فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 196 ـ 210
(196)
الحج ، وإراقة الماء ، وعدم الغسل قبل الفجر ، وأمثال ذلك من المقدمات الوجودية التي يوجب فواتها سلب قدرة المكلف عن الفعل. وأخرى : يقع الكلام في المقدمات العلمية ، أي في لزوم تحصيل العلم بالأحكام والفحص عنها ، ولا يندرج هذا في المقدمات المفوتة على ما سيأتي بيانه ، فالكلام يقع في مقامين :
    المقام الأول :
    في المقدمات المفوتة أي المقدمات التي لها دخل في قدرة المكلف على فعل المأمور به بحيث انه لولاها لما كان قادرا عليه ، وبعبارة أخرى : المراد من المقدمات المفوتة هي المقدمات التي لها دخل في حصول الواجب بما له من القيود الشرعية في وقته على وجه لا يتمكن المكلف من فعله في وقته بدون تلك المقدمات ، كالماء الذي يتوقف الصلاة مع الطهارة عليه ، والساتر الذي يتوقف الصلاة مع الستر عليه ، و هكذا ، وكنفس حفظ القدرة التي يتوقف عليها الواجب ، كما لو فرض انه لو عمل العمل الكذائي لا يتمكن من الصلاة في وقتها فيكون العمل مفوتا للقدرة عليها ، وبذلك يندرج في المقدمات المفوتة ، فالمراد من المقدمات المفوتة هي المقدمات العقلية التي يتوقف عليها الواجب ، لا المقدمات الشرعية من القيود والشرائط ، ومن هنا نقول : لا يجب الوضوء قبل الوقت لمن يعلم أنه لا يتمكن من الوضوء بعده ، بخلاف حفظ الماء حيث إنه يجب حفظه.
    والسر في ذلك : هو ان الوضوء انما يجب بعد الوقت لأنه من قيود المأمور به ، فحاله من هذه الجهة كحال الاجزاء وكذا الستر وغير ذلك من القيود الشرعية ، و معلوم : انه لم يقم دليل على هذه الكلية بحيث يلزم تحصيل كل مقدمة يكون لها دخل في قدرة المكلف مط ولو قبل حصول شرط الوجوب وقبل مجيئ وقته لمن يعلم بحصوله فيما بعد ، إذ لم يقل أحد بوجوب السير إلى الحج قبل الاستطاعة لمن يعلم بحصولها فيما بعد مع عدم تمكنه من السير بعدها ، فلزوم تحصيل المقدمات المفوتة بهذه الكلية مما لا دليل عليه ، ولم يدعه أحد ، بل انما قالوا بلزوم تحصيل المقدمات المفوتة في الجملة في بعض الموارد ، وفي بعض الحالات في خصوص بعض المقدمات ، ومعلوم : انه لم يقم دليل بالخصوص في كل مورد حكموا فيه بلزوم تحصيل المقدمات


(197)
المفوتة ، فلابد ح من بيان ما يكون ضابطا للموارد التي يجب تحصيل المقدمات فيها و يحرم تفويتها ، ويتوقف ذلك على تحرير كيفية اعتبار القدرة على متعلقات التكاليف بعد ما كان لا اشكال في اعتبارها.
    فنقول :
    ان القدرة اما ان تكون عقلية ، واما ان تكون شرعية ، ونعني بالقدرة العقلية : ما إذا لم تؤخذ في لسان الدليل ، بل كان اعتبارها لمكان حكم العقل بقبح تكليف العاجز من دون ان يكون الشارع قد اعتبرها ، ويقابلها القدرة الشرعية ، وهي ما إذا اخذت في لسان الدليل بحيث يكون الشارع قد اعتبرها.
    فان كانت القدرة المعتبرة هي القدرة العقلية ، فحيث لم يكن للقدرة العقلية دخل في ملاك الحكم وانما يكون لها دخل في حسن الخطاب ، فلابد من الاقتصار على المقدار الذي يحكم العقل باعتباره ، ومعلوم : ان مناط حكم العقل باعتبار القدرة انما هو قبح تكليف العاجز ، وهذا انما يكون إذا كان الشخص عاجزا بنفسه وبذاته ، بحيث لايكون له إلى الفعل سبيل كالطيران في الهواء فان التكليف بمثل هذا قبيح على المولى كما يقبح العقاب منه عليه.
    وأما إذا لم يكن الشخص عاجزا بنفسه وبذاته ، بل هو عجز نفسه بسوء اختياره وسلب عنه القدرة ، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه وان قبح تكليفه بعد عجزه ، ولا ملازمة بين قبح التكليف وقبح العقاب ، فان قبح التكليف لمن عجز نفسه انما هو لمكان لغوية التكليف حيث لا يصلح ان يكون التكليف محركا وباعثا نحو الفعل ، وهذا بخلاف العقاب فإنه لا يقبح عقابه بعد ما كان الامتناع بسوء اختياره. وهذا معنى ما يقال : ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فإنه انما لا ينافيه عقابا لا خطابا خلافا للمحكى عن أبي هاشم حيث قال : انه لا ينافيه لا خطابا ولا عقابا ، وسيأتي ضعفه في بعض المباحث الآتية انشاء الله تعالى.
    إذا عرفت ذلك
    فنقول : ان كل واجب لم يعتبر فيه القدرة شرعا ، كان مقتضى القاعدة لزوم


(198)
تحصيل مقدماته التي لم تكن حاصلة وحرمة تفويت المقدمات الحاصلة ولو قبل مجيئ زمان الواجب ، بل وقبل تمامية ملاك الوجوب أيضا ، إذ العقل يستقل بحفظ القدرة ولزوم تحصيل المقدمات الاعدادية ، لما عرفت : من أن اعتبار القدرة العقلية انما هو لمكان قبح تكليف العاجز ، ومثل هذا الشخص لايكون عاجزا بل يكون قادرا ولو بحفظ قدرته ، أو تحصيلها بتهيئته المقدمات الاعدادية التي له إليها سبيل ، و الا لا ندرج في قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فان القاعدة لا تختص بما بعد ثبوت التكليف وتوجه الخطاب ، حتى يقال : ان الكلام في لزوم تحصيل المقدمات قبل ثبوت التكليف وتوجه الخطاب ، بل مورد القاعدة أعم من ذلك ، فتشمل ما نحن فيه ، فأنه لو فرض ان التكليف بصوم الغد لم يقيد بالقدرة الشرعية ، وانما اعتبر فيه القدرة العقلية حتى لايكون من التكليف العاجز ، وكان صوم الغد يتوقف على مقدمات لا يمكن تهيئتها في الغد ، وكان متمكنا من تهيئتها قبل ذلك ، كان عدم تهيئة المقدمات موجبا لامتناع التكليف بالصوم بسوء اختياره ، فيندرج في القاعدة ، من غير فرق بين ان يكون لزمان الغد دخل في ملاك الواجب فقط ، أو كان له دخل في ملاك الوجوب أيضا ، فان العبرة انما هو بكون الامتناع بالاختيار ، وهذا لا يفرق فيه بين القسمين كما لا يخفى.
    فتحصل : ان كل واجب كان مشروطا بالقدرة العقلية يلزم تحصيل مقدماته التي يتوقف القدرة عليه في زمانه عليها. هذا إذا كانت القدرة المعتبرة عقلية.
    وان كانت القدرة المعتبرة شرعية ، فلابد من النظر في كيفية اعتبارها ، فتارة : تعتبر شرعا على النحو الذي تعتبر عقلا من دون ان يتصرف الشارع فيها ، بان اعتبر القدرة على وجه خاص أو في زمان مخصوص ، بل اعتبرها بتلك السعة التي كان العقل معتبرا لها ، كما إذا قال : ان قدرت فأكرم زيدا في الغد ، وح يكون الكلام فيها هو عين الكلام في القدرة العقلية ، من لزوم تهيئة المقدمات التي يتوقف القدرة على صوم الغد عليها ، فإنه لافرق ح بين هذه القدرة الشرعية والقدرة العقلية. سوى ان القدرة العقلية لا دخل لها في الملاك ، والقدرة الشرعية لها دخل فيه ، وهذا لا يصلح فارقا في المقام.


(199)
    فان قلت :
    كيف لا يصلح فارقا ؟ فإنه بعد البناء على أن القدرة الشرعية لها دخل في الملاك كيف يمكن القول بلزوم تهيئة مقدمات القدرة ؟ فان معنى ذلك هو لزوم تهيئة مقدمات حدوث الملاك ، وبعبارة أخرى : الملاك انما يحصل ويحدث بالقدرة ، بحيث لولا القدرة لما كان هناك ملاك ، كما هو الحال في سائر القيود الشرعية التي لها دخل في الملاك ، ومع هذا كيف توجبون تحصيل القدرة عليه ؟ وكيف يندرج عند عدم تحصيلها تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ؟ فإنه لو لم يحصل القدرة لم يكن هناك ملاك للحكم ومع عدم ثبوت الملاك واقعا كيف يعاقب وعلى أي شيء يعاقب ؟ مع أنه لا ملاك ولا حكم واقعا ، ومورد قاعدة الامتناع بالاختيار ـ حيث نقول بالعقاب فيه انما هو فيما إذا أوجب الامتناع بالاختيار تفويت الملاك بعد ثبوته ، واما الامتناع بالاختيار مع عدم ثبوت الملاك واقعا في ظرف التفويت ، فان العقاب يكون حينئذ بلا موجب.
    قلت :
    نعم القدرة الشرعية وان كان لها دخل في الملاك بحيث لولاها لما كان هناك ملاك واقعا ، الا ان المفروض ان الذي له دخل في الملاك ، هي القدرة بمعناها الأعم الشامل للقدرة على تحصيلها وتهيئة مقدماتها الاعدادية ، لان محل الكلام هو ما إذا اعتبر القدرة بتلك السعة التي يحكم بها العقل في لسان الدليل ، فالذي يكون له دخل في الملاك هي القدرة الواسعة الشاملة للقدرة على تحصيلها و حفظها بعد حصولها وتهيئة مقدماتها ، وهذا المعنى من القدرة حاصل بالفرض ، لان الكلام فيمن يمكنه تهيئة مقدمات القدرة وحفظها ، والا كان خارجا عن الكلام موضوعا ، فما له دخل في الملاك حاصل ، ومعه يندرج تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، لأنه لو لم يحفظ قدرته مع تمكنه من حفظها فقد فوت الملاك بسوء اختياره مع ثبوته ، لحصول شرطه وهو تمكنه من حفظ القدرة أو تحصيلها ، فتأمل في المقام جيدا فإنه لا يخلوا من دقة.
    فتحصل : انه لو اعتبرت القدرة شرعا بنحو ما يعتبرها العقل من السعة ،


(200)
كان اللازم وجوب تهيئة مقدمات القدرة على الواجب ، ولو قبل مجيئ زمان وجوبه إذا لم يتمكن من تهيئتها في زمانه ، والا كان مندرجا تحت قاعدة الامتناع بالاختيار.
    ويندرج في هذه القسم مسألة حفظ الماء قبل الوقت ، فان القدرة على الماء انما اعتبرت شرعا بقرينة قوله تعالى : (1) « فلم تجدوا ماء فتيمموا » الخ ، حيث إن التفصيل قاطع للشركة ، فيظهر منه ان الوضوء مقيد شرعا بوجدان الماء ، وبعد قيام الدليل على وجوب حفظ الماء قبل الوقت ـ على ما حكى شيخنا الأستاذ مد ظله بأنه وردت رواية في ذلك ، وان لم أعثر عليها ـ يستفاد منه : ان القدرة المعتبرة في الوضوء انما تكون على نحو القدرة العقلية وبتلك السعة (2) ولكن هذا بعد قيام الدليل على وجوب حفظ الماء ، والا فان من نفس اخذ القدرة شرعا في الوضوء لا يمكن استفادة ذلك ، بل غايته استفادة القدرة بعد الوقت. هذا بالنسبة إلى الماء.
    واما بالنسبة إلى الساتر ونحوه مما يتوقف عليه القدرة على الواجب بقيوده في الوقت ، فالقدرة المعتبرة فيه انما تكون عقلية محضة كالقدرة على نفس الصلاة ، وعليه يجب حفظ الساتر أو تحصيله قبل الوقت لمن لا يتمكن منه بعده ، ولا نحتاج في ذلك إلى قيام دليل عليه ، بل القدرة العقلية تقتضي ذلك كلزوم حفظ القدرة على أصل الصلاة بان لا يعمل عملا يوجب فوات القدرة عليها في وقتها ، والسر في ذلك : هو ان القدرة المعتبرة فيها عقلية فيجب حفظها. هذا إذا اعتبرت القدرة شرعا بتلك السعة.
    وأخرى : لا تعتبر بتلك السعة ، بل اعتبرت على وجه خاص ، فالمعتبر ملاحظة كيفية الاعتبار ، فتارة : تعتبر على كيفية يقتضى أيضا تحصيل مقدمات القدرة ولو قبل مجيء وقت الواجب ، كما إذا قال : أكرم عمروا في الغد ان ، قدرت عليه بعد مجيء زيد ، ففي مثل هذا يكون العبرة بحصول القدرة بعد مجيء زيد ، ولا اثر
1 ـ المائدة ، الآية 6
2 ـ ولازم ذلك هو لزوم تحصيل الماء قبل الوقت ، والظاهر : انه لا يلتزمون بذلك ، فتأمل ـ منه.


(201)
للقدرة قبل مجيئه ولا يلزم تحصيلها من قبل لو علم بعدمها بعد مجيء زيد ، لأن المفروض ان القدرة بعد المجئ هي المعتبرة وهي التي يكون لها دخل في الملاك ، فما لم تحصل القدرة بعد المجئ لم يكن هناك ملاك للحكم ثبوتا ، وح لا موجب لايجاب تحصيلها قبل مجيء زيد ، فان عدم تحصيلها لا يوجب الا عدم ثبوت الملاك ، وهذا لا ضير فيه لعدم اندراجه تحت دائرة الامتناع بالاختيار ، لما عرفت غير مرة ان مورد القاعدة انما هو فيما إذا كان الامتناع موجبا لتفويت الملاك بعد ثبوته ، فلا يدخل فيها مورد عدم ثبوته ، نعم يلزمه تحصيل القدرة على الاكرام في الغد بعد مجيء زيد بتهيئة مقدماته لو لم يمكنه ذلك في الغد ، لاندراجه حينئذ تحت قاعدة الامتناع بالاختيار كما لا يخفى وجهه.
    ولعل مثال الحج من هذا القبيل ، حيث نقول : انه لا يجب عليه تحصيل المقدمات من السير وغيره قبل تحقق الاستطاعة ، ويجب عليه ذلك بعد حصولها ، فان السير قبل الاستطاعة يكون من قبيل تحصيل القدرة قبل مجيء زيد في المثال المتقدم ، بخلافه بعد الاستطاعة فإنه يكون من قبيل تحصيلها بعد مجيئه الذي قلنا بلزومه.
    وأخرى : تعتبر على وجه لا يلزم تحصيل المقدمات قبل مجيء زمان الواجب ، كما إذا اخذت القدرة شرطا شرعيا في وقت وجوب الواجب ، كما إذا قال : ان قدرت على اكرام زيد في الغد فأكرمه ، بان يكون الغد قيدا للقدرة أيضا ، كما أنه قيد للاكرام ، وفي مثل هذا لا يلزم تحصيل مقدمات القدرة من قبل الغد كما لا يخفى.
    ثم لا يخفى عليك : ان عدم وجوب تحصيل القدرة في هذا القسم ، انما هو فيما إذا لم يتوقف الواجب على تهيئة مقدماته العقلية التي لها دخل في القدرة قبل الوقت دائما أو غالبا ، فلو توقف الواجب دائما أو غالبا على تهيئة المعدات قبل الوقت ، بحيث يكون حصول المقدمات في الوقت لا يمكن ، أو أمكن بضرب من الاتفاق ، كان اللازم تهيئة المقدمات من قبل ، لان نفس كون الواجب كذلك يلازم الامر بتحصيل المقدمات من قبل ، والا للغي الواجب بالمرة فيما إذا كان التوقف دائميا ، أو قل مورده فيما إذا كان غالبيا ، ففي مثل هذا لا نحتاج إلى قاعدة الامتناع بالاختيار ، بل نفس


(202)
الدليل الدال على وجوب الواجب يدل على وجوب تحصيل مقدماته من قبل بالملازمة ودليل الاقتضاء ، وذلك كما في الغسل قبل الفجر ، حيث إن الامر بالصوم متطهرا من الحدث الأكبر من أول الفجر يلازم دائما وقوع الغسل قبل الفجر ، وح نفس الامر بالصوم يقتضى ايجاب الغسل قبله بالملازمة المذكورة ، هذا.
    ولكن المثال خارج عما نحن فيه لان الغسل من القيود الشرعية ، وقد عرفت في أول البحث ان الكلام في المقدمات المفوتة ، انما هو في المقدمات العقلية و المعدات التي لها دخل في القدرة على الواجب ، ولك ان تجعل مثال الحج مما نحن فيه ، حيث إن الحج بالنسبة إلى البعيد دائما يتوقف على السير من قبل ، فنفس الامر بالحج يقتضى الامر بالسير من قبل أيام الحج للملازمة المذكورة.
    وعلى كل حال ، قد عرفت اقسام اعتبار القدرة في الواجب ، من كونها عقلية ، أو شرعية على أقسامها الثلاثة ، وعرفت أيضا مورد المقدمات المفوتة للقدرة ، واندراجها تحت قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
    وحينئذ نقول : ان كل مورد حكم العقل بتحصيل القدرة أو حفظها قبل مجيئ زمان الواجب ، فلابد ان نستكشف من ذلك خطابا شرعيا على طبق ما حكم به العقل بقاعدة الملازمة ، وعليه يجب تحصيل القدرة أو حفظها شرعا ، ويكون السير للحج وحفظ الماء وتحصيل الساتر مأمورا به شرعا ، وكذا حرمة العمل الذي يوجب سلب القدرة على الواجب ، وغير ذلك من المقدمات المفوتة.
    ولكن ينبغي ان يعلم : ان الوجوب الشرعي في المقام ليس على حد سائر الواجبات الشرعية في كونه نفسيا يثاب ويعاقب على فعله وتركه ، بل الوجوب في المقام مقدمي ويكون من سنخ وجوب المقدمة غايته : ان وجوب المقدمة في سائر المقامات يجئ من قبل وجوب ذيها ويترشح منه إليها ، وهذا في المقام لا يمكن لعدم وجوب ذيها بعد ، فلا يعقل ان يكون وجوبها ترشحيا ، الا انه مع ذلك لم يكن وجوب المقدمات المفوتة نفسيا لمصلحة قائمة بنفسها بحيث يكون الثواب والعقاب على فعلها وتركها ، بل وجوبها انما يكون لرعاية ذلك الواجب المستقبل ، ولمكان التحفظ عليه وعدم فواته في وقته أوجب الشارع تحصيل المقدمات وحفظ القدرة ، فيكون


(203)
وجوبها من سنخ وجوب المقدمة ، وان افترقا فيما ذكرناه ، فالثواب والعقاب انما يكون على ذلك الواجب المستقبل.
    وحاصل الكلام : ان التكليف الشرعي المتعلق بحفظ المقدمات المفوتة ليس تكليفا نفسيا استقلاليا ، بل يكون من متمم الجعل ، ويكون كل من هذا التكليف المتعلق بحفظ المقدمات مع ذلك التكليف المتعلق بنفس الواجب المستقبل ناشيا عن ملاك واحد ومناط فارد ، لا ان لكل منهما ملاكا يخصه ، حتى يكونا من قبيل الصوم والصلاة يستدعى كل منهما ثوابا وعقابا ، بل ليس هناك الا ملاك واحد ، ولما لم يمكن استيفاء ذلك الملاك بخطاب واحد ، حيث إن خطاب الحج في أيام عرفة لا يمكن ان يستوفى الملاك وحده مع عدم وجوب السير ، احتجنا إلى خطاب آخر بوجوب السير يكون متمما لذلك الخطاب ، ويستوفيان الملاك باجتماعهما ، فليس هناك الا ملاك واحد اقتضى خطابين ، وليس لهذين الخطأ بين الا ثواب واحد و عقاب فارد ، ويكون عصيان الخطاب المقدمي عصيانا للخطاب الآخر ، حيث إنه يمتنع الحج بنفس ترك السير ، فبتركه للسير قد ترك الحج وتحقق عصيانه ، و لا يتوقف العصيان على مضى أيام الحج إذ قد امتنع عليه الحج بسوء اختياره لتركه السير في أوانه ، فبنفس ترك السير يتحقق عصيان الحج.
    فان قلت :
    لا اشكال في أن العقاب انما يكون لعصيان الخطاب وترك المأمور به ، وح نقول في المقام : ان العقاب على أي شيء يكون ؟ لا يمكن ان يقال على عصيان خطاب السير وتركه له ، لان خطاب السير انما كان مقدميا ولم يكن الملاك قائما به ، وليس في البين خطاب آخر يوجب العصيان ، لان الحج لم يكن له خطاب فعلى قبل أيام عرفه ، لاشتراطه بها حسب ما تقدم من امتناع الواجب المعلق ، والمفروض انه بتركه للسير قد امتنع عليه الحج فلا يعقل تكليفه بالحج ، ومن هنا اطبقوا على رد الهاشم ، حيث ذهب إلى أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار خطابا وعقابا ، فالتارك للسير ليس مخاطبا بالحج لعدم القدرة عليه ولو بسوء اختياره ، فإذا لم يكن مخاطبا بالحج لم يكن معاقبا على تركه ، لان العقاب انما يكون على ترك المأمور به.


(204)
ومجرد اشتمال الحج على الملاك وتفويته له لا يوجب العقاب ما لم يكن الحج واجبا ومتعلقا للامر ، حسبما تقدم منا مرارا ، من أن الملاكات غير لازمة التحصيل و لا يوجب فواتها شيئا ، وانما العبد ملزم عقلا بالخطابات الشرعية لا بملاكاتها.
    قلت :
    ما كنت أحب بعد البيان المتقدم موقعا لهذا الاشكال ، ولا مجال لهذا التوهم ، فان السير انما صار واجبا لرعاية الحج ، وامر به شرعا تحفظا على تركه ، ومع ذلك كيف يسئل عن أن العقاب على أي شيء يكون ؟ مع وضوح ان العقاب يكون على ترك الحج حينئذ ، لان مناط حكم العقل باستحقاق العقاب على ترك الواجب الفعلي كترك الصلاة بعد الوقت ـ ولو لمكان امتناعها بسوء اختياره ـ بعينه متحقق في مثل المقام ، وما أنكرناه سابقا من أن الملاكات غير لازمة التحصيل انما هو لمكان ان الملاكات ليست مقدورة للمكلف ، ولا تكون من المسببات التوليدية لأفعاله ، و أين هذا من ترك الحج الذي يقوم به الملاك بسوء اختياره ، مع ايجاب الشارع السير عليه تحفظا عن ترك الحج وعدم فواته منه ؟.
    وبالجملة : لافرق في نظر العقل الذي هو الحاكم في هذا الباب ، بين ان يعجز المكلف نفسه عن الحج في أيام عرفه ، وبين ان يعجز نفسه عنه قبل ذلك بتركه السير ، فإنه في كلا المقامين يستحق العقاب على ترك الحج على نسق واحد ، فتأمل في المقام جيدا. هذا تمام الكلام في المقام الأول ، وهو باب المقدمات المفوتة.
    واما الكلام في المقام الثاني :
    وهو باب وجوب تعلم الاحكام. فحاصله : انه يظهر من الشيخ قده (1) في آخر مبحث الاشتغال عند التعرض لشرائط الأصول ، ادراج المقام في باب المقدمات المفوتة ، وجعله من صغريات باب القدرة ، ولكن الانصاف انه ليس الامر كذلك ، فان بين البابين بونا بعيدا ، إذ باب المقدمات المفوتة يرجع إلى مسألة القدرة على ما عرفت ، وباب وجوب التعلم أجنبي عن باب القدرة ، لان الجهل بالحكم لا يوجب
1 ـ راجع الرسائل. آخر مباحث البراءة ، خاتمة في ما يعتبر في العمل بالأصل. شرط البراءة. ص 282.

(205)
سلب القدرة ، ومن هنا كانت الاحكام مشتركة بين العالم والجاهل.
    والحاصل : انه فرق بين ترك الشيء لعدم القدرة عليه ، وبين تركه لجهله بحكمه ، فالتعلم ليس من المقدمات العقلية التي لها دخل في القدرة ، وح لايكون تركه من باب ترك المقدمات المفوتة ، وليس ملاك وجوبه هو قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل ملاك وجوب التعلم هو ملاك وجوب الفحص في الشبهات الحكمية ، وهو حكم العقل بلزوم أداء العبد وظيفته ، حيث إن العقل يرى أن ذلك من وظائف العبد بعد تمامية وظائف المولى ، فان العقل يستقل بان لكل من المولى والعبد وظيفة ، فوظيفة المولى هي اظهار مراداته ، وتبليغها بالطرق المتعارفة التي يمكن للعبد الوصول إليها ان لم يحدث هناك مانع ، فوظيفة المولى هي تشريع الاحكام وارسال الرسل وانزال الكتب ، وبعد ذلك تصل النوبة إلى وظيفة العبد ، و انه على العبد الفحص عن مرادات المولى واحكامه ، وحينئذ يستقل العقل باستحقاق العبد للعقاب عند ترك وظيفته ، كما يستقل بقبح العقاب عند ترك المولى وظيفته.
    والحاصل : انه بعد التفات العبد إلى أن هناك شرعا وشريعة ، يلزمه تحصيل العلم بأحكام تلك الشريعة ، والا كان مخلا بوظيفته ، حيث إن وظيفة العبد هو الرواح إلى باب المولى لامتثال أوامره ، ولولا استقلال العقل بذلك لا نسد طريق وجوب النظر إلى معجزة من يدعى النبوة ، وللزم افحام الأنبياء ، إذ لو لم يجب على العبد النظر إلى معجزة مدعى النبوة لما كان للنبي ان يحتج على العبد بعدم تصديقه له ، إذ للعبد ان يقول : لم اعلم انك نبي ، وليس للنبي ان يقول : لم لم تنظر في معجزتي ليظهر لك صدق مقالتي ؟ إذ للعبد ان يقول إنه لم يجب على النظر في معجزتك.
    وبالجملة : العقل كما يستقل بوجوب النظر في معجزة مدعى النبوة ، كذلك يستقل بوجوب تعلم أحكام الشريعة والفحص عن الأدلة والمقيدات والمخصصات ، إذ المناط في الجميع واحد ، وهو استقلال العقل بان ذلك من وظيفة العبد ، ومن هنا لا يختص وجوب التعلم بالبالغ ، كما لا يختص وجوب النظر إلى المعجزة به ، بل يجب ذلك قبل البلوغ إذا كان مميزا مراهقا ليكون أول بلوغه مؤمنا ومصدقا بالنبوة ،


(206)
والا يلزم ان لايكون الايمان واجبا عليه في أول البلوغ ، هذا بالنسبة إلى الايمان و كذلك بالنسبة إلى سائر أحكام الشريعة يجب على الصبي تعلمها إذا لم يتمكن منه بعد البلوغ ، أو نفرض الكلام في الاحكام المتوجهة عليه في آن أول البلوغ ، فإنه يلزمه تعلم تلك الأحكام قبل البلوغ ، كما لو فرض انه سيبلغ في آخر وقت ادراك الصلاة ، فإنه لا اشكال في وجوب الصلاة عليه حينئذ ، ويلزمه تعلم مسائلها قبل ذلك.
    وما قيل من أن الاحكام مشروطة بالبلوغ ، ليس المراد ان جميع الأحكام مشروطة به ، حتى مثل هذا الحكم العقلي المستقل ، فان هذا غير مشروط بالبلوغ ، بل مشروط بالتميز والالتفات مع العلم بعدم التمكن من التعلم عند حضور وقت الواجب.
    فتحصل : انه لا يقبح عند العقل عقاب تارك التعلم ، والاحكام تتنجز عليه بمجرد الالتفات إليها والقدرة على امتثالها الا ان يكون هناك مؤمن عقلي أو شرعي.
    نعم حكم العقل بوجوب التعلم ليس نفسيا ، بان يكون العقاب على تركه وان لم يتفق مخالفة الواقع ، وان قال بذلك صاحب المدارك ، بل حكم العقل في المقام انما يكون على وجه الطريقية ، ويدور العقاب مدار مخالفة الواقع كما استقصينا الكلام في ذلك في اخر مبحث الاشتغال فراجع ذلك المقام.
    ومن الغريب ان الشيخ قده مع التزامه بان التعلم لم يكن واجبا نفسيا و ان العقاب على مخالفة الواقع ، حكم بفسق تارك تعلم مسائل الشك والسهو في الصلاة ولو لم يتفق الشك والسهو فيها ، على ما حكى عنه في بعض الرسائل العملية ، وهذه الفتوى من الشيخ قده لا توافق مسلكه في وجوب التعلم.
    ثم انه لا اشكال في وجوب التعلم قبل الوقت مع العلم أو الاطمينان بعدم تمكنه منه بعد الوقت ، وعلمه أو اطمئنانه أيضا بتوجه التكليف إليه في وقته ، سواء كان الحكم مما تعم به البلوى أولا ، إذ ليس ما وراء العلم شيء.
    واما لو لم يعلم بتوجه التكليف إليه بعد ذلك ، ولكنه كان يحتمل ، فان كانت المسألة مما تعم بها البلوى فكذلك يجب التعلم ، لأنه يكفي في حكم العقل


(207)
كون الشخص في معرض الابتلاء وان لم يعلم بالابتلاء ، لان مناط حكم العقل ـ و هو لزوم رواح العبد إلى باب المولى وان ذلك من وظيفته ـ لا يختص بالعالم بان للمولى مرادا ، بل يكفي احتمال ذلك مع كونه في معرض ذلك ، ومن هنا قلنا : انه يجب على المكلف تعلم مسائل الشك والسهو ولو لم يعلم بابتلائه بهما ، الا إذا علم بعدم الابتلاء فإنه لا يجب عليه ذلك ، ولكن انى له بهذا العلم ؟ وكيف يمكن ان يحصل لاحد ، مع أن الشك والسهو امر يقع بغير اختيار وعلى خلاف العادة ، فمجرد انه ليس من عادته السهو والشك لا يكفي في حصول العلم.
    وعلى كل حال : لا اشكال في لزوم التعلم إذا كانت المسألة مما تعم بها البلوى ، كمسائل السهو والشك ، والتيمم وغير ذلك ، من غير فرق بين ان يعلم بالابتلاء أولا يعلم.
    واما لو لم تكن المسألة مما تعم بها البلوى ، فظاهر الفتاوى عدم وجوب التعلم مع عدم العلم أو الاطمئنان بعد الابتلاء ولعله لجريان أصالة عدم الابتلاء ، فان حكم العقل بوجوب التعلم لما كان حكما طريقيا ، نظير حكمه بالاحتياط في باب الدماء والفروج والأموال ، كان الأصل الموضوعي رافعا لموضوع حكم العقل ، فيكون استصحاب عدم الابتلاء في المقام نظير استصحاب ملكية المال في باب الأموال ، فكما لا يجب الاحتياط عند استصحاب ملكية المال لخروج المال ببركة الاستصحاب عن احتمال كونه مال الغير الذي هو موضوع حكم العقل بلزوم الاحتياط ، كذلك استصحاب عدم الابتلاء يوجب دفع احتمال الابتلاء الذي هو الموضوع عند العقل بلزوم التعلم.
    وبعبارة أخرى : موضوع حكم العقل بلزوم التعلم انما هو الحكم الذي يبتلى به ، واستصحاب عدم الابتلاء يرفع ذلك الموضوع ، ولا دافع لهذا الاستصحاب الا توهم عدم جريان الاستصحاب بالنسبة إلى المستقبل ، أو توهم ان حكم العقل في المقام نظير حكمه بقبح التشريع الذي يحكم بقبحه في صورة العلم والظن والشك والوهم بمناط واحد ، ومن هنا لا تصل النوبة إلى الأصول الشرعية كما فصلنا الكلام في ذلك في محله.


(208)
    ويدفع الأول بأنه : لا مانع من جريان الاستصحاب في المستقبل إذا كان الشيء بوجوده الاستقبالي ذا اثر ، وان لم يكن بوجوده الماضي أو الحالي ذا اثر ، و تفصيل ذلك في محله.
    ويدفع الثاني : ان حكم العقل في المقام ، ليس كحكمه في باب التشريع ، فان مناط حكمه بقبح التشريع انما هو لمكان حكمه بقبح اسناد ما لا يعلم أنه من قبل المولى إلى المولى ، وهذا المناط موجود في صورة العلم والظن والشك ، و ليس حكم العقل بقبح التشريع يدور مدار واقع عدم التشريع حتى يكون حكمه في صورة عدم العلم حكما طريقيا ، كحكمه بلزوم التحرز عن المال المحتمل كونه مال الغير حذرا عن الوقوع في الظلم والتصرف في مال الغير ، وحكم العقل في المقام كذلك يكون طريقيا محضا ، وح يكون الاستصحاب الموضوعي حاكما عليه هذا.
    ولكن شيخنا الأستاذ مد ظله ، كان بنائه في السابق ، هو التفصيل بين ما تعم به البلوى وما لاتعم ، من حيث وجوب التعلم في الأول دون الثاني ، وعليه جرى في رسائله العملية ، ولكن لما وصل بحثه إلى هذا المقام توقف في ذلك بل قرب عدم التفصيل ، وان احتمال الابتلاء يكفي في حكم العقل بوجوب التعلم كحكمه بوجوب النظر عند احتمال صدق مدعى النبوة ، فتأمل في المقام ، فان المسألة مما تعم بها البلوى ويترتب عليها آثار عملية.
    هذا تمام الكلام في المقدمات المفوتة وما يلحق بها من وجوب التعلم. وتحصل : ان وجوب بعض المقدمات قبل الوقت لا يتوقف على القول بالواجب المعلق كما ذكره في الفصول ، أو على أحد الامرين من الواجب المعلق أو الشرط المتأخر كما ذكره في الكفاية.
    بقى في المقام ، التنبيه على بعض المسائل الفقهية ، التي توهم انها تبتنى على تصحيح الواجب المعلق والشرط المتأخر معا.
    ( منها ) مسألة الصوم ، حيث إنه لا اشكال في أنه يعتبر في الصوم اجتماع شرائط التكليف من القدرة والصحة وعدم الحيض والسفر ، من أول الطلوع إلى الغروب ، بحيث لو اختل أحد هذه الشرائط في جزء من النهار لم يكن الصوم واجبا ،


(209)
فوجوب الامساك في أول الفجر يتوقف على بقاء الحياة والقدرة إلى الغروب ، وهذا لايكون الا على نحو الشرط المتأخر بحيث تكون القدرة على الامساك فيما قبل الغروب شرطا في وجوب الامساك في أول الفجر ، وهذا عين الشرط المتأخر ، وأيضا لا اشكال في أن التكليف بالامساك في الآن الثاني ، والثالث ، وهكذا ، انما يكون متحققا في الآن الأول ، وهو آن طلوع الفجر ، إذ ليس هناك الا تكليف واحد يتحقق في أول الطلوع ويستمر إلى الغروب ، وليس هناك تكاليف متعددة يحدث في كل آن تكليف يخصه ، فان ذلك ينافي الارتباطية ، بل التكليف بالامساك في جميع آنات النهار انما يتحقق في الآن الأول ، وهو آن الطلوع ، فيكون التكليف بامساك ما قبل الغروب ثابتا قبل ذلك ، وهذا عين الواجب المعلق حيث يتحقق الوجوب الفعلي قبل وقت الواجب ، وهو آن ما قبل الغروب الذي هو وقت الامساك الواجب فيه. وكذا الحال بالنسبة إلى التكليف بالصلاة في أول الوقت ، حيث إن الكلام فيها عين الكلام في الصوم ، من حيث ابتنائه على الشرط المتأخر والواجب المعلق كما لا يخفى ، هذا.
    ولكن لا يخفى عليك ضعف ذلك بكلا وجهيه.
    اما ضعف وجه ابتنائه على الشرط المتأخر ، فلما يأتي انشاء الله تعالى من أن الشرط في أمثال ذلك هو وصف التعقب ، ويكون الامساك في أول الطلوع واجبا عند وجود الحياة في ذلك الآن وتعقبه بالحياة فيما بعد إلى الغروب ، فيكون الشرط في وجوب الامساك في كل آن هو فعلية الحياة في ذلك الآن وتعقبها بالحياة في الان الثاني ، وهذا المعنى امر معقول يساعد عليه الدليل والاعتبار ، بل المقام من أوضح ما قيل فيه : ان الشرط هو وصف التعقب ، وسيأتي مزيد توضيح لذلك انشاء الله تعالى.
    واما ضعف ابتنائه على الواجب المعلق ، فلان الخطاب وان كان أمرا واحدا مستمرا يتحقق بأول الطلوع ويستمر إلى الغروب ، الا ان فعليته تدريجية حسب تدريجية المتعلق والشروط ، فكما ان الشروط من الحياة والقدرة وغير ذلك تحصل تدريجا ـ إذ لا يعقل تحقق الحياة من الطلوع إلى الغروب دفعة واحدة وفي آن واحد ، بل لا بد من أن تتحقق تدريجا حسب تدرج آنات الزمان ، وكذا الحال


(210)
بالنسبة إلى الامساك فيما بينها الذي يكون متعلقا لابد وان يتحقق متدرجا في آنات الزمان ـ فكذلك فعلية الخطاب انما تكون تدريجية ، ويكون فعلية وجوب الامساك في كل آن مشروطا بوجود ذلك الآن ، وتكون الفعلية متدرجة في الوجود حسب تدرج آنات الزمان ، ولا يعقل غير ذلك ، إذ كما لا يعقل تحقق امساك الآن الثاني في الآن الأول لعدم معقولية جر الزمان ، كذلك لا يعقل فعلية وجوب امساك الآن الثاني في الآن الأول ، وكما يكون امساك كل آن موقوفا على وجود ذلك الآن ، كذلك فعلية وجوب الامساك في كل آن موقوفة على وجود ذلك الآن ، ففعلية الخطاب في التدرج والدفعية تتبع الشروط والمتعلق في التدرج والدفعية ، فإذا كانت الشروط والمتعلق تدريجية فلا بد ان يكون فعلية الخطاب أيضا تدريجية ، ولا فرق في هذا بين ان نقول ان الزمان في باب الصوم اخذ قيدا للمتعلق ، أو اخذ قيدا لنفس الحكم على ما بينا (1) تفصيله في التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب في مسألة استصحاب حكم المخصص أو الرجوع إلى حكم العام.
    نعم تظهر الثمرة بين الوجهين في وجوب امساك بعض اليوم لمن يعلم بفقدان بعض الشروط في أثناء النهار أو عدم وجوبه ، فإنه بناء على أن يكون الزمان قيدا لنفس الحكم يكون وجوب الامساك في البعض والكفارة عند المخالفة على القاعدة ، بخلاف ما إذا قلنا بكون الزمان قيدا للمتعلق ، فإنه يكون وجوب امساك البعض والكفارة على خلاف القاعدة ، يتبع ورود الدليل ، ولا باس بالإشارة إلى وجه ذلك اجمالا.
    فنقول :
    ان كان الزمان قيدا للمتعلق وهو الامساك فيكون الواجب هو الامساك ما بين الحدين ( الطلوع والغروب ) عند اجتماع الشرائط : من القدرة وعدم السفر و الحيض فيما بين الحدين ، فيكون متعلق التكليف أمرا واحدا مستمرا وهو الامساك
1 ـ راجع تفصيل هذا البحث في التنبيه الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب. الجزء الرابع من هذا الكتاب ـ ص 196 الطبعة القديمة
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس