كتاب ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت عليهم السلام ::: 41 ـ 50
(41)
الشياطين » (1).

ثانياً : الدعاء
    الدعاء يجعل الانسان مستشعراً للارتباط بمنعم الوجود والرحمة والرعاية ، وبه تطمئن النفس ويستريح القلب ، ويبقى في علاقة متواصلة مع القوة المهيمنة على الحياة بأسرها ، والتي تحيط به وتراقبه باستمرار.
     وبالدعاء يرتقي الانسان في سلم الصلاح والاستقامة ويبتعد عن الانحراف ، وخصوصاً حينما يتمرّن على طلب العون من الله تعالى لاصلاح نفسه وانقاذها من الانحراف والرذيلة.
     والدعاء بنيّة خالصة كفيل بتسامي الانسان وتكامله الروحي والخلقي ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى برهان ، لأنّ فيه تجتمع جميع العوامل المساهمة في السمو والتكامل ومنها :
     1 ـ الرغبة في الصلاح والسمو والتكامل.
     2 ـ طلب العون من الله تعالى.
     3 ـ استجابة الله تعالى لطلب عبده ، لاخلاصه في الطلب ، وانسجام طلبه مع المنهج الالهي.
     قال الإمام محمد الباقر عليه السلام : « لا والله لا يلحّ عبد مؤمن على الله عزّوجلّ في حاجته إلاّ قضاها له » (2).
     والدعاء شفاء من كل داء ، وخلو النفس من الداء يسهم في اصلاحها
1 ـ الكافي 2 : 610.
2 ـ الكافي 2 : 475.


(42)
وتقبلها للارشاد والتوجيه الصالحين.
     قال الإمام الصادق عليه السلام : « عليك بالدعاء ، فإنّ فيه شفاءً من كلّ داء » (1).
     وأكّد أهل البيت عليهم السلام على المداومة على الدعاء فهو بنفسه اصلاح للنفس والضمير وتهذيبهما ، وقد اثبتت التجارب التربوية انّ الأحداث الذين ترعرعوا في أجواء مليئة بذكر الله بالدعاء وغيره أكثر استقامة من غيرهم وأقل انحرافاً.

ثالثاً : العبادة
     العبادة رابطة روحية تربط الانسان بالمطلق وعالم الغيب والمعنويات ، وبها يتصل القلب بمنعم الوجود اتصالات متنوعة ، وهذه الاتصالات تجعله يستشعر الرقابة الالهية فلا يجرأ على الانحراف ، ويتوجه نحو الاستقامة.
     وأبرز مصاديق العبادة الصلاة وهي حصن حصين من الانحراف بعد اندحار الشيطان بواسطتها.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الصلاة حصن الرحمن ، ومدحرة الشيطان ».
     وقال عليه السلام : « الصلاة حصن من سطوات الشيطان » (2).
     والصلاة باركانها تحرك الانسان نحو الصلاح والاستقامة ، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « والسجود النفساني فراغ القلب من الفانيات ، والاقبال بكنه الهمّة على الباقيات ، وخلع الكبر والحميّة ، وقطع العلائق الدنيوية ، والتحليّ بالخلائق النبوية » (3).
     وهي كما قال عليه السلام : « الصلاة صابون الخطايا » (4).
1 ـ مكارم الأخلاق : ص 271.
2 ـ و3 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 176.
4 ـ شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد : 20 / 313.


(43)
    وهي تمنح الانسان فرصة العودة إلى الاستقامة ، وخصوصاً صلاة الليل ، قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار » (1).
     والصلاة من أفضل العبادات التي تنهى عن الفحشاء والمنكر كما أكد الكتاب الكريم والروايات ، ثم يأتي دور الصوم ثم الحج الى آخره من ألوان العبادات ، وجميعها تسهم في التربية الصالحة السليمة ، ولهذا حث أهل البيت عليهم السلام على أدائها وخصوصاً العبادات المستحبة المنصوصة من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

4 ـ ذكر الموت
     ذكر الموت له دور هام في ضبط النفس والردع عن عمل القبيح ، فانّ ذكره الدائم باللسان بعد استشعاره بالوجدان يوجه الأنظار الى تلك الحقيقة التي تنهدم فيها الشهوات واللذات ، ويصبح الانسان من خلالها رهين القبر بانتظار الثواب والعقاب ، فيتوجه الانسان بجميع جوارحه نحو المثل والقيم العليا ليجسدها في واقعه السلوكي والخلقي.
     ومن آثار ذكر الموت كما وردت عن أمير المؤمنين عليه السلام :
     1 ـ « من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ».
     2 ـ « من ذكر المنية نسي الأمنية ».
     3 ـ « أبلغ العظات النظر إلى مصارع الأموات والاعتبار بمصاير الآباء والأمهات » (2).
     والترفّع عن أمور الدنيا المادية يجعل الانسان يعيش في أجواء المعنويات
1 ـ من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق : 1 / 299.
2 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 146 ، 162.


(44)
والمثل الصالحة ، فلا تنافس على حطام الدنيا ولا صراع من أجل اشباع الرغبات ، ولا اعتداء على ممتلكات الناس ، وله دور في إزالة أسباب الحسد والطمع والانانية والحقد وغير ذلك من الأمراض النفسية والخلقية.
     قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقطع منابت الغفلة ، ويقوّي القلب بمواعد الله ، ويرق الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفي نار الحرص ويحقر الدنيا » (1).
     وحثّ أمير المؤمنين عليه السلام على الاكثار من ذكر الموت لدوره في اصلاح النفس وسموها ولكي تستعد لما بعده فقال : « اكثر ذكر الموت وما تهجم عليه وتفضي إليه بعد الموت حتّى يأتيك وقد أخذت له حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك ».
     وقال عليه السلام : « رحم الله امرءاً بادر الأجل ، واكذب الأمل ، وأخلص العمل » (2).
     وقد أثبتت الدراسات الميدانية انّ الأجواء الاجتماعية التي يكثر فيها ذكر الموت وما بعده من أهوال وصعاب أو ثواب ونعيم ، أقرب للصلاح والاستقامة من غيرها من الأجواء ، ولا غرابة ان نجد المجتمعات غير الاسلامية مبتلاة بالكثير من الانحرافات والجرائم لابتعادها عن هذه المفاهيم والقيم.

5 ـ الاعتراف بالذنب
     الاعتراف بالذنب له دور كبير في تهذيب النفس واصلاحها وفي تشخيص
1 ـ المحجة البيضاء / الفيض الكاشاني : 8 / 242.
2 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 162.


(45)
أسباب القلق والاضطراب النفسي ، ولا تبقى تلك الأسباب ضاغطة على العقل والقلب والارادة ، وبه يشكو الانسان من نفسه الأمارة بالسوء طلباً لما يلي :
     1 ـ إزالة مشاعر الذنب والاثم.
     2 ـ التخفيف من عذاب تأنيب الضمير.
     3 ـ اعادة الاطمئنان للنفس المضطربة.
     4 ـ التصميم على عدم تكرار الذنب.
     5 ـ التفكير في الاستقامة من جديد.
     وقد استخدم العلاج النفسي اسلوب الاعتراف للوصول الى الصحة النفسية للمريض بعد الاطلاع على الامور المكبوتة والمخزونة في اللاشعور ، وفي أثناء جلسات العلاج يسترخي المريض ويطلق العنان لذكرياته كي تفيض وتطفو فوق سطح الشعور ، ومن طرق العلاج طريقة التطهير النفسي أو التفريغ الانفعالي وهي (تصريف الشحنة الانفعالية الحبيسة داخل صدر الانسان أو الافصاح عمّا يجثم على صدر المرء من الهموم والآلام والمشاعر والمشاكل والصراعات والتوترات والضغوط ، وهذه العملية تسبب للفرد الشعور بالارتياح ... وتؤدي إلى إزالة أو اضعاف العقد النفسية أو الى تقليل التوترات الانفعالية الناجمة من الصراعات ...) (1).
     وإذا كان المذنب أو المنحرف لا يعترف لانسان مثله بذنبه أو انحرافه إلاّ بصعوبة بالغة ، فإنه يعترف أمام الله تعالى بها دون حرج أو حياء لأنه يقف أمام واهب الرحمة والمحيط بسكنات النفس وخفاياها ، وهذا الاعتراف يكون مقدمة لصلاح النفس ثم صلاح السيرة العملية ، فلا تلاحقه بعدها الهموم
1 ـ فن الارشاد والعلاج النفسي : ص 100 ، 101.

(46)
والضغوطات النفسية.
     ومن الآثار الايجابية للاعتراف كما ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال :
     1 ـ « شافع المذنب اقراره ، وتوبته اعتذاره ».
     2 ـ « من اعترف بالجريرة استحقّ المغفرة ».
     3 ـ « عاصٍ يقرّ بذنوبه خير من مطيع يفتخر بعمله ».
     4 ـ « من أحسن الاعتذار استحقّ الاغتفار » (1).

6 ـ الاستغفار
     الاستغفار مفهوم اسلامي ينتقل بالانسان من مرحلة الوقوع في الانحراف إلى مرحلة تجاوزه والعودة إلى الهداية والاستقامة ، وهو نقلة نوعية في مسيرته وحركته الفردية والاجتماعية ، فالنفس الانسانية حين ترتكب الخطيئة يختل توازنها وتماسكها ، وتصبح عرضة للوساوس والهواجس ، فيجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس فيقودها الى الانحراف تلو الانحراف ، ولكن الاستغفار يردها إلى الاستقامة ويقوي صلتها بالله تعالى.
     والاستغفار علاج واقعي للانحراف ويسهم في اجتثاث آثاره السلبية على القلب والارادة ، وهو الدواء كما جاء في عبارات أهل البيت عليهم السلام.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الاستغفار دواء الذنوب ».
     وقال عليه السلام : « الذنوب الداء ، والدواء الاستغفار ، والشفاء أن لا تعود » (2).
     وقال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « من أذنب من المؤمنين ذنباً ، أجّل من
1 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 195.
2 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 194 ، 195.


(47)
غدوة إلى الليل ، فإن استغفر لم يكتب له ».
     وقال عليه السلام : « إذا أكثر العبد من الاستغفار ، رفعت صحيفته وهي تتلالأ » (1).
     وقال عليه السلام : « لا صغيرة مع الاصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار » (2).
     والاستغفار الحقيقي هو العمل الايجابي المتسلسل لاقتلاع جميع جذور وآثار الانحراف ، وهو يمرّ بمراحل وخطوات عملية.
     سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول : استغفر الله ، فقال : « ثكلتك اُمّك أو تدري ما حدّ الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العلّيين ، وهو اسم واقع على ستّة معان :
     أولها : الندم على ما مضى.
     والثاني : العزم على ترك العود إليه أبداً.
     والثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عزّوجلّ أملس ليس عليك تبعة.
     والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدي حقّها.
     والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت والمعاصي فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
     والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
     فعند ذلك تقول : أستغفر الله » (3).
1 ـ مكارم الأخلاق / الطبرسي : ص 313 ، 314.
2 ـ المحجة البيضاء / الفيض الكاشاني : 7 / 58.
3 ـ إرشاد القلوب : ص 47.


(48)
    والاستغفار عموماً فرصة جديدة لاصلاح النفس والعودة إلى الاستقامة ، بعد التغلب على اليأس والقنوط من الاصلاح والتهذيب ، وبهذه الفرصة يجد الانسان الأمل والتفاؤل لكي يسمو ويتكامل ضمن التعاليم والارشادات الصالحة.

7 ـ التوبة
     التوبة عودة إلى الاستقامة والنزاهة وحسن السيرة ، وهي باب من أبواب الهداية والاصلاح ، فبها يرجع الإنسان سوياً يستشعر الرحمة والطمأنينة ، فلا آلام ولا عقد نفسية ولا حجب ضبابية عن الاستقامة والاعتدال ، وبدون التوبة يبقى المذنب يعيش القلب والاضطراب والازدواجية بين الفكر والسلوك ، وقد يتمادى في ذنوبه وانحرافاته إن شعر بعدم علاجها إلى أن يصل إلى الانحطاط التام ، ولهذا جاءت التوبة لمحو الذنوب والعودة إلى الاستقامة باستشعار الرحمة والرأفة الإلهية.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « التوبة تطهر القلوب ، وتغسل الذنوب » (1).
     وقال عليه السلام : « لا تيأس لذنبك وباب التوبة مفتوح » (2).
     وقال عليه السلام : « إن الندم على الشر يدعو إلى تركه » (3).
     وللتوبة تأثير ايجابي على قلب الانسان وخلجات نفسه ، قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب انمحت ،
1 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 195.
2 ـ تحف العقول / الحرّاني : ص 149.
3 ـ الكافي / الكليني : 2 / 427.


(49)
وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه ، فلا يفلح بعدها أبداً » (1).
     والتوبة تغيير حقيقي نحو الأفضل والأصلح ، ولذا فهي تتم عبر مقومات ودعائم وأركان نابعة من جميع خلجات وجوارح الانسان ، قال الإمام محمد الجواد عليه السلام : « التوبة على أربع دعائم : ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وعمل بالجوارح ، وعزم أن لا يعود » (2).
     ومن مظاهر التوبة البكاء من خشية الله تعالى ، وهو عامل ايجابي في التخفيف من القلق والاضطراب الناشئين من الذنوب ، وله دور في رقة القلب ، وله دور في اعادة الأمل للتسامي والتكامل والفوز بالنعيم الخالد.
     قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « إنّ الرجل ليكون بينه وبين الجنّة أكثر ممّا بين الثرى والعرش لكثرة ذنوبه ، فما هو إلاّ أن يبكي من خشية الله عزّوجلّ ندماً عليها ، حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنته إلى مقلته » (3).
     وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « البكاء من خشية الله ينير القلب ويعصم من معاودة الذنب » (4).
     ومن أروع ما في التوبة آثارها الايجابية ، فكفارة الذنوب تتجسد في أعمال وممارسات صالحة ونافعة للمجتمع.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف ، والتنفيس عن المكروب » (5).
1 ـ الكافي / الكليني : 2 / 271.
2 ـ كشف الغمّة / للاربلي : 2 / 349.
3 ـ عيون أخبار الرضا عليه السلام / الشيخ الصدوق : 2 / 3.
4 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 192.
5 ـ شرح نهج البلاغة / لابن أبي الحديد : 18 / 135.


(50)
8 ـ الرضا بالقضاء
     إنّ الحياة لا تمضي جزافاً ، بل هنالك سنن وقوانين تتحكم بها ، فحينما توجد الأسباب تتبعها النتائج ، وهذه السنن حاكمة على الانسان لا تختلف ولا تتخلف ، وأحياناً تكون خارجة عن ارادة الانسان واختياره ، بمعنى انّه لا يملك الحول والقوة في تغييرها وتبديلها مهما بذل من جهد وطاقة ، فقد تطبق عليه الظروف ليبقى فقيراً مستضعفاً محروماً أو لا ينجح في أعماله ومشاريعه ، أو لا توافق رغباته رغبات الآخرين ، وفي جميع ذلك فان الارتباط بالله تعالى والرضا بقضائه كفيل بتهوين الآلام والمآسي وإبعاد آثارها السلبية عن العقل والقلب والضمير ، وعن ردود أفعالها السلبية تجاه النفس والمجتمع.
     قال أمير المؤمنين عليه السلام : « نعم الطارد للهمّ الرضا بالقضاء ».
     قال عليه السلام : « الرضا بقضاء الله يهوّن عظيم الرزايا ».
     وقال عليه السلام : « من رضي بالقضاء طابت عيشته » (1).
     وينبغي أن يدرك الانسان ان قضاء الله هو خير للمؤمن بجميع مظاهره وحالاته وألوانه ، قال الامام محمد الباقر عليه السلام : « في كل قضاء الله خير للمؤمن » (2).
     وقال الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام : « ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه ، ولا يتهمه في قضائه » (3).
1 ـ تصنيف غرر الحكم : ص 103 ، 104.
2 ـ تحف العقول / الحرّاني : ص 214.
3 ـ الكافي / الكليني : 2 / 61.
ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت عليهم السلام ::: فهرس