مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 351 ـ 360
(351)
قال سبحانه : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (1) ، وقال سبحانه أيضاً : ( قُلْ فَللهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (2).
    فالله سبحانه يعلم القائم بالوظائف من القاعد عنها ، ولكنّه لو جازاهم بهذا العلم ، ربما يعترض عليه القاعد بأنّه لو كلّفه في الدنيا لقام بالوظائف ، فلماذا أثابه دونه؟ فلأجل محو هذا الاعتراض من الأساس ، جعلهم في بوتقة الامتحان حتى تكون له الحجة البالغة على القاعدة.
    2. انّ الهدف من الاختبار هو تمحيص المؤمن من الكافر ، وتمييز الخبيث من الطيب في المجتمع الإسلامي ، فإنَّ لهذا التمحيص شأناً من الشؤون وأثراً من الآثار ، قال سبحانه : ( مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) (3) ، وقال سبحانه : ( لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (4) وبما أنّ المنافق يتظاهر بالإيمان ، والعدو بالصداقة ، فلابدَّ من إجراء الامتحان والابتلاء حتى يتميزا ، فإذا أمر الله سبحانه ببذل النفس والنفيس في سبيل الله فيتقدّم المؤمن حسب إيمانه ويتثاقل المنافق ، وعندئذ يتمايز الصنفان.
    3. انّ الهدف من الامتحان ، إبراز الطاقات الكامنة في الإنسان وإخراجها من مكامنها ، فكل إنسان خلق وله قابليات خاصّة كامنة في ذاته ، غير أنّ ظهورها وخروجها من القوّة إلى الفعل ، يحتاج إلى وقوع الإنسان في خضمّ الامتحان والاختبار حتى تنبثق تلك القابليات من مكامنها ، وترى نور الوجود فكما أنّ
    1 ـ النساء : 165.
    2 ـ الأنعام : 149.
    3 ـ آل عمران : 179.
    4 ـ الأنفال : 37.


(352)
البذرة لا تتفتح ، ولا تصير نباتاً ولا شجرة إلاّ بعد ابتلاء وتأثير من الهواء ، والشمس ، والأرض حتى تكون شجراً ، فهكذا الإنسان لا تتفتح طاقاته الكامنة إلاّ إذا وضع في ظروف خاصّة توجب تفتح القوّة وظهورها إلى مرحلة الكمال.
    فالتكاليف الشاقة الملازمة للشدّة والضغط ، توجب ظهور الثمار وإبراز الطاقة.
    ولندرس حياة الخليل ( عليه السلام ) حتى نقف على حقيقة هذا الجواب.
    كان الخليل ( عليه السلام ) قبل الابتلاء إنساناً ذا طاقة وكمال دفين في شخصيته غير أنّ تلك الطاقة ـ الّتي نعبّر عنها : بأنّه كان قابلاً لأن يكون إنساناً مثالياً ملكوتياً بترك كل شيء من أجل خالقه تعالى ـ كانت مستورة في وجوده ، دفينة في أغوار شخصيته ، فأراد سبحانه إظهارها فجعلها في مجال الامتحان وبوتقة الاختبار ، فتفتحت وصارت كمالاً بالفعل.
    وقد أشار الإمام علي ( عليه السلام ) إلى هذا الجواب بقوله : « لا يقولنّ أحدكم اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة ، لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة ، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن ، فإنّ الله سبحانه يقول : ( وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) (1) ». (2)
    وهذا التعبير من الإمام يشير إلى أنّ الامتحان سنّة ثابتة من الله سبحانه وتعالى في عباده ليس عنها محيص ، ويشير بعد ذلك إلى فلسفة تلك السنّة بقوله ( عليه السلام ) : « ومعنى ذلك انّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه ، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ، ولكن لتظهر الأفعال
    1 ـ الأنفال : 28.
    2 ـ بحار الأنوار : 94 / 197 ح 6.


(353)
الّتي بها يستحق الثواب والعقاب ، لأنّ بعضهم يحب الذكور ويكره الإناث وبعضهم يحب المال ويكره انثلام الحال » (1).
    إنّه سبحانه جعل الخليل على محك الاختبار فأمره بمكافحة عبدة الأصنام وكسر آلهتهم المزعومة ، إلى حدٍّ يستعد به للبلاء في طريق طاعته ، وإن كان بالقتل والحرق ، كما أمره سبحانه بإسكان أهله بأرض غير ذي زرع ، كما أمره ببناء بيته وتطهيره ، وذبح ولده بيده ، و ... فهذه الوظائف الشاقة المرّة في ظاهرها ، الحلوة في باطنها ، جعلت الخليل بفضل بطولاته العجيبة في مجال الامتحان إنساناً إلهياً لايعرف في مسيرة حياته غير الله ولا يهمه غير أمره ، وهذا منتهى الكمال الممكن للإنسان المثالي ، فكم فرق بين إنسان نسي ميوله الحيوانية وغرائزه عندما تعارضت مع مراد مولاه وغاية مناه وهو الله ، وبين إنسان غارق في الشهوات وخائض في لجج الغرائز ، أسّره الهوى فصار عبداً للشيطان ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (2).
    فالاختبار يجلي تلك الطاقات الكامنة في الصنفين المتقابلين في الناس ، ويعمل في النفوس المستعدة عمل الحرارة من تمييز الذهب عن خليطه.
    هذا مجمل القول حول فلسفة الامتحان والتفصيل موكول إلى البحث عن الآيات الواردة حوله.
    1 ـ نهج البلاغة : قسم الحكم برقم 93.
    2 ـ الفرقان : 43.


(354)
2. ما هو المراد من الكلمات ؟
    الكلمات جمع « كلمة » ، والمراد منها هو المفرد من الألفاظ ، وربّما يطلق على الجملة ، فيقال : « لا إله إلاّ الله » كلمة الإخلاص ، غير أنّ القرآن يتوسع بعناية خاصّة في استعمال الكلمة فيطلقها على الأشياء والأفعال الخارجية قال سبحانه : ( بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) (1) ، وقال سبحانه : ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ) (2) ، وكما أنّه يستعملها في الأعيان الخارجية ، يستعملها أيضاً في الأفعال الّتي يقوم بها الإنسان الممتحن ، وقد اختلف المفسرون في تعيين تلك الأفعال الّتي اختبر الخليل بها ، فنأتي بآرائهم إجمالاً.
    1. المراد من الكلمات هي الإمامة ، وتطهير البيت ، ورفع القواعد ، والدعاء لبعث محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فإنّ هذه الأُمور شاقة ، أمّا الإمامة فلأنَّ المراد منها هاهنا هو النبوّة ، وهذا التكليف يتضمن مشاقاً عظيمة ، وأمّا بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده فمن وقف على ما روى في كيفية بنائه عرف شدّة البلوى فيه ، ثم إنّه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأمّا اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في آخر الزمان فهذا ممّا يحتاج إليه من إخلاص العمل لله وإزالة الحسد عن القلب بالكلية. (3)
    1 ـ آل عمران : 45.
    2 ـ الكهف : 109.
    3 ـ مفاتيح الغيب : 1 / 490 ، ط مصر.


(355)
    ولا يخفى أنّ الرازي ومن قال بهذا القول قد خلطوا الحق بالباطل ، أمّا الحق فلأنَّ عد تطهير البيت ورفع قواعده من الأُمور الّتي اختبر الله الخليل بها حق لا مرية فيه ، وسيوافيك بيانه ، وأمّا الباطل فهو أمران :
    الأوّل : عدّ الإمامة من جملة ما اختبر بها إبراهيم ( عليه السلام ) ، فلأنّ الظاهر من الآية إنّه سبحانه شرّف إبراهيم بمقام الإمامة بعد أمرين :
    1. الابتلاء بالكلمات.
    2. إتمامه إيّاها.
    فعند ذلك نصبه سبحانه في مقام الإمامة ونتيجة ذلك مغايرة الكلمات مع الإمامة الموهوبة له ، ولو كانت الإمامة من جملة ما ابتلي به إبراهيم لوجب تقديمها على قوله : ( فأتمّها ) وناسب أن يقول : « وإذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات قال إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن ».
    والعجب أنّ الرازي جعل تطهير البيت ورفع قواعده من جملة الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم ، ولم يجعل قيامه بذبح الولد ، واستعداده لذلك من جملة تلك الكلمات ، مع أنّه سبحانه يعرّف ذاك العمل بأنّه بلاء مبين ويقول : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ ). (1)
    وإنّما فعل الرازي ذلك لأنّه قصر نظره في الآيات الواردة بعد هذه الآية ، فقد ورد فيها الأمر بالتطهير ورفع القواعد وطلب بعث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فزعم الكل تفسيراً « للكلمات » مع أنّه ليست في بيان تلك الأُمور أيّة قرينة على كون هذه الأُمور تفسيراً لها ، وإنّما وقفنا على كون بعض ما جاء فيها من الكلمات ، من
    1 ـ الصافات : 106.

(356)
القرائن الخارجية.
    والظاهر المتبادر ، إنّ تنصيبه في مقام الإمامة كان جزاءً منه سبحانه لإتمامه الكلمات ونجاحه في الامتحان ، فلو كانت الإمامة من جملة تلك الأُمور لأصبح الكلام غير تام ، وصار السامع في نظائر المقام ينتظر حين يسمع ، المثوبة الّتي نالها إبراهيم لأجل النجاح في معترك الامتحان ولا يتم ذلك إلاّ بإخراج الإمامة عن جملة تلك الأُمور ، وجعلها جزاءً لإتمامه الكلمات لامن الأُمور الّتي اختبر بها.
    وأمّا ما أيّد به الرازي نظره وقال : ثم إنّ الّذي يدلّ على أنّ المراد ذلك أنّه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف ، فلم يقل : فقال إنّي جاعلك للناس إماماً » بل قال : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) ، فدلّ على أنّ الابتلاء الوارد في الآية كان عبارة عن هذه الأُمور المذكورة.
    ففيه أنّ ( إذ ) في قوله سبحانه ( وإذ ابتلى ) ظرفية زمانية ، وليس مظروفه سوى قوله ( قال إنّي جاعلك ) ، ومفاد الآية هكذا : في الظرف الّذي ابتلي إبراهيم بكلمات وأتمّها ، قيل له إنّه منصوب للإمامة ، وعلى هذا لا حاجة للإتيان بحرف العطف « فاء » كانت أو غيرها.
    وبعبارة أُخرى : يريد سبحانه أن يقول : في هذا الظرف الكذائي الّذي ابتلاه الله بكلمات وهو أتمّها ، قال له سبحانه : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) وفي مثل المورد يكون العاطف مخلاً ، ولعل الرازي توهم أنّ إذ الظرفية متضمنة لمعنى الشرط ، وهو غير صحيح ، وليست هذه أوّل قارورة كسرها الرازي ، فله في تفسيره شطحات كثيرة يقف عليها السابر فيه ، خصوصاً فيما يرجع إلى العلوم العربية وتفسير كلمات القرآن ومفرداتها ، ولأجل ذلك قال أبو الوليد ابن الشحنة الحنفي الحلبي في روض


(357)
المناظرة في حوادث سنة 606 هـ : إنّ الرازي له اليد الطولى في العلوم خلا العربية. (1)
    الثاني : انّه زعم انّ اشتغال الخليل بالدعاء في حق النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دليل على إخلاصه وزوال الحسد من قلبه.
    وفيه : انّه لا شك في إخلاصه وطهارته من كل رذيلة خلقية ، لكن جعل هذا دليلاً عليه أشبه شيء بجعل الصباح دليلاً على وجود ضوء الشمس ، فإنّ العامة من الناس يقومون بذلك فضلاً عن الأكارم ، بالأنبياء؟ ولا يستدل أحد بهذا العمل على إخلاص الداعي وطهارته من الحسد خصوصاً إذا كان المدعو له يجيء بعده بقرون وبالأخص إذا كان من أولاده وأحفاده.
    ولعمر القارئ إنّه لو وقف عربي صميم خال ذهنه عن المناقشات الكلامية على هذه الآية ، لقضى بأنّه كان هناك ابتلاء من الله بالنسبة إلى نبيّه إبراهيم بعدّة أُمور ، وإنّ إبراهيم أتمهن فجزاه الله سبحانه بتشريفه بمقام الإمامة ، وأمّا ما هو المراد من الكلمات ، فهو من الأُمور الّتي يجب أن تطلب من التفحص حول ما ورد في حقه ( عليه السلام ) من الآيات ، ولا يخطر بباله أنّ الإمامة من جملة ما ابتلي به إبراهيم.
    2. المراد من الكلمات : الخصال العشر الّتي تسمّى خصال الفطرة ، وهي : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستشناق ، والسواك ، وفرق الرأس ، وتقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، والاستنجاء بالماء.
    هذا الرأي لا يقصر عن سابقه ، فإنّ القيام بهذه الأُمور ليس أمراً شاقاً حتى يبتلي الله بها أنبياءه ورسله ، بل يقوم بها كل إنسان بسهولة.
    1 ـ الغدير : 1 / 357 ط بيروت.

(358)
    3. المراد من الكلمات هو الخصال الثلاثون الّتي لم يبتل أحد بها قبله ، فأقامها الخليل ( عليه السلام ) كلّها فأتمهن فكتب له البراءة فقال تعالى : ( وَ إِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى ) وهي :
    عشرة في سورة براءة : ( اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ... ) (1) ، وعشرة في سورة الأحزاب : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ ... ) (2) ، وعشرة في سورة المؤمنون : ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ... ) (3) ، وعشرة في سورة المعارج : ( اَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ... * وَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) (4).
    ولا يخفى أن هذا أشبه شيء بالتفسير بالرأي ، وإنّما هو مجرّد استحسان ، ولم يدل دليل على كون المراد من الكلمات هذه الخصال الواردة في الآيات المباركة على أنّ الخصال أزيد من ثلاثين ، فلاحظ.
    4. المراد هو التكاليف الشاقة الملقاة على عاتق الخليل منذ شبابه إلى أُخريات أيامه ، يظهر ذلك بالرجوع إلى الآيات التالية الحاكية عن حياته ، من شبابه إلى شيخوخته : ( وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالَْيمِينِ *
    1 ـ التوبة : 112.
    2 ـ الأحزاب : 35.
    3 ـ المؤمنون : 2 ـ 9.
    4 ـ المعارج : 23 ـ 34.


(359)
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كيَدْاً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ * وَ قَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَم حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُني إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ إنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَ نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَ فَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم * وَ تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَ بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَ بَارَكْنَا عَلَيْهِ وَ عَلَى إِسْحَاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) (1).
    وهذه الآيات تصرّح بأنّ إبراهيم بطل التوحيد قد ابتلي منذ شبابه إلى شيخوخته بأُمور :
    1. أمره سبحانه بتحطيم الأصنام ، فقام بهذا العمل الخطير بحماس ورباطة جأش ، واستقبل رد فعل قومه وهو الإلقاء في النار ، بصلابة وقوّة عزيمة.
    2. أمره تعالى بترك الوطن وإلقاء الرحل في دار الغربة لنشر الدعوة ، فجاءه الوحي بأن يذهب بأهله وولده إلى واد غير ذي زرع ، فاستقبل الأمر ببشاشة وجه ، ونادى ربَّه بقوله : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِنْدَ بَيْتِكَ الُْمحَرَّمِ ) (2).
    3. أمره سبحانه بعمارة البيت ورفع قواعده وتطهيره ، وجاء به النص في قوله
    1 ـ الصافات : 83 ـ 113.
    2 ـ إبراهيم : 37.


(360)
سبحانه : ( وَ عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعَاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ ... * وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (1).
    4. أمره بذبح ولده ، فقام بامتثال الأمر على صعوبته البالغة برحابة صدر وتسليم لأمر الله ، بحيث حكى ذلك تعالى بقوله : ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ ... ).
    فالله سبحانه يصف القيامة بالأمر الأخير بقوله : ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ ). (2)
    وهذا التوصيف ( البلاء المبين ) وإن كان ناظراً إلى قيام إبراهيم بمحاولة ذبح الولد ، ولكنّه يشعر بأنّ بقية الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيم كانت أعمالاً تشابه ذلك من حيث المشقة ، وليست تلك الأعمال في حياة إبراهيم إلاّ ما تكفّلت تلك الآيات ببيانها.
    فعند ذلك قامت الحجة على أنَّ إبراهيم خالص من كل مزيج ، صفو من كل كدر ، فاستحق الارتقاء إلى منصب عال لم يرتق إليه أحد من قبله ، وهو منصب الإمامة.

3. المراد من الإتمام
    التمام في مقابل النقص ، ومعنى الإتمام إبلاغ الشيء إلى حد الكمال ، يقول سبحانه : ( وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) ، والمراد من إتمام الكلمات هو القيام بها
    1 ـ البقرة : 125 ـ 127.
    2 ـ الصافات : 106.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس