فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: 481 ـ 495
(481)
ما هو الواقع بمقتضى تبعية عالم الاثبات لعالم الثبوت ، فإنه لو كان الجزاء علة للشرط ، أو كانا معا معلولين لعلة ثالثة ، لكان الكلام مسوقا لبيان البرهان الآني ، و يتوقف ذلك على كون المتكلم في مقام الاستدلال على انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء ، حسب ما يقتضيه الاستدلال الآني ، وهذا يحتاج إلى مؤنة خارجية ، والا فان طبع الكلام يقتضى كون المقدم هو المقدم والتالي هو التالي في الواقع وعالم الثبوت ، فيكون الكلام قد سيق على طبق الواقع.
    والانصاف : ان دعوى الظهور السياقي للقضية الشرطية في كون الشرط علة للجزاء قريبة جدا لا مجال لانكارها ، ولكن هذا بنفسه لا يكفي في ثبوت المفهوم للقضية ما لم يكن الشرط علة منحصرة ، واثبات الانحصار لا يمكن الا بدعوى اطلاق الشرط واجراء مقدمات الحكمة لاثبات انحصاره ، بتقريب : انه لو لم يكن الشرط وحده علة منحصرة لكان على المولى الحكيم ، الذي فرض انه في مقام البيان ، ان يقيد اطلاق الشرط بكلمة الواو ، أو بكلمة أو ، ليبين بذلك ان الشرط ليس بعلة وحده ، بل يشاركه في عليته شيء آخر ولو عند الاجتماع ، أو ان الشيء الفلاني أيضا علة ، وحيث لم يبين ذلك يستفاد منه ان الشرط وحده علة ، سواء سبقه شيء آخر أو لم يسبقه ، قارنه شيء أو لم يقارنه ، وهو معنى كون الشرط علة منحصرة ، هذا.
    ولكن الانصاف : ان هذا التقريب لا يستقيم ، لأنه أولا : ان مقدمات الحكمة انما تجرى في المجعولات الشرعية ، ومسألة العلية والسببية غير مجعولة ، على ما تقدم منا مرارا ، وانما المجعول هو المسبب على تقدير وجود سببه ، فلا معنى للتمسك باطلاق الشرط على كونه علة منحصرة.
    وثانيا : ان القضية الشرطية لا دلالة لها على استناد الجزاء إلى الشرط ، و كون وجوده معلولا لوجوده ، بل غاية ما تدل عليه القضية الشرطية ، هو الترتب بين الجزاء والشرط ووجود الجزاء عند وجود الشرط. وهذا المعنى لا يتفاوت الحال فيه ، بين كون الشرط علة منحصرة ، أو غير منحصرة ، فان الجزاء يكون مترتبا على الشرط على نسق واحد ، سواء كان هناك شرط آخر ، أو لم يكن. بل لو فرض دلالة القضية الشرطية على استناد الجزاء إلى الشرط وكونه معلولا له لم يكن أيضا موقع للتمسك


(482)
باطلاق الشرط وجريان مقدمات الحكمة على الانحصار ، فان استناد المعلول إلى علته المنحصرة وغير المنحصرة على نسق واحد ، إذ في العلة الغير المنحصرة يكون المعلول مستندا إليها ، على نحو استناده إلى المنحصرة ، هذا.
    ولكن لا يخفى عليك : ان هذه الكلمات كلها أجنبية عن مسألة استظهار المفهوم للقضية الشرطية ، بل استظهار المفهوم لها يحتاج إلى بيان آخر. وحاصله : هو انه قد عرفت ان المفهوم عبارة عما يكون لازما للكلام ، ويكون الكلام دالا عليه بالدلالة الالتزامية بالمعنى الأخص ، والدلالة الالتزامية للكلام لا تكون الا إذا كان الكلام مشتملا على خصوصية توجب ذلك ، بحيث تكون تلك الخصوصية مما أنيط بها المحمول في الكلام ، سواء كان المحمول من سنخ الأحكام الشرعية ، أو غيرها ، على وجه يدور المحمول مدار تلك الخصوصية ، فإنه عند ذلك يدل الكلام بالدلالة الالتزامية على انتفاء المحمول عند انتفاء الخصوصية ، فلو لم تكن تلك الخصوصية مما أنيط بها المحمول لايكون انتفاء الخصوصية موجبا لانتفاء المحمول. وهذا المعنى لا يختص بالقضية الشرطية ، بل في جميع القضايا التي تكون من ذوات المفهوم لابد ان تكون على هذا الوجه ، أي تكون مشتملة على خصوصية قد أنيط بها المحمول ، وليست القضية الشرطية تختص بذلك ، فان كل قضية حملية تتضمن القضية الشرطية يكون موضوعها المقدم ومحمولها التالي. ومن هنا قلنا : ان كل شرط يرجع إلى الموضوع ، و يكون معنى ( ان جائك زيد فأكرمه ) هو ان زيد الجائي يجب اكرامه.
    إذا عرفت ذلك ، فنقول : ان الشرط الذي تتضمنه القضية الشرطية ، تارة : يمكن ان يناط به المحمول منوطا بذلك الشرط ، وأخرى : لا يمكن جعل الإناطة ، بل يكون المحمول بنفسه منوطا بالشرط تكوينا ، بحيث لا يعقل تحققه بدون تحقق الشرط ، فان كان الشرط على الوجه الثاني فليس للقضية مفهوم ، لان القضية تكون حينئذ مسوقة لبيان فرض وجود الموضوع ، مثل : ان رزقت ولدا فاختنه ، وان ركب الأمير فخذ ركابه ، حيث لا يعقل ختان الولد واخذ ركاب الأمير الا بعد تحقق الشرط ، فالمحمول في مثل هذا لا يمكن ان يقيد بالشرط ويناط به ، إذا التقييد فرع امكان الاطلاق. والمحمول الذي يتوقف على الشرط عقلا لا يمكن فيه الاطلاق ، فهو


(483)
بنفسه مقيد تكوينا. وهذا هو السر في عدم المفهوم للقضية اللقبية ، من جهة ان الاشتراط الذي يتضمنه اللقب ليس الا فرض وجود الموضوع ، فمثل قوله : أكرم زيدا معناه انه ان وجد زيد فأكرمه ، والاكرام يتوقف عقلا على وجود زيد.
    وان كان الشرط ، على الوجه الأول ، كمجيئ زيد ، وركوبه ، وجلوسه ، وغير ذلك من الحالات التي لا يتوقف اكرامه عليها عقلا ، فلا محالة يكون الجزاء مقيدا بذلك الشرط في عالم الجعل والتشريع ، ومعنى التقييد هو إناطة الجزاء بذلك الشرط ، ومقتضى اناطته به بالخصوص هو دوران الجزاء مداره وجودا وعدما ، بمقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة ، حيث إنه قيد الجزاء بذلك الشرط بخصوصه ، ولم يقيد بشيء آخر ، لا على نحو الاشتراك بان جعل شيء آخر مجامعا لذلك الشرط قيدا للجزاء ، ولا على نحو الاستقلال بان جعل شيء آخر موجبا لترتب الجزاء عليه ولو عند انفراده وعدم مجامعته لما جعل في القضية شرطا ، و مقتضى ذلك هو دوران الجزاء مدار ما جعل شرطا في القضية ، بحيث ينتفى عند انتفائه ، وهو المقصود من تحقق المفهوم للقضية.
    فمقدمات الحكمة انما تجرى في ناحية الجزاء من حيث عدم تقييده بغير ما جعل في القضية من الشرط ، لا في الشرط ، حتى يرد عليه ما تقدم من الاشكال.
    والحاصل : ان اطلاق الجزاء في المقام بالنسبة إلى ما عدا الشرط في اقتضائه المفهوم يكون كاطلاق الوجوب في اقتضائه النفسية العينية التعيينية ، من غير فرق بين المقامين أصلا ، حيث إن مقدمات الحكمة انما تجرى لاستكشاف المراد ، وان المراد النفس الأمري هو ما تضمنه الكلام بعد احراز كون المتكلم في مقام البيان ، كما هو الأصل الجاري عند العقلاء في محاوراتهم ، حيث إن الأصل العقلائي يقتضى كون المتكلم في مقام بيان مراده النفس الأمري ، الا ان تكون هناك قرينة نوعية على الخلاف ، وفي المقام مقتضى تقييد الجزاء بالشرط هو كون المتكلم في مقام البيان.
    ودعوى انه في مقام البيان من هذه الجهة دون سائر الجهات والقيود ، فاسدة فإنه لو بنى على ذلك لا نسد باب التمسك بالاطلاقات في جميع المقامات ، إذ ما من


(484)
مورد الا ويمكن فيه هذه الدعوى. ومقتضى كونه في مقام البيان وعدم تقييد الجزاء بقيد آخر هو ان الجزاء مترتب على ذلك الشرط فقط ، من دون ان يشاركه شرط آخر أو ينوب عنه. وبعد ذلك لا ينبغي التوقف في ثبوت المفهوم للقضية الشرطية التي لا يتوقف الجزاء فيها على الشرط عقلا ، فتأمل جيدا.
    وينبغي التنبيه على أمور :
    الامر الأول :
    ان المراد من انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ـ المعبر عنه بالمفهوم ـ هو انتفاء سنخ الحكم ونوعه ، لا شخصه ، فان انتفاء الشخص انما يكون بانتفاء موضوعه عقلا ، من غير فرق في ذلك بين القضية الشرطية ، والوصفية ، واللقبية. فالذي تمتاز بها القضية الشرطية عن القضية اللقبية ، انما هو انتفاء سنخ الحكم في القضية الشرطية عند انتفاء الشرط ، دون القضية اللقبية ، حيث إن القضية الشرطية تدل على انتفاء سنخ الحكم ، بخلاف القضية اللقبية ، من غير فرق بين كون الجزاء في القضية الشرطية بصورة الاخبار ، كما إذا قال : ان جائك زيد يجب عليك اكرامه ، أو بصورة الانشاء كما إذا قال : ان جاء زيد أكرمه.
    وتوهم الفرق بينهما ـ بان الشرط في الصورة الأولى انما كان شرطا للوجوب ، فبانتفاء الشرط ينتفى أصل الوجوب ونوعه ، وهذا بخلاف الصورة الثانية ، فان الشرط انما كان شرطا للانشاء المستفاد منه الوجوب وانتفاء الشرط انما يوجب انتفاء الانشاء الخاص ، وهذا لا يقتضى انتفاء نوع الوجوب وسنخه ـ ضعيف غايته ، لما عرفت سابقا من أن الشرط لا يرجع إلى الهيئة وان قلنا بان الموضوع له في الحروف عام لان المعنى غير قابل للتعليق والتقييد فان التقييد والتعليق يقتضى لحاظ الشيء معنى اسميا ، بل الشرط يرجع إلى المحمول المنتسب ، أي المحمول في رتبة الانتساب ، على ما تقدم تفصيله في الواجب المشروط ، فالمعلق عليه هو وجوب الاكرام على جميع الصور ، وهو الذي ينتفى بانتفاء الشرط.
    ومما ذكرنا ظهر : انه لا يبتنى التوهم المذكور على كون الوضع في الحروف خاصا ، ولا جوابه على كون الوضع فيها عاما ، فتأمل جيدا.


(485)
    الامر الثاني :
    ان المفهوم يتبع المنطوق في جميع القيود المعتبرة فيه ، وانما التفاوت بينهما بالسلب والايجاب ، فالموضوع في المفهوم هو الموضوع في المنطوق ، والمحمول فيه هو المحمول فيه. فلو قال : ان جائك زيد في يوم الجمعة راكبا فأكرمه ، كان مفهومه ان لم يجئك زيد في يوم الجمعة راكبا فلا تكرمه. ويكفي في انتفاء وجوب الاكرام انتفاء أحد القيود المأخوذة في المنطوق فينتفى وجوب الاكرام إذا جاء زيد في يوم الجمعة غير راكب.
    والسر في ذلك هو ما عرفت : من أن المفهوم تابع للمنطوق موضوعا و محمولا ونسبة ، سوى ان المنطوق قضية موجبة أو سالبة ، والمفهوم عكس ذلك ، أي يكون مفهوم الايجاب السلب ومفهوم السلب الايجاب ، ولازم ذلك هو انه لو كان المنطوق سالبة كلية كان مفهومه موجبة جزئية ، لان نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية ، كما أن نقيض الموجة الكلية سالبة جزئية.
    ومن هنا ربما يستشكل في الحكم بنجاسة الماء القليل ، بمفهوم قوله : إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء ، حيث إن المنطوق سالبة كلية ، لمكان إفادة النكرة في سياق النفي العموم ، فمفاد المنطوق هو عدم نجاسة الكر بكل نجاسة ، ويكون مفهومه هو انه إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه شيء ، والنكرة في سياق الاثبات لا تفيد العموم ، فأقصى ما يقتضيه المفهوم ، هو نجاسة الماء القليل في الجملة بنجاسة ما ، ولا يفيد نجاسته بجميع النجاسات ، هذا.
    ولكن يمكن ان يقال : ان المباحث الفقهية الأصولية انما يبتنى على الاستظهارات العرفية من الأدلة ، بخلاف المباحث المنطقية ، فإنها تبتنى على البراهين العقلية ، وربما يكون بين نظر الفقيه ونظر المنطقي العموم من وجه. فقد يكون نقيض السالبة الكلية موجبة كلية بحسب ما يستظهر من الدليل ، مع أنه بنظر المنطقي يكون النقيض موجبة جزئية كما في المقام ، فان المستفاد من المنطوق في مثل قوله : إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء ، هو عموم السلب ، لا سلب العموم ، أي يكون الظاهر من قوله : لم ينجسه شيء ، لم ينجسه كل فرد فرد من أنواع النجاسات :


(486)
من البول ، والدم ، والمنى وغير ذلك ، ويكون المنطوق في قوة قوله : إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه الدم ، والبول ، والغائط ، وهكذا ، لوضوح ان المراد من الشيء هو أنواع النجاسات ، لا كل شيء في العالم ، فيكون المفهوم إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه الدم ، والبول والغائط ، وغير ذلك ، فيكون دليلا على نجاسة الماء القليل بجميع أنواع النجاسات. وليست النكرة في سياق النفي كلفظة ( كل ) وما شابهها من أدوات العموم التي يكون لها معنى اسمى ، حتى يصح لحاظها على نحو العام المجموعي و يكون المنفى هو سلب العموم ، كقوله : لا تأكل كل رمانة في البستان ، بل العموم المستفاد من النكرة في سياق النفي انما هو بمقدمات الحكمة ، حسب ما يقتضيه المقام ، والمنفي في المثال انما هو أنواع النجاسات ، أي كل فرد فرد منها ، ويلزمه ما ذكرنا من كون المفهوم من مثل هذا المنطوق هو الايجاب الكلي ، لا الجزئي. مع أنه يكفي الايجاب الجزئي في اثبات نجاسة ماء القليل في الجملة في قبال عدم نجاسته أصلا ، كما هو المدعى ، والمسألة فقهية ليس المقام محل تفصيلها.
    الامر الثالث :
    لو تعدد الشرط ، على وجه كان شرطية كل منهما تنافى شرطية الآخر ، اما لتباين الشرطين ، أو لحصول أحدهما قبل حصول الآخر دائما ، كما في خفاء الاذان و الجدران ، الذي تجعل كل منهما شرطا لوجوب القصر ، مع أن خفاء الاذان دائما يحصل قبل خفاء الجدران على ما قيل ، فهل اللازم رفع اليد عن استقلال كل منهما في السببية وجعل كل منهما جزء السبب ؟ أو ان اللازم رفع اليد عن انحصار كل منهما في السبيية وجعل كل منهما سببا مستقلا. فعلى الأول : يكون الحكم في المثال هو انحصار وجوب التقصير عند خفاء كل من الاذان والجدران معا ، ولا يكفي خفاء أحدهما. وعلى الثاني : يكفي خفاء أحدهما في الحكم. ولكن الوجه الثاني في مثل المثال لا يستقيم ، لأن المفروض حصول خفاء الاذان دائما قبل حصول خفاء الجدران ، فيلزم لغوية جعل خفاء الجدران شرطا ، لعدم وصول النوبة إليه ابدا. نعم فيما إذا كان بين الشرطين التباين في الجملة ـ ولو بالعموم من وجه ـ يجرى فيه كل من الوجهين.


(487)
    والبحث في المقام تارة : يقع في خصوص المثال من حيث المسألة الفقهية. و أخرى : يقع في كلي ما كان من هذا القبيل من حيث المسألة الأصولية.
    اما البحث عن المقام الأول : فهو وان كان خارجا عما نحن فيه الا انه لا بأس بالإشارة إليه فنقول :
    انه لا تنافى في مثل قوله : إذا حفى الاذان فقصر ، وإذا خفى الجدران فقصر ، من حيث إن الظاهر من خفاء الجدران هو خفاء صورة الجدران لا شبحها ، فهو من هذه الجهة لا اجمال فيه. واما خفاء الاذان فلما كان له مراتب : مرتبة خفاء فصوله في مقابل تميزها على وجه يمتاز كل فصل عن الآخر ، ومرتبة خفاء مجموع الاذان في مقابل تميزه بنفسه وان الصوت صوت اذان ، ومرتبة خفاء الهمهمة في مقابل عدم خفائها ، بحيث لا يظهر من الصوت بنفسه كونه اذانا ، بل يستفاد كونه صوت اذان من القرائن.
    ومقتضى الجمع بين الدليلين وحمل المجمل على المبين ، هو حمل خفاء الاذان على المرتبة التي تنطبق على خفاء الجدران ، ولا يبعد ان تكون تلك المرتبة حين خفاء الاذان المجموع من حيث المجموع ، لا خفاء خصوص الفصول ، ولا خفاء الهمهمة ، فيرتفع التنافي بين الشرطين ، وتفصيله موكول إلى محله.
    واما البحث عن المقام الثاني : فمجمله انه وان قيل فيه وجوه أربعة أو خمسة : من تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الأخرى ، ومن رفع اليد عن المفهوم في كل منهما ، وغير ذلك ، كما لا تخفى على المراجع. الا ان الانصاف : ان ذلك تطويل بلا طائل ، بل لا محصل لبعض الوجوه ، فان تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الأخرى لا يستقيم ، إذ ليس المفهوم قضية مستقلة يمكن تقييدها ما لم يقيد أولا المنطوق ، فان المفهوم تابع للمنطوق في جميع القيود ، فلا يعقل تقييد المفهوم بلا تقييد المنطوق.
    فالتحقيق ، هو ان يقال : انه بعد ما كان الشرط ظاهرا في العلة التامة المنحصرة ، وكان تعدد الشرط ينافي ذلك ، فلابد اما : من رفع اليد عن كونه علة تامة وجعله جزء العلة ، فيكون المجموع من الشرطين علة تامة منحصرة ينتفى الجزاء عند انتفائهما معا ، ويكون قوله : مثلا ، إذا خفى الاذان فقصر وإذا خفى الجدران


(488)
فقصر ، بمنزلة قوله : إذا خفى الاذان والجدران فقصر. واما : من رفع اليد عن كونه علة منحصرة مع بقائه على كونه علة تامة ، فيكون الشرط أحدهما تخييرا ، ويكون المثال بمنزلة قوله : إذا خفى الاذان أو خفى الجدران فقصر ، ويكفي حينئذ أحدهما في ترتب الجزاء ، مع قطع النظر عن كون خفاء الاذان يحصل قبل خفاء الجدران دائما. وحينئذ لابد من رفع اليد عن أحد الظهورين ، اما ظهور الشرط في كونه علة تامة ، و اما ظهوره في كونه علة منحصرة. وحيث لم يكن أحد الظهورين أقوى من ظهور الآخر ولا أحدهما حاكما على الآخر ـ لمكان ان كلا من الظهورين انما يكون بالاطلاق ومقدمات الحكمة ، على ما تقدم ـ كان اللازم الجري على ما يقتضيه العلم الاجمالي من ورود التقييد على أحد الاطلاقين.
    وربما يتوهم ان ظهور الشرط في كونه علة تامة أقوى من ظهوره في الانحصار ، لان دلالة القضية على استناد الجزاء إلى الشرط انما يكون بالنصوصية فلابد ان يكون الشرط في الجملة ولو في مورد مما يستند إليه الجزاء ، واستناده إليه لايكون الا بان يكون الشرط علة تامة لترتب الجزاء ولو في مورد ، إذ استناد الشيء إلى جزء العلة ليس استنادا حقيقيا ، بل الاستناد الحقيقي هو ما يكون إلى تمام العلة. ولو تصرفنا في ظهور الشرط في كونه علة تامة وجعلناه جزء العلة يلزم ان لا يستند الجزاء إليه ابدا ولو في الجملة ، فظهور القضية في كون الشرط علة تامة ربما يدعى كونه بالنصوصية ، بخلاف ظهورها في الانحصار ، فإنه لايكون بتلك المثابة ، بل انما هو بالاطلاق ، فلابد من رفع اليد عن ظهوره في الانحصار والقول بكفاية أحد الشرطين.
    وقد حكى : ان شيخنا الأستاذ مد ظله مال إلى هذا الوجه في الدورة السابقة ، ولكن عدل عنه في هذه الدورة ، وافسد التوهم المذكور بما حاصله : ان أصل استناد الجزاء إلى الشرط انما يكون بالاطلاق ، إذ من اطلاق الشرط وعدم ذكر شيء آخر معه يستفاد الاستناد ، ولولا الاطلاق لما كاد يستفاد الاستناد ، وهذا لا ينافي ان حقيقة الاستناد انما يكون في استناد الشيء إلى علته التامة ، فان ذلك بعد الفراغ عن الاستناد وان الجزاء يكون مستندا إلى الشرط ، وهذا المعنى انما يكون بالاطلاق ،


(489)
فظهور القضية في كون الشرط علة تامة كظهورها في الانحصار ، في أن كلا منهما يكون بالاطلاق.
    وتوهم ان تقييد العلية التامة وجعل الشرط جزء العلة يستلزم تقييد الانحصار أيضا ـ فإنه لا يعقل الانحصار مع كونه جزء العلة ، وهذا بخلاف تقييد الانحصار ، فإنه لا يلزم منه تقييد العلية التامة ، كما لا يخفى ، فيدور الامر بين : تقييد واحد ، وتقييدين ، ومعلوم ان الأول أولى ، فلا بد من تقييد الانحصار ـ فاسد أيضا ، فان تقييد العلة التامة يوجب رفع موضوع الانحصار ، لا انه يوجب تقييدا زايدا ، و هذا نظير ما تقدم في الواجب المشروط : من أن تقييد الهيئة يوجب رفع موضوع اطلاق المادة ، لا انه يوجب تقييدا زايدا. فراجع ما ذكرناه في ذلك المقام. (1).
    فتحصل : انه لا محيص من اعمال قواعد العلم الاجمالي في المقام.
    وما ربما يتوهم أيضا ، ان رتبة تقييد العلية التامة مقدمة على رتبة تقييد الانحصار ـ لوضوح ان كون الشيء علة منحصرة أو غير منحصرة انما يكون بعد كون الشيء علة تامة ، ومقتضى تقدم الرتبة هو ارجاع القيد إلى العلية التامة وجعل الشرط جزء العلة ـ فهو في غاية الفساد ، فان تقدم الرتبة لا ينفع بعد العلم الاجمالي بورود التقييد على أحد الاطلاقين ، وليس تقدم الرتبة موجبا لانحلال هذا العلم الاجمالي ، كما لا يخفى ، فتأمل جيدا.
    الامر الرابع :
    لو تعدد الشرط واتحد الجزاء ، فهل اللازم تعدد الجزاء وفعله عقيب كل شرط ؟ أولا ، بل يكتفى بفعل الجزاء مرة واحدة. وهذا هو العنوان المعروف بمسألة تداخل الأسباب ، أو تداخل المسببات. ولتوضيح البحث عن ذلك ينبغي تقديم أمور :
    الأول : في المراد من تداخل الأسباب والمسببات.
    اما المراد من تداخل الأسباب : فهو ان اجتماع الأسباب المتعددة لا يقتضى الا ايجاد جزاء واحد ، بمعنى ان الأسباب التي هي عند الانفراد تقتضي ايجاد
1 ـ راجع الامر الثاني من مباحث الواجب المشروط ص 178

(490)
جزاء واحد ، فعند الاجتماع لا تقتضي أيضا الا ايجاد جزاء واحد ، لا انها يقتضى كل سبب ايجاد جزاء حتى يتعدد الجزاء حسب تعدد الأسباب. وهذا من غير فرق بين ان تكون الأسباب المجتمعة مندرجة تحت نوع واحد ـ كما إذا تعدد منه النوم أو البول ـ أو انها غير مندرجة تحت نوع واحد ـ كما إذا نام ، وبال ـ فهذا معنى تداخل الأسباب.
    واما معنى تداخل المسببات : فهو عبارة عن الاكتفاء بايجاد جزاء واحد و عدم وجوب التعدد ، بعد الفراغ عن عدم تداخل الأسباب واقتضاء كل سبب جزاء ، الا انه في مقام الامتثال يكتفى بجزاء واحد ، فان ذمته وان اشتغلت بالمتعدد الا انه صح تفريغها عن المتعدد بالواحد.
    وتظهر الثمرة بين تداخل الأسباب وتداخل المسببات بالرخصة والعزيمة فإنه لو قلنا : بتداخل الأسباب ، لا يجوز له ايجاد الجزاء متعددا ، إذ لم تشتغل ذمته الا بجزاء واحد ، فالزايد يكون تشريعا محرما. ولو قلنا : بتداخل المسببات فله ايجاد الجزاء متعددا ، وله أيضا الاكتفاء بالواحد. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم تداخل الأسباب والمسببات ، فإنه لا بد له من ايجاد الجزاء متعددا حسب تعدد السبب.
    الثاني :
    مقتضى الأصل العملي عند الشك في تداخل الأسباب ، هو البراءة ، لرجوع الشك فيه إلى الشك في التكليف ، لأن الشك في تداخل الأسباب يرجع إلى الشك في اقتضاء السبب الثاني لتعقبه بالجزاء وتوجه التكليف به زائدا على التكليف المتوجه بالسبب الأول. واما الشك في تداخل المسببات ، فالأصل فيه يقتضى الاشتغال لرجوع الشك فيه إلى الشك في فراغ الذمة بايجاد جزاء واحد ، مع أنها قد كانت مشغولة بالمتعدد. والمرجع في ذلك هو الاشتغال ليس الا. هذا في باب التكاليف.
    واما باب الوضعيات فربما يختلف الأصل فيه. مثلا لو شك في اقتضاء العيب للخيار زائدا على ما اقتضاه بيع الحيوان أو المجلس ، فمقتضى الأصل وان كان عدم ثبوت خيار العيب ، ولكن يمكن ان يقال : ان مقتضى الأصل بقاء الخيار


(491)
بعدم الثلاثة أيام ، فتأمل حيدا.
    الثالث :
    الجزاء المأخوذ في القضية الشرطية : اما ان يكون قابلا للتعدد ـ كالوضوء والغسل ـ واما ان لايكون قابلا للتعدد ـ كالقتل والخيار ـ حيث إنه لا يمكن تكرر القتل وكذا الخيار ، فان الخيار ليس الا ملك فسخ العقد واقراره وهذا امر واحد لا يمكن فيه التعدد.
    ثم إن الجزاء الغير القابل للتعدد : اما ان يكون قابلا للتقيد بالسبب كالخيار ، حيث إنه قابل للتقيد : بالمجلس والحيوان والعيب والغبن وغير ذلك من أسباب الخيار. ومعنى تقيده بالسبب ، هو انه يلاحظ الخيار المستند إلى المجلس فيسقطه أو يصالح عليه ، ويبقى له الخيار المستند إلى الحيوان. وكذا في القتل لأجل حقوق الناس ، فلو قتل زيد عمروا وبكرا وخالدا ، فقتل زيد قصاصا وان لم يقبل التعدد ، الا انه قابل للتقيد بالسبب ، أي يلاحظ استحقاق زيد للقتل باعتبار قتله لعمرو ، فلو أسقط ورثة عمرو حق القود لم يسقط حق ورثة بكر وخالد.
    واما ان لايكون قابلا للتقيد بالسبب ، كقتل زيد إذا كان له أسباب متعددة راجعة إلى حقوق الله تعالى كما إذا كان محاربا ، وزانيا محصنا ، ومرتدا ، و غير ذلك من أسباب القتل ، فان قتل زيد لا يتقيد بهذه الأسباب ، إذ لا اثر لتقيده ، فان حقوق الله تعالى غير قابلة للاسقاط حتى يظهر للتقيد بالسبب اثر. نعم في المثال يتأكد وجوب قتل زيد من جهة اجتماع تلك الأسباب ، ولكن التأكد غير التقيد بالسبب ، كما لا يخفى.
    ثم انه لا اشكال في دخول القسم الأول ـ وهو ما إذا كان الجزاء قابلا للتعدد ـ في محل النزاع في تداخل الأسباب والمسببات وعدم التداخل. وكذا لا ينبغي الاشكال في دخول القسم الثاني ـ وهو ما إذا كان الجزاء قابلا للتقيد بالسبب ـ في محل النزاع أيضا ، إذ يتحقق اثر للقول بعدم التداخل باعتبار قابلية الاسقاط من جهة خاصة ، مع بقاء الجزاء من سائر الجهات كما عرفت. واما القسم الثالث : فهو خارج عن محل النزاع ، إذ لا اثر عملي فيه للقول بالتداخل وعدم


(492)
التداخل ، ومجرد قابليته للتأكد لا يوجب اثرا عمليا ، كما هو واضح.
    الرابع :
    ربما يبتنى النزاع في المقام على كون الأسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات ، فعلى الأول : فالأصل التداخل ، وعلى الثاني : فالأصل عدم التداخل.
    ولكن الانصاف : ان قضية كون الأسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات مما لا محصل لها ، فإنه ان كان المراد من الأسباب الشرعية هي موضوعات التكاليف ، فدعوى كونها مؤثرة أو معرفة مما لا ترجع إلى محصل ، لان موضوع التكليف ليس بمؤثر ولا معرف ، الا إذا كان المراد من المؤثر عدم تخلف الأثر عنه فيستقيم ، لان الحكم لا يتخلف عن موضوعه ، الا ان اطلاق المؤثر على هذا الوجه مما لا يخلو عن مسامحة.
    وان كان المراد من الأسباب المصالح والمفاسد فهي مؤثرة باعتبار ( من حيث تبعية الاحكام لها ) ومعرفة باعتبار ( من حيث إنها لا تقتضي الاطراد والانعكاس ) كما هو شأن الحكمة ان كان المراد من المعرف هذا المعنى ، أي عدم الاطراد والانعكاس. وعلى كل حال : الكلام في المقام انما هو في الشروط الراجعة إلى موضوعات التكاليف ، واطلاق المعرف على ذلك مما لا معنى له.
    الخامس :
    قد يقال : ان القول بعدم تداخل المسببات والأسباب يستلزم القول بتعدد التكليف والمكلف به ، في مثل قوله : صم يوما وصم يوما ، مع أن المحكى عن المشهور : القول بكفاية صوم يوم واحد في المثال وحمل الطلب الثاني على التأكيد لا التأسيس. ومن هنا ربما يتوهم : المنافاة بين المحكى عن المشهور في مثل المثال ، و بين المحكى عنهم في مسألة تداخل الأسباب والمسببات ، حيث إنهم ذهبوا إلى عدم التداخل ، ويتخيل ان القول بكفاية صوم يوم واحد في المثال يرجع إلى القول بتداخل الأسباب ، حيث إن كل طلب سبب لايجاد متعلقه ، فالاكتفاء بصوم واحد يرجع إلى تداخل الطلبين واقتضائهما ايجاد متعلق واحد ، هذا.
    ولكن التحقيق : ان المثال ليس من تداخل الأسباب والمسببات ، فان


(493)
المثال لما كان المتعلق واحدا ، وهو صوم اليوم ، ولم يكن هناك ظهور لفظي في تعدد التكليف والطلب ، لان قوله ثانيا : صم يوما ، لايكون ظاهرا في التأسيس الا من جهة الظهور السياقي ، والظهور السياقي لا يقاوم الظهور اللفظي في وحدة المتعلق ، بل الظهور اللفظي في وحدة المتعلق أقوى من الظهور السياقي في كون الطلب الثاني للتأسيس ، ولأجل ذلك يحمل على كونه للتأكيد. ولو سلم انه ليس بأقوى ، فلا أقل من أنه يوجب التوقف. وأين هذا من مسألة تداخل الأسباب التي سيأتي ان الظهور اللفظي فيها يقتضى عدم التداخل ، فلا ملازمة بين المسئلتين.
    إذا عرفت هذه الأمور فاعلم : ان الأصل اللفظي يقتضى عدم تداخل الأسباب والمسببات. اما عدم تداخل الأسباب فتوضيحه : هو ان تعلق الطلب بصرف الوجود من الطبيعة وان كان مدلولا لفظيا ، الا ان عدم قابلية صرف الوجود للتكرر ليس مدلولا لفظيا ، حتى يعارض ظاهر القضية الشرطية في تأثير كل شرط لجزاء غير ما اثره الآخر ، بل من باب حكم العقل بان المطلوب الواحد إذا امتثل لا يمكن امتثاله ثانيا. واما ان المطلوب واحد أو متعدد ، فلا يحكم به العقل ، ولا يدل عليه اللفظ ، ولذا اختلف في دلالة الامر على المرة والتكرار. وبعبارة أخرى : وضعت صيغة الامر لطلب ايجاد الطبيعة ، والعقل يحكم بان ايجاد الطبيعة يحصل باتيانها مرة فلا موجب لاتيانها ثانيا ، وهذا لا ينافي ان يكون المطلوب ايجادها مرتين ، بحيث يكون امتثال كل مرة كافيا لامتثال مطلوب ، أي لو دل الدليل على أن المطلوب متعدد لا يعارضه حكم العقل على أن امتثال الطبيعة يحصل باتيانها ، لان كل مطلوب يحصل امتثاله باتيانه مرة عقلا. اما ان المطلوب متعدد أولا ، فلا يحكم به العقل. فإذا دل ظاهر الشرطيتين على تعدد المطلوب لا يعارضه شيء أصلا.
    ومما ذكرنا انقدح : ما في تقديم ظهور القضيتين من جهة كونه بيانا لاطلاق الجزاء ، لأنه على ما ذكرنا ظهور الجزاء في الاكتفاء بالمرة ليس من باب الاطلاق أصلا ، حتى يقع التعارض ، بل يكون ظهور القضية الشرطية في تأثير الشرط مستقلا في الجزاء رافعا حقيقة لموضوع حكم العقل : بان المطلوب واحد يحصل امتثاله باتيانه مرة ، وواردا عليه ، بل على فرض ظهور الجزاء في المرة يكون ظهور الشرطية


(494)
حاكما عليه ، كما لا يخفى.
    نعم : لو شك في الطلب الواحد ، كقوله : صل ، أو الجزاء المترتب على شرط واحد ، كقوله : إذا سهوت فاسجد سجدتي السهو ، انه يكفي المرة أم يجب تعدد الصلوات والسجدات ، فاطلاق الامر يقتضى حصول الامتثال بالمرة. وأين هذا مما إذا تعدد الامر أو الشرط ؟ لأنه لا يمكن ان يكون الاطلاق متكفلا لوحدة الطلبين ، أو تأثير الشرطين اثرا واحدا. فتأمل في ذلك لئلا تخلط بين المقامين.
    ثم إن عدم ظهور القضيتين في الاتحاد لا ينافي ما تقدم : من حكومة ظهور الامر في تعلقه بصرف الوجود في نحو ( صم يوما صم يوما ) على الظهور السياقي ، للفرق بين البابين ، فان الامر في مقام الجزاء حيث إنه متفرع على الشرط فيقتضى تعدد الشرط تعدد الجزاء. وهذا بخلاف الامر الابتدائي المكرر ، فإنه ليس ظاهرا في التعدد الا من جهة الظهور السياقي المحكوم بظهور تعلق الامر بصرف الوجود. واما الثاني فعلى فرض ظهور الجزاء في القضيتين في الاتحاد ، أي هذه الحقيقة التي جعلت جزاء في مثل ( إذا بلت توضأ ) بعينها هي التي جعلت جزاء فيما إذا تكرر منه البول ، والحقيقة الواحدة لا تقبل التكرار ، فيكون الجزاء الممكن فيه التعدد كالجزاء الذي لا يمكن فيه التعدد من لزوم التداخل في الأسباب.
    ولكنا نقول : ان الجملة الشرطية في كونها انحلالية أظهر من اتحاد الجزاء في القضيتين ، وذلك لأنه لا شبهة ان القضية الشرطية كالقضية الحقيقة ، فكما ان قوله : المستطيع يحج ـ عام لمن استطاع في أي وقت ، فكذلك قوله : ان استطعت فحج ، لان كل قضية حقيقية راجعة إلى الشرطية ، وبالعكس ، غاية الامر انهما متعاكسان. فالشرطية تتضمن عنوان الموضوع ، لان نتيجة ( ان استطعت ) هو ( المستطيع ) وهي صريحة في الاشتراط. والحقيقية تتضمن الشرط ، وهي صريحة في عنوان الموضوع. و لازم الانحلالية ان يترتب على كل شرط جزاء غير ما رتب على الآخر. فعلى هذا لا اشكال في عدم التداخل ، حتى في مورد تعدد الشرط من جنس واحد ، فضلا عما إذا تعدد من الأجناس المختلفة ، فيصير هذا الظهور قرينة للجزاء ، ويصير بمنزلة ان يقال : إذا بلت فتوضأ وإذا بلت ثانيا فتوضأ وضوء آخر ، كما إذا تحقق منه النوم والبول.


(495)
    ثم إن ظهور كل شرط في تأثيره اثرا غير اثر الشرط الآخر لا يختص بالأدلة اللفظية ، بل يمكن استفادته من اللبيات ، لان المدار على ظهور الشرط في الانحلالية ، فإذا كان الدليل عليه لفظيا فاستفادة الانحلالية اما : بالوضع ، كالعموم الأصولي المستفاد من الأسماء المتضمنة للشرط ، كمتى وانى وأين وإذا ومهما وحيثما ، وهكذا. واما : بالاطلاق ، ك‍ ( إن ) وأخواتها ، فان استفادة كون مدخولها علة تامة لترتب الجزاء عليه بالاطلاق ، وإذا كان الدليل عليه لبيا ، فاستفادة الانحلال كأصل الاشتراط يمكن قيام الاجماع عليه ، أو دلالة العقل عليه.
    ان قلت :
    سلمنا ظهور كل شرط في كونه تمام السبب للجزاء ، الا ان الجزاء حيث إنه لم يترتب بوجوده على الشرط حتى يمكن التعدد ـ فان وجوده هو مقام امتثاله ـ بل رتب من حيث حكمه وهو لا يقبل التعدد. وبعبارة واضحة : وجود الاكرام لم يعلق على المجيئ حتى يمكن ان يتعدد ، بل وجوبه الذي هو حكمه علق عليه ، وغاية تأثير كل سبب ان يتأكد الحكم ، لان الوجوب لا يمكن فيه التعدد.
    قلت :
    قد بينا في المقدمات : ان الوجوب ـ وهو المعنى النسبي المستفاد من الهيئة ـ غير قابل للتعليق ، بل المعلق هو محصل الجملة ، وهو طلب الايجاد الذي يتحقق بايقاع نسبة المادة إلى الفاعل في مقام الانشاء. وبعبارة واضحة : قد تقدم في مبحث الأوامر (1) ان مفاد صيغة الامر ليس طلب الفعل كما هو المشهور ، لأنه ليس معنى ( صل ) اطلب منك الصلاة ، بل وضعت صيغة الامر لنسبة المادة إلى الفاعل انشاء و تشريعا ، فكون المتكلم في مقام التشريع ملقيا نسبة المادة إلى الفاعل يوجب ان يتحقق بنفس هذا الالقاء مصداق للطلب ، ففي مقام التشريع يطلب الشارع ايجاد الصلاة ، والايجاد قابل للتكرر.
    إذا عرفت ذلك ، فلنرجع إلى ما برهن عليه العلامة ـ على ما يحكى عنه ـ لعدم تداخل الأسباب فنقول : هو ( قده ) أتم البرهان بمقدمات ثلث ، والمقدمتان منها صريحتان في كونهما من برهان عدم التداخل في الأسباب ، والثالثة ظاهرة فيه ، لا
1 ـ راجع تفصيل هذا البحث في الامر الثالث من المقصد الأول ، الجزء الأول من الفوائد ص 129
فوائد الاصول ـ الجزء الاول والثاني ::: فهرس