مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: 51 ـ 60
(51)
سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ) فلا يبصرون طريق الرشد ( فَأَخذتهُم الصَّيحة ) أي الصوت الهائل ( مشرقين ) أي في حال شروق الشمس.

    المقسم به
     المقسم به هو عبارة عن العمر ، أعني في قوله : « لعمرك » يقول الراغب : العَمر والعُمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة ، فإذا قيل طال عمره فمعناه عمارة بدنه بروحه ، إلى أن قال : والعَمر والعُمر واحد لكن خصَّ القسم بالعَمر دون العُمر ، كقوله سبحانه : ( لَعَمْرُكَ انَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ).
     وأما العُمُر فكما في قوله سبحانه : ( فطالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُر ) ، وفي آية أُخرى : ( لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُركَ سِنين ).
     فاللفظان بمعنى واحد لكن يختص القسم بواحد منهما. (1)

    المقسم عليه
     هو قوله : ( انَّهُمْ لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون ) ، والمراد أقسم بحياتك وبقائك يا محمد ، انّهم لفي سكرتهم وانغمارهم في الفحشاء والمنكر متحيرين لا يبصرون طريق الرشد.

    وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه.
     قال ابن عباس : ما خلق اللّه عزّوجلّ وماذرأ ولا برأ نفساً أكرم عليه من محمد ، وما سمعت اللّه أقسم بحياة أحد إلاّ بحياته فقال لعمرك. (2)
1 ـ المفردات : 347 ، مادة عمَر.
2 ـ مجمع البيان : 3/342.


(52)
     وجه الصلة أنّه سبحانه بعث الأنبياء عامة ، والنبي الخاتم خاصة لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة وإيقاظهم من السكرة التي تعمُّ الناس ، وبما أنّ القوم كانوا في سكرتهم يعمهون وفي ضلالتهم مستمرون ، حلف سبحانه تبارك وتعالى بعمر النبي الذي هو مصباح الهداية والدليل إلى الصراط المستقيم.

    المقام الثاني : الحلف بوصف النبي وأنّه شاهد
     حلف القرآن الكريم في سورة البروج بالشاهد والمشهود ، وقال : ( وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُروج * وَالْيَومِ المَوعُودِ * وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحابُ الأُخدُود ). (1)
    أمّا المشهود فسيوافيك في فصل القسم في سورة القيامة انّ المراد منه يوم القيامة بشهادة ، قوله سبحانه : ( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ) (2)
    إنّما الكلام في الشاهد ، فالمراد منه هو النبي الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بشهادة أنّه سبحانه وصفه بهذا الوصف ثلاث مرّات ، وقال :
     ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ). (3)
     ( انّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ ). (4)
     ( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ). (5)
    والآيات صريحة في حقّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفي بعض
1 ـ البروج : 1 ـ 4.
2 ـ هود : 103.
3 ـ الأحزاب : 45.
4 ـ المزمل : 15.
5 ـ الفتح : 8.


(53)
الآيات عرّفه بأنّه ( شهيداً ) ، ويقول : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ). (1)
     ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هوَلاء ). (2)
     هذه الآيات تعرب عن أنّ المقسم به هو النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما انّه شاهد على أعمال أُمّته وشهيداً عليها.
     سئل الحسن بن علي ( عليهما السلام ) عن معنى الشاهد والمشهود في قوله سبحانه : ( وشاهدٍ وَمَشْهُود ) ؟ فقال : أمّا الشاهد فمحمد « صلى الله عليه وآله وسلم » ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته يقول : ( إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً ) ، وقال تعالى : ( ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاس وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود ). (3)

    معنى الشهادة وكيفية شهادة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
     أمّا الشهادة فقد فسرها الراغب وقال : الشهود والشهادة ، الحضور مع المشاهدة امّا بالبصر أو بالبصيرة ، وقد يقال للحضور مفرداً عالم « الغيب والشهادة » وقد نقل القرآن شهادة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على قومه يوم القيامة ، فقال : ( يا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآنَ مَهْجُوراً ). (4)
    هذه حقيقة قرآنية في حقّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغيره ولا
1 ـ البقرة : 143.
2 ـ النحل : 89.
3 ـ البحار : 1/13.
4 ـ الفرقان : 30.


(54)
يمكن إنكارها للتصريح بها في غير واحد من الآيات ، قال تعالى : ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئْنا بِكَ على هوَُلاءِ شَهيداً ). (1) وقال تعالى : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُوَذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُون ) (2)
     وقال عزّ اسمه : ( وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداء ). (3)
    والشهادة فيها مطلقة ، وظاهر الجميع ـ على إطلاقها ـ هو الشهادة على اعمال الأُمم ، وعلى تبليغ الرسل كما يومىَ إليه ، قوله تعالى : ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرسَلين ). (4)
    وظرف الشهادة وإن كان هو الآخرة لكن الشهداء يتحملوها في الدنيا. قال سبحانه : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ). (5)
    وعلى ضوء ذلك يثار هذا السوَال في الذهن ، وهو :
     إنّ الشهادة من الحضور ولم يكن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ظاهراً مع جميع الأُمة بل كان بمعزل عنهم إلاّ شيئاً لا يذكر ، فكيف يشهد وهو لم يحضر الواقعة أي أفعال أُمّته قاطبة؟
     وهناك إشكال آخر أكثر غموضاً وهو : انّ الشهادة على ظاهر الأعمال ليست مفيدة يوم القيامة ، بل الشهادة على باطن الأعمال من كون الصلاة للّه أو للرياء
1 ـ النساء : 41.
2 ـ النحل : 84.
3 ـ الزمر : 69.
4 ـ الأعراف : 6.
5 ـ المائدة : 117.


(55)
وللسمعة ، وانّ إيمانه هل كان إيماناً نابعاً من صميم ذاته ، أو نفاقاً لأجل حطام الدنيا ، فهذا النوع من الأعمال لا يمكن الشهادة عليها حتى بنفس الحضور عند المشهود عليه؟
     وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ لشهداء الأعمال عامة والنبي الخاتم خاصة قدرة غيبية خارقة يطّلع من خلالها على أعمال العباد ظاهرها وباطنها وذلك بقدرة من اللّه سبحانه ، وعلى ذلك فهذه الشهادة عبارة عن الاطلاع على أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء ، وانقياد وتمرّد ، وإيمان وكفر ، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد اللّه من كلّ شيء حتى من أعضاء الاِنسان ، وعند ذلك يقوم النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » ويقول : ( يا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآن مَهْجُوراً ).
     فإذا كانت الشهادة بهذا المعنى فلا ينالها إلاّ الأمثل فالأمثل من الأُمّة ، لا الأُمة بأسرها ، وعلى ضوء ذلك فيكون المراد من قوله سبحانه : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً ) (1) هم الكاملين من الأُمّة لا المتوسطين وما دونهم.
     وأمّا نسبة الشهادة إلى قاطبة أُمّة النبي ، في قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسطاً ) فليس بشيء بديع ، إذ ربّما يكون الوصف لبعض الأُمّة وينسب الحكم إلى جميعهم ، كما في قوله سبحانه في حقّ بني إسرائيل : ( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) على الرغم من أنّ الملوك فيهم لم يكن يتجاوز عددهم عدد الأصابع.
     وثمة حديث منقول عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير قوله تعالى : ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً ) يوَيد هذا
1 ـ البقرة : 143.

(56)
المعنى « الشهادة للأمثل » : « فإن ظننت أنّ اللّه عني بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين ، أفترى انّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ، ويقبلها منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟ كلا : لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه ، يعني الأُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم ( كنتم خير أُمّة أُخرجت للناس ) وهم الأُمّة الوسطى ، وهم خير أُمّة أُخرجت للنّاس ». (1)

    الحلف بالنبي كناية
     ربّما يحلف القرآن الكريم بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كناية ، قال سبحانه : ( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَد * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَد * وَوالدٍ وَما وَلَد * لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنْسانَ في كَبَد ). (2)
    والحِلُّ بمعنى المقيم وكأنّه سبحانه يقول : وأنت يا محمد مقيم به ، وهو محلك وهذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حلّبه وهو الرسول الداعي إلى توحيده ، وإخلاص عبادته ، وبيان أنّ تعظيمه له وقسمه به لأجله ولكونه حالاً فيه ، كما سميت المدينة طيبة لأنّها طابت به حيّاً وميتاً. (3)
    وكأنّ الآية تشير إلى المثل المعروف شرف المكان بالمكين ، وانّقداسة مكة والداعي إلى الحلف بها هو احتضانها للنبي يقول العلاّمة الطباطبائي : والحل مصدر كالحلول بمعنى الاِفاضة والاستقرار في مكان ، والمصدر بمعنى الفاعل ، والمعنى : أقسم بهذا البلد ، والحال انّك حال به مقيم فيه ، وفي ذلك تنبيه على تشرّف مكة بحلوله فيها وكونها مولده ومقامه. (4)
1 ـ الميزان : 1/332.
2 ـ البلد : 1 ـ 4.
3 ـ مجمع البيان : 10/492.
4 ـ الميزان : 20/289.


(57)
    الفصل الرابع
القسم بالقرآن الكريم
     القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الذي أنزله سبحانه على رسوله ليكون للعالمين نذيراً ، وبما أنّ القرآن كتاب هداية للناس ، فقد نال من الكرامة بمكان حلف به سبحانه فتارة بلفظ « القرآن » وأُخرى بلفظ « الكتاب ».
     فقد حلف بالقرآن في ثلاث آيات :
     ( يس * وَالقُرآنِ الحَكيم * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * على صراطٍ مُسْتَقيم ). (1)
( ص وَالقُرآنِ ذي الذِّكْر * بَلِ الَّذينَ كَفَرُوا في عِزَّة وَشِقاق * كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلهِِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوا وَلاتَ حينَمَناص * وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّاب * أَجَعلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنّ هذا لشيءٌ عُجاب ). (2)
     ( ق وَالقُرآنِ المَجيد * بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الكافِرُونَ هذا شَيءٌ عَجيب ). (3)
1 ـ يس 1 ـ 4.
2 ـ ص : 1 ـ 5.
3 ـ ق : 1 ـ 2.


(58)
كما حلف سبحانه بلفظ الكتاب مرّتين ، وقال :
     ( حم * وَالكِتاب الْمُبين * إِنّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ * فِيها يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيم * أَمراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرسِلين ). (1)
     ( حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكيمٌ ). (2)
    وقبل الخوض في تفسير الآيات نذكر أُموراً :
     الأوّل : انّه سبحانه صدّر هذه الأقسام بالحروف المقطعة كما هو واضح ، وهذا يوَيد أنّ كلمة يس من الحروف المقطعة ، والحروف المقطعة عبارة عن الحروف التي صدّر بها قسم من السور يجمعها قولنا : « صراط علي حق نمسكه » وعند التحليل يرجع إلى :
     ا ، ح ، ر ، س ، ص ، ط ، ع ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، هـ ، ي.
     والعجب أنّ هذه الحروف هي نصف الحروف الهجائية.

    الثاني : ما هو المراد من الحروف المقطعة؟
     افتتح القرآن الكريم قسماً من السور بحروف مقطعة أعني السور التالية :
     1. البقرة ، 2. آل عمران ، 3. الأعراف ، 4. يونس ، 5. هود ، 6. يوسف ، 7. الرعد ، 8. إبراهيم ، 9. الحجر ، 10. مريم ، 11. طه ، 12. الشعراء ، 13. النمل ، 14.
1 ـ الدخان : 1 ـ 5.
2 ـ الزخرف : 1 ـ 4.


(59)
القصص ، 15. العنكبوت ، 16. الروم ، 17.لقمان ، 18. السجدة ، 19. يس ، 20. ص ، 21. غافر ، 22. فصلت ، 23. الشورى ، 24. الزخرف ، 25. الدخان ، 26. الجاثية ، 27. الأحقاف ، 28. ق ، 29. القلم.
     فهذه السور التي يبلغ عددها 29 سورة افتتحت بالحروف المقطعة.
     وقد تطرق المفسرون إلى بيان ما هو المقصود من هذه الحروف. وذكروا وجوهاً كثيرة نقلها فخرالدين الرازي في تفسيره الكبير تربو على عشرين وجهاً. (1)
    وها نحن نقدم المختار ثمّ نلمح إلى بعض الوجوه.

    إلماع إلى مادة القرآن
     إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره ، وادعى أنّهذا الكتاب ليس من صنع البشر بل من صنع قدرة إلهية فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيِّ إنسان ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغ.
     ثمّ إنّه أخذ يورد في أوائل السور قسماً من الحروف الهجائية للاِلماع إلى أنّ هذا الكتاب موَلف من هذه الحروف ، وهذه الحروف هي التي تلهجون بها صباحاً ومساءً فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْعي فاصنعوا مثله ، لأنّ المواد التي تركب منها القرآن كلّها تحت أيديكم واستعينوا بفصحائكم وبلغائكم ، فإن عجزتم ، فاعلموا أنّه كتاب منزل من قبل اللّه سبحانه على عبد من عباده بشيراً ونذيراً.
     وهذا الوجه هو المروي عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهو خيرة جمع من المحقّقين ، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذا المقام :
     أ : روى الصدوق بسنده عن الاِمام العسكري ( عليه السلام ) ، انّه قال : « كذبت
1 ـ تفسير الفخر الرازي : 2/5 ـ 8.

(60)
قريش واليهود بالقرآن ، وقالوا : هذا سحر مبين ، تقوّله ، فقال اللّه : ( الم * ذلِكَ الكتاب ) أي يا محمّد هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطعة التي منها ( الم ) وهو بلغتكم وحروف هجائكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، واستعينوا بذلك بسائر شهدائكم ، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله : ( لَئِن اجْتَمَعتِ الاِِنْس وَالجِنّ عَلى أَنْيَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَو كانَ بَعضهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً ) (1) ». (2)
    وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني ( 254 ـ 322 هـ ) من كبار المفسرين ، حيث قال : إنّ الذي عندنا أنّه لما كانت حروف المعجم أصل كلام العرب وتحدَّاهم بالقرآن وبسورة من مثله ، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المقطعة تعرفونها وتقتدرون على أمثالها ، فكان عجزكم عن الاِتيان بمثل القرآن وسورة من مثله دليلاً على أنّ المنع والتعجيز لكم من اللّه على أمثالها ، وانّه حجّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : وممّا يدل على تأويله أنّ كلّ سورة افتتحت بالحروف التي أنتم تعرفونها ، بعدها إشارة إلى القرآن ، يعني أنّه موَلف من هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها ، ثمّسأل نفسه ، وقال : إن قيل لو كان المراد هذا لكان قد اقتصر اللّه تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة؟ فقال : عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الذي يخاطبونه. (3)
    واختاره الزمخشري ( 467 ـ 538 هـ ) في تفسيره ، وقال : واعلم أنّك إذا تأملت ما أورده اللّه عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم : 14 سواه ، وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف
1 ـ الأسراء : 88.
2 ـ تفسير البرهان : 1/54 ، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة برقم 9.
3 ـ تاريخ القرآن للزنجاني : 106.
مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: فهرس