مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 231 ـ 240
(231)
الطائفة الثالثة
عصمة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم )
وما تمسّكت به المخطّئة
    عصمة النبي الخاتم من العصيان والخطأ ، من فروع عصمة الأنبياء كلّهم ، فما دلّت على عصمتهم من الآيات ، تدلّ على عصمته أيضاً بلا إشكال ، ولا نحتاج بعد ذلك إلى إفراد البحث عنه في هذا المجال ، فقد أفاض اللّه عليه ذلك الكمال كما أفاض على سائر الأنبياء من غير استثناء ، فهو معصوم في المراحل الثلاث التالية :
    1 ـ مرحلة تلقّي الوحي وحفظه وأدائه إلى الأُمّة.
    2 ـ مرحلة القول والفعل ، وعلى ذلك ، فهو من عباده المكرمين الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم وهم بأمره يعملون.
    3 ـ مرحلة تطبيق الشريعة وغيرها من الأُمور المربوطة بحياته ، فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يسهو ولا يخطأ في حياته الفردية والاجتماعية.
    وما دلّ على عصمة تلك الطائفة في هذه المراحل الثلاث دلّ على عصمته فيها أيضاً.


(232)
    نعم هناك آيات بالخصوص دالّة على عصمته من العصيان ومصونيته من الخطأ ، كما أنّ هناك آيات وردت في حقه وقعت ذريعة لمنكري العصمة ، ولأجل ذلك أفردنا بحثاً خاصاً في هذا المقام لنوفيه حقه.
    أمّا ما يدل على عصمته من العصيان والخلاف ، فيكفي في ذلك قوله سبحانه : ( وإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ) (1).
    وقد ذكر المفسرون أسباباً لنزولها بما لا يناسب ساحة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أوضحها ما ذكره الطبرسي في مجمعه : أنّ المشركين قالوا له : كف عن شتم آلهتنا ، وتسفيه أحلامنا ، واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان (2) حتى نجالسك ونسمع منك ، فطمع في إسلامهم ، فنزلت الآية. (3)
    ولتوضيح مفاد الآيات نبحث عن أُمور :
    1 ـ أنّ الآيات كما سنرى تشير إلى عصمته ، ومع ذلك استدلت المخطّئة بها على خلافها ، وهذا من عجائب الأُمور ، إذ لا غرو في أنّ تتمسك كل فرقة بقسم من الآيات على ما تتبنّاه ، وإنّما العجب أن تقع آية واحدة مطرحاً لكلتا الفرقتين ، فيفسرها كلٌّ حسب ما يتوخّاه ، مع أنّ الآية لا تتحمل إلاّ معنى واحداً لا معنيين متخالفين.
    2 ـ انّ الضمير في كلا الفعلين ( كادوا ليفتنونك ) يرجع إلى المشركين ،
    1 ـ الإسراء : 73 ـ 75.
    2 ـ الصنان : نتن الإبط.
    3 ـ مجمع البيان : 3/431.


(233)
ويدل عليه سياق الآيات ، والمراد من ( الذي أوحينا إليك ) هو القرآن بما يشتمل عليه من التوحيد ونفي الشريك ، والسيرة الصالحة ، والمراد من الفتنة في ( ليفتنونك ) هو الإزلال والصرف ، كما أنّ الخليل من الخُلَّة بمعنى الصداقة لا من الخَلّة بمعنى الحاجة.
    3 ـ انّ قوله : ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ) يخبر عن دنو المشركين من إزلاله وصرفه عمّا أُوحي إليه ، لا عن دنو النبي وقربه من الزلل والانصراف عمّا أُوحي إليه ، وبين المعنيين فرق واضح.
    4 ـ انّ قوله سبحانه : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً ) مركب من جملتين ، إحداهما شرطية ، والأُخرى جزائية ، أمّا الأُولى فقوله : ( ولولا أن ثبتناك ) ، وأمّا الأُخرى فقوله : ( لقد كدت تركن إليهم ) ، وبما أنّ لولا في الآية امتناعية (1) ، تدل على امتناع الجزاء لوجود التثبيت ، مثل قولنا : لولا علي لهلك عمر ، فامتنع هلاكه لوجوده.
    5 ـ وليس الجزاء هو الركون بمعنى الميل ، بل الجزاء هو القرب من الميل والانصراف كما يدل عليه قوله : ( لقد كدت تركن ) ، فامتنع القرب من الميل فضلاً عن نفس الميل لأجل وجود تثبيته.
    6 ـ انّ تثبيته سبحانه لنبيّه لم يكن أمراً مختصاً بالواقعة الخاصّة ، بل كان أمراً عامّاً لجميع الوقائع المشابهة لتلك الواقعة ، لأنّ السبب الذي أوجب إفاضة التثبيت عليه فيها ، يوجب إفاضته عليه في جميع الوقائع المشابهة ، ولا معنى
    1 ـ يقول ابن مالك :
لولا ولوما يلزمان الابتدا إذا امتناعاً بوجود عقدا
    والشرط في الآية مؤوّل إلى الاسم أي لولا تثبيتنا ، لقد كدت تركن إليهم.


(234)
لخصوصية المعلول والمسبب مع عمومية العلة ، وعلى ذلك تكون الآية من دلائل عصمته في حياته ، وسداده فيها على وجه العموم.
    وتوهم اختصاصها بالواقعة التي تآمر المشركون فيها لإزلاله من كلمات رماة القول على عواهنه.
    7 ـ انّ التثبيت في مجال التطبيق فرع التثبيت في مجال التفكير ، إذ لا يستقيم عمل إنسان مالم يتم تفكيره ، وعلى ذلك يفاض على النبي السداد مبتدئاً من ناحية التفكّر منتهياً إلى ناحية العمل ، فهو في ظل هذا السداد المفاض ، لا يفكّر بالعصيان والخلاف فضلاً عن الوقوع فيه.
    8 ـ انّ تسديده سبحانه ، لا يخرجه عن كونه فاعلاً مختاراً في عامة المجالات : الطاعة والمعصية ، فهو بعد قادر على النقض والإبرام والانقياد والخلاف ، ولأجل ذلك يخاطبه في الآيات السابقة بقوله : ( إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً ).
    وعلى ضوء ما ذكرنا فالآية شاهدة على عصمته ، ودالة على عنايته سبحانه برسوله الأكرم فيراقبه ويراعيه ولا يتركه بحاله ، ولا يكله إلى نفسه ، كل ذلك مع التحفّظ على حريته واختياره في كل موقف.
    فقوله سبحانه : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ) نظير قوله : ( وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ) (1) لكن الأوّل راجع إلى صيانته عن العصيان ، والثاني ناظر إلى سداده عن السهو والخطاء في الحياة ، وسيوافيك توضيح الآية الثانية في البحث الآتي.
    1 ـ النساء : 113.

(235)
    وفي الختام نذكر ما أفاده الرازي في المقام : قال : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية بوجوه :
    الأوّل : انّ ـ ها دلّت على أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قرب من أن يفتري على اللّه ، والفرية على اللّه من أعظم الذنوب.
    الثاني : انّها تدل على أنّه لولا أنّ اللّه تعالى ثبته وعصمه لقرب أن يركن إلى دينهم.
    الثالث : أنّه لولا سبق جرم وجناية لم يحتج إلى ذكر هذا الوعيد الشديد.
    والجواب عن الأوّل : أنّ « كاد » معناها المقاربة ، فكان معنى الآية قرب وقوعه في الفتنة ، وهذا لا يدل على الوقوع.
    وعن الثاني : أنّ كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء ، لثبوت غيره ، نقول : « لولا علي لهلك عمر » ومعناه أنّ وجود علي ( عليه السلام ) منع من حصول الهلاك لعمر ، فكذلك هاهنا فقوله : ( ولولا أن ثبتناك ) معناه لولا حصل تثبيت اللّه لك يا محمد ، فكان تثبيت اللّه مانعاً من حصول ذلك الركون.
    وعن الثالث : انّ التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها ، والدليل عليه آيات منها قوله تعالى : ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذ * نا منه باليمين ) الآيات ، وقوله تعالى : ( لئن أشركت ) وقوله : ( ولا تطع الكافرين ). (1)

أدلة المخطّئة
    لقد اطّلعت في صدر البحث على عصمة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على أنّ هناك
    1 ـ مفاتيح الغيب : 5/420.

(236)
آيات وردت في حق النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد صارت ذريعة لبعض المخطّئة الذين يحاولون إنكار العصمة ، وهي عدة آيات :

الأُولى : العصمة والخطابات الحادة
    هناك آيات تخاطب النبي بلحن حاد وتنهاه عن اتّباع أهواء المشركين ، والشرك باللّه ، والجدال عن الخائنين ، وغير ذلك ، ممّا يوهم وجود أرضية في نفس النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لصدور هذه المعاصي الكبيرة عنه ، وإليك هذه الآيات مع تحليلها :
    1 ـ ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلىّ وَلا نَصِير ) (1).
    وقد جاءت الآية في نفس هذه السورة بتفاوت في الذيل ، فقال بدل قوله : ( مَالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِىّ ولا نَصِير ) ، ( إِنَّكَ إِذاً لمِنَ الظَّالِمِينَ ) (2) ، كما جاءت أيضاً في سورة الرعد ، غير أنّه جاء بدل قوله : ( و لا نصير ) ( ولا واق ).
    وعلى أي حال فقد تمسّكت المخطّئة بالقضية الشرطية على أرضية متوقعة في نفس النبي لاتّباع أهوائهم وإلاّ فلا وجه للوعيد.
    ولكن الاستدلال على درجة من الوهن ، إذ لا تدل القضية الشرطية إلاّ على الملازمة بين الشرط والجزاء ، لا على تحقّق الطرفين ، ولا على إمكان تحقّقهما ، وهذا من الوضوح بمكان ، قال سبحانه : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتَا ) (3) ، وليس فيها أيّ دلالة على تحقّق المقدّم أو التالي ، وبما ذكرنا يتضح حال الآيتين
    1 ـ البقرة : 120.
    2 ـ البقرة : 145.
    3 ـ الأنبياء : 22.


(237)
التاليتين :
    2 ـ انّه سبحانه يخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقضايا شرطية كثيرة قال سبحانه : ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) (1).
    ومن المعلوم المقطوع به أنّه سبحانه لا يستلب منه ما أوحى إليه.
    3 ـ قال سبحانه : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ ) (2) ، وقال أيضاً : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَد عَنْهُ حَاجِزينَ ) (3) ، فهذه الآيات ونظائرها التي تحكي عن القضية الشرطية لا تدلّ على ما يرتئيه الخصم بوجه من الوجوه ، أي وجود أرضية متوقعة لصدور هذه القضايا ، وذلك لوجهين :
    ألف : أنّ هذه الآيات تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما أنّه بشر ذو غرائز جامحة بصاحبها ، ففي هذا المجال يصح أن يخاطب النبي بأنّه لو فعل كذا لقوبل بكذا ، وهذا لا يكون دليلاً على إمكان وقوع العصيان منه بعدما تشرّف بالنبوّة وجُهّز بالعصمة وعُزِّز بالرعاية الربانية ، فالآيات التي تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما هو بشر لا تعم ذلك المجال.
    ب. أنّ هذه الآيات تركز على الجانب التربوي ، والهدف تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام اللّه سبحانه ، فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ نبي العظمة ـ محكوماً
    1 ـ الإسراء : 86 ـ 87.
    2 ـ الزمر : 65.
    3 ـ الحاقة : 44 ـ 47.


(238)
بهذه الأحكام ومخاطباً بها ، فغيره أَولى أن يكون محكوماً بها.
    وعلى ذلك فتكون الآيات واردة مجرى : « إياك أعني واسمعي يا جارة » ، فهؤلاء الذين يتخذون تلك الآيات وسيلة لإنكار العصمة ، غير مطّلعين على « ألف باء » القرآن ، وبذلك يظهر مفاد كثير من الآيات النازلة في هذا المجال ، يقول سبحانه عندما يأمره بالصلاة إلى المسجد الحرام :
    4 ـ ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (1) ، ويريد بذلك تعليم الناس أن لا يقيموا وزناً لإرجاف المرجفين في العدول بالصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام ، كما يحكي سبحانه وتعالى عنهم بقوله : ( سَيَقُولُ الْسُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا ولاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) (2).
    5 ـ انّه سبحانه يبطل إلوهية المسيح ( عليه السلام ) بحجّة أنّه وليد مريم ( عليها السلام ) بأنّ تولده بلا أب يشبه تكوّن آدم من غير أب ولا أُم ، قال سبحانه : ( إنَّ مَثَلَ عِيْسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ) ، فعند ذلك يخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله : ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (3).
    ولا شك أنّ الخطاب جرى مجرى ما ذكرنا : « إياك أعني واسمعي يا جارة » ، فإنّ النبي الأعظم بعدما اتصل بعالم الغيب وشاهد ورأى الملائكة وسمع كلامهم ، هل يمكن أن يتسرّب إليه الشك حتى يصح أن يخاطب بقوله : ( فلا تكن من الممترين ) على الجد والحقيقة؟
    6 ـ انّه سبحانه يخاطب النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما جلس على كرسي القضاء
    1 ـ البقرة : 147.
    2 ـ البقرة : 142.
    3 ـ آل عمران : 59 ـ 60.


(239)
بقوله : ( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) (1).
    فالآية تكلّف النبي أن لا يدافع عن الخائن ، ومن الواضح أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن في زمن حياته مدافعاً عن الخائن ، وانّما هو خطاب عام أُريد منه تربية المجتمع وتوجيهه إلى هذه الوظيفة الخطيرة ، وبما أنّ أكثر الناس لا يتحمّلون الخطاب الحاد ، بل يكون مرّاً في أذواق أكثرهم ، اقتضت الحكمة أن يكون المخاطب ، غير من قصد له الخطاب.
    7 ـ وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُن لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) (2).
    وأخيراً نقول : إنّ سورة الإسراء تحتوي على دساتير رفيعة المستوى ، ترجع إلى وظائف الأُمّة : الفردية والاجتماعية ، وهو سبحانه يبتدئ الدساتير بقوله : ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولا ) (3) ، وفي الوقت نفسه يختمها بنفس تلك الآية باختلاف يسير فيقول : ( ولا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ). (4)
    فهذه الخطابات وأشباهها وإن كانت موجهة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكن قصد بها عامة الناس لنكتة سبق ذكرها ، وإلاّ فالنبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعظم من أن يشرك باللّه تعالى بعد تشرّفه بالنبوّة ، كيف ، وهو الذي كافح الوثنية منذ نعومة أظفاره إلى أن بعث نبيّاً لهدم الشرك وعبادة غير اللّه تبارك وتعالى.
    1 ـ النساء : 107.
    2 ـ النساء : 105.
    3 ـ الإسراء : 22.
    4 ـ الإسراء : 39.


(240)
    وقس على ذلك كلّما يمرُّ عليك من الآيات التي تخاطب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بلحن شديد ، فتفسير الجميع بالوجهين اللّذين قدمنا ذكرهما.

الآية الثانية : العصمة والعفو والاعتراض
    كان النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بصدد خلق مجتمع مجاهد يقف في وجه الروم الشرقية ، فأذن بالجهاد إلى ثغرها ( تبوك ) ، فلبّت دعوته زرافات من الناس بلغت ثلاثين ألف مقاتل ، إلاّ أنّ المنافقين أبوا الاشتراك في صفوف المجاهدين ، فتعلّقوا بأعذار واستأذنوا في الإقامة في المدينة ، وأذن لهم النبي الأكرم ، وفي هذا الشأن نزلت الآية التالية :
    ( عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) (1).
    والآية تصرّح بعفوه سبحانه عنه كما يقول : ( عَفَا اللّهُ عَنْكَ ) ، كما تتضمن نوع اعتراض على النبي حيث أذن لهم في عدم الاشتراك ، كما يقول سبحانه : ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) ، وعندئذ يفرض هذا السؤال نفسه :
    ألف : كيف يجتمع العفو مع العصمة؟
    ب : ما معنى الاعتراض على إذن النبي؟
    أقول : أمّا الجملة الأُولى : فتوضيحها بوجهين :
    الأوّل : أنّها إنّما تدل على صدور الذنب ـ على فرض التسليم ـ إذا كانت جملة خبرية حاكية عن شمول عفوه سبحانه للنبي في الزمان الماضي ، وأمّا إذا
    1 ـ التوبة : 43.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس