ادب الطف الجزء الاول ::: 16 ـ 30
(16)
    والحديث عن قراء التعزية وخطباء المنبر الحسيني متشعب الاطراف ، بخاصة عن الذين لا يشعرون بالمسئولية ، ولا يقدرون لهذا المنبر هيبته وقداسته ، وما رأيت احد تناول هذا الامر بالدرس والبحث ، وعالجه معالجة موضوعية ، مع انه جدير بالاهتمام لتأثيره البالغ في حياتنا وعقيدتنا.
    ولو وجدت متسعاً من الوقت لتصديت ، ووضعت النقط على الحروف ، مع مخطط شامل يفي بالغرض المطلوب .. واكتفي الآن بهذه النصيحة ، وهي ان يجعل الخطيب نصب عينيه قول سيد البلغاء ، وامام الخطباء (ع) :
    ( لذكر ذاكر فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجها آذان السامعين ). هذا هو مقياس البلاغة الذي يحفظ للكلمة شرفها .. وهو واضح وبسيط ، كلام يتفق مع القلوب والآذان ، ولا شيء وراء ذلك.
    وختاماً نسجل تقديرنا لخطيب المنبر الحسيني الكفؤ صاحب هذه المجموعة التي ضاعفت حسناته بعدد ابياتها ، وشهدت له بالتتبع وسعة الاطلاع. والله سبحانه المسئول ان يجعلنا مع الذين جمعوا وخطبوا ، ونظموا وكتبوا في الحسين (ع) ودعا دعوته لوجه الله والانسانية.
بيروت في 1/1/1969


(17)
بِسم اللهِ الرَحمنِ الرّحيمِ
    مقدمة المؤلف :
    هذه الموسوعة تعطيك أوضح الصور عن أدب الشيعة وعن عقائدهم واتجاهاتهم وتمثل اصدق العواطف عن احاسيسهم ومشاعرهم فليس في الدنيا وقعة كوقعة الحسين هزّت العالم هزاً عنيفا وأثرت أثرها الكبير في النفوس واهاجت اللوعة واستدرت الدمعة بل هي التي كونت فيهم هذا الادب الثر والشعور الفياض وخلقت منهم اكبر عدد من الشعراء حتى قيل ان الادب شيعي وقيل : وهل وجدت اديباً غير شيعيّ. ذلك لأن الكبت والالم يدفعان الانسان للنظم وتصوير الحال بلسان المقال وما دام المرء يشعر بالثأر وحرارة الثكل لا ينام عن ثأره فيندفع يصوّر حاله معدداً آلامه مسامراً أحزانه في لياليه وأيامه وفي خلواته ومجتمعاته.
    ولا اريد ان أجمع كل ما جاء من شعر الشعراء في الامام الحسين ويوم الحسين ولا اقدر ان اقوم بذلك بل غايتي ان اعرض نماذج من شعرهم واعدّد أسماءهم


(18)
وادوارهم وعصورهم فكثيراً ما أسمع عن أدباء هذا العصر ان فلاناً يكتب عن أدب الطف ولكن لا ارى لذلك اثراً لذا بادرت لسدّ هذا الفراغ مستعيناً بالله سيما وان بعض هذا المجموع كنت قد حفظته عن ظهر غيب ورويته في الأندية الحسينية فان الخطيب الحسيني عندما يريد مزاولة الخطابة تكون نواة عمله وأساس خطابته هو الالمام بمعرفة الشعر الحسيني وحفظه عن ظهر غيب وإنشاده في المحافل الحسينية باللون الذي امرنا الأئمة بانشاده وعلى الطريقة المشجية.
    نعم ان الشعر الذي قيل في يوم الحسين عليه السلام يحتاج الى مئات المجلدات إذا أردنا استقصاءه وجمعه ، وإن شاعراً واحداً وهو الشيخ أحمد البلادي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري نظم الف قصيدة في رثاء الإمام الحسين عليه السلام ودوّنها في مجلدين ضخمين كما روى ذلك الشيخ الاميني في موسوعته ، وأن الشيخ الخليعي جمال الدين بن عبد العزيز وهو من شعراء القرن التاسع له ديوان شعر في الامام الحسين « ع » ، واني وقفت على ديوان للشيخ حسن الدمستاني من شعراء القرن الثالث عشركله في يوم كربلاء. وللشيخ محمد الشويكي من شعراء القرن الثاني عشر ديوان في مدائح النبي وآله ، وآخر في مراثيهم اسماه ( مسيل العبرات ) يحتوى على خمسين قصيدة في اوزان مختلفة وبين ايدينا كتاب ( المنتخب ) للشيخ محي الدين الطريحي المتوفي في القرن الثاني عشر وفيه عشرات القصائد ولا يعلم قائلها ومثله مئات المقاتل التي تروي قصة الحسين عليه السلام وتثبت شواهد من الشعر الذي قيل في رثائه وبين ايدينا مجاميع خطية في المكتبات العامة والخاصة وفيها المئات من القصائد الحسينية ولم يذكر اسم ناظمها وقائلها.
    وهكذا كانت ثورة الحسين غطت بسناها المشارق والمغارب واستخدمت العقول والأفكار فهي نور يتوهج في قلوب المسلمين فيندفع الى افواههم مدحاً ورثاء ، وهي انشودة العز في فم الاجيال تهز القلوب وتطربها و تحيي النفوس بالعزائم الحية ، ذلك لأن هدف الحسين ما كان هدفاً خاصاً حتى تختص به فئة


(19)
دون فئة او يقتصر على طائفة دون طائفة ، بل كان هدفاً عالمياً فعلى كل ذي شعور حي ان يحتفل بذكراه ، قال الفيلسوف جبران خليل جبران : لم أجد انساناً كالحسين سجل مجد البشرية بدمائه ، وقال الزعيم الهندي غاندي. تعلمت من الحسين ان أكون مظلوماً حتى انتصر.
    قال عبد الحسيب طه في ( ادب الشيعة ) والواقع أن قتل الحسين على هذه الصورة الغادرة ـ والحسين هو من هو ديناً ومكانة بين المسلمين ـ لابد أن يلهب المشاعر ، ويرهف الأحاسيس ويطلق الألسن ، ويترك في النفس الإنسانية اثراً حزيناً دامياً ، ويجمع القلوب حول هذا البيت المنكوب.
    وهال الناس هذا الحادث الجلل ـ حتى الأمويين انفسهم ـ فأقضَّ المضاجع واذهل العقول وارتسم في الأذهان ، وصار شغل الجماهير وحديث النوادي.
تجاوبت الدنيا عليك مآتماً نواعيك فيها للقيامة تهتف
    فما تجد مسلما الا وتجيش نفسه لذلك الدم المهدور وكأنه هو الموتور أجل فلا تختص بذلك فئة دون فئة ولا طائفة دون طائفة وكأن الشاعر الذي يقول :
حب آل النبي خالط قلبي كاختلاط الضيا بماء العيونِ
    إنما يترجم عن عاطفة كل مسلم ، وهل التشيع إلا حب آل محمد ، ومن هذا الذي لايحب آل بيت رسول الله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
ملامك في آل النبي فانهم أحباي ما داموا وأهل تقاة
    قال النبهاني في ( الشرف المؤبد لآل محمد ) ص 99 روى السبكي في طبقاته بسنده المتصل الى الربيع بن سليمان المرادي ـ صاحب الامام الشافعي ـ قال خرجنا مع الشافعي من مكة نريد منى فلم ينزل وادياً ولم يصعد شعبا إلا وهو يقول :


(20)
يا راكباً عجْ بالمحصّب من منـى سحراً اذا فاض الحجيج الى منى إن كـان رفضـاً حبّ آل محمد واهتف بساكن خيفها والناهض فيضا كملتطم الفرات الفائـض فليشهد الثقـلان أني رافضـي
    بل صرح بشعره ان محبة أهل البيت من فرائض الدين فقال :
يا اهل بيت رسول الله حبكم كفاكم من عظيم الفخر انكم فرض من الله في القرآن انزله من لم يصلّ عليكم لا صلاة له
    وقال ابن حجر في ( الصواعق المحرقة ) ص 101 وللشيخ شمس الدين ابن العربي قوله :
رأيـت ولائـي آل طـه فريضـة فما طلب المبعوث أجراً على الهدى على رغم أهل البعد يورثني القربى بتـبليغه إلا الـمودة في القربـى
    هذا الحب الذي هو شعبة من شعب الاسلام ، ظاهره عواطف اسى عميقة على ما أصاب اهل هذا البيت من كوارث وما اعتورهم من نكبات في مختلف الأوطان والعصور الاسلامية مما جعل حديثه شجى كل نفس ولوعة كل قلب.
    ان المبالغة في التنكيل بهم أظهرتهم مظهر المظلومين المعتدى عليهم ، فكان العطف عليهم أعمّ والتأثر لمصابهم اوجع ، هذه العواطف غير المشوبة ولا المصطنعة اضفت على الشعر الشيعي كله لوناً حزيناً باكياً ، تحته جيشان : نفسي ثائر ذلك لدمهم المطلول ، وهذا لحقهم الممطول ، وبين هذا وذاك فخر يفرع السماء بروقيه ، ومجد يطاول الأجيال ، يقول محمد بن هاني الأندلسي في قصيدة له :
غدوا ناكسي ابصارهم عن خليفة وروح هدى في جـسم نور يمده على كل خـط من أسرّة وجـهه امـام هدى ما الـتفّ ثوب نبوة علـيم بسـر الله غـير معـلم شعاع من الأعلى الذي لم يجسّم دليل لـعين الـناظر المـتوسّم على ابن نـبيّ منه بالله أعلم


(21)
ولا بـسطت ايدي العـفاة بنانـها ولا التمـع التـاج المفصّل نظمه ففيه لنـفس مـا اسـتدلّت دلالة بكم عـز ما بين البقـيع ويـثرب فلا برحت تترى علـيكم من الورى الى أريحي منه أندى واكـرم على ملك منه أجلّ وأعـظم وعلم لاخرى لم تـدّبر فتـعلم ونسّك ما بين الحطيم وزمزم صلاة مصلّ أو سلام مـسلم
    ماعرف التاريخ من أول الناس حتى يومهم هذا أن شخصاً قيل فيه من الشعر والنثر كالحسين بن علي بن ابي طالب فقد رثاه كل عصر وكل جيل بكل لسان في جميع الازمان ووجد الشيعة مجالا لبث احزانهم ومتنفساُ لآلامهم من طريق رثاء الحسين سيما وهذه الفرقة محاربة في كل الحكومات وفي جميع الادوار ومما ساعد على ذلك أن فاجعة الطف هي الفاجعة الوحيدة في التاريخ بفواجعها وفوادحها فتميزوا بالرثاء وابدعوا فيه دون باقي ضروب الشعر فاجادوا تصويره وتنميقه.
    وكان السبب الكبير الذي دفع بالشيعة لهذا الاكثار من الشعر هو حث ائمتهم لهم على ذلك وما اعد الله لهم من الثواب تجاه هذه النصرة قال الامام الصادق عليه السلام : من قال فينا بيتاً من الشعر بنى الله له بيتاً في الجنة(1).
    وقال عليه السلام : من قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى ، غفر الله له ، ووجبت له الجنة.
    ثم احتفاء اهل البيت بمكانة الشاعر وتقديره وتقديم الشكر على نصرته لهم
1 ـ عيون اخبار الرضا للصدوق.

(22)
والدعاء له بأجمل الدعاء وألطفه كما جاء من دعائهم للكميت ، ودعبل ، والحميري واضرابهم في تلك العصور التي كمت الافواه وغلت الايدي عن نصرة اهل البيت ولم يعد يجسر احد من الشعراء على المجاهرة بثراء الحسين عليه السلام لشدة الضغط الاموي الا الشاذ الذي ينظم البيت والبيتين ينطلق بهما لسانه ، وتندفع بهما عاطفته وكذا الحال في الدور العباسي.
    مضى على الذكريات الحسينية ردح من الزمن وهي لاتقام الا تحت ستار الخفاء في زوايا البيوت وبتمام التحفظ والاتقاء حذار ان تشعر بهم السلطة الزمنية.
    قال ابو الفرج الاصبهاني قي مقاتل الطالبيين : كانت الشعراء لاتقدم على رثاء الحسين عليه السلام مخافة من بني امية وخشية منهم.
    وفي تاريخ ابن الاثير عندما اورد قصيدة اعشى همدان التي رثى بها التوابين الذين طلبوا بثار الحسين التي منها :
فساروا وهم مابين ملتمس التقى وآخر مما جرَّ بالامس تائب
    قال : وهي مما يكتم في ذلك الزمان. (1)
    وقال ابو الفرج في مقاتل الطالبيين : قد رثى الحسين بن علي (ع) جماعة من
1 ـ اقول والقصيدة مطلعها كما في الاعيان ج 35 ـ ص 328.
الـمّ خـيال مـنك يـا امّ غـالب فما انس لا انس انتقالك في الضحى تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشـى فتلك النوى وهي الجوى لى والمنى ولا يبـعد الله الشـباب وذكـره فـاني وان لـم انسهن لـذاكـر فـحـييت عنا من حبيـب مـجانب الينا مع البيض الحسان الخراعـب لطـيفة طيّ الكشـح ريّـا الحقائب فاحـبب بها من خـلة لم تصاقـب وحب تصافي المعصرات الكواعب رويّـة مخـبات كـريم المناسـب

(23)
متأخري الشعراء استغنى عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الاطالة واما ماتقدم فما وقع الينا شيء رثى به ، وكانت الشعراء لاتقدم على ذلك مخافة من بني امية وخشية منهم انتهى.
    وقال الشيخ عباس القمي في ( الكنى والالقاب ) راوياً عن معجم الشعراء للمرزباني ان عوف بن عبد الله الازدي ـ كان ممن شهد مع علي بن ابي طالب في صفين ـ له قصيدة طويلة رثى بها الحسين ، وكانت هذه المرثية تخبأ أيام بني امية وانما خرجت بعد كذا ، قال ابن الكلبي منها :
ونحن سمونا لابن هند بجحـفلٍ كرجل الدبا يزجي اليه الدواهيا
    اقول وأول القصيدة :
توسـل بالتـقـوى الى الله صادقـا وخلى عن الدنـيـا فلم يلتـبس بـهـا تـخلى عن الدنـيـا وقـال طرحـتها ومـا انا فيمـا يـكـره النـاس فـقده توجـه مـن نحـو الثـوية سـائـرا بـقـوم هـم اهـل التـقية والنهـى مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبـة فـساروا وهـم مابين ملـتمس التقى فـلاقوا بعين الوردة الجيش فاصـلاً يمـانية تـذري الاكـف وتـارة فـجاءهم جـمع من الـشـام بـعده فـما برحـوا حتى أُبيدت سراتـهم وغودر اهل الصبر صرعى فاصبحوا فأضحى الخزاعـي الرئيس مجـدلا وتقوى الآله خير تـكساب كـاسب وتـاب الى الله الرفـيع الـمراتب فلسـت اليـها ما حيـيت بـآيـب ويسـعى له الساعون فيها براغب الى ابن زياد في الجموع الكـتائب مصالـيت انجـاد سراة منـاجب ولم يسـتجيبوا للأمير المـخاطب وآخر ممـا جرّ بـالامـس تائـب اليهـم فحـسوهم ببـيض قواضب بخيل عـتاق مـقربـات سلاهـب جموع كموج البحر من كل جانـب فـلم ينـج منهم ثمّ غير عصائـب تعاورهم ريح الصـبا والجنائـب كأن لم يقـاتل مـرة ويـحـارب

(24)
صحوت وودعت الصبا والغوانيا وقولوا له اذ قام يدعو الى الهدى سقى الله قبراً ضمن المجد والتقى فيا امة تاهت وضـلت سفـاهة وقلت لاصحابي اجـيبوا المناديا ـ وقبل الدعا ـ لبيك لبيك داعيا ـ بغربية الطف الغمام ـ الغواديا أنيبوا فارضوا الـواحد المـتعاليا
    وستذكر في ترجمته.
    من اجل ذلك كان للمجاهر بفضل اهل البيت قسط كبير عندهم ، قال الامام الباقر عليه السلام للكميت لما انشده قصيدته : من لقلب متيم مستهام. لا تزال مؤيداً بروح القدس (1) واستأذن الكميت على الصادق عليه السلام في ايام التشريق ينشده قصيدته ، فكبر على الامام ان يتذاكروا الشعر في الايام العظام ، ولما قال له الكميت انها فيكم ، أنس ابو عبدالله عليه السلام ـ لان نصرتهم نصرة لله ـ ثم دعا بعض اهله فقرب ، ثم انشده الكميت فكثر البكاء ولما اتى على قوله :
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا آخراً اسدى له الغي أول
    رفع الصادق يديه وقال : اللهم اغفر للكميت ما قدم وأخر وما اسر وأعلن واعطه حتى يرضى (2).
    وهكذا فقد صبغت حادثة الامام الحسين عليه السلام ، ولا تزال تصبغ ادب الشيعة بالحزن العميق والرثاء المؤلم موشحاً بالدموع واستدرار البكاء حتى ظهر ذلك على غنائهم وشكواهم من احبابهم وعتابهم لأصدقائهم.
    وبالوقت الذي نقرأ في شعرهم اللوعة والمضاضة نحس بالأستنهاض والثورة فهي نفوس شاعرة متوثبة صارخة بوجه الظلم والطغيان والفساد والاستبداد منددة بالولاة الجائرين والظلمة المستهترين ، واليك نموذجاً من ذلك :
1 ـ رجال الكشى ، ص 181.
2 ـ الاغاني ج 15 ص 118. ومعاهد التنصيص ج 2 ، ص 27.


(25)
ان لم اقف حيث جيش الموت يزدحم لابـد أن أتـداوى بالـقـنا فلـقـد عندي من الـعزم سـر لا أبـوح به لا ارضعت لي العلى ابناً صفو درّتها إلـية بضـبا قومـي الـتي حـمدت لاحلـبن ثـدي الـحـرب وهي قنـاً مالـي أسـالـم قوماً عنـدهم تـرتى فلا مشت بي في طرق العلا قدم صبرت حـتى فـؤادي كله ألـم حتـى تبوح به الـهنـدية الخذم ان هكذا ظل رمحي وهو منفـطم قدما مواقعها الهيـجـاء لا القمم لبانها من صدور الشوس وهو دم لا سالمتني يد الايام ان سـلـموا
    هذه أبيات من مطلع قصيدة للسيد حيدر الحلي لا تقل ابياتها عن السبعين بيتا وهي على هذا اللون من الاستنهاض للهاشميين وشيعتهم وحتى يقول فيها والخطاب للحجة المهدي من آل محمد صلوات الله عليهم :
ما خلت تقـعد حتى تستثار لهـم لم تبق أسيافهم منكم على ابن تقى فلا وصفحك ان القوم ما صفحوا وأنت أنت وهم فيما جنوه هم فكيف تبقى عليـهم لا أبا لهم ولا وحلمك ان القوم ما حلموا
    ويلتفت الى بني هاشم فيقول :
يـا غادياً بمـطايـا الـعزم حمّلـهـا عرّج على الحي من عمرو العلى فأرح وحـيّ منـهـم حمـاة لـيس بابنهـم قـف منهم موقـفاً تغلى القلـوب بـه جـفّت عزائـم فهـر أم تردى بردت أم لـم تجد لذع عتـبي في حشاشـتها ايـن الشـهامة أم ايـن الحـفاظ امـا هماً تضيـق به الأضلاع والحزم منهم بحيث اطمان الباس والكـرم من لا يرف عليه في الوغي العـلم من فورة العتب واسأل ما الذي بهم منها الحمـية أم قد مـاتت الـشيم فقد تـساقط جمراً من فـمي الكلم يأبي لهـا شرف الاحساب والكرم


(26)
تسبى حرائرها بالطف حاسرة ولم تكن بغبار الموت تلتثم
    وقصائد السيد حيدر المعروفة بالحوليات تزيد على العشرين كلها على هذا اللون وهذا النسق والاتجاه ولهذا الشاعر نظائر تضيق بتعدادهم بطون الدفاتر لازالت ترددها المحافل وتسير بذكرها القوافل ، وحسبك ان تجد حتى الطبقة الاميّة من أبناء الشيعة يحفظ هذه الأشعار الحسينية ويستشهد بها ويستعذب انشادها وترديدها ، والحق ان المآتم الحسينية من اكبر وسائل التهذيب عند الشيعة وهي التي جندت اكبر عدد من أنصار اهل البيت والدعوة الى مبدأهم ونصرتهم ولفتت انظار الناس الى مظلوميتهم وحقهم المغتصب فلا تعجب اذا حاربها المعاند والجامد وراح يهزأ بها ، والمتجاهل المكابر ، حتى قال :
هتكوا الحسين بكل عام مرة ويلاه من تلك الفضيحة انها وتمـثلوا بعـداوة وتـصوروا تطوى وفي ايدي الروافض تنشر
    وقال بعضهم :
لا عذّب الله يزيداً ولا لأنه قد كـان ذا قدرة لكنه ابـقـى لنا مثلكم مدت يد السـوء الى رحـله على اجتثاث الفرع من اصله عـمداً لكي يـعذر في فـعله
    فيجيبه الشاعر الخفاجي (1) بقوله :
يا قـاتل الله يزيـداً ومـن اطـفأ نوراً بعـضه مشرق والله ابقى الفرع حربـاً على ليـظهر الدين به والـهدى يعذره الكـافر فـي فـعلـه يدل بالفـضل علـى كـلـه من رام قطع الفرع من اصله ويجعل الـسادة مـن نـسله

1 ـ هو عبد الله بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي ، صاحب قلعة عزاز ، له شعر في امير المؤمنين (ع) توفي سنة 466 هـ.

(27)
    اما البيتين المتقدمين فقد ذكرهما السيد محمود شكري الآلوسي في ( مختصر التحفة الاثنى عشرية ) ص 383 والمطبوعة بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1373 هـ وعليها تعليق محب الدين الخطيب وبعد أن عاب المظاهر الحسينية التي تقوم بها الشيعة قال : والله در من قال : هتكوا الحسين بكل عام مرة .. البيتين.
    اقول وتقدم من شعراء الشيعة مدافعين عن عقائدهم بالرد على هذا الشاعر ، منهم العلامة الجليل الشيخ محمد رضا المظفر حيث يقول مشطراً :
( هتكوا الحسين بكل عام مرة ) قد حرموا فيه المواكب والبكا ( ويلاه من تلك الفضيحة إنها ) احسبتم آثـار هذا الديـن ان قـوم على تـلك المـآتم انكـروا ( وتـمثلـوا بعـداوة وتصـوروا ) أبـداً على مـر اللـيالي تذكـر ( تطوى وفي ايدي الروافض تنشر )
    وقلت مشطراً :
( هتكوا الحسين بكل عام مرة ) قد حاربوه وهو بضعة احمد ( ويلاه من تلك الفضيحة انها ) يا ساترا وجه الحقيقة لا تخل اذ تبعث الذكـرى فـظائع تـذكر ( وتمثلوا بعـداوة وتـصـوروا ) عار بوجـه امـية لا يــنـكر ( تطوى وفي ايدي الروافض تنشر )
    أقول وقد جمع العلامة البحاثة السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم هذه الردود في كتابه ( عاشوراء في الاسلام ).
    بوركت يا سيد الشهداء وبوركت نهضتك الجبارة فيما عرف التاريخ أيمن منها واكثر بركة ، انها علمتنا معنى العزة والكرامة والرجولة والشهامة ، وكيف يكون المؤمن بربه حقاً ، واذا عددنا امجاد العرب ففي مقدمة ذلك جهاد الحسين وثورة الحسين وإباء الحسين منذ الف وثلثمائة عام تمر بالعصور.


(28)
    فتستخدمها ويمر كل يوم ذكراه فيقيم الدنيا ويقعدها بالرغم من تقلب الزمان وتطور الاحداث يقول الكاتب المصري ابراهيم عبد القادر المازني :
    لا يزال مصرع الحسين بعد اربعة عشر قرناً يهز العالم الاسلامي هزاً عنيفاً ، ولست اعرف في تاريخ الامم قاطبة حادثة مفردة كان لها هذا الاثر العميق على الزمن في مصائر دول عظيمة وشعوب شتى.
    ولقد بلغت من الذيوع والشهرة ، ان اصبح يرويها الكبير والصغير والمسلم وغير المسلم.
    وبعد فهي موضع الشاهد ومضرب المثل في كل ما يمر في هذه الحياة وسلوة المصاب وعزاؤه اذ انها تصغر عندها المصائب على حد قول الشاعر :
أنست رزيتكم رزايانا التي وفجائـع الأيـام تبقى مدة سلفت وهوّنت الرزايا الاتـية وتزول ، وهي الى القيامة باقية
    يقول الشاعر العلوي السيد محمد سعيد الحبوبي مؤبناً السيد ميرزا جعفر القزويني ـ قائد الحركة الأدبية في عصره في الحلة الفيحاء موطن الادب والشعر ـ وكان الفقيد قد لبّى نداء ربه في اول محرم الحرام وبه تعود ذكرى الحسين فقال من قصيدة له :
كان المحرم مخبراً فأريـتنا فكأن جسمك جسـمه لكـنه وكأن رأسك رأسه لو لم يكن وجبينك الوضاح مثل جبينه وحملت أنت مشرّفاً ايدي الورى يا جعفر فيـه الحسين قتيـلا كان العفير وكنت انت غسيلا عن منكبيه مـميزاً مفـصولا بلجاًوليس كمـثـله تـجديلاً وثوى بنعـش لم يكن محمولا


(29)
إن تـنأ عنا راحـلاً كرحـيله فلرب سجاد تـركت علـيلا
    ويدخل القاضي الرشيد ابو الحسين احمد بن القاضي الرشيد علي المصري الاسواني الى مصر بعد مقتل الظافر بالله العباسي وجلوس الفائز بالله ويحضر المأتم وقد حصر شعراء الدولة فأنشدوا مراثيهم على مراتبهم فقام هذا الشاعر في آخرهم وأنشد قصيدته التي أو لها :
ما للرياض تميل سكراً هل سقيت بالمزن خمرا
    إلى أن وصل الى قوله :
أفكربلاء بالعراق وكربلاء بمصر أخرى
    فتذرف العيون ويعج القصر بالبكاء والعويل وتنثال العطايا من كل جانب على الناظم لاهتدائه لحسن المناسبة.
    ويتكرر اسم الحسين عليه السلام على لسان امير الشعراء احمد شوقي فيقول في رثائه للزعيم مصطفى كامل باشا ـ مؤسس الحزب الوطني ـ في قصيدته التي أولها :
المشرقان عليك ينتحبان قاصيهما في مأتم والداني
    ومنها :
يزجون نعشك في السناء وفي السنا وكـأنه نـعش الحسين بكـربـلا فكأنما في نعشك القـمران يختال بين بكى وبين حنان
    ويقول شوقي بك في قصيدته الحرية الحمراء :
في مهـرجان الحق أو يوم الدم يبـدو علـيها نورَ نورُ دمـائها مهـج من الشهداء لم تتكلـم كدم الحسيـن على هلال محرم


(30)
    ويفجع دعبل بن علي الخزاعي بولده الصغير احمد فيتأسى بمصارع آل محمد ، ويقول :
على الكره ما فارقت احمد وانطوى ولولا الـتأسـي بالنـبـي وأهـله هـو النـفس ، الا أن آل مـحمـد اضرّ بهم ارث النـبي فأصبـحوا دعتـهم ذئـاب من امية وانتـحت عليه بـناء جـندل ورزيـن لأسبل من عيني عليه شـؤون لهم دون نفسي في الفؤاد كمين يـساهم فيهم مـيتـة ومـنون (1) عليـهم دراكاً أزمـة وسـنون (2)
    ويقول الحسين بن احمد الكاتب النيلي البغدادي المشهور بابن الحجاج من شعراء القرن الرابع الهجري :
وأبرصٌ من بني الزواني قـلت وقد لـجّ بـي أذاه يامعشر الشيعة الحـقوني مـلمّع أبـلق الـيديـنِ وزاد ما بيـنه وبـيني قد ظفر الشمر بالحسين (3)
    ويقول ابن عبدون احد شعراء الاندلس :
أراك ترنو اليّ شـزراً كأننـي من بني زيـاد بمقلة تستـجيز حينـي وأنت من شيعة الحسين
    ويقول الشيخ حمادي الكواز في معرض العتاب على الحبيب :
1 ـ ساهم : قارع ( من القرعة ) واراد بالمنون : الاغتيال.
2 ـ الدراك : المداركة ، اي الملاحقة. والسنة الازمة والقحط.
3 ـ ذلك ان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين عليه السلام كان ابرصا.
ادب الطف الجزء الاول ::: فهرس