مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 391 ـ 400
(391)
    أمّا أوّلاً : فلأنّ الآية لمّا أخبرت عن إتمام الخليل (1) الكلمات الّتي ابتلي بها ، صار المقام أن يسأل عن ماذا قال ربّه حين أتمّ الكلمات ، اوفعل به عنده؟ فأُجيب بقوله : ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (2) ، فعدم الإتيان بالفاء ، لأجل كونه جواباً عن سؤال مقدّر يرد على الذهن عند الوقوف على قوله : ( وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ ) (3) ، وعلى ذلك فتكون الجملة استئنافية. وأمّا جعله بياناً لقوله : ( وَ إِذِ ابْتَلَى ) وتفسير له ، فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ; فقد عرفت بطلانه ، لأنّ ملاك الإمامة على هذا الفرض هي من الرسالة ، وقد كان الخليل رسولاً قبل نزول الآية بكثير.
    وثانياً : ماذكره من أنّ الإمامة في الآية عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب وإن كان صحيحاً (4) إلاّ أنّ الإفاضات على حسب اللياقات ، والعطايا الإلهية على حد الصلاحيات ، والمناصب المعنوية قيد مؤهلات وشروط ، بين ما هي خارجة عن حدود الاختيار غير قابلة للاكتساب ، وما هي داخلة فيها وقابلة له ، فالرسالة لا تفاض على الإنسان ارتجالاً بلا سبق مؤهلات وقابليات ذاتية أو مكتسبة ، وليست المناصب الإلهية غرضاً لكل هادف أو رمية لكل نابل ، وانّما يصل إليها الأمثل فالأمثل. نعم ، الله سبحانه : ( أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ، لكنّه لايجعل رسالته إلاّ في النفوس والأرواح الكاملة ، ذات الأرضيات الصالحة الذين يضرب بهم المثل في مجال الفضل والفضيلة ، ويشار إليهم بالبنان
    1 ـ البقرة : 134.
    2 ـ البقرة : 134.
    3 ـ من غير فرق بين كون الضمير في اتمّهنّ راجعاً إلى الخليل أو إلى الله سبحانه ، لما عرفت عند البحث عن « إتمام الكلمات » من أنّ الإتمام من جانب إبراهيم عبارة عن قيامه بها ، ومن جانبه سبحانه توفيقه لما أمر به وطلب منه ، فهنا فعل واحد ينسب إلى المباشر والسبب معاً ، فلو رجع إلى إبراهيم لصح ، لكونه الفاعل المباشر ، ولو رجع إلى الله لصح أيضاً لكونه السبب الموفق.
    4 ـ لكنه صحيح ، لأنّ تفسير الإمامة بالرسالة غير صحيح كما شرحناه.


(392)
بين الموصوفين بالمثل العليا والفضائل الكبرى.
    ثم إنّ كثيراً من هذه الصلاحيات وإن كانت خارجة عن إطار الاكتساب لكن بعضاً منها قابل له في ضوء المواهب الإلهية ، وكون الرسالة أمراً غير اكتسابي لا يلازم أن تكون جميع الأرضيات المصحّحة لإفاضتها ، أمراً خارجاً عن حد الاكتساب.
    وبهذا تبيّن انّه إذا كانت الرسالة رهن قيد وشروط ، فالإمامة أحرى وأحوج إليها من الرسالة ، لأنّ وظيفة النبي والرسول تتلخّص في تلقّي الوحي وإبلاغ الرسالة ولكن وظيفة الإمام هي تجسيد البرامج الإلهية وتحقيقها في المجتمع ، وسوقه إلى سعادة النشأتين وهي أصعب من وظيفة التبليغ.
    إنّ القيام بمسؤولية القيادة أشد وطأ من القيام بمسؤولية التبليغ والبيان ، وهي من أشكل الأُمور وأصعبها ، فلا يقوم بها إلاّ الإنسان الصبور أمام المصاعب والمشاكل ، الواصل إلى مقام الخلّة الّذي لا يرى في نفسه وذاته سوى حبه سبحانه ورضاه.
    نعم الابتلاء بالمشاكل ، والامتحان بأُمور صعبة أحد العوامل البنّاءة للشخصيات الإلهية ، وهناك عوامل أُخرى لبنائها وصنعها ، قد بيّنت في موضعها ، ولأجله لا يجب أن يكون كل إمام مبتلى بما ابتلي به إبراهيم ، وانّما الواجب الاتصاف بالمواهب الذاتية والفضائل الاكتسابية ، وغير ذلك من الأُمور المصححة لإفاضة منصب سياسة الأُمّة وتدبير أُمورها وإسعادها في الدارين.
    وباختصار : انّ الابتلاء ليس العامل الوحيد لإيجاد المؤهلات والصلاحيات ، بل هناك عامل أو عوامل تقوم مقام الابتلاء وتؤثر أثره ، ولأجل ذلك قد بلغ بعض الأئمّة المعصومين لدى الشيعة إلى القمة من الكمال والصلاح


(393)
من دون أن يتعرضوا للابتلاء ، وصاروا ذوي شخصية صلبة غير متزعزعة أمام الأحداث والنوائب ، وإن لم يقعوا في معرض الامتحان ، وذلك لما عرفت من أنّ الابتلاء ليس عاملاً وحيداً في تكوين الشخصيات العالية ، بل هناك عوامل أُخرى مكشوفة وغير مكشوفة مؤثرة في ذلك المضمار.
    أمّا المكشوفة : فمنها الوارثة والتربية والبيئة. والأئمّة المعصومون تربّوا في بيت رفيع عريق طاهر معروف بالصدق ، والوفاء ، والشجاعة والسماحة ، والغيرة والأمانة إلى غير ذلك من حميد الأخلاق ، وكان أجدادهم شرفاء ، كرماء ، ومن هذا المنطلق ورث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما في هذا البيت من الشرف والكمال ، فإذا كانت التربية عاملاً مؤثراً بنّاءً في مجال تكوين الشخصيات ، وموجبة لتفتح الكمالات المكنونة وازدهار كوامن النفوس ، فقد تربّوا في البيت النبوي تحت رعاية آبائهم المكرمين ، فورثوا المكارم من أجدادهم وأظهروا الكمالات برعاية آبائهم.
    وإذا كانت الوراثة والتربية والبيئة الصالحة من العوامل المكشوفة ، فهناك عوامل غير مكشوفة لبناء الشخصيات ، تساهم تلك العوامل في عملية تكوين الشخصيات الأصيلة ، ولأجل ذلك نرى بروز نوابغ في بعض البيوتات من دون أن يكون هناك أثر من العوامل البنّاءة المعروفة ، وما ذلك إلاّ لأنّ الإنسان ما أُوتي من العلم إلاّ قليلاً ، ولا يعلم من أسرار الحياة إلاّ ظاهرها وقليلها. (1) فهناك أسباب لتكون الشخصيات لم يعرفها الإنسان ولم يقف عليها ، وهذه العوامل مكشوفها وغير مكشوفها تخلّف الأرضية الصالحة لإفاضة منصب الإمامة ، بل العصمة مضافاً إلى عنايته سبحانه وحكمته البالغة فإنّ الأُمّة تحتاج إلى معلم بارع وهاد
    1 ـ إيماء إلى قوله سبحانه : ( وَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) ( الإسراء : 85 ) وقوله سبحانه : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( الروم : 7 ).

(394)
مصون من الزلل والخطأ ، ومقتضى لطفه وعنايته تقدير الأسباب المنتهية إلى تكوين شخصيات عالية صالحة ، لأن يكونوا أئمّة وأُسوة في الحياة وقدوة في القول والفعل.

5. هل حقق الخليل أهداف الإمامة؟
    وفي الختام يطرح هذا السؤال نفسه : إذا كان الهدف من تنصيب إبراهيم هو قيادة الأُمّة وتنظيم أُمورهم في الحياة فلسائل أن يسأل عن تحقّق تلك الغاية في حياة الخليل وعدمه ، وانّه هل ساعدته الظروف لقيامه بتلك الوظيفة الخطيرة أم لا؟
    الجواب : انّ حياة الخليل كحياة سائر الأنبياء محفوفة بالإبهام ، وما ورد في قصص الأنبياء لا يصحّ الركون إليه لأنّ أكثرها إسرائيليات أو مسيحيات ، وأمّا العهدان ، فقد لعب بهما الهوى ، وسرى إليهما التحريف ، فلا يصحّ الاعتماد على محتوياتهما ، ولأجل ذلك لايمكن إظهار النظر حول السؤال على وجه بات.
    والّذي يمكن أن يقال : إنّ القيادة وافتراض الطاعة وتنظيم أُمور الأُمّة بالأمر والنهي ذات مراتب ، وهي تختلف حسب اختلاف الظروف والإمكانيات ، وحسب اختلاف الأزمنة والحضارات ، فالقيادة البارزة الّتي أُتيحت للنبي أو لمن قبله من الأئمّة كداود وسليمان لم تكن متاحة ولا ممكنة في زمن الخليل ، لماعرفت من اختلاف القيادة باختلاف إمكانيات الظروف ، وازدهار الحضارات.
    ولكن القيادة بإحدى مراتبها كانت متاحة ومتحقّقة له ، وإلاّ يلزم لغوية جعل المنصب ، ولو لم يتسن له مثل ما تسنّى لسائر الأئمّة فليس لقصور في القاعدة وبرامجه ، بل لقصور في الظروف والأزمنة ، أو لتقصير في الأُمّة والتابعين ، أو غير ذلك.


(395)
دلائل إمامة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم )
    دلّت الآية الكريمة على أنّه سبحانه جعل إبراهيم إماماً للناس ، وقد سأل الخليل أن يجعل من ذريته أئمّة للناس ، فاستجاب سبحانه دعوته ، وصرّح بأنّها تنال غير الظالمين منهم ، والنبي الأعظم أفضل ذريته وأمثلهم ، فطبع الحال يتقضى أن يكون مشمولاً لدعاء جده ويكون إماماً كالخليل ، هذا من جانب.
    ومن جانب آخر ، قد استفاضت الآيات والروايات على أنّ النبي الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان له منصب الإمامة وراء النبوة والرسالة ، فهو بما أنّه كان يتلقّى الوحي ويبلغه كان نبياً ورسولاً ، ولم تكن له في هذا المجال أيّة طاعة وعصيان إلاّ بالعناية.
    وبما انّه كان قائداً وزعيماً للأُمّة في مختلف المجالات كان إماماً مفترض الطاعة ، وهو في هذا المقام صاحب أمر وبعث ونهي ، وزجر ونصب وعزل وقضاء وفصل وغزوة وسرية ، إلى غير ذلك من الأُمور الراجعة إلى إدارة المجتمع وسياسته ، وإليك بيان ما يثبت إمامته بوضوح ، وما يدل على ذلك من الآيات :
    1. ( النَّبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَ أُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهَاجِرِينَ ) (1) ، ومعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم ، أنّه أولى بهم منهم ، ومعنى الأولوية رجحان جانب النبي إذا دار الأمر بينه وبين غيره ، ويتحصّل من ذلك انّ ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة وإنفاذ الإرادة ، فالنبي أولى بذلك من نفسه ، فلو دار الأمر بين النبي وبين نفس المؤمن وما يرجع إليه ، كان جانب النبي أرجح من جانب المؤمن نفسه وما يتعلّق به.
    1 ـ الأحزاب : 6.

(396)
    فعلى ذلك يجب أن يكون النبي أحب إليه من نفسه وأكرم عنده منها ولو دعته نفسه إلى شيء والنبي إلى خلافه كان المتعيّن إجابة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وطاعته وتقديم أمر النبي على نفسه.
    وعلى ذلك فمقتضى الإطلاق ـ إطلاق الأولوية ـ انّ النبي أولى بهم فيما يتعلّق بالأُمور الدنيوية أو الدينية ، وهذا يمثل قمة الإطاعة له وذروة الإمامة والقيادة في جميع المجالات على أحسن وجه.
    نعم إذا أمر النبي بإخراج المؤمن عن نفسه ونفيسه ، فيجب عليه الخروج ، لأنّ النبي لا يأمر لغايات شخصية ، وإنّما يأمر لمصالح الإسلام والمسلمين ، ولا يتصوّر انّ الآية ، تهدف إلى جعله مستبداً بالحكم وتسلم زمام المجتمع بيد الفرد حتّى يتصرف فيه بما شاء هواه وأمرت به نفسه ، حاشا النبي الأعظم المسدّد أن تكون سيادته على أساس التسلّط الفردي والنفع الشخصي ، وانّما يتبع الوحي في حكمه وقضائه ويكون مصوناً بتسديد من الله عن الخطاء والزلل ، قال سبحانه : ( وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ) (1) ، وقال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ... وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (2).
    وقد كان بعض الصحابة يصر على اتّباع الرسول لآرائهم ، فرد الله عليهم بأنّ مقتضى الإيمان أن لا يتقدم المؤمن على الله سبحانه ورسوله ، ولو انّ الرسول اتّبع آراءهم ، لكانت عاقبة ذلك العنت والهلاك.
    1 ـ النجم : 3 ـ 4.
    2 ـ الحجرات : 1 ـ 7.


(397)
    2. ( وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِن وَ لاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (1) ، فقضاؤه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قضاء منه بولايته ، وفي الوقت نفسه قضاء من الله سبحانه ، لأنّه الجاعل لولايته والمنفّذ أمره ، وبما أنّه جعل الأمر الواحد « قضى » متعلّقاً لقضاء الله ورسوله معاً ، فهو يدل على أنّ المراد من القضاء التصرف في شؤون الناس في الأُمور الدنيوية والأُخروية ، لا القضاء بمعنى التشريع وجعل الأحكام ، لأنّه مختص بالله سبحانه. (2)
    وبالجملة ليس لأحد من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى الله ورسوله بالتصرّف في أمر من أُمورهم ، اختيار غير ما أراد الله ورسوله ، بل عليهم أن يتّبعوا قضاء الله ورسوله ، فالآية تمثّل أعلى مرتبة من الحكم للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومن المعلوم أنّ جعل قضاء الرسول كقضاء الله تابع لملاكات صحيحة تتّبع المصالح العامة فقط لا المصالح الشخصية.
    3. ( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لذِي الْقُرْبي وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (3).
    الآية تمثّل مقام ولاية النبي في تقسيم الفيء ، وانّه يجب على المؤمنين اتّباعه في كيفيته ، ولا يعترضوا عليه بشيء ، هذا من غير فرق بين تفسير الإيتاء في ( آتَاكُمُ ) بمعنى الأمر والبعث بقرينة قوله : ( وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) والمعنى ما أمركم الرسول فخذوه بالاتّباع والطاعة ، أو تفسيره بمعنى الإعطاء أي ما أعطاكم
    1 ـ الأحزاب : 36.
    2 ـ راجع الجزء الأوّل من هذه الموسوعة بحث التوحيد في التشريع والتقنين.
    3 ـ الحشر : 7.


(398)
الرسول من الفيء فخذوه ما نهاكم عنه ومنعكم فانتهوا ولا تطلبوه ، وذلك لأنّ موقف الآية إعطاء الضابطة في كل ما آتاه الرسول فيجب اتّباعه سواء أكان في مجال الفيء أم غيره بشهادة قوله في ذيل الآية : ( وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ، وكون المورد هو الفيء لا يوجب تخصيص الآية بها ، والرجوع إلى الآيات السابقة لهذه الآية يفيد بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يمثل مقام الإمامة والحكم ، وإليك الآيات السابقة :
    1. ( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَة أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ ).
    2. ( وَ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَ لاَ رِكَاب ).
    3. ( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لذِي الْقُرْبى )
    4. ( وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )
    فمجموع الآيات من بدئها إلى آخرها واردة في مجال الحكم والقضاء وانّ الله فوّض إدارة أُمور المسلمين إلى نبيه ، وأمرهم بالأخذ بما آتى والانتهاء عمّا نهى ، وبهذا المعنى صرّحت الأحاديث المروية عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فقال الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في تفسير الآية : « ثم فوّض إليه أمر الدين يسوس عباده فقال : ( وَ مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) انّ الرسول كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس ولايزل ولا يخطأ في شيء ممّا يسوس به الخلق ». (1)
    وقال ( عليه السلام ) أيضاً : « إنّ الله عزّ وجل فوّض إلى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم » ثم تلا هذه الآية. (2)
    1 ـ الكافي : 1 / 266 ، باب التفويض إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من كتاب الحجة.
    2 ـ نفس المصدر.


(399)
    والمراد من تفويض أمر خلقه ، إمضاؤه تعالى ما يأمر به وينهى عنه ، وافتراض طاعته وإمضاء ولايته في أمر الناس.
    نعم التفويض بمعنى سلبه تعالى ما أثبته للنبي عن نفسه ، فمستحيل كما قرر في محله.
    4. انّ هناك آيات كثيرة تتجاوز عشرين آية تفرض طاعة الرسول على الأُمّة ، فيجب إمعان النظر فيما هو المراد من هذه الفريضة ، فنقول :
    الرسول بما هو رسول وبما هو واسطة لإبلاغ كلامه سبحانه إلى الناس ليس له أمر ونهي حتّى تفترض له الطاعة ، بل هو في ذلك مبلّغ لرسالات الله ومذكر بآياته وليست له سلطة وسيطرة ، قال سبحانه : ( إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر ) (1) ، غير انّ الرسول إذا كان له مع الرسالة منصب الحكم وحق الأمر والنهي في تدبير المجتمع وتجسيد الشريعة يكون له حق الطاعة وعلى الأُمّة فرض الاقتفاء ، والآيات التالية تشير إلى ذلك النوع من الطاعة حيث يقول سبحانه : ( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ). (2)
    فترى أنّه سبحانه يعطف طاعة الرسول على طاعته ، لكن بتكرار الفعل مشيراً إلى أنّ له طاعة خاصة وإن كانت في طول طاعة الله ومشتقة منها ، وقال سبحانه : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (3).
    يقول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تفسير الآية : « فقرن طاعته بطاعته ،
    1 ـ الغاشية : 21 ـ 22.
    2 ـ النساء : 59.
    3 ـ النساء : 80.


(400)
ومعصيته بمعصيته ، وكان ذلك دليلاً على ما فوّض إليه ، وشاهداً على من اتّبعه وعصاه ، وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم ». (1)
    فالرجوع إلى الآيات الواردة فيها طاعة الرسول يوقفك على جلاء الحال.

الإمامة في الأحاديث الإسلامية
    قد عرفت أنّ الإمامة الّتي أُفيضت على الخليل كانت عبارة عن حكمه بين الناس وتدبيره أُمورهم ، وقد استظهرنا ذلك من سائر الآيات الواردة في هذا المضمار والأحاديث الإسلامية تدعم ذلك المعنى بوضوح وتفسر الآية على النحو الّذي فسرناه.
    قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « والإمامة نظاماً للأُمّة والطاعة تعظيماً للإمامة » (2).
    وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « اتّقوا الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ». (3)
    وقال الإمام الثامن علي الرضا ( عليه السلام ) : « إنّ الإمامة زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا ، وعز المؤمنين ». (4)
    وقال ( عليه السلام ) أيضاً : « الإمام يحلّل حلال الله ، ويحرّم حرامه ، ويقيم حدود الله ،
    1 ـ نور الثقلين : 1 / 431.
    2 ـ نهج البلاغة : قسم الحكم ، برقم 252. وقد جاء في المطبوع من نهج البلاغة بمصر بشرح الشيخ محمد عبده : « الأمانات » مكان « الإمامة ». وهو اشتباه محض وقد تبعه صبحي الصالح في الاشتباه.
    3 ـ وسائل الشيعة : 18 / 7 ، كتاب القضاء ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 3.
    4 ـ الكافي : 1 / 200 ، كتاب الحجة ، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس