ادب الطف ـ المجلد الرابع ::: 61 ـ 75
(61)
وأن اتيه الدهر كبراً على كـذاك لا اهوى فتاة ولا كل لئيم اصـعر الخدّ خمراً ولا ذا ميعة نهد
    قوله « كما قال فتى العبد » هو طرفة بن العبد حيث يقول وقد سئل عن لذات الدنيا ، فقال : مركب وطىّ ، وثوب بهىّ ، ومطعم شهّى ، وسئل امرؤ القيس فقال : بيضاء رعبوبة ، بالشحم مكروبة ، بالمسك مشبوبة ، وسئل الأعشى فقال : صهباء صافية ، تمزجها ساقية ، من صَوب غادية قال العَكوك : فحدثت بذلك أبا دلف فقال :
أطيب الطيبات قتل الأعادي ورسول يأتـي بوعد حبيب واختيال على متون الجياد وحبيب يأتـي بـلا ميعاد
    وحُدّث بذلك حميد الطوسي فقال :
ولولا ثلاثٌ هنّ مـن لـذّة الفـتى فمنهن سقـى الغـانـيات بشربـة وكرّى إذا نـادى المـضاف محنّبا وتقصير يوم الدجن والدجن معجب وحقك لم أحفل متى قام عُوّدي كُميَتٍ متى ما تُعلَ بالماء تزبد (1) كسيد الغضا نبّهته الـمتـورد ببهكنَةٍ تحـت الخباء المعـمّد
    رجعنا إلى ابن ابي الحديد.
    وقال :
عن ريقها يتحدّث المسواك أرجاً فهل شجر الأراك اراك

1 ـ في معلقة طرفة.

(62)
ولطرفها خُـنِث الـجبان فان رئت شرك القلوب ولم أُخـل مـن قبلها يا وجهـها المصـقول ماء شـبابه أم هل أتـاك حـديث وقفتنا ضحىً لا شيء أفظع من نوى الاحباب أو باللحظ فهو الضـيغم الفتاك ان القلوب تصيدها الاشراك ما الحتف لولا طرفك الفتاك وقلوبـنا بشبا الفـراق تشاك سيف الوصيّ كـلاهما سفاك
    وقال الصفدي يعارض ابن أبي الحديد :
لولا ثـلاث هنّ أقصى المنى تكميل ذاتـي بالـعلوم الـتي والسعي فـي رد الحقوق التي وأن أرى الأعداء في صرعة فبعدها اليـوم الـذي حـُمّ لي لم أهب الموت الذي يُردي تنفعني إن صرت في لحدي لصاحـب نلـتُ به قصدي لقيتها من جـمعهم وحـدي قد استوت في القرب والبعد
    وجاء في الكنى والالقاب للشيخ القمي :
    عز الدين عبد الحميد بن محمد بن الحسين بن ابي الحديد المدائني الفاضل الأديب المؤرخ الحكيم الشاعر شارح نهج البلاغة وصاحب القصائد السبع المشهورة ، كان مذهبه الاعتزال كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح امير المؤمنين (ع) بقوله :
ورأيت دين الاعتزال وإنني اهوى لأجلك كل من يتشيع
    كان مولده غرة ذي الحجة سنة 586 وتوفي ببغداد سنة 655 يروي آية الله العلامة الحلي عن أبيه عنه. والمدائني نسبة الى المدائن.
    وقال جرجى زيدان في آداب اللغة العربية : ابن ابي الحديد توفي سنة


(63)
655 هـ. هو عبد الحميد بن هبة الله المدائني الفقيه الشاعر الملقب عز الدين. ولد في المدائن قرب بغداد توفي ببغداد ، واشتهر باللغة والنحو والشعر واشهر مؤلفاته.
    1 ـ شرح نهج البلاغة ، وفي هذا الشرح فوائد تاريخية ودينية وشرعية كثيرة.
    2 ـ الفلك الدائر على المثل السائر.
    3 ـ العلويات السبع.
    واليك قصيدته العينية التي عدد فيها مزايا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وتخلّص الى مصيبة الحسين (ع) وقد كتبت هذه القصيدة على قبة الإمام ثم كتبت بالميناء على ضريح الإمام.
    والقصيدة احدى علوياته السبع
يارسم لارسمتك ريحٌ زعـزعُ لم الف صدري من فؤادي بلقعا جارى الغمام مدامعي بك فانثنت لا يمحك الهتن الـملثّ فقذ محا لله درك والـضلال يـقودنـي يقتادني سـكر الصبابة والصبا دهر تقوض راحلاً ما عيب مَن يا ايها الـوادي أُجـلّكُ واديـاً وسرت بليل في عـراصك خروعُ الا وأنـت مـن الأحـبـّة بلـقع جون السحائب وهي حسرى ضلّع صبري دثـورك مذمحـتك الأدمع بيد الهـوى وانـا الحـرون فأتبع ويصـيح بي داعي الغـرام فاسمع عـقـبـاه الا أنــه لا يـرجـع وأعـزّ إلا فـي حمـاك فـاخضع


(64)
وأسـوف تـربك صاغراً وأذل في اسفي على مـغنـاك اذ هـو غـابة والـبيض تورد في الوريد فترتـوي والسابقـات اللاحقـات كـأنها الـ والربـع أنـور بالنسيـم مضـمخٌ ذاك الـزمان هـو الـزمان كـأنما وكأنـما هـو روضـة مـمطـورة قد قلت للبـرق الـذي شـق الدجى يا برق إن جئـتَ الغـريّ فقل لـه فيك ابـن عـمران الكلـيم وبـعده بل فيك جبريـل وميـكـال واسـ بل فـيك نور الله جــل جـلالـه فيك الإمام المرتضى فيك الوصي الضـارب الهـام المقـنّع في الوغى والـسمهـريـة تسـتقيم وتنـحني والمـترع الحوض المدعدع حيث لا ومبـدد الأبـطـال حيث تـألـّبوا والحَبر يصـدع بالـمواعظ خـاشعاً حتى اذا اسـتعهر الوغـى متـلظياً متجلبـباً ثـوباً مـن الـدم قـانـيا زهد المسيـح وفتـكة الـدهر التي هذا ضمير العالم الـموجـود عـن هذي الأمـانة لا يـقـوم بحمـلها هذا هـو النـور الـذي عـذباتـه تلك الربى وانا الجـليد فـأخـنـع وعلى سبيلك وهـو لحـب مهيـع والسمر تشـرع فـي الوتين فتشرع ـعقبان تردى فـي الشـكيم وتمرع والجوّ أزهـر بالـعبـير مــروع قيض الخـطوب بـه ربيع ممـرع أو مزنـة فـي عـارض لا تـقلـع فـكـأن زنـجــيّاً هـناك يجـُدّع أتراك تعـلم مَـن بأرضـك مـودع عـيسى يقـفيـّـه وأحـمد يـتـبع ـرافيـل والملأ الـمقـدّس أجـمع لـذوي البـصائـر يسـتشف ويلمع الــمـجتبـى فيـك البطين الانـزع بالخوف للبـهـم الـكـماة يـقنـِع فكأنها بـين الأضـالـع أضـلـع واد يـفيـض ولا قـليـب يـترع ومفرّق الأحـزاب حيـث تجـمعوا حتـى تكـاد لـه القـلوب تـصدّع شـرب الـدمـاء بـغلـّة لا تنـقع يعلـوه من نقع الـملاحـم بـرقـع أودى بـها كـسرى وفـوّز تـبـع عـدم وسـرّ وجـوده الـمسـتودع خلـقاء هـابـطة وأطـلس ارفـع كـانـت بجـبـهـة آدم تـتطـلع


(65)
وشهاب موسى حيث أظـلم ليـله يا من له ردّت ذكـاء ولـم يفـز يا هازم الاحـزاب لا يثنيه عـن يا قالـع الباب الـذي عن هـزه لولا حدوثك قلت انك جـاعل الأ لولا ممـاتك قلت انك بـاسط الأ ما العـالـم العـلوي إلا تـربة ما الدهـر إلا عبدك القنّ الـذي انا في مديحك ألـكنٌ لا أهـتدي أأقـول فيـك سمـيدع كلا ولا بل انت في يوم الـقيامة حـاكم ولقد جهـلتُ وكنتُ احذق عالمٍ وفقدت معرفتي فلستُ بـعارف لي فيك معتقـد سـأكشف سره هي نفثة المصدور يطفئ بردها والله لولا حيدرٌ ما كانت الدنيا من اجله خلق الزمان وضوئت علم الغيوب لديه غير مدافـع وإليه فـي يوم المعاد حسابنا هذا اعتقادي قد كشفت غطاءه يا من لـه في أرض قلبي منـزل اهواك حتى في حشاشة مهجتي وتكاد نفسي ان تذوب صـبابة رفعت لـه لألاؤه تـتشعشـع بنظيرهـا مـن قبل إلا يوشع خوض الحمـام مدجج ومدرع عجزت اكـفٌ اربعون واربع رواح في الأشباح والمستنزع رزاق تقدر في العطاء وتوسع فيه لجثتك الشريـفة مضـجع بنفوذ أمرك في البرية مـولع وأنا الخطيب الهزبري المصقع حاشـا لمثلك ان يقال سميـدع في الـعالمـين وشافع ومشفع أغرار عزمك ام حسامك أقطع هل فضل علمك ام جنابك أوسع فليصغ أرباب النهى وليسمعوا حر الصبابة فاعذلوني اودعوا ولا جمع البـريـة مـجـمع شهب كنسـنَ وجنّ ليلٌ أدرع والصبح أبيض مسفر لا يدفع وهو الملاذ لنا غـداً والمفزع سيضرّ معتـقداً لـه أو ينفع نعم المراد الرحب والمستربع نار تشبّ عـلى هواك وتلذع خلقا وطبعـاً لا كمـن يتطبع


(66)
ورأيت دين الاعتـزال واننـي ولقد علـمت بـأنـه لا بد من تحمـيه مـن جند الاله كتائب فيهالآل أبي الـحديـد صوارمٌ ورجال موت مقدمون كـأنهم تلك المنى اما أغب عنهـا فلي اهوى لأجلك كل من يتشيع مهـديكـم ولـيومه اتـوقع كالـيمّ أقبل زاخـراً يـتدفع مشهورة ورماح خـط شرّع اسـد العرين الربد لا تتكعكع نـفس تنازعني وشوق ينزع
    تم تخلّص الى مصيبة الحسين عليه السلام بالابيات التي هي في صدر الترجمة.
    وقال في احدى علوياته الشهيرة بعد أن عدد مناقب الامام امير المؤمنين عليه السلام ذكر الحسين (ع) :
لقـد فـاز عـبد لـلولـيّ ولاؤه وخاب معاديـه ولـو حـلّقت به هو النبأ المكـنون والجوهر الذي ووارث علم المـصطفى وشقـيقه تعاليت عـن مدح فابلغ خاطـب فليت ترابا حـال دونـك لم يحل لتنظر ما لاقى الحسين ومـا جنت فيالك مقـتولاً تهدمـت الـعلـى ويا حسرتـى إذ لم أكن في اوائل فانصر قواماً إن يكن فات نصرهم عجبت لاطواد الاخاشب لم تمـد وإن شابَهُ بالموبـقـات الكـبائـر قوادم فتخاء الجنـاحــين كاسـر تجسد من نور من القـدس زاهـر أخاً ونظيراً في العـلـى والأواصر بمدحك بين النـاس أقصـر قاصر وساتر وجه منـك لـيـس بـساتر عليه العدى من مفظـعات الجرائـر وثُلّت به أركـان عــرش المفاخر من الناس يتلى فضلـهم في الأواخر لدى الروع خطارى فمامات خاطري ولا أصبحت غوراً مـياه الكـوافر (1)

1 ـ جمع كافر : هو البحر أو النهر العظيم.

(67)
وللشمس لم تكسف وللبدر لم يحل أما كان في رزء ابن فاطم مقتضٍ ولكنـما قـدر النفـوس سجـية بنى الوحى هل ابقى الكتاب لناظم اذا كان مولى الـشاعرين وربهم فاقسم لولا أنكـم سبـل الهـدى ولو لم تكونوا في البسيطة زلزلت سأمنـحـكم مني مـودة وامـق وللشهب لـم تـقـذف بأشـأم طائر هـبوط رؤس أو كـسوف زواهـر لها وعزيز صـاحب غـير غـادر مقـالـة مـدح فيكـم أو لـناشـر لكم بـانـياً مجـداً فما قدر شاعر لضلّ الورى عن لا حب النهج ظاهر وأخرب من أرجـائـها كـل عامر يغض قِلاً عـن غيركم طرف هاجر
ومن احدى علوياته :
حنانيك فـاز العـرب مـنك بسؤدد فما ماس موسى فـي رداء من العلى أرى لك مجداً ليس يـجلب حـمـده وفضلاً جليلاً إن وفى فـضل فاضل لذاتك تـقديـس لرمـسك طـهـرة وقد قيل في عيـسى نـظيرك مثله عليك سلام الله يا خيـر مـن مشى تقاصر عنه الفرس والروم والنوب ولاآب ذكـراً بعـد ذكرك ايـوب بمدح وكل الحمـد بالمدح مجلوب تعاقـب إدلاج عـلـيه وتـأويب لوجهـك تعظيم لمـجدك تـرحيب فخسرٌ لمن عادى عـلاك وتتـبيب به بازل عبر المهامة خـرعـوب
وقوله يمدحه في ذكر فتح مكة :
طلعت على البيت العتيق بعارض فألقى اليك السلم من بعد ما عصى يمجّ نجيعا من ظبى الهند أحمرا جُلندى (1) وأعيا تُبّعاً ثم قيصرا

1 ـ جُلندى بضم الجيم مقصورا اسم ملك لعمان ، وتبع واحد التابعة وهم ملوك اليمن.

(68)
واظهـرت نـور الله بـين قـبائل وكسرت اصنـاما طعـنت حمـاتها رقيتَ بأسـمى غـاربٍ أحـدقت به يغارب خير المرسلين وأشـرف الـ فـسـبّح جـبريـل وقـدّس هيـبة فيا رتبة لو شـئت أن تلـمس السها ويـا قدمـيـه أي قـدس وطـأتما بحـيث أفاءت سدرةُ العـرش ظلها وحيث الوميض الشعشعانـي فايض فلـيس سـواع بعــدها بمعـظم من الناس لم يبـرح بها الشرك نيرا بسـمر الوشـيج اللـدن حتى تكسرا ملائـكُ يتـلون الكتـاب المسـطرا ـأنام وأزكـى ناعـل وطـأ الثرى وهلــل إسـرافـيل رعباً وكبّـرا بها لـم يـكن مـا رمـته متـعذرا وايّ مـقـامٍ قمتـما فـيـه أنـورا بضـوجـيه (1) فاعتدّت بذلك مفخرا من المصدر الاعـلى تبارك مصدرا ولا اللات مسـجوداً لـها ومعـفّرا

1 ـ الضوج : الجانب.

(69)
القضاعي المتوفي 658
أتنتهـب الايـام أفـلاذ أحمد ويضحى ويضما أحـمد وبناته أفي دينه في امنـه فـي بلاده وما الدين إلا دين جـدهم الذي وأفلاذ من عـاداهـم تـتـودد وبنت زيـاد وردهـا لا يصرّد تضيق علـيهم فسحـة تـتورد به أصدروا في العالمين وأوردوا
    رواها صاحب كتاب ( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ) في الجزء الثاني ص 604 وقال :
    انتهى ما سنح لي ذكره من ( درر السمط ) وهو كتاب غاية في بابه ، ولم أورد منه غير ما ذكرته لان في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع ، والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه ولطفه.


(70)
    جاء في محاضرة للدكتور عبد اللطيف السعداني من اهل المغرب ( فاس ) وعنوان المحاضرة : حركات التشيع في المغرب ومظاهره.
    وبعد أن استطرد في بيانه روى لنا قصيدة صفوان بن ادريس التجيبي من شعراء القرن السادس الهجري والتي رددها ابناء المغرب في شهر المحرم قال :
    ونتلمس هذه الحركة فيما بعد عصر مبدع هذه القصيدة الحسينية فنعثر على اثر آخر للفكر الشيعي حيث نلتقي بأحد أدباء الاندلس في النصف الاول من القرن السابع الهجري هو القاضي ابو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي ( المقتول في 20 محرم سنة 658 هـ ) ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة موضوعهما هو رثاء سيدنا الحسين. اولهما : ( اللجين في رثاء الحسين ) ولا يعرف اليوم اثر لهذا الكتاب غير اسمه وثانيهما : « درر السمط في اخبار الطيب من غصن الاندلس الرطيب. وقد اعترف المقري بأنه اغفل نقل بعض الفقرات من الكتاب مما « يشمّ منه رائحة التشيع » ثم انه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط. ونضيف هذا القول الواضح والشهادة الصريحة الى ما اشرنا اليه سابقا عن علّة سكوت كتب التاريخ وغيرهما من الاشارة الى آثار التشيع في المغرب والاندلس. ولم يحل عم المقري مع ذلك من اعطائه حكما موضوعيا عن هذا الكتاب فقط : « وهو كتاب غاية في بابه » وقد اكتشف هذا الكتاب برمته واستطعنا ان ندرك عن كثب اهميته البالغة في هذا الباب.
    ومهما اطلنا في التنويه بهذا الكتاب واسلوبه الجميل وبيانه الرائع وتأثيره البالغ في سامعيه بوصفه لتلك الحوادث المؤلمة في تاريخ الاسلام فانه لا يكفي


(71)
لبيان منزلته في الادب الشيعي وهو على كل حال يقدم لنا الدليل القاطع على رواج حركة التشيع في الاندلس في هذا العصر. ولكي نأخذ فكرة واضحة عن ذلك انقل بعض الفقرات من هذا الكتاب مما لا يبقى معه شك بتشيع صاحبه. بدأ بتحية آل البيت والشهادة بحبهم :
    « اولئك السادة احيى وافدّي والشهادة بحبهم أوفّي وأؤدّي ومن يكتمها فانه آثم قلبه. ثم خاطبهم وذكر نقاء حقيقتهم النبوية وعاقبة أمرهم :
    « يا لك أنجم هداية لا تصلح الشمس عن آية ، كفلتم في حجرها النبوة فلله تلك النبوة ذرية بعضها من بعض. سرعان ما بلي منهم الجديد وغري بهم الحديد نسفت أجبلهم الشامخة وشدخت غررهم الشادخة ، فطارت بطررهم الارواح وراحت عن جسومهم الأرواح ، بعد ان فعلوا الافاعيل وعيل صبر اقتالهم وصبرهم ما عيل ».
    ويتحسر عليهم ويعرض باعدائهم فيقول :
    « اشكو الى الله ضعف الامين وخيانة القوى قعد بالحسين حقه وقام بيزيد باطله واخلاقه حضر موقد القضاء الخصمان وعنت الوجوه للرحمن جاء الحق وزهق الباطل ان الامامة لم تكن للئيم ما تحت العمامة من سبط هند وابنها دون البتول ولا كرامة ، يسر ابن فاطمة للدين بتسمّيه وابن ميسون للدنيا تستهويه اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ، فأما هذا فتحرّج وتأثم واما ذاك فتلجلج وتلعثم ، مشى الواحد الى نور يسعى بين يديه وعشى الثاني الى ضوء نار لا يغرو ما لديه ، يا ويح من وازى الكتاب فقال والدنيا أمامه : كانت بنو حرب فراعنة فذهب ابن بنت رسول الله ليخرجهم من العراق فانعكس الروم وحورب ولا فارس والروم. وعندما يصف الحادث المفجع لقتل سبط الرسول نحُسّ ان قلبه يكاد ينفطر من الأسى فيقول :


(72)
    « عاشر محرم ابيحت الحرمات وافيضت على النور الظلمات ، فتفاقم الحادث وحمل على الطيبين الاخابث وضرب السبط على عاتقه ويسراه وما أجرأ من أسال دمه وأجراه ، ثم قتل بعقب كلكم ذبحا وغودر حتى العاديات ضبحا » ويضيف مشيرا في الاخير الى ان هذه الداهية كانت السبب في ادبار عز المسلمين « أيّة فتنة عمياء وداهية دهياء لا تقوم بها النوادب ولا تبلغ معشارها النوائب ، طاشت لها النهى وطارت واقبلت شهب الدجى وغارت ، لولاها ما دخل ذل على العرب ولا الف صيد الصقر بالحزب نسف النبع بالغرب فانظر الى ذوي الاستبصار خضع الرقاب نواكس الابصار.
وإن قتيل الطف من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّتِ »
    وفي الأخير يعود الى تأكيد الايمان بهم والتعلق بحبهم وتفضيلهم على أعدائهم يقول :
    ما عذر لأمية وأبنائها في قتل العلوية وإفنائها أهم يقسمون رحمة ربك ؟ كم دليل في غاية الوضوح على انهم كسفينة نوح من ركب فيها نجى ومن تخلّف عنها غرق ، ثم يحسبهم آل الطليق ويطاردهم آل الطريق. وما نقموا منهم الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. نساؤهم أيا من امية وسماؤهم أرض بني سمية.
    من عصبة ضاعت دماء محمد وبنيه بين يزيدها وزيادها كان الحسين يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا ويزيد يتلف العمر تبريحا وعدوانا عمرك الله كيف يلتقيان (1).
    وقد بقي لهذا الكتاب ونزعته الشيعية صدى انتقل الى المغرب وظل بها
1 ـ اعتمدنا فيما نقلناه مخطوطة كتاب ( درر السمط في أخبار السبط ) التي تهيأ للطبع بتحقيق الدكتور عبد السلام البهراس والاستاذ سعيد اعراب.

(73)
زمنا طويلا فبعد ثلاثة قرون من تأليفه نعثر على شرح له لأحد المغاربة هو الفقيه الأديب سعيد الماغومي الملقب بوجمعة المولود سنة 950 هـ ويعتبر هذا الشرح اليوم من المفقودات. غير أن ابن القاضي يخبرنا في كتابه درة الحجال انه كان موجوداً في خزانة المنصور السعدي بمدينة مراكش. وتظهر عناية ملوك المغرب بمثل هذه التآليف فيما قيل من أن شارح هذا الكتاب أخذ مكافأة على تأليفه وزنه ذهبا.
    جاء في فوات الوفيات في ترجمة ابن الابار ما يلي :
    محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي الكاتب الاديب المعروف بابن الادبار ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة عني الحديث وجال في الاندلس وكتب العالي والنازل وكان بصيرا بالرجال عالما بالتاريخ إما ما في العربية فقيها مفننا أخبارياً فصيحا له يد في البلاغة والانشاء كامل الرياسة اذا رياسة وافية وأبهة وتجمل وافر.
    وله من المصنفات « تكملة الصلة » لابن بشكوال كتاب « تحفة القادم » وكتاب « ايماض البرق ».
    قتل مظلوما بتونس على يد صاحبها لأنه تخيل منه الخروج وشق العصا وقيل : ان بعض اعدائه ذكره عند صاحب تونس انه الف تاريخا وأنه تكلم فيه في جماعة فلما طلب وأحس بالهلاك قال لغلامه : خذ البغلة وامض بها حيث شئت فهي لك وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة.
    ومن شعره :
منظوم الخدّ مورده شفاف الدر له جسد يكسوني السقم مجرده يأبى ما اودع مجسده


(74)
في وجنـته من نعمـته ريم يرمـى عـن اكحله متداني الخطوة من ترف ولاه الحـسـن وامـره جمـر بفؤادي مـوقـده زرقا تُصمى من يصمده اتـرى الأحـجال تقعده وأتاه السحـر يـؤيـده
    وقال ايضاً رحمه الله تعالى :
ونهر كـما ذابت سبـائك فضة إذا الشفق استولى عليه احمراره حكى بمـحانيه انعـطاف الاراقم تراءى قضيباً مثل دامي الصوارم
    وقال ايضا رحمه الله تعالى :
لم تدر ما خلّدت عينـاك فـي خلدي افـديـك من رائـد رام الدنو فـلم خاف العيون فـوافانـي على عجل عاطيته الكأس فـاستحـيت مدامتها حتـى إذا غازلت اجـفانـه سـِنَة اردت تـوسـيده خـدي وقلت له فبات فـي حرم لا غـدر يذعـره بـدر ألمّ وبـدر الأفـق ممـتحق تـحيّر اللـيل فـيه أين مطلـعه مـن الـغرام ولا ما كابدت كبدي يسطـعه من فـرق في القلب متقد مـعـطلا جـيده إلا مـن الـجيد من ذلك الـشنب المـعسول والبرد وصيّرته يد الصهباء طـوع يـدي فـقال كـفك عـندي أفضل الوسد وبتّ ظمـآن لـم اصـدر ولم أرد والجو مُحلو لك الأرجاء من جسدي أما درى الليل أن الـبدر طوع يدي
    وترجم له الصفدي في الوافي بالوفيات فذكر جملة من مؤلفاته وروائع من اشعاره. كما ترجم له السيد الأمين في الأعيان.


(75)
المتوفي 664
    قال في فوات الوفيات : فمن قوله ـ وقد وقع مطر كثير يوم عاشوراء :
يوم عاشوراء جادت بالحيا عجباً حتى السماوات بكت سُحُبٌ تهـطل بالدمع الهـمول رُزء مولاي الحسين ابن البتول (1)
    اقول وبهذه المناسبة ذكر العماد الاصفهاني الكاتب في ( خريدة القصر ) (2) قول المهذب بن الزبير يرثي أحد الكبراء ، وقد نزل المطر عقب موته.
بنفسي مَن أبكى السماوات فقده فما استعبرت إلا أسـى وتأسفاً بغيث ظننـاه نـوال يمـينه وإلا فماذا القطر في غير حينِه

1 ـ فوات الوفيات ج 1 ص 83.
2 ـ خريدة القصر ص 222.
ادب الطف ـ المجلد الرابع ::: فهرس