مفاهيم القرآن ـ جلد الثامن ::: 221 ـ 230
(221)
    ولكن بعض الآيات تشير إلى أنّ المحاسب هو نفس الإنسان من خلال قراءة كتابه الّذي ( لا يُغادِرُ صَغيرة وَلا كَبيرة إِلاّ أَحصاها ) (1) ، قال سبحانه : ( وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقه وَنخرج لَهُ يَومَ القِيامَة كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * إِقْرأ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوم عَلَيْكَ حَسيباً ). (2)
    إِلاّ أنّ هذه الآيات لا تعارض الآيات الآنفة الذكر ، لأنّ حساب العباد أنفسهم في طول محاسبته سبحانه لأعمالهم ، فانّ الكتاب الذي في عنق الإنسان مكتوب بأمره سبحانه ، وهو أيضاً قارئ بأمره ، فلا تكون تلك المحاسبة مغايرة لمحاسبته سبحانه.
    وأمّا الروايات فطائفة منها تؤيد الأوّل.
    قال أمير المؤمنين في حقّ عائشة : « وأمّا فلانة فأدركها رأي ( رائحة ) النساء ، وَضِغنٌ غلا في صدرها كَمِرْجَلِ القَيْنِ ، ولو دعيت لِتَنالَ من غيري ما أتت إليَّ ، لم تفعل ، ولها بعد حرمتها الأُولى. والحساب على اللّه تعالى ». (3)
    والظاهر من بعض الروايات انّه سبحانه فوض أمر الحساب إلى أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
    روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، انّه قال : إذا كان يوم القيامة وكلنا اللّه بحساب شيعتنا. (4)
    وقد ورد في تفسير قوله سبحانه : ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابهم ) (5) انّ الإمام
1 ـ الكهف : 49.
2 ـ الأسراء : 13 ـ 14.
3 ـ نهج البلاغة : الخطبة156 ، ط صبحي الصالح.
4 ـ البحار : 7/264.
5 ـ الغاشية : 26.


(222)
الصادق ( عليه السلام ) قال : « إذا كان يوم القيامة جعل اللّه حساب شيعتنا إلينا ». (1)
    وفي الزيارة الجامعة قوله : « وََإِيابُ الخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسابهُ عَلَيْكُمْ ».
    ولو صحت تلك الروايات فلا تنافي حصر الحساب في اللّه سبحانه ، لأنّ محاسبتهم لحسنات شيعتهم أو ذنوبهم بأمر من اللّه سبحانه ، فكما أنّ الملائكة لو قامت بحساب الأعمال بأمر من اللّه سبحانه لم يكن مخالفاً لحصر الحساب فيه سبحانه ، وكذا غيرهم ممن لهم مقام شامخ يوم القيامة ولنبينا مقام محمود آتاه اللّه له فهو يشفع بإذن اللّه سبحانه لمن ارتضاه.

3. ما هي الأعمال التي يحاسب عليها ؟
    الآيات الواردة في هذا الصدد على صنفين :
    أ. ما يدل على أنّه يسأل عن عامّة الأفعال ، قال سبحانه :
    ( وَلَتُسئلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُون ). (2)
    ( لا يُسئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسئَلُون ). (3)
    ( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور ). (4)
    ( يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشتاتاً لِيُروا أَعمالَهم ). (5)
1 ـ البحار : 7/274.
2 ـ النحل : 93.
3 ـ الأنبياء : 23.
4 ـ الزمر : 7.
5 ـ الزلزلة : 6.


(223)
    ب. ما يدل على أنّه يسأل عن بعض الأُمور ، وهذه الأُمور عبارة عن :
    ـ النعم الإلهية : قال سبحانه : ( ثُمَّ لَتُسئَلُنَّ يَومَئِذ عَنِ النَّعيم ) (1) ويمكن عدّ هذه الآية من الصنف الأوّل الذي دل على أنّ السؤال يتعلّق بجميع النعم ، لأنّ كلّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال حسناً كان أم قبيحاً ، حلالاً أو حراماً ، إنّما هو تصرف في نعمه سبحانه ، فالسؤال عن النعم سؤال عن جميع الأفعال.
    ـ القرآن الكريم : قال سبحانه : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ فَسَوفَ تُسْأَلُونَ ). (2)
    وقال أيضاً : ( الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُون ). (3)
    ـ الشهادة : قال سبحانه : ( سَتُكْتَبُ شَهادتهُمْ ويُسْأَلُون ). (4)
    ـ المؤودة : قال سبحانه : ( وَإِذا المؤودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ ). (5)
    ـ الكذب والتهمة : قال سبحانه : ( تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تفترون ). (6)
    ـ الصدق : قال سبحانه : ( لِيَسْئَلَ الصادِقينَ عَنْ صِدقِهِمْ وَأَعدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ). (7)
    غير انّ تخصيص هذه الأُمور بالسؤال عنها لا ينافي تعلّق السؤال بعامّة
1 ـ التكاثر : 8.
2 ـ الزخرف : 44.
3 ـ الحجر : 91 ـ 93.
4 ـ الزخرف : 19.
5 ـ التكوير : 8 ـ 9.
6 ـ النحل : 56.
7 ـ الأحزاب : 8.


(224)
الأفعال ، فكأنّها من باب ذكر الخاص بعد العام.
    وقد نشاهد هذا النوع من التقسيم في الروايات ، حيث ورد فيها تعلّق السؤال بأُمور خاصة.
    فصنف يدل على تعلّق السؤال بعامة الأفعال.
    قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم ». (1)
    وكتب ( عليه السلام ) إلى بعض عمّاله الذي خانه واستولى على بيت المال وذهب به إلى الحجاز : « فكأنّك قد بلغت المَدَى ، ودفنت تحت الثرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحلِّ الذي ينادي الظّالم فيه بالحسرة ، ويتمنّى المضيّع فيه الرجعة ، ولات حين مناص ». (2)
    وصنف آخر يخصص السؤال ببعض الأُمور.
    ويستفاد من جملة من الأخبار انّ الأُمور التالية يُسأل عنها بعينها :
    1. التوحيد ، 2. النبوة ، 3. الولاية ، 4. القرآن الكريم ، 5. محبة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، 6. الصلاة ، 7. عمر الإنسان ، 8. شبابه ، 9. أعضاؤه ، 10. الثروة ، التي اكتنزها ، وفي أي شيء صرفها.
    روى الصدوق في الخصال والأمالي بسنده عن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) عن آبائه ، قال : « قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وشبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت ». (3)
1 ـ نهج البلاغة : قسم الحكم ، برقم 6.
2 ـ نهج البلاغة : قسم الرسائل ، برقم 41.
3 ـ البحار : 7/58 ، باب محاسبة الأعمال ، الحديث 1.


(225)
    روى المفيد بسنده عن ابن عيينة ، قال : سمعت أبا عبد اللّه ( عليه السلام ) ، يقول : « ما من عبد إلاّ وللّه عليه حجّة ، إمّا في ذنب اقترفه ، وإمّا في نعمة قصّرعن شكرها ». (1)
    روى الشيخ في التهذيب ، عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : « أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها ». (2)
    روى الصفار في بصائر الدرجات ، عن أبي شعيب الحداد ، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : « قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أنا أوّل قادم على اللّه ، ثمّ يقدم عليَّ كتاب اللّه ، ثمّ يقدم عليَّ أهل بيتي ، ثمّ يقدم عليَّ أُمّتي فيقفون فيسألهم في كتابي وأهل بيت نبيكم ». (3)
    روى القمي في تفسيره ، عن جميل ، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : قلت قول اللّه ( لتسألنَّ يومئذ عن النعيم ) ، قال : « تسأل هذه الأُمّة عمّا أنعم اللّه عليهم برسول اللّه ، ثمّ بأهل بيته ». (4)
    روى الصدوق في عيون أخبار الرضا ، عن الرضا ( عليه السلام ) أنّه قال : « قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا علي! إنّ أوّل ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وأنّك وليُّ المؤمنين بما جعله اللّه وجعلته لك ، فمن أقرَّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له ». (5)

النعم الدنيوية والسؤال عنها
    إنّ الروايات الواردة في هذا المقام على أصناف :
1 ـ البحار : 7/262 ، باب محاسبة الأعمال ، الحديث 13.
2 ـ المصدر نفسه ، الحديث 33.
3 ـ المصدر نفسه ، الحديث 22.
4 ـ المصدر نفسه ، الحديث 39.
5 ـ المصدر نفسه ، الحديث41.


(226)
    1. ما دلّ على أنّ النعم الدنيوية يُسأل عن حلالها وحرامها ، قال أمير المؤمنين : « ما أصف من دار أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ». (1)
    2. ويُسأل عن كلّ شيء حتى البقاع والبهائم ، قال الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « اتّقوا اللّه في عباده وبلاده ، فانّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ، أطيعوا اللّه ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوا به ، وإذا رأيتم الشرّ فأعرضوا عنه ». (2)
    3. يُسأل عن كلّ شيء سوى ما صرف في سبيل اللّه ، قال : « كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل اللّه ». (3)
    4. لا يُسأل عن الطعام الذي أكله ، والثوب الذي لبسه ، والزوجة الصالحة ، قال الصادق ( عليه السلام ) : « ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهنَّ; طعام يأكله ، وثوب يلبسه ، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه ». (4)
    هذه هي الروايات الواردة في المقام.
    أمّا الأُولى والثانية فتدلاّن على سعة المسؤولية حتى يُسأل عن البقاع المتروكة والبهائم المرسلة في البيداء.
    وأمّا الثالثة فلأنّ عدم السؤال عمّا صرف في سبيل اللّه ، فهو أمر مرغوب إليه لا حاجة إلى السؤال. وأمّا عدم السؤال عن المأكل والملبس وغيرهما التي تعد من لوازم الحياة فلكرمه سبحانه على عباده ، وتكون النتيجة السؤال عن كلّ شيء إلاّ ما صرف في سبيل اللّه أو ما تتوقف عليه ضرورة الحياة.
1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 82.
2 ـ نهج البلاغة : الخطبة 167.
3 ـ البحار : 7/261 ، الباب الحادي عشر من كتاب العدل والمعاد ، الحديث 10.
4 ـ المصدر نفسه : الحديث23.


(227)
4. هل الحساب يعمّ الجميع ؟
    هل الحساب يعمّ جميع أفراد الإنسان حتى الأنبياء والمرسلين ، وكلّ من وضع عليه قلم التكليف أم لا ؟ فالآيات الواردة في هذا المجال على أصناف :
    أ. ما دلّ على أنّ السؤال يعمّ الجميع حتى العلماء والصديقين ، قال سبحانه : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ). (1)
    وهذه الآية أوضح ما في الباب في عموم السؤال ، ويؤيده ما روي عن أمير المؤمنين ، انّه قال : « وذلك يوم يجمع اللّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال ». (2)
    ب. ما دلّ على أنّ السؤال مرفوع عن الجميع ، قال سبحانه : ( فَيَوْمَئِذ لا يُسأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جان ). (3)
    وقال : ( ولا يُسأَلُ عَنْ ذُنُوبهِمُ المُجْرِمُون ). (4)
    ج. ما دلّ على سؤال المجرمين ، قال سبحانه : ( احْشُرُوا الّذينَ ظَلَمُوا وَأَزواجَهُم وَما كانُوا يعبدُون * مِنْ دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُون ). (5)
    د. ما دلّ على أنّ الصابرين يجزون بلا حساب ، قال سبحانه : ( قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذينَ أَحْسَنُوا في هذِِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ إِنَّما
1 ـ الأعراف : 6.
2 ـ نهج البلاغة : الخطبة 102.
3 ـ الرحمن : 39.
4 ـ القصص : 78.
5 ـ الصافات : 22 ـ 24.


(228)
يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرهُمْ بِغَيْرِ حِساب ). (1)
    فهل كلمة ( بغير حساب ) قيد للفعل ، بمعنى يوفّى الصابرون بغير حساب ؟ أو قيد لقوله : أجرهم ، أي يوفّى الصابرون أجراً هو بغير حساب ؟
    فعلى الأوّل : فالصابرون غير مسؤولين أبداً ، فانّ من يوفّى أجره توفية بغير حساب فهو يلازم عدم المحاسبة إذ لو كان هناك حساب لكانت التوفية بمقداره.
    روى العياشي ، عن عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان » ، ثمّ تلا هذه الآية : ( إِنَّما يُوَفَّى الصابِرُونَ أَجْرهُمْ بِغَيْرِ حِساب ). (2)

الحساب التكويني والتدويني
    يُصنّف الحساب إلى تكويني وتدويني ، والمراد من الأوّل أنّ عالم الكون خلق على نظم خاصة لا تتخلف ، فحركة الشمس والقمر ، بزوغ النجوم وأفولها ، مهبّ الرياح وهبوط الأمطار ، واخضرار الأشجار ، إلى غير ذلك من الآيات الكونية ، قد خلقت على نظام معين ، يقول سبحانه : ( اَلشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبان ) (3) ، ( وَالشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيز الْعَلِيم ). (4)
    وليس هذا من خصائص الظواهر الطبيعية فحسب ، بل تتعدّاها إلى الحوادث الاجتماعية التي لها ارتباط وثيق بحياة الإنسان والمجتمع.
1 ـ الزمر : 10.
2 ـ مجمع البيان : 4/492.
3 ـ الرحمن : 5.
4 ـ يس : 38.


(229)
    وهذه هي التي يعبر عنها القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات :
    قال سبحانه : ( سُنَّةَ اللّهِ فِي الَّذِينَ خَلَواْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْديلاً ) (1). (2)
    فكلّ ما يصدر من الإنسان من الأعمال الحسنة والسيئة فهو ذو تأثير على مصير الفرد والمجتمع يسوقهما إلى السعادة والتكامل أو إلى الشقاء والانحطاط ، أو إلى غير ذلك من الآثار.
    بل تؤثر في الحياة الأُخروية ومصير الإنسان فيها ، ولذلك قالوا : الدنيا مزرعة الآخرة ، فما يزرعه فيها يحصده في الدار الآخرة.
    وعلى ضوء ذلك فلو كان المراد من الحساب المحاسبة التكوينية ، فالأعمال كلّها تُحاسب بمعنى انّها تؤثر في مصير الإنسان وحياته الأُخروية حسنها وسيّئها ولا يغادر فعل في ذلك المقام.
    ولأجل ذلك يفترق الإنسان إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. لأجل جزاء أعماله ولا يتطرق التخصيص إلى المحاسبة الكونية ، فانّ التكوين لا يقبل التخصيص.
    هذا كلّه حول الحساب التكويني ، وأمّا الحساب التدويني فهو أمر راجع إلى الأفراد والحكومات ، فكلّ فرد يوازن بين دخله ومصرفه كما تفعل ذلك كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية والمالية وغيرها.
    وهل الحساب في الدار الآخرة بهذا النحو الذي يمارسه الإنسان في دار الدنيا فتفتح الدواوين والكتب التي هي اضبارة لأعماله فتجمع الحسنات في
1 ـ الأحزاب : 62.
2 ـ ولاحظ فاطر : 43;غافر : 85; الفتح : 23; الإسراء : 77.


(230)
قائمة والسيّئات في قائمة أُخرى ثمّ يوازن بينها فإن رجحت حسناته على سيئاته ، فيعطى كتابه بيمينه ، وإن رجحت سيئاته على حسناته يعطى كتابه بشماله ، قال سبحانه :
    ( فَأمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ * فَسَوفَ يُحاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ). (1)
    ( وَأَمّا مَنْ أُوتيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كتابِيَه ). (2)

دراسة الآيات السالفة الذكر
    إنّ الاختلاف في شمولية الحساب وعدمها راجع إلى الحساب التدويني ، وأمّا الحساب التكويني فشموليته أمر لا خلاف فيه ، لأنّ مرجع الحساب التكويني يعود إلى الآثار الواقعية للعمل التي لا تنفك عنه ، ولذلك يعم الجميع من دون فرق بين صالح وصالح أو طالح وطالح.
    إنّما الكلام في شمولية الحساب التدويني بالمعنى الذي عرفت ، فقد مرّ أنّ بعض الآيات تثبت الشمولية لكافة الناس دون فرق بين الرسول والذين أرسل إليهم. (3)
    كما أنّ بعض الآيات تنفي السؤال عن الإنس والجن (4) الذي يلازم نفي الحساب عنهم ، فما هو وجه الجمع بين الطائفتين ؟
    وقد اختلفت كلمة المفسرين في الجمع بين الآيات بوجوه :
    الأوّل : انّ الآيات النافية للسؤال لا تنفيه بتاتاً ، بل تنفي السؤال على غرار
1 ـ الانشقاق : 7 ـ 8.
2 ـ الحاقة : 25.
3 ـ لاحظ الأعراف : 6.
4 ـ لاحظ الرحمن : 39.
مفاهيم القرآن ـ جلد الثامن ::: فهرس