تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الأول ::: 286 ـ 300
(286)
وضبط بيده الطرف الآخر ، حتى عبر الجيش وكانوا ثمانية آلاف [ وسبعمائة رجل ، وفيهم من كان يتردّد ويخف عليه ] (1). (2)
    روض الجنان : قال بعض الصحابة : ما عجبنا يا رسول الله من قوّته في حمله ورميه ، وإنّما عجبنا من إجساره وإحدى طرفيه على يده !
    فقال النبي صلّى الله عليه وآله كلاماً معناه : يا هذا ، نظرت إلى يده فانظر إلى رجليه.
    قال : فنظرت إلى رجليه فوجدتهما معلّقتين (3) في الهواء ، فقلت : هذا أعجب [ رجلاه ] (4) على الهواء !
    فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله : ليستا على الهواء وإنّما هما على جناحي (5) جبرائيل. (6)
    وأمّا توجّهه إلى الله وإقباله بقلبه وكلّيته عليه ، وإعراضه عن الدنيا فلا يختلف فيه أحد.
    تفسير وكيع وعطاء والسدّي : انّه قال ابن عبّاس : اُهدي إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ناقتان سمينتان عظيمتان ، فقال لأصحابه : هل فيكم أحد يصلّي ركعتين بقيامهما وركوعهما وسجودهما ووضوئهما وخشوعهما لا يهتمّ فيهما من أمر الدنيا بشيء ، ولا يحدّث قلبه بفكر الدنيا أهدي إليه إحدى
1 ـ من المناقب.
2 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 294 ، عنه البحار : 41 / 280.
3 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : فوجدتها متعلّقتين.
4 ـ من المناقب.
5 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : جناح.
6 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 295 ، عنه البحار : 41 / 281.


(287)
الناقتين ؟
    فقال لهم مرّة بعد مرّة ، فلم يجبه أحد من الصحابة ، فقام امير المؤمنين صلوات الله عليه ، فقال : أنا ـ يا رسول الله ـ اُصلّي ركعتين اُكبّر التكبيرة الاولى وإلى أن اُسلّم منهما ، لا اُحدّث نفسي بشيء من أمر الدنيا.
    فقال : يا علي ، صلِّ صلَّى الله عليك ، فكبّر أمير المؤمنين ودخل في الصلاة ، فلمّا سلّم من الركعتين هبط جبرئيل : وقال : يا رسول الله ، إنّ الله يقرئك السلام ، ويقول : أعط عليّاً إحدى الناقتين.
    فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إنّي شارطته أن يصلّي ركعتين لا يحدّث [ فيهما ] (1) نفسه بشيء من الدنيا ، وإنّه جلس في التشهد ففكّر في نفسه أيّهما يأخذ.
    فقال جبرائيل : إنّ الله يقرئك السلام ، ويقول لك : إنّه تفكّر أيّهما يأخذ ، أسمنهما وأعظمهما فينحرها ويتصدّق بها لوجه الله ، فكان تفكّره لله عزّ وجلّ لا لنفسه [ ولا للدنيا ] (2) ، فبكى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأعطاه كلتيهما ، وأنزل الله فيه : ( إنّ في ذلكَ لذكرى لمن كانَ له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهوَ شهيدٌ ) (3) أي يستمع أمير المؤمنين باُذنيه إلى ما تلاه بلسانه من كلام الله ، لا يتفكّر (4) بشيء من أمر الدنيا ، بمعنى أنّه حاضر القلب في صلاته لله. (5)
1 و 2 ـ من المناقب.
3 ـ سورة ق : 37.
4 ـ كذا في المناقب ـ بتصرّف ـ ، وفي الأصل : يسمع باُذنيه إلى ما تلاه لسانه لا يتفكّر.
5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 20 ، عنه تأويل الآيات : 2 / 612 ح 8 ، والبرهان : 4 / 228 ح 3.
    وأخرجه في البحار : 36 / 161 ح 142 من التأويل.


(288)
وأمّا سبقه بالعلم ، فروى مقاتل بن سليمان ، عن الضحّاك ، عن ابن عبّاس في قوله (1) تعالى : ( إنّما يخشى الله من عبادهِ العلماءُ ) (2) قال : كان عليّ يخشى الله ويراقبه ، ويعمل بفرائضه ، ويجاهد في سبيله. (3)
    وروي من طريق الخاصّة والعامّة أنّهم قالوا في قوله تعالى : ( قل كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكم ومن عندهُ علمُ الكتابِ ) (4) هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
    وزعم بعض الناصبة أنّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام فيقال له : إنّ السورة مكّيّة ، وعبد الله بن سلام لم يسلم إلا بعد أن هاجر النبي المدينة.
    وروي عن ابن عبّاس : لا والله ما هو إلا علي بن أبي طالب عليه السلام. (5)
    وقد ظهر علمه على سائر الصحابة بالأدلّة الساطعة والحجج القاطعة.
    قال الجاحظ : اجتمعت الاُمّة [ على ] (6) أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم عن أربعة : عليّ ، وابن عبّاس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وقالت طائفة : وعمر بن الخطّاب ، ثم أجمعوا [ على ] (7) أنّ الاربعة كانوا أقرأ من
1 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : فروى سليمان ، عن الضحّاك في قوله.
2 ـ سورة فاطر : 28.
3 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 28 ، عنه البحار : 40 / 145 ح 53.
4 ـ سورة الرعد : 43.
5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 29 ، عنه البحار : 40 / 146 ، وتفسير البرهان : 2 / 304 ح 20 و 22 ، وينابيع المعاجز : 19.
6 و 7 ـ من المناقب.


(289)
عمر لكتاب الله.
    وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله : يؤمّ القوم أقرأهم لكتاب الله ، فسقط عمر.
    ثمّ أجمعوا على قول النبيّ صلّى الله عليه وآله : الأئمّة من قريش ، فسقط ابن مسعود وزيد ، وبقي علي وابن عباس إذ كانا عالمين فقيهين قرشيّين فأكبرهما سنّاً وأقدمهما هجرة علي ، فسقط ابن عبّاس وبقي عليّ أحقّ بالإمامة بالاجماع.
    وكانوا يسألونه ولا يسأل هو أحداً. وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله : إذا اختلفتم في شيء فكونوا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام. (1)
    قال صاحب كشف الغمّة رضي الله عنه كلاماً معناه : انّ الجاحظ كان عثمانيّاً شديد الانحراف عن أمير المؤمنين ، ولكنّ الله ألقى على لسانه الحقّ ، والفضل ما شهدت به الأعداء ، ولو كان مع هذا الاعتراف معتقداً فضل أمير المؤمنين باطناً ظاهراً تراكاً لطريق التعصّب والضلال ، مستمسكاً بدليل العقل والنقل لكان من أسعد الخلق ، وهذا الكلام حجّة عليه فقد يهتدي به ، ويحتجّ بصحّة استنباطه ، ويستضيء بواضح أدلّته من ليس له قدرة على استنباط الأدلّة من مظانّها ، فيكون ذلك سبباً لتصحيح عقيدته ، وإزاحة شكّه ، فيكون من الفائزين المنتظمين في سلك أصحاب السعادة الدائمة ، نعوذ بالله من سلوك طريق الهوى ، والتسايب عن سيبل الهدى.
احرم فيكم (2) بما أقول وقد نال به العاشقون من عشقوا

1 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 29 ، عنه البحار : 40 / 146.
2 ـ في الكشف : منكم.


(290)
صرت كأنّي ذبالة (1) نصبت تضيء للناس وهي تحترقُ (2)
    قال ابن عباس : عليّ علم علماً علّمه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ورسول الله علّمه الله ، فعلم النبيّ من علم الله (3) ، وعلم عليّ من علم النبيّ ، وعلمي من علم عليّ ، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم عليّ إلا كقطرة في سبعة أبحر. (4)
    قال ابن عبّاس : اُعطي علي عليه السلام تسعة أعشار العلم ، وإنّه لأعلم بالعشر الباقي. (5)
    أمالي الطوسي (6) : مرّ أمير المؤمنين بملأ فيهم سلمان ، فقال سلمان : قوموا فخذوا بحجزة هذا ، فوالله لا يخبركم بسرّ نبيّكم صلّى الله عليه وآله أحد غيره. (7)
    قال محمد بن المنذر (8) : سمعت أبا اُمامة يقول : كان علي عليه السلام إذا قال شيئاً لم نشكّ فيه ، وذلك انّا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : خازن سرّي [ بعدي ] (9) عليّ بن أبي طالب عليه السلام. (10)
1 ـ الذبالة : الفتيلة.
2 ـ كشف الغمّة : 1 / 39 ـ 40.
3 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : علي.
4 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 ، عنه البحار : 40 / 147.
5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30 ـ وفيه : لأعلمهم ـ ، عنه البحار : 40 / 147.
6 ـ أمالي الطوسي : 1 / 124 ، عنه البحار : 40 / 131 ح 9.
7 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30.
8 ـ أمالي الصدوق : 440 ح 18 ـ وفيه : محمد بن المنكدر ـ ، عنه البحار : 40 / 184 ح 66.
9 ـ من المناقب.
10 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 30.


(291)
    وقد اشتهر عن أبي بكر أنّه قال : فإذا استقمت فاتّبعوني ، وإذا زغت فقوّموني ، وقوله : أمّا الفاكهة فأعرفها ، وأمّا الأب فالله أعلم ، وقوله في الكلالة : [ أقول فيها برأيي ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمنّي ومن الشيطان ، الكلالة : ] (1) ما دون الوالد والولد. (2)
    وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله : اُعطي عليّ من الفضل جزءاً لو قسّم على أهل الأرض لوسعهم. (3)
    حلية الأولياء (4) : عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه سئل عن علي عليه السلام ، فقال : قسّمت الحكمة عشرة أجزاء ، اُعطي عليّ تسعة أجزاء ، والناس جزءاً واحداً. (5)
    أبان بن تغلب (6) ، والحسين بن معاوية ، وسليمان الجعفري [ وإسماعيل ابن عبد الله بن جعفر ] (7) ، كلّهم رووا عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : لمّا حضرت رسول الله صلّى الله عليه وآله الوفاة دخل عليه عليّ عليه السلام فأدخل رأسه معه ، ثمّ قال له : يا علي ، إذا متّ فغسّلني وكفّنّي وأقعدني واسألني واكتب.
    [ تهذيب الأحكام (8) : فخذ بمجامع كفني وأجلسني ، ثمّ اسألني عمّا
1 و 7 ـ من المناقب.
2 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 32 ، عنه البار : 40 / 149.
    وانظر الغدير : 7 / 104 وما بعدها.
3 و 5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 32 ، عنه البحار : 40 / 149.
4 ـ حلية الأولياء : 1 / 65.
6 ـ الكافي : 1 / 297 ح 8.
8 ـ تهذيب الأحكام : 1 / 435 ذح 42.


(292)
شئت ] (1) فوالله لا تسألني عن شيء إلا أجبتك فيه.
    قال أمير المؤمنين : ففعلت فأنبأني بما هو كائن إلى يوم القيامة. (2)
    وروى الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضي الله عنه في أماليه بإسناد متّصل إلى الأصبغ بن نباتة : [ قال : ] (3) لمّا جلس أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس ظاهراً خرج إلى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله متعمّماً بعمامة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، لابساً بردة رسول الله ، متنعّلاً نعل رسول الله ، متقلّداً سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فصعد المنبر وجلس عليه متمكّناً (4) ، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ، ثم قال : يا معشر الناس ، سلوني (5) قبل (6) أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، هذا ما زقّني رسول الله زقّاً زقّاً.
    سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين ، أما والله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل [ التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول : صدق عليّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ ، وأفتيت أهل ] (7) الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الله الإنجيل فيقول : صدق عليّ وما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق الله القرآن فيقول : صدق عليّ وما كذب ، لقد أفتاكم بما اُنزل فيّ ، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً فهل فيكم أحد
1 ـ من المناقب.
2 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 37 ، عنه البحار : 40 / 152.
3 و 7 ـ من الأمالي.
4 ـ في الأمالي : متحنّكاً.
5 ـ كذا في الأمالي ، وفي الأصل : اسألوني ، وكذا في الموضع الآتي.
6 ـ كذا في الأمالي ، وفي الأصل : من قبل.


(293)
يعلم ما نزل فيه ؟ ولولا آية في كتاب الله سبحانه لأخبرتكم بما كان [ وبما يكون ] (1) وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : ( يمحوا الله ما يشاءُ ويُثبتُ وعندهُ اُمُّ الكتابِ ) (2).
    ثمّ قال صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالّذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لو سألتموني عن آيةٍ آية في ليل اُنزلت أم في النهار ، مكّيّها ومدنيّها ، سفريّها وحضريّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها ، لأخبرتكم به.
    فقام إليه رجل يقال له ذِعْلب وكان ذرب اللسان (3) ، بليغاً في الخطب ، شجاع القلب ، فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه ، فقال : يا أمير المؤمنين : هل رأيت ربّك ؟
    قال : ويلك يا ذعلب لم أكن بالّذي أعبد ربّاً لم أره.
    قال : فكيف رأيته ؟ صفه لنا.
    قال : ويلك يا ذعلب ، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن تراه (4) القلوب بحقائق الإيمان.
    ويلك يا ذعلب ، إنّ ربّي لا يوصف بالعبد ، ولا بالحركة ، ولا بالسكون ، ولا بقيام قيام انتصاب ، ولا بجيئة ولا ذهاب ، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا
1 ـ من الأمالي.
2 ـ سورة الرعد : 39.
3 ـ لسان ذرب : فصيح ، فاحش.
4 ـ في الأمالي : رأته.


(294)
يوصف بالغلظ ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة ، مؤمن لا بعبادة ، مدرك لا بمجسّة (1) ، قائل لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارج منها [ على ] (2) غير مباينة ، فوق كلّ شيء لا يقال : شيء فوقه ، أمام كلّ شيء ولا يقال : له أمام (3) ، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، وخارج من الاشياء لا كشيء من شيء خارج.
    فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه ، ثم قال : ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لاعدت إلى مثلها.
    ثمّ نادى صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني.
    فقام إليه الأشعث بن قيس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كيف تؤخذ الجزية من المجوس ، ولم ينزل عليهم كتاب ، ولا بعث الله فيهم نبيّاً ؟
    فقال : بلى ، يا أشعث ، قد أنزل الله عليهم كتاباً ، وبعث فيهم (4) نبيّاً ، وكان [ لهم ] (5) ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها ، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه ، فقالوا : أيها الملك ، دنّست علينا ديننا فأهلكته ، فاخرج نطهّرك ونقيم عليك الحدّ.
    فقال لهم : اجتمعوا واسمعوا كلامي ، فإن يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلاّ فشأنكم ، فاجتمعوا.
    فقال لهم : هل علمتم أنّ الله سبحانه لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم
1 ـ المجسّة : موضع اللمس. أي مدرك لا بالحواسّ.
2 و 5 ـ من الأمالي.
3 ـ كذا في الأمالي ، وفي الأصل : ولا يقام به امام.
4 ـ في الأمالي : إليهم.


(295)
واُمّنا حوّاء ؟
    قالوا : لا. (1)
    قال : أفليس قد زوّج بنيه من بناته وبناته من بنيه ؟
    قالوا : صدقت ، هذا هو الدين ، فتعاقدوا على ذلك ، فمحا الله ما في صدورهم من العلم ، ورفع عنهم الكتاب ، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب ، والمنافقون أشدّ حالاً منهم. (2)
    فقال الأشعث : والله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لاعدت إلى مثلها أبداً.
    ثمّ نادى صلوات الله عليه : سلوني قبل أن تفقدوني.
    فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عكازة ، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، دلّني على عملٍ إذا أنا عملته نجّاني الله من النار.
    قال : يا هذا ، اسمع ، ثمّ افهم ، ثمّ استيقن ، قامت الدنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دين الله عزّ وجلّ ، وبفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه ، وبخل الغنيّ ، ولم يصبر الفقير ، فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون بالله إنّ الدار قد رجعت إلى بدئها ـ أي إلى الكفر بعد الإيمان ـ.
    أيها السائل ، لا تغترّنّ بكثرة المساجد ، وجماعة أقوام أجسادهم
1 ـ في الأمالي : قالوا : صدقت أيّها الملك.
2 ـ هنا تعريض بالسائل لأنّه كان منهم.


(296)
مجتمعة وقلوبهم شتّى.
    أيها الناس ، إنّما الناس ثلاثة : زاهد ، وصابر ، وراغب.
    فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شيء منها فاته.
    وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه ، فإذا أدرك منها شيئاً صرف [ عنها ] (1) نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها.
    وأمّا الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام.
    قال : يا أمير المؤمنين ، فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟
    قال : ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولّاه ، وينظر إلى ما خالفه فيتبرّأ منه ، وإن كان المخالف حبيباً قريباً.
    قال : صدقت والله ، يا أمير المؤمنين ، ثمّ غاب الرجل فلم نره ، فطلبه الناس فلم يجدوه ، فتبسّم عليه السلام على المنبر ، ثم قال : ما لكم ؟ هذا أخي الخضر عليه السلام.
    ثمّ نادى : سلوني قبل أن تفقدوني ، فلم يقم إليه أحد ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، ثم قال للحسن : قم يا حسن ، فاصعد المنبر ، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون : إنّ الحسن لا يحسن شيئاً.
    قال الحسن : كيف أصعد وأتكلّم وأنت حاضر في الناس تسمع وترى ؟
    قال : بأبي أنت واُمّي اُواري نفسي عنك ، وأسمع وأرى ولا تراني.
1 ـ من الأمالي.

(297)
    فصعد الحسن عليه السلام المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه بمحامد بليغة ، وصلى على النبيّ وآله صلاة موجزة ، ثمّ قال : أيها الناس ، سمعت جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، وهل تدخل المدينة إلا من بابها ، ثمّ نزل.
    فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضمّه إلى صدره.
    ثمّ قال للحسين عليه السلام : قم يا بنيّ فاصعد المنبر ، وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش بعدي ، فيقولون : إنّ الحسين لا يحسن (1) شيئاً ، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.
    فصعد الحسين عليه السلام المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي [ وآله ] (2) صلاة موجزة ، ثمّ قال : معاشر الناس ، سمعت جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : إنّ عليّاً مدينة هدى من دخلها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك ، فنزل.
    فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضمّه إلى صدره وقبّله ، ثم قال : أيها الناس ، اشهدوا أنّهما فرخا رسول الله صلّى الله عليه وآله ووديعته التي استودعنيها ، وأن أستودعكموها ـ معاشر الناس ـ ورسول الله صلى الله عليه وآله مسائلكم عنها (3). (4)
1 ـ في الأمالي : لا يبصر.
2 ـ من الأمالي.
3 ـ في الأمالي : سائلكم عنها.
4 ـ الأمالي للصدوق : 280 ح 1 ، التوحيد : 304 ح 1 ، الاختصاص : 235 ، الاحتجاج : 258 ، عنها البحار : 10 / 117 ح 1.
    وأخرج قطعات منه في البحار : 4 / 97 ح 4 ، وج 14 / 461 ح 26 ، وج 70 / 8 ح 1.


(298)
    ومن عجيب أمره صلوات الله عليه في هذا الباب أنّه لا شيء من العلوم إلا وأهله يجعلون عليّاً قدوة فيه ، فصار قوله قبلة في الشريعة. (1)
    أبو نعيم في الحلية (2) ، والخطيب في الأربعين : بالإسناد عن السدّي ، عن عبد خير (3) ، عن علي عليه السلام ، قال : لمّا قبض الله رسول الله صلّى الله عليه وآله أقسمت ـ أو حلفت ـ أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين ، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن. (4)
    وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أنّه إلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يؤلّف القرآن ويجمعه ، فانقطع عنهم مدّة إلى أن جمعه ، فخرج إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد ، فأنكروا مصيره بعد انقطاعه (5) ، فقالوا : لأمر ما جاء أبو الحسن (6) ، فلمّا توسّطهم وضع الكتاب بينهم ، ثمّ قال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وهذا كتاب الله وأن العترة.
    فقام إليه الثاني ، فقال : إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله ، فلا حاجة لنا فيكما ، فحمل صلوات الله عليه الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجّة. (7)
    وعن الصادق عليه السلام أنّه حمله وولّى راجعاً وهو يقول : ( فنبذوهُ
1 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 40 ، عنه البحار : 40 / 154 ، وج 92 / 51 ح 18.
2 ـ حلية الأولياء : 1 / 67.
3 ـ كذا في المناقب والحلية ، وفي الأصل : الحسين.
4 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 155 ، وج 92 / 52.
5 ـ في المناقب : بعد انقطاع مع البته ، والالبة : الجماعة.
6 ـ في المناقب : الأمر ما جاء به أبو الحسن.
7 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 155 ، وج 92 / 52.


(299)
وراءَ ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئسَ ما يشترونَ ) (1). (2)
    فأمّا ما روي أنّه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان فإنّ أبا بكر قال ـ لمّا التمسوا منه أن يجمع القرآن ـ : كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا أمرني به ؟ (3)
    رواه البخاري في صحيحه. (4)
    ومنهم العلماء بالقراءات (5) ، وكان عليّ أعلم الصحابة بالقراءات (6) حتى انّ القرّاء السبعة إلى قراءته يرجعون.
    فأمّا حمزة والكسائي فيعوّلان على قراءة عليّ عليه السلام وابن مسعود ، وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود ، فهما إنّما يرجعان إلى عليّ ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الاعراب ، وقد قال ابن مسعود : ما رأيت أحداً أقرأ من عليّ بن أبي طالب للقرآن.
    فأمّا نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم ترجع إلى ابن عبّاس ، وقرأ ابن عباس على علي عليه السلام.
    وأمّا عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمان السلمي ، وقال أبو عبد الرحمان : قرأت القرآن كلّه على عليّ بن أبي طالب ، فقالوا : أفصح القراءات قراءة عاصم ،
1 ـ سورة آل عمران : 187.
2 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 41 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 52.
3 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 42 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 53.
4 ـ صحيح البخاري : 6 / 225.
5 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : بالقرآن.
6 ـ كذا الأنسب في المقام ، وفي الأصل : بالقرآن.


(300)
لأنّه أتى بالأصل ، وذلك أنّه يظهر ما أدغمه غيره ، ويحقّق من الهمز ما سهّله (1) غيره ، ويفتح من الألفات ما أماله غيره.
    والعدد الكوفي في القرآن منسوب إلى عليّ صلوات الله عليه ، وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره (2) ، وإنّما كتب الناس العدد عن التابعين من أهل الأمصار (3). (4)
    ومنهم المفسرون كعبدالله بن العباس ، وعبد الله بن مسعود ، واُبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وهم معترفون له بالتقدّم.
    تفسير النقّاش : قال ابن عبّاس : جُلّ ما تعلّمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليه السلام.
    وقال ابن مسعود : اُنزل القرآن (5) على سبعة أحرف ، ما منها إلا وله ظهر وبطن ، وإنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام علم الباطن والظاهر. (6)
    فضائل العكبري : قال الشعبيّ : ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبيّ الله من عليّ بن أبي طالب عليه السلام. (7)
1 ـ في المناقب : ما ليّنه.
2 ـ حيث ان عدد أهل المدينة منسوب إلى أبي جعفر يزيد بن القعقاع القارئ وشيبة بن نصّاح وإسماعيل بن جعفر ، وعدد أهل البصرة منسوب إلى عاصم بن أبي الصباح الجحدري وأيّوب بن المتوكّل ، وعدد أهل مكّة منسوب إلى مجاهد وإسماعيل المكّي ، وعدد أهل الشام منسوب إلى عبد الله بن عامر ، انظر « زبدة التفاسير لفتح الله الكاشاني : 2 ـ مخطوطـ ».
3 ـ في المناقب : وإنّما كتب عدد ذلك كلّ مصر عن بعض التابعين.
4 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 42 ، عنه البحار : 40 / 156 ، وج 92 / 53.
5 ـ في المناقب : جلّ ما تعلّمت ... من عليّ بن أبي طالب وابن مسعود ، انّ القرآن اُنزل.
6 و 7 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 43 ، عنه البحار : 40 / 157.
تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الأول ::: فهرس