أدَبُ الطّفّ ـ المجلد الثالث ::: 91 ـ 105
(91)
حيت وأردت فمن أنوائها أبداً أعيت صفاتك فكري وهي واضحة صوبُ الندى والردى في الناس منهمر فالشمس يعجر عن إدراكها البصر
    وقوله من قصيدة :
جمعَ الفضائل كلها فكأنما ما كان يبقي عدلُه متظلماً لا يرتضي في الجود سبقَ سؤال من أضحى لشخص المكرمات مثالا لو كان ينصف جوده الأموالاً يرجوه حتى يسبق الآمالا
    وقوله من المراثي في كبير ، عقب موته نزول مطر كثير :
بنفسي من أبكى السموات موته فما استعبرت إلا أسىً وتأسفاً بغيث ظنَّناه نوال يمينه وإلا فماذا القطر في غير حينه ؟
    وقوله :
فإن تكُ قد غاضت بجود أكفِّكم وخانتكُم ـ والدهر يرجى ويتَّقى فلا تيأسوا إن الزمان صروفه عيون وفاضت بالدموع عيون حوادث أيام تفي وتخون وأحداثه مثل الحديث شجون
    وقوله من قصيدة :
هو الدهر ، فانظر أي قون تحاربه ليال وأيامٌ يُغَرُّ بها الورى وقد دهمتنا دهمه وأشاهبُه (2) وما هي إلا جنده وكتائبه
    ومنها :
وما سُمُّه غير الكرام كأنما مناقبهم ـ عند الفخار ـ مثالبه
    ومنها :
لقد غاب عن أفق العلا كل ماجدٍ له حاضر المجد التليد وغائبه

1 ـ يريد الليالي والأيام على التشبيه بالخيل.

(92)
إذا ذكـرته الـنفس بـتُّ كأنني وكـم لـيلة سـاهرت أنجم أفقها يـطول عـليَّ الليل حتى كأنما وقـد أسلم البدر الكواكب للدجى يـخيل لـي أن الـظلام عـجاجة وأن الـبروق الـلامعات سيوفه أسـيرُ عـداً سدت عليه مذاهبه إذا غاب عني كوكب لاح صاحبه مـشـارقه للـناظرين مـغاربه وفـاءً لـبدرٍٍ أسـلمته كـواكبه وأن الـنجوم الـساريات مواكبه وأن الـغيوث الـهامعات مواهبه
ومنها :
فقل لليالي بعد ما صنعت بنا ألا هكذا فليسلب المجد سالبه
وقوله في العتاب والهجاء من قصيدة :
خـليلي إن ضـاقت بـلاد برحبها يـظن رجـال أنـني جئتُ سائلا ومـا أنـا مـمن يـستفز بمطمع ولـكنني أصـفيت قـوماً مدائحي فإن كنتُ لا أُلفي على المنح ساخطاً مـحاسن لـي فـيهم كثيرٌ عديدها تُـقلّدهم مـن درّ نـحري قـلائداً ورائـي فـما ضاق الفضاء أماميا فـاسخطني أن خـاب فيهم رجائيا فـيخلفه مـنه الـذي كـان راجيا فـأصبح لـي تقصيرهم بي هاجيا كـذلك لا أُلـفي على البذل راضيا ولـكـنها كـانت لـديهم مـساويا ولـو شئتُ عادت عن قليلٍٍ أفاعيا
ومنها :
ولو كنتُ أنصفتُ المدائح فيهمُ لصيّرتُها للأكرمين مراثيا
وقوله في ذم الزمان :
كم كنت أسمع أن الدهر ذو غيرٍ فاليوم بالخُبر أستغني عن الخَبَرِ



(93)
ومنها :
تـشابه الـناس فـي خلق وفي ( خُلُق ) ولـم أبـت قـط مـن خلقٍ على ثقةٍ لا تـخـدعني بـمـرئي ومـسـتمع وكـيف آمـن غـيري عـند نـائبة تـأبى الـمكارم والمـجد الـمؤثل لي إنـي لأشـهرُ فـي أهل الفصاحة من وسـوف أرمـي بـنفسي كـل مهلكة إمــا الـعُلا وإلـيها مـنتهى أمـلي تـشابه الناس في الأصنام في الصور إلا وأصـبحت مـن عقلي على غرر فـما أصـدّقُ لا سـمعي ولا بصري يـوماً إذا كـنتُ من نفسي على حذر مـن أن أقـيم وآمـالى عـلى سـفر شـمسٍ وأسـير فـي الآفاق من قمر تسرى بها الشهب إن سارت على خطر أو الــردّى وإلـيه مـنتهى الـبشر
وقوله :
لا تـنكرنَّ مـن الأنام تفاوتاً فالناس مثل الأرض منها بقعة إذ كـان ذا عـبداً وذلك سيّدا تلقى بها خبثاً وأخرى مسجدا
وقوله :
ومن نكد الأيام أني كما ترى أمنت عداتي ثم خفت أحبتي أكابد عيشاً مثل دهري أنكدا لقد صدقوا إن الثقات همُ العدا
ومن شعره في عدة فنون قوله :
لا تـطمعن في أرض أن أقيم بها حيث اغتربت فلي من عفتي وطنٌ لـولا الـتنقل أعيا أن يبين على فليس بيني وبين الأرض من نسب آوى إلـيه وأهل من ذوي الأدب باقي الكواكب فضل السبعة الشهب



(94)
وقوله في شمعة :
ومـصفرَّة لا عن هوى غير أنها شـجوناً وسقماً واصطباراً وادمعاً إذا جمشتها (1) الريح كانت كمعصم تـحوز صـفات المستهام المعذَّب وخـفقاً وتـسهيداً وفـرط تلهب يـردُّ سـلاماً بـالبنان المخضَّب
وقوله :
لـئن زادنـي قرب المزار تشوقاً فـما أنـا إلا مـثل سـاهر لـيلة لـلقياك ، آدى فـعله عـدم الحسِّ بدا الفجر فازداد اشتياقاً إلى الشمس

1 ـ التجميش ، الملاعبة والمغازلة.

(95)
طلايع بن رُزَّيك
يا تربـة بالــطف جادت وغـدا الربــيع مـقـيدا حتى يرى الـدمن المروعة ولئـن أخيف حيا السحائب وحمـتك بـارقـة الـعدى فلقد سقـيت مـن الروابي اذ ضيع الـقوم الشـريعة منعـت لذيذ المـاء منـه قد أشـرعت صـم القـنا غدرت هنـاك ومـا وفت لـمـا دعـته أجـابـها شـاع النفـاق بـكـربلا هيهات سـاء صـنيعـهم يا فـعـلة جـاؤا بـهـا خاب الذي أضحى الحسين أفـذاك يـرجـو ان يكون عجباً لمغـروريـن ضيّع فـوقـك الديـم الهـموعـه فـي ربـعك الـعافي ربيعه منـك مخصبـة ضـريعـه فـيـك أن يــذري دموعه عن كـل بـارقـة لـموعه الطهـر عـن ظـمأ نجيـعه فيـه لـحفظهم الشـريعــه كــتائـب مـنـهم مـنيعه فحمتــه مـن ورد شروعه مضـر العـراق ولا ربيعـه ودعـا فمـا كـانت سـميعه فيهم وقالـوا : نحــن شـيعه فيهـا وما عـرفـوا الصنيعه فـي الغدر فاضـحة شنـيعه لطول شـقـوتــه صريـعه مــحـمد أبـداً شفيــعـه قومــهم بهــم الـوديـعة


(96)
ولأمـة كـانـت الـى وغدت بحـق نـبيهـا جـار الـظلال بهـا و عصت النبي وأصبحت باعـت هناك الـديـن ما كان فيما قـد مضى تحت السقيفة أضـمرت فلذاك طاوعت الـدعي بجيوش كفر قـد غـدا أبني أميـة ان فعـلكم وأبو بـنيه وصهـره ووصـيـه وأمـيـنه ما حل مـسـجده ولا صبراً أمير المؤمنين فأ صلة البني اليك كانت ما شاء خـالقـها سـريعه في حفظ عتـرته مضـيعه نور الحق قد أبدى سطوعه لسـواه سـامعـة مطـيعه بالدنيا وخـسران كبـيـعه اسلامهـا إلا خـديـعــه ما بالطـفوف غـدت مذيعه وكثـرت منـه جمـوعـه ذاك الـنفاق لهـا طـليـعه بـهـم بـئس الذريـعــة وأخـوه ذو الحـكـم البديعه بعد الوفـاة عـلى الـشريعه بـيـت البـتول ولا بقـيعه نـت ذو الـدرج الـرفيـعه منـهم سبـب الـقطيـعـه


(97)
    الملك الصالح فارس المسلمين طلايع بن رُزّيك المولود سنة خمس وتسعين وأربعمائة بأرمينية ، مدينة بأذربيجان ونشأ وتربى على الفضل والأدب والكمال وكبر النفس وسمو الغاية وبُعد المقصد وقوَّة العقيدة ، قال المقريزي في خططه : وكان محافظاً على الصلاة ، فرائضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع. قال ابن العماد : وكان يجمع الفقهاء ، ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر.
    تولى الوزارة للخليفة الفائز سنة 549 ويسمى : الملك الصالح ولم يلقب أحد من الوزراء قبله بالملك. وعلا نجمه وارتفع شأنه وعظمت هيبته لما أبداه من بطولة وسياسة وحنكة وفراسة مضافاً إلى سماحة كفه وفيض نائلة وبره بالعلماء والأدباء وإكرامه وتقديره للشعراء والفضلاء ، وكان كما قيل فيه :
    حاز الملك الصالح طلايع من العلوم والاداب ما لم يدانه فيه احد من الامراء والملوك في زمانه وسمع من الشعرفاكثر ، وكان متكلماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا مع مسؤوليته السياسية والتفكير في شؤون الجيش وإعداده وتأميم حياتهم الفردية والاجتماعية وما يفتقرون اليه من العتاد والأسلحة والذخائر الحربية ، كيف لا وفي نفسيته الكبيرة ذلك الأمل والطموح في غزو الصليبيين وقتلهم وشن الحملات والغارات عليهم. وقد أجمع المؤرخون على فضله وعلمه وعظيم مواهبه.
    قال علي بن أحمد السخاوي الحنفي : جمع له بين السلطنة والوزارة وكان

أدب الطف ـ م (7)


(98)
مجاهداً في سبيل الله ، وهو الذي أنشأ الجامع تجاه باب زويلة المعروف الآن يجامع الصالح. وهو بظاهر القاهرة.
    وقال الشيخ القمي في الكنى والألقاب : الملك الصالح فارس المسلمين كان وزير مصر للخليفة العاضد بعد وزارته للفائز ، وتزوج العاضد بابنته ، وكان فاضلاً سمحاً في العطاء محباً لأهل الأدب.
    ويقول المقريزي : كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محباً لأهل الأدب جيِّد الشعر ، رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسة وتدبيراً ، وكان مهاباً في شكله ، عظيماً في سطوته ، ولم يترك مدة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر ، وكان يخرج البعوث في كل سنة مراراً ، وكان يحمل في كل عام الى اهل الحرمين بمكة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون اليه من الكسوة وغيرها حتى يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها ، والأقلام والمداد.
    وفي سنة 559 كانت المؤامرة على اغتياله وقتله ، وبكاه الناس وندبته المحافل ورثته الشعراء منهم الفقيه عمارة اليمني رثاه بقصائدة كثيرة منها قوله :
أفي اهل ذا النادي عليهم أسائلـه سمعـت حديثاً أحسد الصم عنده فهل من جواب يستغيث به المنى وقد رابني من شاهد الحال أنني فإنـي لـما بي ذاهـب اللب ذاهلـه ويذهل داعـيه ويـخـرس قـائـله ويعلـو على حـق المصيبة بـاطـله أرى الدسـت منصـوبا وما فيه كافله
    ورثاه أبو الندى حسان بن نمير بقصيدة مستهلها :
جلّ ما أحدثت صروف الليالي ملك بعد قبضه بسـط الخطـ عند مستقطم العلى والجلال ـب يديه إلى بنـي الآمال


(99)
جادت العين بعـد بخل عليه وغدا كـل ناطـق بـلسان والذي كـف كفُّه أيديَ الفقر حلَّ في الـترب منه من كان بيواقيت دمـعهـا والــلآلي موجعاً في قائلاً : مـا احتيالي بما بث مـن جزيـل النـوال يرجوه و يخشاه كل حي حلال
    دفن بالقاهرة ثم نقل ولده العادل سنة 557 رفات أبيه من القاهرة الى مشهد بني له في القرافة.
    وقال الشيخ القمي في الكني : الملك الصالح ابو الغارات طلايع بن رزيك بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها كاف ، فارس المسلمين كان وزير مصر للخليفة العاضد بعد وزارته للفائز ، وتزوج العاضد بأبنته ، وكان فاضلاً سمحا في العطاء محبا لأهل الأدب ، حكي انه ارسلت له عمة العاضد الخليفة من قتله بالسكاكين ولم يمت من ساعته وحمل الى بيته وارسل يعتب على العاضد فاعتذر وحلف وارسل عمته اليه فقتلها ، ثم مات وكان ذلك في 19 شهر رمضان سنة 556 واستقر ابنه رزيك في الوزارة ولقب الملك العادل ، وكان لطلايع المذكور شعر حسن فمنه قوله :
ابـى الله إلا أن يدين لنا الدهر علمنا بـأن الـمال تفنى ألوفه خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا ويـخدمنا في ملكنا العز والنصر ويبـقى لنا من بعده الذكر والاجر سحاب لديه الرعد والبرق والقطر
    وله رحمه الله :
بحب علي أرتقي منكب العلى إمامـي الذي لما تلفظت باسه وأسحب ذيلي فوق هام السحائب غلبـت به من كان بالكثر غالبي
    وله :
وفي الطائر المشوي أوفى دلالة لو استيقظوا من غفلة وسبات
    وفي نسمة السحر طلايع بن رزيك وزير مصر الملك الصالح فارس المسلمين


(100)
الذي قتل في 19 رمضان سنة 559 كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محباً لأهل الأدب شديد المغالات في التشيع له كتاب الاعتماد في الرد على اهل العناد وناظرهم عليه وهو يتضمن امامة اميرالمؤمنين «ع» وهو ممن أظهر مذهب الامامية ومن شعره :
يا امّــةً سلـكت ضلالا بيّناً قلتم الا إن المعاصي لـم تكن لو صح ذا كان الاله بزعمكم حاشـا وكـلا ان يكون إلهنا حتى استوى اقرارها وجـحودها إلا بتـقديـر الالــه وجودهـا منع الشريعة أن تـقام حـدودها ينهى عن الفحشاء ثـم يـريدها
    قال المقريزي في الخطط ج 4 ص 8 زار الملك الصالح مشهد الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه في جماعة من الفقراء وإمام مشهد علي رضي الله عنه يومئذ السيد إبن معصوم (1) فزار طلايع وأصحابه وباتوا هناك فرأى السيد في منامه الإمام صلوات الله عليه يقول له : قد ورد عليك الليلة أربعون فقيراً من جملتهم رجل يقال له : طلايع من رزيك بن اكبر محبينا فقل له : إذهب فإنا قد وليناك مصر. فلما أصبح أمر من ينادي : من فيكم اسمه طلايع بن رزيك ؟ فليقم الى السيد ابن معصوم فجاء طلايع الى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه ، فرحل الى مصر وأخذ امره في الرقي ، فلما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر إسماعيل إستثارت نساء القصر لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن ، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل ، فلما قرب من القاهرة فر الرجل ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام ،
1 ـ قال السيد ابن شدقم في ( تحفة الازهار ) كان ابو الحسن ابن معصوم ابن ابي الطيب احمد سيداً شريفاً جليلاً عظيم الشأن رفيع المنزلة ، كان في المشهد المغروي كبيراً عظيماً ذا جاه وحشمة ورفعة وعز واحترام عليه سكينة ووقار انتهى
    قال الشيخ الاميني رحمه الله في ( الغدير ) وهو جد الاسرة الكريمة النجفية المعروفة اليوم ببيت الخرسان.


(101)
فخلعت عليه خلايع الوزارة ولقب بالملك الصالح ، فارس المسلمين نصير الدين فنشر الأمن وأحسن السيرة ( ثم ذكر حديث قتله ) وقال : كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محباً لأهل الأدب جيد الشعر رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسة وتدبيراً ، وكان مهاباً في شكله عظيماً في سطوته ، وجمع أموالاً عظيمة ، وكان محافظاً على الصلوات فرايضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع صنف كتاباً سماه ( الاعتماد في الرد على أهل العناد ) جمع له الفقهاء وناظرهم عليه وهو يتضمن إمامة علي بن ابي طالب « ع » وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فن فمنه في إعتقاده ومنه قوله :
    ( يا امة سلكت ضلالاً بيناً ) الأبيات :
    وله قصيدة سمّاها [ الجوهريَّة في الرد على القدريَّة ]. ثمَّ قال :
    ويروى : أنه لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قال : هذه الليلة ضرب في مثلها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وأمر بقراءة مقتله واغتسل وصلى مائة وعشرين ركعة أحيى بها ليله وخرج ليركب فعثر وسقطت عمامته واضطرب لذلك وجلس في دهليز دار الوزارة فأحضر ابن الصيف ـ وكان معروفاً بلف عمايم الخلفاء والوزراء وله على ذلك الجاري الثقيل ـ ليصلح عمامته ، فقال له رجل : إنَّ هذا الذي جرى يتطيَّر منه فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل. فقال : ألطيرة من الشيطان وليس الى التأخير سبيل. ثم ركب فكان من أمره ما كان. وقال في ج 2 ص 284 : قال إبن عبد الظاهر : في مشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه قد ذكرنا أن طلايع ابن رزيَّك المنعوت بالصالح كان قد قصد نقل الرأس الشريف من عسقلان لما خاف عليها من الفرنج وبنى جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به ويفوز بهذا الفخار فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا : لا يكون ذلك إلا عندنا فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه له ونقلوا الرخام إليه وذلك في خلافه الفائز


(102)
على يد طلايع في سنة تسع وأربعين وخمسمائه ، وسمعت من يحكي حكاية يستدل بها على بعض شرفه هذا الرأس الكريم المبارك وهي : أنَّ السلطان الملك الناصر رحمه الله لما أخذ هذا القصر وشي إليه بخادم له قدر في الدولة المصرية وكان بيده زمام القصر وقيل له : إنه يعرف الأموال التي بالقصر والدفائن فأخذ وسئل فلم يجب بشيء وتجاهل فأمر صلاح الدين نوَّابه بتعذيبه فأخذه متولي العقوبة وجعل على رأسه خنافس وشدَّ عليها قرمزية ، وقيل ، إن هذه أشدَّ العقوبات وان الانسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلَّا تنقب دماغه وتقتله ففعل ذلك به مراراً وهو لا يتأوَّه وتوجد الخنافس ميتة فعجب من ذلك وأحضره وقال له :
    هذا سرَّ فيك ولا بد أن تعرفني به. فقال : والله ما سبب هذا إلا أني لما وصلت رأس الإمام الحسين حملتها. قال : وأي سر أعظم من هذا. وراجع في شأنه فعفا عنه.


(103)
تحقيق عَن موضع رَأس الحسَيْن
    وهنا يجدر بنا أن نذكر تحقيقاً عن رأس الحسين عليه السلام فقد اختلفت الروايات فيه حتى ذكر السيد الأمين في أعيان الشيعة سبعة أقوال في الرأس الشريف (1).
    وقال الشبلنجي في نور الأبصار : اختلفوا في رأس الحسين رضي الله عنه بعد مسيره الى الشام الى اين سار وفي أي موضع استقر ، فذهبت طائفة الى أن يزيد أمر ان يطاف به في البلاد ، فطيف به حتى انتهي به إلى عسقلان فدفنه أميرها بها ، فلما غلب الفرنج على عسقلان افتداء منهم الصالح طلايع وزير الفاطميين بمال جزيل ومشى إلى لقائه من عدة مراحل ووضعه في كيس حرير أخضر على كرسي من الابنوس وفرش تحته المسك والطيب وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة قريباً من خان الخليلي (2).
    القول الثاني انه في النجف عند أبيه أمير المؤمنين عليه السلام ، ذهب اليه بعض علماء الشيعة استناداً الى أخبار وردت بذلك في الكافي والتهذيب وغيرهما من طرق الشيعة عن الأئمة عليهم السلام.
1 ـ ج 4 القسم الاول ص 390 من الأعيان.
2 ـ نور الابصار ص 192.


(104)
    وفي بعضها ان الصادق سلام الله عليه قال لولده اسماعيل : انه لما حمل الى الشام سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين ، وهذا القول مختص بالشيعة (1) وفي جملة من الأخبار أن الرأس الشريف مدفون في النجف عند أمير المؤمنين ، وعقد له في الوسائل باباً مستقلاً عنوانه ( باب استحباب زيارة رأس الحسين عند قبر أمير المؤمنين ) واستحباب صلاة ركعتين لزيارة كل منهما (2).
    وفي الكافي عن ابان بن تغلب قال : كنت مع أبي عبدالله عليه السلام فمر بظهر الكوفة فنزل فصلى ركعتين ، ثم تقدم قليلاً فصلى ركعتين ، ثم سار قليلاً فنزل فصلى ركعتين ، ثم قال : هذا موضع قبر أميرالمؤمنين.
    قلت جعلت فداك والموضعين الذين صليت فيهما ، فقال : موضع رأس الحسين ، وموضع منزل القائم ، قال السيد جعفر بحر العلوم في تحفة العالم : ولعل موضع القائم المائل هو مسجد الحنانة قرب النجف ، نقل هذا عن الشهيد رحمه الله. اقول ومن هذا نعرف ان هذا المكان من المساجد القديمة المشهورة وانه فيه مقام للامام الصادق عليه السلام.
    قال المحدث الشيخ عباس القمي في سفينة البحار : ان في ظهر الكوفة عند قائم الغري مسجد يسمى بالحنانة فيه يستحب زيارة الحسين لأن رأسه وضع هناك ، قال المفيد والسيد ابن طاووس والشهيد رضوان الله عليهم في باب زيارة اميرالمؤمنين :
    فاذا بلغت العلم (3) وهي الحنانة فصل هناك ركعتين فقد روى محمد بن ابي عميرة عن المفضل بن عمر قال : جاز الصادق بالقائم المائل في طريق الغري
1 ـ أعيان الشيعة للسيد الأمين.
2 ـ تحفة العالم في شرح خطبة المعالم للسيد جعفر بحر العلوم.
3 ـ اسم للمكان بفتح اللام.


(105)
فصلى ركعتين ، فقيل له ما هذه الصلاة فقال : هذا موضع رأس جدي الحسين « وضعوه هنا لما توجهوا من كربلا ثم حملوه الى عبيد الله بن زياد ، فقل هناك : اللهم انك ترى مكاني وتسمع كلامي ولا يخفى عليك شيء من امري ـ الدعاء.
    وجاء في موسوعة العتبات المقدسة للاستاذ جعفر الخليلي ـ قسم النجف ـ قال : وعن الكامل في التاريخ ج 9 ص 411 : القائم هو بناء من آجر وكلس قيل انه كان علماً تهتدي به السفن لما كان البحر يجىء الى النجف. انتهى. اقول وفي ايامنا هذه اجريت تعميرات واصلاحات واسعة في الحنانة وقامت القصور بجنبها بعد ما كانت بناية بسيطة منفردة في البرّ تتألف من جدران قديمة وأثر خاوي فامتدت اليها ايدي اهل الخير فاتسعت وازدانت وتأثثت وتنورت بالكهرباء وذلك من كثرة ما تحدثنا للناس في محافلنا ومنابرنا عن قدسية هذا المكان وحرمة هذا المسجد المعظم وما يجب من حقه على مجاوريه بالدرجة الاولى وقد كتب على بابه من نظم زميلنا الخطيب المرحوم السيد مهدي الاعرجي.
مسجد الحنانة السـامي عُلا جهلوه الناس قـدراً وهو في رفـع الله تعالـى شأنـه كيف لا يـرفعـه الله علا كاد بالفضل يضاهي المـسجدين قدره ضاهى السهـى والـفرقدين فتـعالـى شـأنه فـي النشـأتين وبه قـد وضعـوا رأس الحـسين
    القول الثالث ان الرأس الشريف دفن بالمدينة المنورة عند قبر أمه فاطمة الزهراء وان يزيد ارسله عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة فدفن عند أمه الزهراء.
1 ـ الفراديس بلغة الروم البساتين.
أدَبُ الطّفّ ـ المجلد الثالث ::: فهرس