فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: 76 ـ 90
(76)
عرفت : أنه مهما كان المعلوم بالاجمال تمام الموضوع لحكم فلابد من ترتيب آثار ذلك الحكم على كل واحد من أطراف العلم الاجمالي ، لسقوط الأصل النافي له بالتعارض ، بخلاف ما إذا كان المعلوم بالاجمال جزء الموضوع للحكم ، فإنه لا يترتب ذلك الحكم على كل واحد من الأطراف.
    وعلى ذلك يتفرع عدم جواز إقامة الحد على من شرب أحد طرفي المعلوم بالاجمال ، فان الخمر المعلوم في البين إنما يكون تمام الموضوع بالنسبة إلى حرمة شربه وفساد بيعه ، وأما بالنسبة إلى إقامة الحد فيتوقف على أن يكون شربه عن عمد واختيار. وإن شئت قلت : إن علم الحاكم بشرب الخمر اخذ جزء الموضوع لوجوب إقامة الحد ، ولا علم مع شرب أحد الطرفين ، فلا يجوز للحكام إقامة الحد.
    فتحصل من جميع ما ذكرنا : أن كل أثر كان المعلوم بالاجمال تمام الموضوع له يجب ترتبه على كل واحد من الأطراف من باب المقدمة العلمية (1) وكل أثر كان المعلوم بالاجمال جزء الموضوع له لا يجب ترتبه على كل واحد من الأطراف ، وهذه الكبرى الكلية مما لا إشكال فيها ، وعليها يبتني وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي العلوم بالاجمال وعدمه.
    بيان ذلك : هو أنه بعد قيام الاجماع والضرورة على نجاسة الملاقي للنجس ووجوب الاجتناب عنه وقع الكلام في وجه نجاسته ، والذي قيل فيه أو يمكن أن يقال أحد وجهين :
    الأول : أن تكون نجاسته لمحض التعبد الشرعي ، من دون أن تكون نجاسته ووجوب الاجتناب عنه من الآثار والاحكام المترتبة على نفس نجاسة الملاقى
1 ـ أقول : لا دليل على هذه الكلية ، بل العمدة هو أن كل حكم تكليفي يتنجز بالعلم الاجمالي يحكم العقل بلزوم إتيان طرفيه أو تركه من باب المقدمة العلمية ، وحينئذ فكل علم إجمالي لم يكن

(77)
( بالفتح ) ووجوب الاجتناب عنه ، بل الملاقي للنجس فرد آخر من النجس حكم الشارع بوجوب الاجتناب عنه في عرض وجوب الاجتناب عن الملاقى ( بالفتح ).
    الثاني : أن تكون نجاسته لأجل سراية النجاسة من الملاقي إليه ، فتكون الملاقاة موجبة لاتساع دائرة النجس كاتساعها في صورة اتصال الماء النجس بغيره وامتزاجه به ، فان امتزاجهما يوجب اتساع دائرة النجس وسراية النجاسة من الماء النجس إلى ما امتزج به (1) فيمكن أن يكون حال الملاقاة حال الاتصال والامتزاج من أنها تقتضي سعة دائرة النجاسة وسرايتها من الملاقى ( بالفتح ) إلى الملاقي ( بالكسر ) من دون دخل للملاقات شرعا في ذلك ، بل كانت الملاقاة واسطة عقلية لاتساع النجاسة وسرايتها ، فلا تكون نجاسة الملاقي فردا آخر من النجاسة ، بل هي عين نجاسة الملاقى ( بالفتح ) (2) وحينئذ يكون وجوب الاجتناب عن الملاقي للنجس من الاحكام المترتبة على نفس نجاسة النجس ، وليس الاجتناب عنه بتعبد آخر وراء التعبد بالاجتناب عنه ، بل يكون الحكم بالاجتناب عن النجس بنفسه يقتضي الاجتناب عن ملاقيه ، لأنه على هذا يكون الاجتناب عنه من شؤون الاجتناب عن النجس وتبعاته ، كالثمرة ومنافع الدار ، حيث تقدم أن حرمة التصرف في الثمرة والمنافع من شؤون حرمة التصرف في الشجرة والدار المغصوبة ، وبناء على أن تكون نجاسة الملاقي من باب السراية
1 ـ أقول : لا مجال لهذا التشبيه ، لان الامتزاج أو اتصال المايعين عند العرف كان بمنزلة ماء واحد بل حقيقة واحدة ، ومع هذه الوحدة لا يرى فيه إلا حكما واحدا يصير طرفا للعلم ، وهذا بخلاف مقامنا الذي هما موضوعان للنجاستين بلا وحدة بينهما ولا بين حكمهما شخصيا ، ففي هذه لا محيص من الالتزام بالطولية بالبرهان السابق ، ومع الطولية يخرج الملاقي ( بالكسر ) عن طرفية العلم المنجز ، كما لا يخفى.
2 ـ أقول : مع فرض تعدد الموضوع كيف يمكن الالتزام بالعينية الشخصية ، إلا بدعوى انتقال العرض بشخصه من محله إلى محل آخر ، وهو محال ، فالقائل بالبرائة لابد وأن يلتزم بأن نجاسة الملاقي غير الملاقى مع فرض تعدد الموضوع والمحل ناشئة من قبل ملاقاته مع الآخر ، غايته يكون من شؤون نجاسة الملاقى ( بالفتح ) لكون المعلول من شؤون علته.


(78)
يكون حال الملاقي حال الثمرة والمنافع ، وهذا من غير فرق بين أن نقول : بأن النجاسة متأصلة في الجعل أو أنها منتزعة عن التكليف ، غايته أنه بناء على التأصلية تكون نجاسة الملاقي من شؤون جعل النجاسة للنجس ، وبناء على الانتزاعية يكون وجوب الاجتناب عنه من شؤون وجوب الاجتناب عن النجس.
    إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه إن قلنا : إن نجاسة الملاقي للنجس ليست لأجل السراية بل لكونها فردا آخر للنجاسة أوجب الشارع الاجتناب عنها في عرض الاجتناب عن الملاقى ، فلا يجب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي العلم الاجمالي ، للشك في ملاقاته للنجس المعلوم في البين المستلزم للشك في حكم الشارع عليه بالنجاسة ، فتجري فيه أصالة الطهارة بلا معارض ، كما سيأتي بيانه.
    وأما إن قلنا : بأن نجاسة الملاقي للنجس لأجل اتساع النجاسة وسرايتها من النجس إلى ملاقيه ، فلا محيص عن القول بوجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي العلم الاجمالي ، لأنه على هذا يكون النجس المعلوم في البين تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن ملاقيه ، وقد عرفت : أنه كل ما كان للمعلوم بالاجمال من الآثار والاحكام يجب ترتبه على كل واحد من الأطراف ، مقدمة للعلم بفراغ الذمة عما اشتغلت به.
    ولا وجه لما ذكره المحقق الخراساني ـ قدس سره ـ من عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد الطرفين وإن كانت نجاسة الملاقي للنجس من الآثار المترتبة شرعا على نفس النجس (1) وذلك لأنه بعد الاعتراف بأن وجوب الاجتناب عن الملاقي للنجس من الاحكام المترتبة. على نفس النجس لا يبقى مجال للقول بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد الطرفين ، لأنه على هذا يكون الملاقي
1 ـ أقول : بعدما كان نظره إلى كون نجاسة الملاقي معلول نجاسة الملاقى ( بالفتح ) لا يرد عليه ما أفيد ، إلا بدعوى سراية حكم المعلوم إلى الطرف ، وهو بمكان من الفساد ، كما عرفت.

(79)
( بالكسر ) طرفا للعلم الاجمالي كالملاقي ( بالفتح ) ويسقط عنه الأصل النافي للتكليف بنفس سقوطه عن الملاقى ( بالفتح ) بالبيان المتقدم في منافع الدار وما يلحق بها ، وهذا كله واضح مما لا ينبغي الاشكال فيه.
    إنما الاشكال فيما هو المستفاد من الأدلة الواردة في النجاسات ، فقد يقال : إن ما دل على وجوب الاجتناب عن النجس بنفسه يدل على وجوب الاجتناب عن ملاقيه ، كما استدل ابن زهرة في الغنية بقوله تعالى : « والرجز فاهجر » (1) لوجوب هجر الملاقي. ولا يخفى ضعفه ، فان الرجس والرجز عبارة عن نفس الأعيان النجسة ، فالآية إنما تدل على وجوب الاجتناب عن الأعيان النجسة من غير تعرض لها لحكم الملاقي ، ولو كان مبنى الاستدلال على تعميم الرجز للمتنجس ، فهو مع فساده في نفسه يكون أجنبيا عن المقام ، إذ أقصاه أن تكون الآية من الأدلة على وجوب الاجتناب عن المتنجس كالنجس ، وهذا لا ربط له بما نحن فيه : من إثبات كون الموضوع لوجوب الاجتناب عن المتنجس نفس النجس.
    نعم : يمكن أن يستدل على ذلك بما رواه عمر بن شمر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ « إنه أتاه رجل ، فقال له : وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت فما ترى في أكله ؟ فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ لا تأكله ، فقال الرجل : الفارة أهون علي من أن أترك طعامي لأجلها ! فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ إنك لم تستخف بالفارة وانما استخففت بدينك ! إن الله حرم الميتة من كل شيء » (2).
    وتقريب الاستدلال بها : هو أنه ـ عليه السلام ـ جعل ترك الاجتناب عن الطعام الذي وقعت فيه الفارة استخفافا بالدين وفسره بتحريم الميتة ، ولولا كون نجاسة الميتة ووجوب الاجتناب عنها يقتضي الاجتناب عن الطعام الملاقي لها لم
1 ـ سورة المدثر ، الآية : 5.
2 ـ الوسائل : الباب 5 من أبواب الماء المضاف ، الحديث 2


(80)
يكن موقع للجواب بذلك ، فإنه لو كانت نجاسة الملاقي للميتة فردا آخر من النجاسة ثبتت بتعبد آخر من الشارع وراء التعبد بنجاسة الميتة كان ترك الاجتناب عن الطعام الملاقي لها استخفافا لوجوب الاجتناب عن الملاقي لها والتعبد بترك التصرف فيه ، لا استخفافا بتحريم الميتة ، فان حرمة الميتة على هذا لا ربط لها بحرمة الملاقي حتى يكون ترك الاجتناب عن الملاقي استخفافا لحرمة الميتة ، كما لا يخفى.
    فالانصاف : أن الرواية لا تخلو عن إشعار على كون نجاسة الملاقى ( بالفتح ) تقتضي بنفسها نجاسة الملاقي ( بالكسر ) ووجوب الاجتناب عنه. ولكن الرواية ضعيفة السند لا يعتمد عليها ، مع أنه يمكن أن يكون وجه السؤال عن الطعام الذي وقعت فيه الفارة هو الجهل بنجاسة الفارة لا تنجيسها ، فأراد السائل أن يستعلم نجاسة الفارة ، غايته أنه لما كان مغروسا في ذهنه نجاسة الملاقي للنجس استعلم نجاسة الفارة بالسؤال عن الطعام الذي وقعت فيه ، فأعلمه الامام ـ عليه السلام ـ بنجاسة الفارة على طبق ما كان مغروسا في ذهنه ، فقال ـ عليه السلام ـ « لا تأكله » ثم إن السائل استخف بنجاسة الفارة بقوله « الفارة أهون علي من أن أترك طعامي لأجلها » فأجابه الامام ـ عليه السلام ـ بأن الاستخفاف بنجاسة الفارة استخفاف بالدين ، لان الله تعالى حرم الميتة من كل شيء ، فتكون الرواية سيقت سؤالا وجوابا لنجاسة الفارة لا لنجاسة الملاقي لها ، فتخرج الرواية عن صلاحية التمسك بها لما نحن فيه.
    وبالجملة : بعد لم نعثر على دليل يعتد به يدل على كون نجاسة الملاقي للنجس ووجوب الاجتناب عنه من الآثار والاحكام المترتبة على نفس النجس (1) بل الظاهر كون الملاقي موضوعا مستقلا لوجوب الاجتناب عنه
1 ـ أقول : يكفي ارتكاز الذهن ، حتى قيل : بأن نجاسة الماء العالي الوارد على النجس غير معقول ،

(81)
وفردا آخر من النجس بتعبد يخصه في عرض التعبد بنجاسة الملاقى ( بالفتح ). وحينئذ لا يجب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي المعلوم بالاجمال ، للشك في ملاقاته للنجس ، فتجري فيه أصالة الطهارة بلا معارض.
    فإن قلت : كيف تجري أصالة الطهارة في الملاقي مع أنه كالملاقي يكون طرفا للعلم الاجمالي ، لأنه عند العلم بنجاسة أحد الشيئين وملاقاة ثالث لأحدهما يحصل علوم ثلاثة : علم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف ، وعلم بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف ، وعلم بنجاسة الملاقى والملاقي معا أو الطرف ، لأنه بعد الملاقاة يعلم باتحاد حكم الملاقى والملاقي فيكونان معا بمنزلة طرف واحد للعلم الاجمالي ، كما لو علم بوقوع قطرة من الدم إما في هذا الاناء الواحد وإما في ذينك الانائين ، ومقتضى هذه العلوم الثلاثة هو تعارض أصالة الطهارة في كل من الملاقي والملاقى والطرف ، فيجب الاجتناب عن الجميع مقدمة لحصول العلم بالاجتناب عن النجس المعلوم في البين.
    قلت : حصول العلوم الثلاثة وإن كان وجدانيا لا سبيل إلى إنكاره ، إلا أن المؤثر من هذه العلوم الثلاثة هو الأول وهو العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف ، ولا أثر للعلمين الآخرين.
    أما الأول منهما : وهو العلم بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) والطرف ، فلسبق التكليف بالاجتناب عن الطرف ، لأنه كان طرفا للملاقى ( بالفتح ) قبل تحقق الملاقاة ، وقد تقدم في بعض المباحث السابقة : أنه لا أثر للعلم الاجمالي إذا كان في بعض أطرافه أصل مثبت للتكليف في الرتبة السابقة عن العلم الاجمالي ولو كان الأصل المثبت عقليا ، كما إذا كان طرفا لعلم إجمالي آخر ـ كما في
لعدم ارتكاز إلى السراية من الداني إلى العالي ، ولكن هذا المقدار لا يجدي لوجوب الاجتناب عنه بعد فرض طولية علمه لعلم آخر سابق عنه في التنجز ، ولقد شرحنا في مثله بأنه لا مجال لتنجز التكليف به ، كما لا يخفى على من راجع الحاشية الطويلة الأولى في وجه نجاسة الملاقي ( بالكسر ).

(82)
المقام ـ فلا يجري الأصل النافي فيما يجري فيه الأصل المثبت ، فتبقى أصالة الطهارة جارية في الملاقي ( بالكسر ) بلا معارض (1) وهذا من غير فرق بين سبق العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف على العلم بالملاقات ، أو سبق العلم بالملاقات على العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف ، غايته أن الأول يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف ، والثاني يوجب انحلاله ، لان المدار على سبق المعلوم لا على سبق العلم ، وسيأتي توضيحه.
    وأما الثاني منهما : وهو العلم بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف ، فلان الملاقي ( بالكسر ) ليس في عرض الملاقى ( بالفتح ) حتى يكونا معا بمنزلة طرف واحد ، لأن الشك في نجاسة الملاقي وطهارته مسبب عن الشك في طهارة الملاقى ونجاسته ، والأصل الجاري في الشك السببي ليس في رتبة الأصل الجاري في الشك المسببي ليجريان معا أو يسقطان معا ، بل رتبة الأصل السببي مقدمة على الأصل المسببي (2) ولا تصل النوبة إليه مع جريان الأصل السببي توافقا في
1 ـ أقول : على مسلكه من جريان الأصل بلا معارض في طرف لا يحتاج إلى اسقاط المتأخر عن التأثير ، وإنما هو شأن من التزم بأن منجزية العلم مانع عن الجريان ولو بلا معارض ، فلا يخلو هذه الكلمات عن الخلط بين المسلكين ، فتدبر.
2 ـ أقول : ما أفيد على مبناه : من أن منشأ سقوط الأصل في أطراف العلم جهة معارضته في غاية المتانة ، لان الأصل السببي يجري على أي حال في موضوعه بلا معارض ، لسقوط أصل الطرف بمعارضته مع الأصل في السبب. وأما لو بنينا على المختار : من علية العلم للموافقة القطعية أيضا ـ بحيث يكون المانع عن جريان الأصل في العلم المنجز للتكليف هو نفس العلم ولو لم يكن للأصل معارض ـ فلا محيص في جريان الأصل المسببي الفارغ عن المعارض من أن لا يكون في طرف العلم المنجز ، ولو بأن يكون مسبوقا بحسب الرتبة بعلم آخر منجز لطرفيه ، كي يرد العلم المتأخر رتبة على ما يتنجز طرفيه في الرتبة السابقة الموجب لمنع العلم المتأخر عن صلاحية المنجزية في أحد الطرفين من جهة سبقه بعلة أخرى ، وحيث كان الامر كذلك ، فتمام المدار في جريان الأصل النافي المسببي الغير المعارض على عدم


(83)
المؤدى أو تخالفا ، لان الأصل السببي رافع لموضوع الأصل المسببي ، كما يأتي بيانه
سبق علمه بمنجز آخر رتبة ، ومن المعلوم : أن إثبات هذه الجهة لا يمكن إلا بفرض كون العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) ناشئا عن العلم بالملاقات مع طرف العلم بالنجاسة في البين ، وإلا فلو فرض العلم بنجاسة المتلاقيين من الأول من غير جهة الملاقاة ، ولو بمثل إخبار معصوم أو شيء آخر مفيد لليقين بنجاستهما ، ثم علم بأن منشأ النجاسة في الملاقي ( بالكسر ) ملاقاته مع الملاقى ( بالفتح ) فالعلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) لا يكون مسبوقا بالعلم الآخر ، بل هما في عرض واحد ، كما لو علم بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) مع الطرف الآخر ، ثم علم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) من قبل العلم بملاقاته مع الآخر ، فلا محيص في مثل هذه الصورة العلم بين المسبب والطرف سابقا عن العلم بالسبب والطرف ، عكس الصورة الأولى ، ففي مثل هذا يكون التنجز منحصرا بالمسبب دون السبب ، عكس السابق.
    كما أن في الصورة الثانية كان العلمان في رتبة واحدة بلا سبق لأحدهما على الآخر رتبة ، فلا موجب لتنجز الملاقى والطرف بلا تنجز الملاقي ( بالكسر ) مع كونه أيضا طرفا لهذا العلم.
    وتوهم : أن مدار تأثير العلم في التنجز على سبق المعلوم ولحوقه لا على سبق العلم ، كلام ظاهري ، إذ بعد الجزم بأن التكليف ـ في أي وقت أو مرتبة كان ـ لا يعقل أن يتنجز إلا في ظرف تعلق العلم به ، بحيث يستحيل أن يؤثر العلم في تنجز المعلوم قبل تحققه ، فمن حين تحقق العلم يلاحظ بأنه إن كان العلم المزبور قام على طرفه منجز سابق أو مقارن يخرج العلم المزبور عن المنجزية ، وإلا يبقى منجزا لمعلومه ، وحينئذ إذا فرض كون العلم بالسبب ناشئا عن العلم بالمسبب ، يستحيل تأثير العلم بالسبب لسبقه بالمنجز بحسب الرتبة ، ومجرد سبق المعلوم رتبة كيف يجدي في قلب العلم أو تأثيره في التنجز في المرتبة السابقة ؟.
    وتوهم : أن العلم من عوارض المعلوم فمع سبق المعلوم قهرا يسبق علمه عن العلم بمسببه ، مدفوع غاية الدفع ، إذ مجرد سبق شيء في الوجود الخارجي على شيء لا يقتضي سبق علمه ، لعدم كون العلم من عوارض الوجود خارجا ، وإنما ظرف عروضه الذهن ، غاية الامر بما هو منظور خارجيا ، لا الخارج ، ومن البديهي أن السبق في الوجود لا يقتضي السبق في عالم التصور ، ولذا ربما يصير العلم بالمعلول علة للعلم بالعلة بلا انقلاب العلمين عما هما عليه من العلية والمعلولية ، وحيث كان كذلك ، فلا وقع لهذا الكلام : من أن المدار في سبق التنجز على سبق المعلوم لا العلم. والعجب من مثل هذا المقرر ! حيث إنه يجري الأصل في طرف واحد بلا معارض ، ومثله لا يحتاج إلى إثبات سبق العلم بمنجز آخر ، بل يكفيه مجرد سبق المعلوم رتبة في جريان الأصل في المسبب بلا معارض ، ولا داعي له على إثبات عدم سبق لعلم بمنجز آخر أو سبقه ، كي يلتزم بمثل هذا المحذور وصدور هذه الكلمات قبال استاذنا الأعظم


(84)
( إن شاء الله تعالى ) في خاتمة الاستصحاب ، وإنما تصل النوبة إلى الأصل المسببي عند عدم جريان الأصل السببي لموجب ، فأصالة الطهارة الجارية في الملاقي ( بالكسر ) ليست في عرض أصالة الطهارة الجارية في الملاقى ( بالفتح ) لتسقط بسقوطها ، بل جريانها موقوف على سقوط أصالة الطهارة في الملاقى ( بالفتح ) بالمعارضة لأصالة الطهارة الجارية في الطرف الآخر ، ففي ظرف جريان أصالة الطهارة في الملاقى لم تجر أصالة لطهارة في الملاقي ( بالكسر ) وفي ظرف جريان أصالة الطهارة فيه لم يكن لها معارض ، لسقوط معارضها في الرتبة السابقة.
    وقياس الملاقى والملاقي بالانائين في المثال المتقدم في كونهما طرفا واحدا للعلم الاجمالي ليس في محله ، فان الشك في نجاسة أحد الانائين وطهارته في المثال ليس مسببا عن الشك في نجاسة الآخر وطهارته ، بل الشك في كل منهما مسبب
الذي مبناه على مانعية نفس العلم عن جريان الأصل في الطرف ولو بلا معارض.
    نعم : على مسلكه يلزم إشكال آخر ، وهو أن أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) وإن كان معارضا مع أصالة الطهارة في الطرف ، ولكن بعد سقوط أصالة الطهارة فيه ينتهي النوبة إلى أصالة حليته ويصير هذا الأصل في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) فيتساقطان ، ثم بعد ذلك ينتهي النوبة إلى أصالة الحلية في الملاقي ( بالكسر ) وهو لا ينتج إلا في جواز شربه ، ولا يجدي في صحة وضوئه المشروط بطهارة مائه ، مع أن بنائهم على صحة الوضوء بالملاقي ( بالكسر ) لأصالة طهارته.
    ولعمري ! أن هذه الشبهة من غوامض الشبهات. والعجب من الماتن ! إنه لم لم يتعرض له ، مع أنه مسبوق به ، ولعله من جهة وضع تقريره على الاقتضاء على ما أفاده أستاذه ـ والتحقيق أن هذه الشبهة على مسلك اقتضاء العلم وسقوط الأصول مما لا محيص عنه. وأما على مسلكنا : من مانعية العلم عن جريان الأصل في طرفه ولو بلا معارض ، فالاشكال لا وقع له ، لأنه لو فرض عدم معارضة أصالة الحل في الطرف مع أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) لا مجال لجريانه في الطرف الآخر ، لان العلم الاجمالي السابق بعدما يتنجز التكليف بحرمة الشرب والوضوء به أولا لا يكاد يجري فيه أصالة الحلية في طرفه ، لسبق تنجز التكليف في المحتمل المانع عن الأصل النافي ، وحينئذ لا ؟ كاد يجري هذا الأصل ، كي ؟ صلح للمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ).


(85)
عن وقوع النجاسة فيهما أو في الاناء الثالث ، فالأصل في كل من الانائين يجريان في عرض واحد ويسقطان بالمعارضة للأصل الجاري في الاناء الثالث.
    فظهر : أن المؤثر من العلوم الثلاثة التي ذكرها المستشكل هو خصوص العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف.
    إزاحة شبهة :
    للمحقق الخراساني ـ قدس سره ـ تفصيل في وجوب الاجتناب عن الملاقي أو الملاقى.
    فتارة : أوجب الاجتناب عن الملاقى ( بالفتح ) دون الملاقي ، وذلك فيما إذا تأخر العلم بالملاقات عن العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف.
    وأخرى : أوجب الاجتناب عن الملاقي ( بالكسر ) دون الملاقى. وقد ذكر لذلك موردين :
    الأول : ما إذا تأخر العلم بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف عن العلم بالملاقات والعلم بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف ، كما إذا علم أولا بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف من دون التفات إلى سبب نجاسة الملاقي ، ثم حدث العلم بالملاقات والعلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف والعلم بأنه ليس لنجاسة الملاقي ( بالكسر ) على تقدير أن يكون هو النجس الذي تعلق العلم به أولا سبب إلا جهة ملاقاته ، لأن المفروض أنه ليس في البين إلا نجاسة واحدة ، والتقييد بانحصار سبب نجاسة الملاقي بالملاقات وإن لم يصرح به في متن الكفاية ، إلا أنه صرح بذلك في حاشية الكفاية ، ووجه الحاجة إلى القيد واضح.
    الثاني : ما إذا علم بالملاقات ، ثم حدث العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف ، ولكن حال حدوث العلم الاجمالي كان الملاقي ( بالكسر )


(86)
موردا للابتلاء ، والملاقى ( بالفتح ) خارجا عن مورد الابتلاء ثم عاد إلى مورد الابتلاء.
    وثالثة : أوجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معا ، وذلك فيما إذا حصل العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف بعد العلم بالملاقات مع كون كل منهما في مورد الابتلاء.
    هذا حاصل ما أفاده في الكفاية على طبق ما ذكره في الحاشية.
    ولا يخفى عليك : أن هذا التفصيل مبني على كون حدوث العلم الاجمالي بما أنه علم وصفة قائمة في النفس تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن الأطراف وإن تبدلت صورته وانقلبت عما حدثت عليه ، لأنه يكون المدار حينئذ على حال حدوث العلم ، ومن المعلوم : أنه قد يكون متعلق العلم الاجمالي حال حدوثه هو نجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف ، وقد يكون هو نجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف ، وقد يكون هو نجاستهما معا أو الطرف.
    ولكن الانصاف : فساد المبنى بمثابة لا سبيل إلى الالتزام به ، ضرورة أن المدار في تأثير العلم الاجمالي إنما هو على المعلوم والمنكشف لا على العلم والكاشف ، وفي جميع الصور المفروضة رتبة وجوب الاجتناب عن الملاقي ( بالفتح ) والطرف سابقة على وجوب الاجتناب عن الملاقي ( بالكسر ) وإن تقدم زمان العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) أو الطرف على العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) أو الطرف ، لان التكليف في الملاقي إنما جاء من قبل التكليف بالملاقى ، فلا أثر لتقدم زمان العلم وتأخره بعدما كان المعلوم في أحد العلمين سابقا رتبة أو زمانا على المعلوم بالآخر ، كما أنه لا أثر لخروج الملاقى ( بالفتح ) عن محل الابتلاء في ظرف حدوث العلم مع عوده إلى محل الابتلاء بعد العلم ، ووضوح الامر وإن كان بمثابة لا يحتاج إلى إطالة الكلام فيه ، إلا أنه لا بأس بزيادة بيان لإزاحة الشبهة.


(87)
    فنقول : إنه يعتبر في تأثير العلم الاجمالي واقتضائه التنجيز بقائه على صفة حدوثه وعدم تعقبه بما يوجب انحلاله وتبدل المنكشف به (1) لان اعتبار العلم الاجمالي إنما هو لكونه طريقا وكاشفا عن التكليف المولوي ، فلابد من انحفاظ طريقيته وكاشفيته ، وهو إنما يكون ببقائه على صفة حدوثه وعدم حدوث ما يوجب تغييرا في ناحية المعلوم ، فالعلم الاجمالي بوجوب الاجتناب عن أحد الشيئين إنما يقتضي الاجتناب عنهما إذا لم يحدث ما يقتضي سبق التكليف بالاجتناب عن أحدهما ولو كان ذلك علما إجماليا آخر كان المعلوم به سابقا في الزمان أو في الرتبة على المعلوم بالعلم الاجمالي الأول ، وإلا كان المدار على العلم الاجمالي الثاني الذي سبق معلومه معلوم الأول وسقط العلم الأول عن الاعتبار.
    فلو علم بوقوع قطرة من الدم في أحد الانائين ، ثم بعد ذلك علم بوقوع قطرة أخرى من الدم في أحد هذين الانائين أو في الاناء الثالث ، ولكن ظرف وقوع القطرة المعلومة ثانيا أسبق من ظرف وقوع القطرة المعلومة أولا ، فلا ينبغي التأمل في أن العلم الاجمالي الثاني يوجب انحلال الأول لسبق معلومه عليه (2) ومن الواضح : أن العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي ( بالكسر ) والطرف دائما يكون المعلوم به متأخرا عن المعلوم بالعلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف ،
1 ـ أقول : لا ريب في ذلك ، وإنما الكلام في أن سبق التكليف بشيء آخر وعدمه لا يوجب انقلاب العلم عما هو عليه ، والمفروض أن المنجزية يدور مدار العلم بالتكليف ، فإذا فرض علم آخر بتكليف آخر سابق عليه ، فان كان هذا العلم مسببا عن العلم الأول فالمنجزية للسابق ولو كان في التكليف لاحقا ، فما قيل في المقام حينئذ لا يخلو عن مصادرة.
2 ـ أقول : فليت شعري ! أين هذا الجزم ؟ فإنه بعد أن لا يعقل أن يكون العلم المتأخر منجزا للمعلوم في الزمان السابق عن العلم ، فالعلم الحاصل من الأول بأن هذا الكأس واجب الاجتناب في أول الصبح أو الكأس الآخر في آخر اليوم ، هذا العلم التدريجي أين ذهبت ؟ وأي مانع عن منجزيته ؟ ولعمري ان هذه الكلمات كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء !!!.


(88)
تقارن العلمان في الزمان ، أو تقدم تعلق العلم بالملاقي ( بالكسر ) على تعلق العلم بالملاقى أو انعكس الامر ، لما عرفت : من أنه لا عبرة بزمان حدوث العلم ، بل العبرة بزمان حدوث المعلوم. والنجاسة المعلومة بين الملاقى ( بالفتح ) والطرف تكون أسبق من النجاسة المعلومة بين الملاقي ( بالكسر ) والطرف في جميع الصور ، ففي أي زمان يحدث العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف يسقط العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي والطرف عن التأثير ، لأنه يتبين سبق التكليف بالاجتناب عن أحد طرفيه وهو طرف الملاقى ( بالفتح ) فتكون الشبهة بالنسبة إلى الملاقي ( بالكسر ) بدوية تجري فيه أصالة الطهارة بلا معارض.
    هذا كله ، مضافا إلى أن الذوق يأبى عن أن يكون الحكم وجوب الاجتناب عن الملاقي ( بالكسر ) دون الملاقى ، مع أن التكليف به إنما يأتي من قبل التكليف بالملاقى ( بالفتح ).
    نعم : لو فرض أن الملاقى ( بالفتح ) كان في ظرف حدوث العلم خارجا عن محل الابتلاء ولم يعد بعد ذلك إلى محله ولو بالأصل ، فالعلم الاجمالي بنجاسته أو الطرف مما لا أثر له ، ويبقى الملاقي ( بالكسر ) طرفا للعلم الاجمالي فيجب الاجتناب عنه وعن الطرف (1) لان العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى ( بالفتح ) والطرف وإن تقدم معلومه على العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي
1 ـ أقول : بناء على مشرب اقتضاء العلم وجريان الأصل النافي بلا معارض ، لنا أن نقول : إنه لا بأس بجريان الأصل في الخارج عن محل الابتلاء بلحاظ آثاره المبتلى به ، فيسقط بالمعارضة مع الأصل في الطرف ، فيجري الأصل في الملاقي ( بالكسر ) أيضا بلا معارض. نعم : له أن يقول : إن ما نحن فيه من قبيل قاعدة الطهارة بالنسبة إلى استصحابها ، فلو تم الجواب هناك لتم هنا ، ولقد عرفت عدم تمامية الجواب هناك ، فلا يتم في المقام أيضا ، ولذا أوردنا على شيخنا العلامة بأن الجمع بين إطلاق جريان الأصل في المسبب حتى مع تقدم علمه على العلم بالسبب مع الالتزام بجريان الأصل في المقام لا يخلو عن التهافت ، لعدم مناسبته مع واحد من المسلكين في علية العلم واقتضائه ، فتدبر.

(89)
( بالكسر ) أو الطرف ، إلا أنه لما كان الملاقى ( بالفتح ) خارجا عن محل الابتلاء فلا أثر للعلم الاجمالي بنجاسته أو الطرف. ولا تجري فيه أصالة الطهارة لتعارض أصالة الطهارة في الطرف ليبقى الأصل في الملاقي ( بالكسر ) سليما عن المعارض ، بل المعارض للأصل الجاري في الطرف هو الأصل الجاري في الملاقي ( بالكسر ) وذلك كله واضح ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه جيدا.

    تذييل :
    قد عرفت : أن عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي المعلوم بالاجمال كان مبنيا على أن لا تكون نجاسة الملاقي للنجس لأجل سراية النجاسة منه إليه ، بل لكونها فردا آخر من النجاسة أوجب الشارع الاجتناب عنه بتعبد يخصه.
    ولو شك في أحد الوجهين ، ففي وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحد طرفي العلم الاجمالي وعدمه وجهان : أقواهما وجوب الاجتناب عنه.
    ويتضح وجهه بتقديم مقدمة ربما تمر عليك في بعض المباحث الآتية ، وهي : أنه لو دار الامر بين شرطية أحد الشيئين ومانعية الآخر :
    فتارة : لا يكون بين الشيئين واسطة ، بل كانا من الضدين اللذين لا ثالث لهما ، كما إذا شك في أن الجهر بالقراءة شرط في الصلاة أو أن الاخفات بها مانع ، فإنه لا واسطة بين الجهر والاخفات ولا يمكن خلو القراءة عن الوصفين.
    وأخرى : يكون بين الشيئين واسطة ، كما إذا شك في أن السورة بشرط الوحدة شرط في الصلاة ؟ أو أن القران مانع ؟ فإنه يمكن خلو الصلاة عن السورة والقران ، فتكون الصلاة بلا سورة واسطة بينهما.
    لا إشكال في جريان البراءة عن الشرطية المشكوكة في القسم الثاني ، لرجوع الشك فيه إلى الأقل والأكثر ، لان شرطية السورة بقيد الوحدة تقتضي بطلان


(90)
الصلاة بلا سورة ، ومانعية القران لا تقتضي ذلك ، فلا يشترك جعل الشرطية مع جعل المانعية في جميع الآثار ، بل يكون في جعل الشرطية أثر زائد تجري فيه البراءة ويعمه حديث الرفع.
    وبعبارة أوضح : في المثال المذكور يعلم تفصيلا بأن القران مبطل للصلاة ، إما لفقد الشرط من السورة بقيد الوحدة ، وإما لوجود المانع ، ويشك في بطلان الصلاة بلا سورة للشك في شرطية السورة ، فتجري فيه البراءة (1).
1 ـ أقول : وببيان أظهر : أن الشك في مانعية القران لا يكون ملزما باتيان السورة بذاته ، فالبرائة يجري فيه بلا مانع ، بخلاف المقام ، فإنه بعد الجزم بوجوب إتيان القراءة الشك في مانعية الاخفات المقرون بالعلم الاجمالي المزبور يلزم باتيان الجهر تحصيلا للجزم بالفراغ ، وحينئذ فما أفيد : من جريان الأصل عند الشك في وجود المانع في غاية المتانة على المختار : من أن حكم العقل بالفراغ بعد ثبوت الاشتغال تنجيزي ، لأنه على المانعية أصالة عدم وجود ما هو المانع يجدي في الفراغ الجعلي ، ولا يجدي هذا الأصل في طرف وجود الشرط ، بل أصله يقتضي عدم الفراغ.
    وأما لو بنينا على مبناه : من جريان الأصل في أحد طرفي العلم الاجمالي بلا معارض من كون حكم العقل في مرتبة الفراغ حكما تعليقيا ، فلا شبهة حينئذ في كون أمر وضع هذا الحكم ورفعه بيد الشارع ولو بايجاد منشأه من الترخيص على تركه ، وحينئذ فللشارع أن يرخص في ترك تحصيل الجزم بحصول الشرط ولو من جهة الشك في حرمة تركه فعلا ، فيشمله حينئذ عموم « كل شيء لك حلال » بل وحديث الرفع ، لتطبيقه على رفع المؤاخذة عن ترك تحصيل ما هو مشكوك وجوبه ولو بإبداء الترخيص في تركه.
    وتوهم حكومة استصحاب وجوبه على مثل هذه الأصول ، مدفوع أولا بأن الاستصحاب كيف يجري في فرض توارد الحالتين ؟ أو في صورة الشك في محققات أمر بسيط ؟ وثانيا أن هذه الجهة غير مرتبط بما أفيد : من القصور في اقتضاء حديث الرفع وغيره للشمول في المقام. هذا كله ، مع أن بقاء الوجوب وعدمه من ناحية الفراغ وعدمه عقلي وليس أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ، فلا مجال لجريان الاستصحاب المزبور عند الشك في الوجوب من ناحية الفراغ ، بل المرجع في مثله ليس إلا قاعدة الاشتغال ، فإذا فرضنا أن حكم العقل تعليقي ، فلا قصور لجريان الأصول السابقة ، فيرتفع حكم العقل بتحصيل الجزم به ، ولازم ذلك حينئذ عدم كون ما نحن فيه من قبيل الشك في شرطية الجهر أو مانعية الاخفات ، إذ لا بأس بجريان الأصل عند الشك في وجود الشرط ، بخلاف المقام ، فان جريان أصالة الطهارة في الملاقي ( بالكسر ) فرع إحراز السببية والمسببية بينهما ، ومع الشك لا قصور في شمول العموم له ،
فوائد الاصول ـ الجزء الرابع ::: فهرس