعولات بالأصالة ، بل إما أن يكونا منتزعين عن المجعول الشرعي ، وإما أن يكونا منتزعين عن غيره ، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في مبحث النهي عن


(401)
العبادة في الجزء الثاني من الكتاب.
    وأما الطهارة والنجاسة : فقد جعلهما الشيخ ـ قدس سره ـ من الأمور الواقعية التي كشف عنها الشارع جريا على مبناه : من أن الأحكام الوضعية لا تنالها يد الجعل الشرعي ، فهي بين ما تكون منتزعة عن التكليف كالملكية والزوجية ونحو ذلك ، وبين ما تكون من الأمور الواقعية كالطهارة والنجاسة.
    ويا ليت ! بين مراده من ذلك ، فإنه إن كان المقصود أن حكم الشارع بطهارة بعض الأشياء ونجاسة آخر إنما هو لأجل اشتمال الطاهر والنجس على النظافة والقذارة المعنوية ، فهذا لا يختص بباب الطهارة والنجاسة ، بل جميع موضوعات التكاليف ومتعلقات الأحكام الشرعية تشتمل على خصوصية واقعية حكم الشارع على طبقها ، فان الواجبات الشرعية كلها ألطاف في الواجبات العقلية. وإن كان المقصود أن أصل الطهارة والنجاسة من الأمور الواقعية الخارجية ، فهذا مما لا سبيل إلى دعواه ، بداهة أن الطهارة والنجاسة بمعنى النظافة والقذارة من الأمور الاعتبارية العرفية (1) كما يشاهد أن العرف والعقلاء يستقذرون عن بعض الأشياء ولا يستقذرون عن بعضها ، غايته أن
1 ـ أقول : لا إشكال ظاهرا في أن النظافة والقذارة العرفية المحسوسة من الواقعيات وغير مرتبط بعالم الجعل والاعتبار ، وإنما الكلام فيهما شرعا بحيث لم يكن في البين جهة محسوسة عرفية ، بل ربما تكون الحكم الشرعي. عكس ما هو محكوم عند العرف بالطهارة والنجاسة ، ولا يبعد دعوى كونهما من الاعتباريات الجعلية بادعاء ما يراه العرف طاهرا في مورد وما يراه العرف نجسا في مورد * وإن لم يكن كذلك في نظرهم خارجا ، إذ من الممكن دعوى أن حكم الشارع بالنجاسة بمناط لو يرى العرف هذا المناط ليجرون أحكام نجسهم عليه ، وهكذا بالعكس. فتدبر فيه ترى هذا المناط مصحح هذا الادعاء والجعل لا عين الطهارة الشرعية ونجاستها كي يكونا من الواقعيات التي كشف عنها الشارع ، كما توهم ، فافهم.
    * لا يخفى ما في العبارة من الخلط ، والصحيح « بادعاء ما يراه العرف طاهرا في مورد نجسا » ( المصحح ).


(402)
الشارع قد أضاف إلى ما بيد العرف بعض المصاديق ـ كنجاسة الخمر ـ مع أنه مما لا يستقذر منه العرف ، إلا أن هذا لا يقتضي عدم كون الطهارة والنجاسة من الأمور الاعتبارية العرفية ، فان الشارع كثيرا ما يخطئ العرف في المصداق مع كون المفهوم عرفيا.
    وبالجملة : بعد لم يظهر لنا فرق بين الطهارة والنجاسة وبين الملكية والزوجية ، فان في باب الطهارة والنجاسة أمور ثلاثة : الأول : مفهوم الطهارة والنجاسة. الثاني : ما ينطبق عليه المفهوم وما هو المعروض للطهارة والنجاسة ، كالمؤمن والكافر والبول والماء. الثالث : حكم الشارع بجواز استعمال الطاهر وحرمة استعمال النجس (1).
    أما الأول : فهو كسائر المفاهيم العرفية والاعتبارات العقلائية ، كالملكية والزوجية والرقية.
    وأما الثاني : فهو عبارة عن المصداق الذي ينطبق عليه المفهوم ، كمصاديق الملكية والزوجية ، غايته أن تطبيق المفهوم على المصداق تارة : مما يدركه العرف ، وأخرى لا يدركه إلا العالم بالواقعيات ، كما إذا لم يدرك العرف أن العقد الكذائي يكون سببا للملكية ، إلا أن الشارع يرى تحقق الملكية عقيب العقد ، فتكون الملكية الحاصلة عقيب ذلك العقد من مصاديق الملكية الاعتبارية العرفية.
    وأما الثالث : فحكم الشارع بجواز استعمال الطاهر وحرمة استعمال النجس ليس إلا كحكمه بجواز التصرف في الملك وحرمة أكل المال بالباطل.
    فظهر : أنه لا فرق بين الطهارة والنجاسة وبين سائر الاعتبارات العرفية. فالأقوى : أن الطهارة والنجاسة من الأحكام الوضعية وليسا من الأمور
1 ـ أقول : ينبغي أن يتصور معنى رابعا ، وهو ما ينتزع عنه هذا المفهوم ويعبر عنه بحقيقته الموجودة في ضمن أفراده وما ينطبق عليه ، وأظن خلط المقرر أحدهما بالآخر ، كما يظهر من بياناته ، فتدبر.

(403)
الواقعية (1).
    وأما الرخصة والعزيمة : فعدهما من الأحكام الوضعية لا يخلو عن خفاء ، فان الرخصة والعزيمة ـ بمعنى السقوط على وجه التسهيل والسقوط على وجه الحتم والالزام كما هو الشايع في الاستعمال ، أو بمعنى المشروعية وعدم المشروعية كما حكي استعمال الرخصة والعزيمة في ذلك نادرا ـ ليسا من الأحكام الوضعية ، بل هما أمس إلى الأحكام التكليفية من الأحكام الوضعية.
    هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالأحكام الوضعية. وينبغي عطف عنان الكلام إلى البحث عن تنبيهات الاستصحاب. وقدت ذكر الشيخ ـ قدس سره ـ من التنبيهات اثنى عشر فأضاف إليها المحقق الخراساني ـ رحمه الله ـ تنبيهين آخرين ، فصارت التنبيهات أربعة عشر.

    هو أنه يعتبر في الاستصحاب فعلية الشك ، وقد تقدم الكلام في ذلك فيما سبق ، فلا موجب لإعادته.

    لا فرق في جريان الاستصحاب بين أن يكون المستصحب محرزا باليقين الوجداني أو بغيره من الطرق والامارات والأصول المحرزة ، فان المراد من « اليقين » في أخبار الاستصحاب ليس هو اليقين الوجداني ، بل كل ما يكون محرزا للمستصحب بأحد وجوه الاحراز : من اليقين الوجداني أو ما هو
1 ـ إلا أن يقال : إن قول الشارع : « الخمر نجس » كقوله : « الخمر مسكر والسم قاتل » إنما يكون إخبارا عن نجاسة الخمر كإخباره عن إسكاره ، وليس قوله ذلك تشريعا لنجاسته تأسيسا أو إمضاء ، فتأمل ( منه ).

(404)
بمنزلته (1) بناء على ما هو الحق عندنا : من قيام الطرق والأصول المحرزة مقام القطع الطريقي.
    ولا ينبغي أن يتوهم أن اليقين في قوله ـ عليه السلام ـ « لا تنقض اليقين بالشك » لوحظ من حيث كونه صفة قائمة في النفس ، بل إما أن يكون ملحوظا من حيث كونه طريقا وكاشفا عن المتيقن ، وإما من حيث كونه موجبا لتنجيز الاحكام عند المصادفة والمعذورية عند المخالفة ـ على ما تقدم سابقا من أنه يمكن أخذ العلم موضوعا من حيث اقتضائه التنجيز والمعذورية ـ فعلى الأول : تقوم الطرق والأصول المحرزة مقامه ، وعلى الثاني : تقوم مطلق الأصول ولو كانت غير محرزة مقامه (2) بالبيان المتقدم في بعض الأمور السابقة.
    فلو قام طريق أو أمارة على ثبوت حكم أو موضوع ذي حكم ثم شك في بقاء الحكم أو الموضوع الذي أدت إليه الامارة والطريق ، فلا مانع من استصحاب بقاء مؤدى الامارة والطريق ، لان المستصحب قد أحرز بقيام الامارة عليه ، خصوصا بناء على ما هو الحق عندنا : من أن المجعول في باب الطرق والامارات هو نفس الطريقية والاحراز والوسطية في الاثبات ـ على ما تقدم بيانه في مبحث الظن ـ فيكون المستصحب محرزا بأدلة حجية الامارات ، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه.
    نعم : ربما يستشكل في استصحاب مؤدى الاستصحاب ( أي استصحاب
1 ـ أقول : الأولى أن يقال : إن المراد من اليقين المنقوض والناقض في باب الاستصحاب هو اليقين الوجداني ، كحيوة زيد في كبرى دخلها في حرمة زوجته وتقسيم أمواله ، وإنما يوسع هذا اليقين بعناية التنزيل وتتميم الكشف في باب الامارات بلسان الحكومة ، كما يوسع دائرة الحياة بالامارة أو الأصل المحرز لها ، وإلا فلو كان المراد من اليقين في المقام مطلق الاحراز يلزم ورود الامارة عليه لا حكومته ، ولا أظن التزامه به ، فتدبر.
2 ـ أقول : قد تقدم منا الاشكال في هذه الصورة سابقا ، فراجع.


(405)
ما كان محرزا بالاستصحاب ) إذا شك في بقاء المستصحب ، كما إذا كان الشيء مستصحب الطهارة أو النجاسة ثم شك في بقاء الطهارة أو النجاسة ، ففي جريان استصحاب الطهارة أو النجاسة المستصحبة إشكال.
    وأشكل من ذلك استصحاب مؤدى الأصول الغير المحرزة ، بناء على كون « اليقين » مأخوذا على وجه التنجيز والمعذورية ، لكي تقوم الأصول الغير المحرزة مقامه ، كما إذا كانت طهارة الشيء أو حليته أو حرمته مؤدى أصالة الطهارة والحل والحرمة ثم شك في بقاء مؤدى هذه الأصول لاحتمال طرو ما يوجب النجاسة والحرمة والحلية ، فاستصحاب بقاء مؤدى هذه الأصول أشكل من استصحاب بقاء مؤدى الاستصحاب.
    ومنشأ الإشكال : هو أن المجعول في الأصول المحرزة وغير المحرزة بنفسه يستمر إلى انكشاف الخلاف والعلم بضد المؤدى أو نقيضه ، فان العلم بالخلاف إنما اخذ غاية لمطلق الأصول ، فالشك في بقاء مؤدى الأصل قد ألغاه الشارع بنفس التعبد بالأصل ولا معنى لاستصحابه.
    وبعبارة أوضح : استصحاب الحكم أو الموضوع يقتضي الجري العملي وترتيب آثار بقاء الحكم أو الموضوع إلى زمان العلم بالخلاف ، فإذا استصحب الحكم أو الموضوع في زمان ثم شك في بقاء الحكم أو الموضوع المستصحب ، فالتعبد ببقاء المستصحب في زمان الشك قد ثبت من الزمان السابق وهو زمان جريان الاستصحاب ، لان الحكم الاستصحابي كان غايته العلم بانتقاض الحالة السابقة ، فلا معنى للتعبد باستصحاب بقاء المستصحب ثانيا.
    وإن شئت قلت : إنه في كل آن يشك في بقاء الحكم أو الموضوع يجري استصحاب بقاء نفس الحكم أو الموضوع ، وهذا غير استصحاب المستصحب. هذا في استصحاب مؤدى الاستصحاب.
    وأما استصحاب مؤدى الأصول الغير المحرزة : فعدم جريان الاستصحاب فيه
فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: فهرس