تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الأول ::: 301 ـ 315
(301)
    تاريخ البلاذري وحلية الأولياء (1) : قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت ، أبليل نزلت أم بنهار نزلت ، في سهل أو جبل ، إنّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً.
    قوت القلوب : قال علي عليه السلام : لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً في تفسير الفاتحة. (2)
    ومنهم الفقهاء وهو أفقههم ، فإنّه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر عنه ، ثمّ إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ، ومن بحره يغترفون.
    أمّا أهل الكوفة ففقهاؤهم : سفيان الثوريّ ، والحسن بن صالح بن حيّ ، وشريك بن عبد الله ، وابن أبي ليلى ، وهؤلاء يفرّعون المسائل ويقولون : هذا قياس قول عليّ بن أبي طالب ، ويترجمون الأبواب بذلك.
    وأمّا أهل البصرة ففقهاؤهم : الحسن ، وابن سيرين ، وكلاهما كانا يأخذان عن ابن عبّاس ، وهو أخذ عن عليّ بن أبي طالب (3) ، وابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن أهل الكوفة وعن عبيدة السلماني (4) ، وهو أخصّ الناس بعليّ صلوات الله عليه.
    وأمّا أهل مكّة فأخذوا عن ابن عبّاس ، وعن علي عليه السلام.
    وأمّا أهل المدينة فعنه أخذوا. (5)
1 ـ أشراف الأنساب : 2 / 98 ح 27 وص 99 ح 28 ، حلية الأولياء : 1 / 67.
2 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 43 ، عنه البحار : 40 / 157. وما في الأصل وقع فيه التصحيف ، وصحّحناه وفقاً لما في المناقب.
3 ـ في المناقب : يأخذان عمّن أخذ عن عليّ.
4 ـ في المناقب : السمعاني ، وهو اشتباه. انظر جامع الرواة : 1 / 531.
5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 158.


(302)
    وقد صنّف الشافعي كتباً مفرداً في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعلي عليه السلام وعبد الله.
    وقال محمدبن الحسن الفقيه : لولا عليّ بن أبي طالب عليه السلام ما علمنا حكم أهل البغي.
    ولمحمد بن الحسن كتاب يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعله عليه السلام. (1)
    مسند أبي حنيفة : هشام بن الحكم قال : قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة : من أين أخذت القياس ؟
    قال : من قول عليّ بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت حين سألهما (2) عمر في الجدّ مع الإخوة ، فقال له علي عليه السلام : لو أنّ شجرة انشعب منها غصن ، وانشعب (3) من الغصن غصنان أيّما أقرب إلى أحد الغصنين ، أصحابه الذي يخرج معه أم الشجرة ؟
    فقال زيد : لو أنّ جدولاً انبعث فيه (4) ساقيه ، وانبعث من الساقيه ساقيتان ، أيّما أقرب ، أحد الساقيتين إلى صاحبتهما أم الجدول ؟ (5)
    ومنهم الفرضيّون وهو أمهرهم (6). فضائل أحمد (7) : قال عبد الله : إنّ أعلم
1 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159.
2 ـ في المناقب : شاهدهما.
3 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : وانبعث.
4 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : من.
5 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159.
6 ـ في المناقب : أشهرهم.
7 ـ فضائل الصحابة : 1 / 534 ح 888.


(303)
أهل المدينة بالفرائض عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
    قال الشعبي : ما رأيت أفرض من علي بن أبي طالب ، ولا أحسب منه ، وقد سئل ـ وهو على المنبر يخطب ـ : رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين ، كم نصيب الامرأة ؟
    قال عليه السلام : صار ثمنها تسعاً ، فلقّبت بالمسألة المنبريّة.
    شرح ذلك : للأبوين السدسان ، وللبنتين الثلثان ، وللمرأة الثمن ، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها ، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً ، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها ، ويبقى أربعة وعشرون ، للبنتين ستّة عشر وللأبوين ثمانية.
    وهذا القول صدر منه صلوات الله عليه إمّا على سبيل الاستفهام ، أو على قولهم صار ثمنها تسعاً (1) ، أو بيّن كيف [ يجيء ] (2) الحكم على مذهب من يقول بالعول ، أو على سبيل الانكار فبيّن الحساب والجواب ، والقسمة والنسبة بأوجز لفظ. (3)
    ومنه أنّه سئل عليه السلام عن عدد تخرج منه الآحاد صحاحاً لا كسر فيها ، فقال من غير تروٍّ : اضرب أيّام سنتك في أيّام اُسبوعك ، والآحاد هي النصف والثلث والربع والخمس ، هكذا إلى العشرة.
    ومنهم الرواة وهم نيّف وعشرون رجلاً ، منهم : ابن عباس ، وابن مسعود ،
1 ـ زاد في المناقب : أو على مذهب نفسه.
2 ـ من المناقب.
3 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 44 ، عنه البحار : 40 / 159.


(304)
[ وجابر الأنصاري ، وأبو أيّوب ، وأبو هريرة ، وأنس ، ] (1) وأبو سعيد الخدري ، وأبو رافع ، وغيرهم ، وهو صلوات الله عليه أكثرهم رواية ، وأثبتهم (2) حجّة ، ومأمون الباطن ، لقوله صلّى الله عليه وآله : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ.
    قال الترمذي (3) والبلاذري (4) : قيل لعليّ صلوات الله عليه : ما لك (5) أكثر أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله حديثاً ؟
    قال : كنت إذا سألته أنبأني ، ,إذا سكتّ ابتدأني. (6)
    ومنهم المتكلّمون وهو الأصل في الكلام. قال النبيّ صلّى الله عليه وآله : عليّ ربّاني هذه الاُمّة. (7)
    قال صلوات الله عليه : أوّل معرفة الله توحيده ، وأصل توحيده نفي الصفات عنه ، إلى آخر العبر.
    وهو الذي وضع اُصول الكلام وفرّع المتكلّمون على ذلك ، فالإماميّة يرجعون إلى الصادق عليه السلام ، وهو إلى آبائه ، والمعتزلة والزيديّة يرجعون إلى رواية القاضي عبد الجبّار [ بن ] (8) أحمد ، عن أبي عبد الله الحسين البصري ، وأبو إسحاق عبّاس ، عن أبي هاشم الجبّائيّ ، عن أبيه أبي علي ، عن أبي يعقوب الشحّام ، عن أبي الهذيل العلّاف ، عن ابي عثمان الطويل ، عن واصل بن
1 و 8 ـ من المناقب.
2 ـ في المناقب : وأتقنهم.
3 ـ الجامع الصحيح : 5 / 637 ح 3722.
4 ـ أنساب الأشراف : 2 / 98 ح 26.
5 ـ في الماقب : ما بالك ؟
6 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 45 ، عنه البحار : 40 / 159 ـ 160.
7 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 45 ، عنه البحار : 40 / 160.


(305)
عطاء ، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي ، عن أبيه محمد بن الحنفيّة ، عن أبيه صلوات الله عليه. (1)
    ومنهم الخطباء والفصحاء ، وهو أفصح الخلق ، ألا ترى إلى خطبه مثل : خطبة التوحيد ، [ والشقشقيّة ] (2) ، والهداية ، والملاحم ، واللؤلؤة ، والغرّاء ، والقاصعة ، والافتخار ، وخطبة الأشباح ، والدرّة اليتيمة ، والأقاليم ، والوسيلة (3) ، والطالوتيّة ، والقصبيّة ، والنخيليّة ، والسلمانيّة ، والناطقة ، والدامغة ، والفاضحة ؟ (4)
    بل تفكّر في نهج البلاغة فإنّ فيها عجباً لمن كان له حظّ من الذوق السليم ، والفهم القويم ، وأكثر الخطباء والبلغاء من مواعظه أخذوا ، ومن شواظه اقتبسوا ، وعلى مثاله احتذوا ، وإذا تأمّل من له قلب سليم ولبّ مستقيم رأى من كلامه صلوات الله عليه ما يدلّ على أنّه صلوات الله عليه كان آية من آيات الله ، وحجّة لرسول الله صلّى الله عليه وآله دالّة على صحّة نبوّته ، لكون كلامه قد اشتمل من أدلّة التوحيد ، والتعظيم للملك المجيد ، وإبطال كلّما يدّعى من دونه ، وإدحاض حجّة من ألحد في آياته ، وأبدع في صفاته ، من الملاحدة والمشبّهة والمعطّلة والمجبّرة ما لا مزيد عليه.
    وقد يذمّ مقال القائلين من متألّهة الحكماء كاُرسطوطاليس وجالينوس
1 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 46 ، عنه البحار : 40 / 161.
2 ـ من المناقب.
3 ـ كذا في المناقب ، وفي الأصل : والدرّة ، واليتيمة ، والوسيلة.
4 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 47 ، عنه البحار : 40 / 162.


(306)
وبطليموس ، وغيرهم ممّن وضع قوانين العلوم الربّانيّة ، وشققوا الشعر في تحصيل القواعد الفلسفيّة ، وغاصوا في بحار المعارف الإلهيّة ، وهو صلوات الله عليه لم يتردّد إلى عالم غير سيّد المرسلين ، ولم يكن بمكّة وما والاها من البلاد من أرباب العلوم الإلهيّة وغيرها من يسند عنه ذلك ، وإنّما كانوا جاهليّة أجلافاً لا بصيرة لهم بالعلوم ، ولا تمييز بين صحيح الفكر وفاسده ، ولا استنباط دليل يهديهم إلى سبيل الرشاد ، ولو كان لهم أدنى فكر صائب وترتيب مقدّمات تهديهم إلى سواء السبيل لم يتّخذوا الأصنام آلهة من دون الله ، ولا نصبوا الأنصاب ، ولا استقسموا بالأزلام ، ولا بحروا البحيرة ، ولا سيّبوا السائبة ، ولا وصلوا الوصيلة ، ولا وأدوا البنات ، ولا عظّموا هبل واللات ، ولم يعتقدوا من الجاهليّة ، ولا أبطلوا القول بالدليل القاطع ، ولم يقلّدوا آباءهم السالفين من لدن خندف إلى عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله.
    وإنّما سمّوا جاهليذة لفرط جهلهم ، وشدّة عنادهم ، وعدم انقيادهم ، فإذا خرج منهم رجل لم يتردّد إلى عالم ، ولم يطالع ما دوّنه القدماء من المتألّهة في دفاترهم عن المنطقي والطبيعي والإلهي والعلوم الرياضيّة من الحساب والهندسة وغيرها ، ثمّ أتى بكلام أبطل مقالهم ، وأدحض حجّتهم ، وأبطل شبهتهم ، ودلّ على وحدة الصانع سبحانه وقدمه ، وحدوث ما سواه ، وعلى قدرته واختياره ، وعلمه بالحريّ الزماني وغيره ممّا كان قبل أن يكون وما هو كائن ، ونزّهه عمّا لا يليق بكماله ، علم أنّ علمه من علم صاحب الشريعة الّذي علمه بالوحي الإلهي من حضرة واجب الوجود سبحانه تعلى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. (1)
1 ـ اقتباس من الآية : 43 من سورة الإسراء.

(307)
    قال شيخنا وسيّدنا ومفخرنا السيد الجليل محمد الرضي الموسوي رضي الله عنه في خطبة كتاب نهج البلاغة : من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، ومن عجائبه التي تفرّد بها ، وأمن المشاركة فيها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر إذا تأمّله المتأمّل ، وفكّر فيه المتفكّر ، وخلع عن قلبه أنّه كلام مثله ممّن عظم قدره [ ونفذ أمره ] (1) ، وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشكّ في أنه كلام مَن لا حظّ له في غير الزهادة ، ولا شغل له في غير العبادة ، قد قبع في كسر بيت (2) ، أو انقطع في (3) سفح جبل ، لا يسمع الا حسّه ، ولا يرى إلا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنّه كلام من ينغمس في الحرب مصلتاً سيفه يقطّ الرقاب (4) ، ويجدّل الأبطال ، ويعود به ينطف (5) دماً ، ويقطر مُهَجاً ، وهو مع ذلك زاهد الزهّاد ، وبدل الأبدال (6) ، وهذه من فضائله العجيبة ، وخصائصه اللطيفة ، التي جمع [ بها ] (7) بين الأضداد ، وألّف بين الأشتات. (8)
    قال الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد عند شرحه الخطبة الّتي قالها أمير المؤمنين صلوات الله عليه عند تلاوته ( ألهاكُمُ التكاثُرُ ) (9) وهي : يا له
1 ـ من النهج.
2 ـ كسر بيت : جانب الخباء.
3 ـ في النهج : إلى.
4 ـ يقطّ الرقاب : يقطعها عرضاً. فإن كان القطع طولاً قيل : يقدّ.
5 ـ ينطف : يسيل.
6 ـ الأبدال : قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم ، إذا مات منهم واحد بدّل الله مكانه آخر ، والواحد : بدل أو بديل.
7 ـ من النهج والمناقب.
8 ـ نهج البلاغة ( صبحى الصالح ) : 35 ـ 36 وفي « عبده » : 12 ، عنه مناقب ابن شهراشوب : 2 / 49.
9 ـ سورة التكاثر : 1.


(308)
مراماً ما أبعده ! [ وزَوراً ما أغفله ! ] (1) وخطراً ما أفظعه (2) ! إلى آخرها (3) ، وقد أتى في هذه الخطبة ما لا مزيد عليه من ذكر الموت ، والتحذير من الدنيا ، وما يؤول من الانسان إليه حين الموت من السكرات والغمرات ، وذكر من اعتزّ بالدنيا وركن إليها :
    هذا موضع المثل ملعا يا ظليم وإلاّ فالتّخوية (4) ، مَن أراد أن يعظ ويخوّف الناس ، ويعرّفهم قدر الدنيا وتقلّبها بأهلها فليأت بمثل هذا الكلام الفصيح في مثل هذه الموعظة البالغة وإلاّ فليسكت ، فإنّ السكوت أصلح ، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه.
    ولعمري من وقف على هذه الخطبة علم مصداق قول معاوية : والله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ، وينبغي إذا اجتمع الفصحاء وتليت عليهم هذه الخطبة أن يسجدوا لها كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرقاع :
    قلم أصابَ من الدواةِ مدادها (5).
    فقيل لهم في ذلك ، فقالوا : إنّا نعلم سجدات الشعر كما تعلمون أنتم سجدات القرآن.
    وإنّي لاُطيل التعجّب من رجل يخطب في مقام الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الأسود والنمور وغيرهما من السباع الضارية ، ثمّ يخطب
1 ـ من النهج : والزَور : الزائرون.
2 ـ كذا في النهج ، وفي الأصل : ما أوصفه.
3 ـ نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 338 خطبة رقم 221.
4 ـ الملع : السير السريع. ويقال : خوّى الطائر ، إذا أرسل جاحيه.
5 ـ صدره :
    تُزجِي أغنّ كأن إبرة روقه


(309)
في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الرهبان لابسي المُسوح الّذين يأكلون لحماً ، ولم يريقوا (1) دماً قطّ ، فتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانيّ ، ويوحنّا المعمدان الإسرائيلي ، وعيسى بن مريم الإلهيّ ، وتارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعيّ ، وعامر بن الطفيل العامريّ ، وبسطان بن قيس الشيبانيّ.
    واُقسم بالذي تقسم الاُمم كلّها به ؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة ، وما تلوتها مرّة إلا وأحدثت في قلبي وجيباً ، وفي أعضائي رعدة ، وخيّل لي مصارع من مضى من أسلافي ، وتصوّرت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الذي وصف أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله :
    فكم أكلت الأرض من عزيز جسدٍ ، وأنيق لون كان في الدنيا غذيّ ترف ، وربيب شرف ، إلى آخرها (2) ؟
    وكم قال الناس ، وكم سمعت ، وما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي (3) ، فإمّا أن يكون ذلك لفرط حبّي لصاحبه ، أو أنّ نيّة القائل كانت صادقة ، ويقينه ثابت ، فصار لكلامه تأثير في النفوس. (4)
    وقال أيضاً الفاضل ابن ابي الحديد عند شرحه كلامه صلوات الله عليه في خطبة الأشباح (5) : عالم السر من ضمائر (6) المضمرين ، إلى آخر الفصل : لو
1 ـ كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : يرتعوا.
2 ـ نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 240 خطبة رقم 221.
3 ـ في شرح النهج : فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي.
4 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 11 / 152 ـ 153.
5 ـ نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 134 خطبة رقم 91.


(310)
سمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله عليّ بن العبّاس بن جريح لإسماعيل بن بلبل :
قالوا أبو الصَقرِ مِن شَيبانَ قلتُ لهم وكم أبٍ قد عـلا بـابنٍ ذًُرا شرف (8) حاشا وكلّا ولكن منهُ (7) شَيبانٌ كما علا برسولِ اللـهِ عدنان
    إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان ، بل كان يقرّ به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن (9) ويقول له : إنّه لم يُعفِ ما شيّدتُ من معالم التوحيد ، بل أخرج الله تعالى لك من ظهري ولداً ابتدع من علوم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهليّة النبط (10) ، بل لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس القائل بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات ؛ لخشع قلبه ، وقَفّ شعره (11) ، وارتعدت فرائصه ، واضطرب قلبه ، أما ترى ما عليه من الرواء والجزالة والفخامة (12) ، مع ما قد اُشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة ؟ لا أرى كلاماً قطّ يشبه هذا الكلام إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه ، فإنّه نبعة من تلك الشجرة ، أو جدول
6 ـ كذا في النهج ، وفي الأصل : ضمير.
7 ـ في شرح النهج : كلّا ولكن لعمري منه.
8 ـ كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : بابن له شرفاً.
9 ـ كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : بل كان يفخر على عدنان وقحطان ، بل كان يفخر على إبراهيم الخليل.
10 ـ كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : ويقول له : إنّ الله قد أخرج من صلبي ولداً وسيّدا من معالم التوحيد في جاهليّة العرب ما لم تشيّده أنت في جاهليّة النبط.
11 ـ كذا في شرح النهج ، وفي الأصل : لا يعلم الحري الزماني لفقّ شعره.
12 ـ في شرح النهج : من الرواء والمهابة ، والعظمة والفخامة ، والمتانة والجزالة.


(311)
من ذلك البحر ، أو جذوة من تلك النار. (1)
    ومنهم الفصحاء والبلغاء وهو أوفرهم حظّاً.
    قال السيد الرضي الموسوي رضي الله عنه : كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها. (2)
    قال الجاحظ في كتاب الغرّة : كتب عليّ إلى معاوية : غرّك غزّك ، فصار قصار ذلك ذلّك ، فاخش فاحش فعلك فعلّك تهدأ بهذا ، والسلام. (3)
    وروى أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه بإسناده عن الرضا عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام أنّ الصحابة اجتمعت فتذاكروا أنّ الألف أكثر دخولاً في الكلام من غيره ، فارتجل صلوات الله عليه الخطبة المونقة (4) وهي : حمدت من عظمت منّته ، وسبقت نعمته ، وسبقت رحمته (5) ، وتمّت كلمته ، ونفذت مشيئته ، وبلغت قضيّته (6) ، إلى آخرها.
    ثم ارتجل صلوات الله عليه خطبة اُخرى على غير نقطة ، أوّلها (7) : الحمد
1 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 7 / 23 ـ 24.
2 ـ نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 34.
3 ـ مناقب ابن شهراشوب : 2 / 48 ، عنه البحار : 40 / 163.
    وأورد القطعة الأخيرة في مطالب السؤول : 1 / 176 ، عنه البحار : 78 / 83 ح 86.
4 ـ انظر : شرح نهج البلاغة : 19 / 140 ، الخرائج والجرائح : 2 / 740 ح 56 ، كفاية الطالب : 393 ، مطالب السؤول : 1 / 173 ، مصباح الكفعمي : 741 ف 49 ، الصراط المستقيم : 1 / 222 ، البحار : 41 / 304 ح 36 ، وج 77 / 340 ، إثبات الهداة : 2 / 499 ح 372 وص 514 ح 432 وص 519 ح 457.
5 ـ في بعض المصادر : وسبقت رحمته غضبه.
6 ـ أي حكمه وقضاؤه.
7 ـ في المناقب : من غير النقط ، التي أوّلها.


(312)
لله اهل الحمد ومأواه ، وله أوكد الحمد (1) وأحلاه ، واسرع الحمد وأسراه ، واطهر الحمد وأسماه وأكرم الحمد وأولاه الي آخرها.
    ومثل قوله : من جهل شيئاً عاداه مثل قوله سبحانه : ( بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) (2) ، وقوله : المرء مخبوء تحت لسانه ، مثله : ( ولتعرفنَّهم في لحنِ القولِ ) (3) وقوله : قيمة كل امرىء ما يحسنه مثله (4) : « انَّ اللهَ اصطفاهُ عليكم وزادهُ بسطةً في العلم والجسمِ ». (5) (6)
    ومنهم الشعراء والبلغاء [ وهو اشعرهم ]. (7)
    قال الجاحظ في البيان والتبيين [ وفي كتاب فضائل بني هاشم أيضاً والبلاذري في أنساب الأشراف ) (8) : انَّ علياً كان أشعر الصحابه.
    تاريخ البلاذري (9) : كان ابوبكر يقول الشعر وعمر يقول الشعر وعثمان يقول الشعر وعلي أشعر الثلاثه.
    ومنهم العروضيّون ومن داره خرجت دائره العروض.
    روي أنّ الخليل بن احمد اخذ رسم العروض عن رجل من اصحاب محمد بن علي الباقر [ أو علي بن الحسين ] (10) عليه السلام ، ووضع لذلك اُصولاً.
1 ـ كذا في المناقب وفي الأصل : وأهل الحمدز
2 ـ سورة يونس : 39.
3 ـ سورة محمد صلّى الله عليه واله : 30.
4 ـ كذا في المناقب ، وفي الاصل : قوله.
5 ـ سورة البقرة : 247.
6 ـ مناقب ابن شهر اشوب : 48/2 ، عنه البحار : 163/40.
7 و 8 و 10 ـ من المناقب.
9 ـ أنساب الأشراف : 2/ 152 ح 155.


(313)
    ومنهم أصحاب اللغه العربّيه وهو أحكمهم.
    قال أبو محمد القاسم (1) الحريري في كتابه درّة الغواص (2) [ وابن فياض في شرح الاخبار ] (3) : إنّ الصحابه اختلفوا في الموءودة فقال لهم عليّ عليه السلام : إنّها لا تكون موءودة حتى تاتي عليها التارات السبع.
    فقال له عمر : صدقت اطال الله بقاءك أراد بذلك [ المبيّنه ] (4) بقوله سبحانه : ( ولقد خلقنا الانسانً من سُلالةٍ من طينٍ ) (5) إلى آخرها فاشار الي أنّه [ اذا ] (6) استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وُئد. (7)
    ومنهم الوعّاظ وليس لأحد من الامثال والعبر [ والمواعظ ] (8) والزواجر ما له ، نحو قوله : من زرع العدوان حصد الخسران ، من ذكر المنيّه نسي الاُمنيّه من قعد به العقل قام به الجهل ، يا أهل الغرور ما ألهجكم بدار خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ونعيمها مسلوب ، [ وعزيزها منكوب ] (9) ومسالمها محروب ، ومالكها مملوك ، وتراثها متروك ، وصنّف عبدالواحد الآمدي كتاب غرر الحكم (10) على حروف المعجم من كلامه عليه السلام.
    ومنهم الفلاسفه وهو ارجحهم عليه السلام.
1 ـ كذا الصحيح وفي الاصل : أبوالقاسم.
وهو ابو محمد القاسم بن علي الحريري ، منسوب الي صناعه الحرير او بيعه ، ولد قرب البصرة سنة 446 ه‍ ، وتوفي فيها سنة 516 ه‍ ، « مقدمة كتاب : درّة الغواّص في أوهام الغواصّ ».
2 ـ درّة الغواّص : 8.
3 و 6 و 8 و 9 ـ من المناقب.
4 ـ من المناقب. وفي درّة الغواّص : واراد عليّ عليه السلام السبع طبقات الخلق السبعه المبيّنه في قوله تعالي.
7 ـ قصد عليه السلام بذلك أن يدفع قولَ من توهم أن الحامل إذا اسقطت جنينها بالتداوي فقد وأدَته.
10 ـ غرر الحكم ودرر الكَلِم جمعه عبد الواحد بن محمد الآمدي التميمي المتوفي سنة « 510 » ه‍.


(314)
    قال : آنا النقطة ، انا الخط [ انا الخط ، ] (1) أنا النقطه ، أنا النقطه والخطّ.
    فقال جماعه : إن النقطه (2) هي الأصل ، والجسم حجابه والصوره حجاب الجسم لأنّ النقطه هي الأصل ، والخط حجابه [ ومقامه ] (3) ، والحجاب غير الجسد الناسوتي.
    وسئل صلوات الله عليه عن العالم العلوي ، فقال : صور عاريه عن الموادّ ، عاليه عن القوّه والاستعداد ، تجلّى لها فأشرقت ، وطالعها فتلألأت واُلقي في هويتّها مثاله فأظهر عنها أفعاله ، وخلق الإنسان ذا نفسٍ ناطقه ، إن زكّاها بالعلم فقد شابهت جواهر اوائل عللها ، واذا عللها ، واذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد.
    قال الشيخ الرئيس ابو علي سينا : لم يكن فيلسوفاً شجاعاً قطّ إلا عليّ بن ابي طالب عليه السلام. (4)
    ومنهم المجمّون وهو أكيسهم.
    سعيد بن جبير ، قال : استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان : قيل : ان اسمه كان مرخان بن شاسوا (5) استقبله من المدائن الي جسر توران (6) ، فقال : يا امير المؤمنين ، تناحست النجوم الطالعات وتمازجت النحوس بالسعود (7) ، واذا كان مثل هذا وجب على الحكيم الاختفاء ويومك هذا يوم صعب قد
1 و 3 ـ من المناقب.
2 ـ في المنافقب : القدره.
4 ـ مناقب ابن شهر اشوب : 2 / 48 ـ 49 عنه البحار : 40 / 164 ـ 65.
5 ـ في المناقب : وفي رواية قيس بن سعد : مرجان بن شاشوا.
7 ـ في المناقب : وتناحست السعود بالنحوس.


(315)
اقترن فيه كوكبان ، وانكفأ فيه الميزان ، وانقدح من برجك النيران ، وليس الحرب لك بمكان.
    فقال أمير المؤمنين : أيّها الدهقان ، المبنىء بالآثار ، المخوف من الأقدار ، ما كان البارحة صاحب الميزان ، وفي أيّ برج كان صاحب السرطان ؟ وكم الطالع من الأسد والساعات في الحركات ؟ وكم بين السراري والزراري ؟
    قال : سأنظر في الاسطرلاب.
    فتبسّم أمير المؤمنين وقال : ويلك يا دهقان ، انت مسيّر الثابتات ؟ أم كيف تقضي علي الحادثات (1) ؟ وأين ساعات الاسد من المطالع ؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع ؟ وما دور السراري المحرّكات ؟ وكم قدر شعاع المنيرات ؟ وكم التحصيل بالغدوات ؟
    فقال : لا علم بذلك ، يا أمير المؤمنين.
    فقال له : يا دهقان ، هل نتج علمك أنّه انتقل بيت ملك الصين ، واحترقت دور بالزنج ، وخمد بيت نار فارس ، وانهدمت منارة الهند ، وغرقت سرانديب ، وانقضّ حصن الأندلس [ ونتج بترك الروم بالروميّه ] (2). وفي رواية : البارحه وقع بيت بالصين ، وانفرج برج ماجين ، وسقط سور سرانديب ، وانهزم بطريق الروم بأرمينية ، وفقد ديّان اليهود بايلة ، وهاج النمل بوادي النمل ، وهلك ملك افريقية ، أكنت عالماً بهذا ؟
    قال : لا يا أمير المؤمنين وفي رواية : أظنّك حكمت باختلاف المشتري وزحل ، إنّما أنارا لك في الشفق ، ولاح لك شعاع المرّيخ في السحر ،
1 ـ في المناقب : الجاريات.
2 ـ من المناقب.
تسلية المُجالس وزينة المَجالس الجزء الأول ::: فهرس