كتاب كشف الغطاء ::: 521 ـ 530
(521)
اللحم باللحم والعظم والعرق بالعرق حتّى لايكون مفصّلاً ، وسابع يرعى المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير على ما لايبطل استدارته وبالعريض على مالأيزيل عرضه وبالمجوّف على ما لايبطل تجويفه وهكذا ، ويراعى في الإلصاق لكلّ عضو مايليق به ، فلو جمع للأنف مايليق بفخذه لكبر أنفه وبطل تجويفه وتشوّهت صورته ، بل يسوق إلى الأجفان مع دقّتها وإلى الأفخاذ مع غلظتها وإلى الحدقة مع صفائها والعظم مع صلابته مايليق بكلّ منها قدراً وشكلاً ويراعي العدل في القسمة والتقسيط حتّى لاتبطل الصورة ولا تشوّه الخلقة فمراعاة هذه الهندسة مفوّضة إلى ملك.
     وإيّاك أن تظنّ أنّه موكول إلى الطبع ، فإنّ المراد بالطبع إن كان قوّة عديمة الشعور والإدراك فهو أدلّ على قدرة الله وحكمته ، إذ مالا شعور له في نفسه لايمكنه أن يفعل فعلاً ما ، فضلاً عن أن يفعل أفعالاً متقنة محكمة مشتملة على الحكم الدقيقة فيكون هذه شروطاً ناقصة لإيجاد الله تعالى هذه الأفعال بلا واسطة أو بواسطة عدد هذه شروطاً ناقصة لإيجاد الله تعالى هذه الأفعال بلا واسطة أو بواسطة عدد هذه القوى من الملائكة.
     وعلى أيّ حال لابدّ من سبعة أشخاص من مخلوق الله تعالى مسخّرات في باطنك موكّلين بهذه الأفعال قد شغلوا بك وأنت في النوم تستريح وفي الغفلة تتردّد وهم يصلحون الغذاء في باطنك ولا خبر لك منهم ، وكذلك كلّ جزء من أجزائك التي لاتتجزّى حتى يفتقر بعضها كالعين والقلب إلى أكثر من مائة ملك. ثم الملائكة الأرضيّة مددهم من الملائكة السماوية على ترتيب معلوم لايحيط بكنهه الا الله ومدد السماويات من حملة العرش ، والمنعم على جميعهم بالتأييد والتسديد والهداية الملك القدّوس المهيمن المتفرّد بالملك والملكوت.
     ومن أراد الاطّلاع على كثرة الملائكة الموكّلين فليرجع إلى الأخبار الواردة عن العترة الأطهار ، ولابدّ من تفويض كلّ فعل وحده إلى ملك وحده ، إذ الملك وحداني الصفة ليس فيه تركّب من المتضادّات كما قال


(522)
تعالى : « وما منّا الا له مقام معلوم ». (1)
     ولذلك ليس بينهم تحاسد وتباغض ، فلكلّ منهم طاعة خاصّة معيّنة ، فالراكع منهم راكع أبداً والساجد كذلك لااختلاف في أفعالهم ولا فتور ، وإذ تبيّن لك كثرة ما تحتاج إليه في الاغتذاء برغيف مثلاً فقس عليه سائر الغذاء وغيره من الافعال الظاهرة والباطنة ، ثم جملة صنائعه تعالى وأفعاله الواقعة في عالمي الجبروت والملكوت وعالم الملك والشهادة ، فإنّ أعداد الملائكة الموكّلين بها غير متناهية ، فظهر توقّف كلّ نعمة على نعم كثيرة غير متناهية إلى أن ينتهي إلى الله ، وأنّ من كفر بنعمة من نعم الله فقد كفر بجميعها لارتباط بعضها ببعض ارتباط بعض الأعضاء ببعض ، فلايبقى جماد ولا نبات ولا حيوان ولا ماء ولا هواء ولا ملك ولا فلك الا ويلعنه ، ولذا ورد أنّ الملائكة تلعن العصاة وتستغفر للعلماء (2) ، بل يستغفر لهم كلّ شيء حتّى الحيتان في البحار ، فاعتبر بذلك واعلم أنّك لاتخرج عن عهدة شكر نعمة جزئية من نعمه تعالى ، كيف وفي كلّ نفس ينقبض ينبسط نعمتان ، إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب بحيث لو لم يخرج لهلكت ، وبانقباضه يجتمع روح الهواء ولو لم يدخل لهلكت ، واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة ، وفي كلّ ساعة تتنفّس آلافاً ، فإذا اعتبرت ذلك عرفت أنّه يكون عليك في كلّ يوم وليلة آلاف ألوف نعمة في نفسك فضلاً عن أشياء أخر من أجزاء بدنك فضلاً عن أجزاء العالم.

تذنيب
     المانع عن الشكر إمّا قصور المعرفة بكون النعم من الله بأسرها ، أو قصور الإحاطة لصنوفها وآحادها والجهل بأنّ الشكر صرف النعمة في المحكمة المقصودة منها وتوهّم أنّه بمجرّد اللسان ، أو الغفلة الناشئة عن غلبة
1 ـ الصافّات : 164.
2 ـ المحجّة البيضاء : 7/216.

(523)
الشهوة بحيث لايمكن معها التنبّه له كسائر الفضائل والطاعات ، أو لابتذالها عمومها للخلق والاعتياد بها ، فارتفع لأجل ذلك وقعها عن النظر ، فلا يرى النعمة الا ما فيه مزيد اختصاص به ، ولذا قلّما ترى أحداً يشكر على روح الهواء ووفور الماء والسمع والبصر ونحوها الا إذا عرض عارض الخلاف ، فعند ذلك يحسب الفائت نعمة ويتحسّر عليه ، وإذا أعيدت عليه عدّها نعمة إلى أن يعتاد عليه ثانياً فيزول وقعه عن نظره أيضاً ، وهذا من غاية الجهل ، فإنّ النعمة الدائمة أحقّ بالشكر فوسعة الرحمة والعناية وعموم اللطف والإحسان صار باعثاً لاغترار أكثر الخلق ، ولو تأمّلوا لعرفوا أنّ شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض باسرها ، مع أنّه لايخلو أحد من نعمة مخصوصة به من بين أغلب الناس في عقله ودينه وهيئته وصورته وسائر ماأعطاه الله ولو بحسب اعتقاده بحيث لو خيّر مابين أن يسلب منه ويبدل بما أعطي الآخر لم يرض سيما في العقل والدين ، بل لو خير في التبدّل مع كلّ أحد من الخلق في جميع صفاته وأحواله لم يرض قطّ كما قال تعالى : « كلّ حزب بما لديهم فرحون » (1) فكيف لايشكر الله على ما يعتقده مخصوصاً به فضلاً عن النعم العامة ، ولو لم يكن للرجل الا نعمة الصحّة والأمن والاستغناء عن الناس لكان ذلك من أعظم النعماء في حقّه ولم يمكنه الخروج عن عهدة الشكر.
     قال النبي صلى الله عليه وآله : « من أصبح آمناً في سربه ، معافىً في بدنه وعنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها ». (2)
     بل لو كان عاقلاً ولم يكن له سوى نعمة الإيمان الموصلة به إلى دارالنعيم لكان جديراً بأن يستعظم النعمة ، ويسمع [ أنّه ] من السلف من كان بحيث لو سلّم إليه ممالك الشرق والغرب بما فيهما لم يبدل أقل جزء من
1 ـ الروم : 32.
2 ـ المحجّة البيضاء : 7/221.

(524)
علمه بها لعلمه بأنّه المقرّب إلى الله ، بل لو استبدلت لذّته في الدنيا أيضاً بلذّتها لما رضي بذلك لعلمه بكونها لذّة دائمة لاتزول ولا تفنى.
     تبيين
     فالطريق إلى تحصيل الشكر أمور :
     أحدها : معرفة صنائعه والتفكّر في ضروب نعمه الظاهرة والباطنة.
     والثاني : النظر إلى الأدنى في الدنيا والأعلى في الدين.
     والثالث : حضور المقابر والتذكّر لعذاب الآخرة وثوابها ، فيفرض نفسه منهم ويتذكّر ما يأملونه بعد الممات من العود والتدارك لما فاتهم مع عدم تمكّنهم منه ثم يفرض أنّه قد أجيبت دعوته وردّ إلى الدنيا بعد مماته فليتدارك حينئذ.
     والرابع : التذكّر للآلام والأمراض والمصائب النازلة عليه في سابق أيّامه وصرف الله تعالى إياها عنه ، وأنّه لو هلك لم يقدر على التدارك فليغتنم الفرصة حينئذ وليشكر الله سبحانه ولايحزن على مايرد عليه من المصائب.
     والخامس : أن ينظر إلى سلامة دينه فيفرح بها ولايحزن من مصائبه الدنيوية ، ويشكر الله على أنّه لم يجعل مصيبته في دينه.
     قال رجل لبعض العرفاء : دخل اللصّ في بيتي وأخذ متاعي ، فقال : اشكر الله لو كان الشيطان يدخل بدله في قلبك ويفسد توحيدك فماذا كنت تصنع؟ (1)
     ويتفكّر في أنّ مصيبته النازلة به كفّارة لمعاصية ، فلو لم تحلّ به المصيبة في الدنيا لكان معذّباً بالآخرة فيشكر الله على استبدال العذاب الباقي بالعذاب القليل الفاني.
     وقد ورد في الأخبار الكثيرة ما يدلّ على أنّ الله إذا عذّب عبده في
1 ـ المحجّة البيضاء : 7/227.
(525)
الدنيا لذنب ابتلي به فهو أكرم من أن يعذّبه ثانياً ، وأنّ لهذه المصيبة ثواباً في الآخرة فيشكر الله على إيصاله الثواب إليه ، وانّ هذه المصيبة تنقص ميله وحرصه في الدنيا وتشوّقه إلى الآخرة ، فإنّ استمرار النعم الدنيوية من دون حصول ما ينغّص العيش يورث بطراً وغفلة وسكوناً إليها حتى تصير جنّة في حقّه فيعظم بلاؤه عند موته من مفارقتها بخلاف المصاب بالآلام والمصائب الدنيوية حيث ينزعج قلبه من الدنيا ، فلا يركن إليها ، بل تصير سجناً عليه ، ويميل إلى الخروج عنها والنجاة من مصائبها.
     فإن قيل : كيف يتصوّر الشكر على البلاء مع أنّه يستدعي فرحاً ونعمة ، ولو فرض تحقّقه فكيف يجتمع مع الصبر الممدوح المأمور به في الكتاب والسنّة؟
     قلت : الجهة مختلفة ، فجهة الصبر عند ملحظة كونه ألماً ومصيبة والطبع متنفّراً عنه والشكر من حيث كونه موجباً لنعمة عظيمة كالثواب وغيره ممّا ذكرناه ، وهذا إنّما يتصوّر في البلاء الذي يكون له جهتان كالفقر والخوف والمرض.
     وأمّا البلاء المطلق وهو ما لايكون له جهة سعادة ونعمة لا في الدنيا ولا في الآخرة كالكفر والجهل والمعاصي فلا معنى للصبر عليها حينئذ ، بل يكون الشكر في عدمها من جميع الوجوه مطلقاً وهو واضح.
     ثمّ إنّك عرفت في باب الصبر أنّه قد يكون على الطاعة ، وقد يكون عن المعصية وفيهما يتحقّق الشكر والصبر ، إذ الشكر كما عرفت عرفان النعمة من الله والفرح به وصرفها إلى الحكمة المقصودة ، والصبر على ماعرفت ثبات باعث الدين في مقابل باعث الهوى ، وباعث الدين خلق لحكمة دفع باعث الهوى ، فمن أدّى الطاعة وترك المعصية تحقّقت الحكمة المزبورة وصرفت النعمة فيها.
     وحينئذ يظهر اتّحاد فعلهما إذ فعل الصبر هو الثبات والمقاومة وهو عين


(526)
الطاعة وترك المعصية وصرف النعمة في مقصود الحكمة هو أيضاً عين الطاعة وترك المعصية.
     نعم يختلف متعلّقهما ، فإنّ متعلّق الصبر هذه الطاعة وترك هذه المعصية مثلاً ، ومتعلّق الشكر هو العقل الباعث لهما ، فتأمّل.
     تنوير
     لاتظنّ ممّا قرع سمعك من فضيلة البلاء وأدائه إلى السعادة كونه خيراً من العافية ، بل هي خير من عدمها مطلقاً ، فإيّاك أن تسأل البلاء منه تعالى.
     ولذا ورد في الأخبار والأدعية المأثورة الاستعاذة من البلايا وطلب العافية ، فالبلاء نعمة بالاضافة إلى ما يكون أكبر منه في الدنيا والآخرة فاللازم سؤال إتمام النعمة في الدنيا والثواب في الآخرة على شكر النعم والتجافي عن دار الغرور والانابة إلى دار الخلود لكونه قادراً على إعطاء الجميع.
     ولاينافيه كلام بعض العرفاء من سؤال البلاء والمصائب ، فإنّه من الكلمات الصادرة عن العشق وفرط الحبّ ، وإنّما يستلذّ بسماعه ولايعوّل عليه ، ولعلّ صيرورته عندهم أحبّ لاستشعارهم برضى المحبوب به ، ورضى المحبوب محبوب ، هذا.
     وفي بعض الأخبار مايدلّ على أنّ في الجنّة درجات عالية لايصل العبد إليها الا بالبلايا والمصائب الصبر والشكر عليها.
     ويؤيّده ابتلاء أكابر النوع من الأنبياء والأولياء بها وما ورد من أنّها موكّلة بالأنبياء والأولياء ثم الأمثال في درجات العلى.
     وعلى هذا فالظاهر اختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس في قوّة النفس وقوّة اليقين والمحبّة وضعفها ، بل التحقيق أنّ ما يفعله تعالى هو النظام الأصلح ، فألذي يبتلى ببلاء يكون الأصلح بحاله ذلك ، والذي لايبتلى به يكون الأصلح بحاله ذلك ، كما ورد في الأخبار وشهد به الاعتبار ، وهذا أحسن وجه في الجمع كما لايخفى.


(527)
     فائدة
     اختلفوا في أفضليّة كلّ من الشكر والصبر والظاهر عدم الجحان لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر ، بل اتّحادهما في كثير من المواضع كما عرفت ، والصابر على المصائب لابدّ له من تصوّره للمنافع الواصلة إليه بسببها وحصول انزعاج له عن الدنيا وشوق إلى الآخرة فلا ينفكّ عن الشكر لأنّه يعرف هذه النعم من الله كما يعرف البلاء منه ، ويفرح بها ويعمل بمقتضى فرحه من الطاعة ونحوها ، وفي النعمة المطلقة كالسعادة والعلم وسائر الفضائل كما أنّ حصولها وتصوّر كونها نعمة مستلزم للشكر فكذا إبقاؤها لاينفكّ عن المقاومة مع الهوى ومنع النفس عن الميل إليه وعن الكفران بالعصيان ، هو الصبر فشكر العينين بالنظر إلى عجائب صنع الله يستلزم الصبر عن الغفلة والنوم ونحوها.
     هذا ، المعيار الكلي في أفضليّة بعض الأعمال عن بعض كونها أشدّ تأثيراً في إصلاح النفس وصفيتها وتطهيرها عن شوائب الدنيا وأشد إعداداً لمعرفة الله وانكشاف الحقائق لديه ، فاللازم على العاقل الموازنة بين كلّ درجتين من درجات الصبر والشكر فيما ذكر والترجيح بمقتضاه وهي مختلفة باختلاف أقسام النعم وأقسام البلاء واختلاف مراتب المعرفة والفرح المأخوذين في حقيقة الشكر واختلاف الطاعة المأتي بها في كلّ منهما صعوبة وسهولة ، فربّما كان بعض درجات الصبر أشدّ تنويراً وأكثر إصلاحاً (1) للقلب من بعض درجات الشكر وبالعكس ، فإنّ الأعمال الأحوال المندرجة تحتهما كثيرة ، فممّا يندرج منها تحت الشكر حياء العبد من تتابع نعم الله عليه ومعرفته بتقصيره عن الشكر واعتذاره من قلّة الشكر واعترافه بكون النعم ابتداء منه تعالى من غير استحقاق لها ، وعلمه بأنّ الشكر أيضاً من نعمه ومواهبه وحسن تواضعه بالنعم تذلله وقلّة اعتراضه وحسن أدبه بين
1 ـ في « ب » و « ج » : اختلاجاً.
(528)
يدي المنعم وتلقّي النعم بحسن القبول واستعظام ما صغر منها وشكر الوسائط بقوله صلى الله عليه وآله : « من لم يشكر الله ». (1)
     فكلّما ازدادت هذه الأحوال في الشكر وطال زمانه أزدادت فضيلته.
     وأمّا ما دلّ على أفضلية الصبر على الشكر من الأخبار فاللازم فيه إمّا التقييد ببعض مراتبها أو الحمل على ظاهر العامّة من الشكر والصبر دون ماتبيّن لك من حقيقتهما اللازم منه الملازمة أو الاتّحاد.

1 ـ المحجّة البيضاء : 7/247.
(529)
الباب العاشر
في العبادات


(530)
     وهي وإن كانت من حقوق الله اللازمة مراعاتها في تحقّق معنى الفضيلة الرابعة أي العدالة كسائر ما أسلفناه في الباب السابق الا أنّها لمّا كانت أصلاً كبيراً مشتملاً على جزئيات كثيرة أفردناها عن أخواتها ، ولمّا كانت من أعظم شروطها التي تتوقّف صحّتها عليها ظاهراً وباطناً النيّة ، ومن شرط النيّة الاخلاص وهي وإن تكرّر ذكرها في الكتب الفقهيّة الا انّ لها دقائق وشعباً قلما فصّلت فيها ، التزمنا القول في حقيقتها وشعبها ودقائقها وشروطها تفصيلاً لايخلو عن إجمال مقدّمة عليها ، ثم نذكر كلاً من العبادات التي هي صنوف الطاعة المفسّرة بالتخضيع والخشوع والتمجيد لله الملك المجيد في عدّة فصول ، وهو المؤمّل في بلوغ كلّ مأمول.

مقدّمة
     النيّة عبارة عن انبعاث النفس إلى ماتراه موافقاً لغرضها حالاً ومآلاً ويرادفها القصد والرادة وضدّها الغفلة أي فتورها عن التوجّه إلى مافيه غرضها ، وهي كسائر ماتقدّم واسطة بين علم هو مبدؤها وعمل هو ثمرتها ، إذ مالم يعلم أمراً يقصده ، وما لم يقصد لم يفعل ، فكلّ فعل يصدر عن الفاعل المختار لايتمّ الا بعلم وشوق وإرادة وقدرة ، وذلك لموافقة بعض الأمور لغرضه ومخالفة بعضها له فاحتاج إلى جلب الموافق ودفع المخالف الموقوفين على إدركهما إذ ما لم يعرف ذلك لم يعقل طلبه له أو هربه عنه وهو العلم ، وعلى الميل والرغبة والشهوة الباعثة عليه وهو الشوق لعدم الاكتفاء في الطلب والهرب بمجرّد الإدراك من دون شوق ، وعلى القصد والتوجّه إليه وهو النيّة ، إذ كم من مدرك للذّة الطعام شائق إليه راغب فيه لصدق شهوته غير مريد له لعذر من الأعذار المانعة له عنه ، وعلى القدرة المحرّكة للأعضاء إلى جلب الملائم ودفع المضارّ ، وبها يتمّ الفعل ، فهي كالجزء
كشف الغطاء ::: فهرس