كليات في علم الرجال ::: 241 ـ 255
(241)
على ما ينفرد بنقله » (1).
    أقول : ان الشيخ ضعفه في موضعين من الاستبصار ، أحدهما باب البئر تقع فيها الفأرة وغيرها ، فروى فيه عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن حديد ، عن بعض أصحابنا قال : « كنت مع أبي عبدالله ( عليه السلام ) في طريق مكة ، فصرنا إلى بئر ، فاستقى غلام أبي عبدالله ( عليه السلام ) دلواً ، فخرج فيه فأرتان ... » فقال الشيخ : « فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل ، وراويه ضعيف ، وهذا يضعف الاحتجاج بخبره » (2).
    وقال في باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة ، في ذيل حديث عباد : « وأما خبر زرارة فالطريق اليه علي بن حديد ، وهو ضعيف جداً لا يعول على ما ينفرد بنقله » (3).
    والجواب بوجهين ، الأول : لم يثبت ضعف علي بن حديد ، بل الظاهر عما رواه الكشي وثاقته ، قال في ترجمة هشام بن الحكم : « علي بن محمد ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن راشد ، عن أبي جعفر الثاني قال : جعلت فداك ، قد اختلف أصحابنا ، فاُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟ قال : عليك بعلي بن حديد ، قلت : فآخذ بقوله ؟ قال : نعم ، فلقيت علي بن حديد فقلت : نصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟ قال : لا » (4).
    وقال في ترجمة يونس بن عبد الرحمن : « آدم بن محمد القلانسي البلخي قال : علي بن محمد القمي قال : حدثني أحمد بن محمد بن عيسى القمي ، عن يعقوب بن يزيد ، عن أبيه يزيد بن حماد عن أبي الحسن قال :
1 ـ الخلاصة : 234 ، ونحوه في القسم الثاني المختص بالضعفاء.
2 ـ الاستبصار : 1 / 40 ابواب المياه ، باب البئر تقع فيه الفأرة ، الحديث 70.
3 ـ الاستبصار : 3 / 95 باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة ، الحديث 325.
4 ـ رجال الكشي : 237 ، وفي السند المروي في رجال الكشي ضعف.


(242)
قلت اُصلي خلف من لا أعرف ؟ فقال : لا تصل إلا خلف من تثق بدينه ، فقلت له : اُصلي خلف يونس وأصحابه ؟ فقال : يأبى ذلك عليكم علي بن حديد ، قلت : آخذ بقوله في ذلك؟ قال : نعم ، قال : فسألت علي بن حديد عن ذلك ، فقال : لا تصلّ خلفه ولا خلف أصحابه » (1).
    وربما يؤيد وثاقته كونه من رجال « كامل الزيارات » (2). التي نص ابن قولويه في أوله بأنه يروي عن الثقات في كتابه هذا (3). كما يؤيد وثاقته أيضاً كونه من رجال تفسير القمي (4) الذي نصّ في أول تفسيره بأن رجال تفسيره هذا من الثقات. وسوف يوافيك الكلام في هذين التوثيقين ، غير ان تضعيف الشيخ مقدم على ما نقله الكشي ، لأن في سند روايته ضعفاً ، فلم يبق إلا كونه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي. والظاهر تقديم جرح الشيخ على التوثيق العمومي الذي مبناه كونه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي ، وسيوافيك الكلام بأن التوثيق العمومي المستفاد من مقدمة الكتابين ، على فرض صحته ، حجة ما لم يعارض بحجة صريحة اخرى ، مضافاً إلى ما في نفس هذا التوثيق العمومي الّذي نسب إلى الكتابين من الضعف.
    الثاني : وجود التصحيف في سند الرواية. والظاهر أن لفظة « عن علي بن حديد » مصحف « وعلي بن حديد » ويدلّ عليه اُمور :
    الف ـ كثرة رواية ابن أبي عمير عن جميل بلا واسطة. قال في معجم رجال الحديث : « ورواياته عنه تبلغ 298 مورداً » (5). وعلى ذلك فمن البعيد
1 ـ رجال الكشي : 418 ، ترجمة يونس بن عبد الرحمن.
2 ـ كامل الزيارات : 4 ، الباب 8 في فضل الصلاة في مسجد الكوفة ومسجد السهلة.
3 ـ كامل الزيارات : 4 ، وسيوافيك ان مضمون كلام صاحب كامل الزيارات لا يفيد إلا وثاقة مشايخه الذين يروي عنهم بلا واسطة ، فلا دلالة لوقوعه في اسناد كامل الزيارات على وثاقة من لا يروي عنه بلا واسطة.
4 ـ راجع تفسير القمي في تفسير قوله تعالى ( مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ ).
5 ـ معجم رجال الحديث : 22 / 102.


(243)
جداً ، ان ابن ابي عمير الذي يروي عن جميل هذه الكمية الهائلة من الأحاديث بلا واسطة ، يروي عنه رواية واحدة مع الواسطة ، ولأجل ذلك لا تجد له نظيراً في كتب الأحاديث.
    ب ـ وحدة الطبقة ، لأن الرجلين في طبقة واحدة من أصحاب الكاظم والرضا ( عليهما السلام ). ونصّ النجاشي على رواية عليّ بن حديد عن أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليهما السلام ) (1).
    ج ـ لم يوجد لا بن ابي عمير أي رواية عن علي بن حديد في الكتب الاربعة غير هذا المورد ، كما يظهر من قسم تفاصيل طبقات الرواة لمعجم الرجال (2) وهذا يؤكّد كون علي بن حديد ، معطوفاً على ابن أبي عمير وأنه لم يكن شيخاً له ، وإلا لما اقتصر في النقل عنه على رواية واحدة.
    4 ـ الحسين بن أحمد المنقري : فقد روى عن ابن ابي عمير ، عدداً من الروايات جاء في بعضها لفظ المنقري دون الآخر ، والقرائن تشهد على وحدتهما. واليك مجموع ما ورد عنه في الكتب الأربعة :
    1 ـ روى الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحسين بن أحمد المنقري قال : سمعت أبا إبراهيم يقول : من استكفى بآية من القرآن ... (3).
    2 ـ روى عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير ، عن الحسين بن أحمد المنقري عن خاله قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : من أكل طعاماً لم يدع اليه فأنّه أكل قصعة من النار (4).
1 ـ رجال النجاشي : رقم الترجمة 717.
2 ـ معجم الرجال الحديث : 22 / 292.
3 ـ الكافي : ج 2 كتاب فضل القرآن ، الباب 13 ، الحديث 18.
4 ـ الكافي : ج 5 ، كتاب المعيشة ، الباب 5 ، الحديث 5 ورواه الشيخ في التهذيب : ج 9 ، الحديث 398.


(244)
    3 ـ روي في الروضة عن علي بن إبراهيم ، عن ابيه ، عن ابن ابي عمير ، عن الحسين بن أحمد المنقري ، عن يونس بن ظبيان قال : قلت لابي عبد الله ( عليه السلام ) : ألا تنهى هذين الرجلين عن هذا الرجل ... (1).
    4 ـ روى ( الكليني ) ايضاً بسند صحيح عن ابن ابي عمير ، عن الحسين بن أحمد ، عن شهاب بن عبد ربه قال : قال لي ابو عبدالله ( عليه السلام ) : ان ظننت ان هذا الأمر كائن في غد ، فلا تدعنَّ طلب الرزق (2).
    5 ـ روي عن علي بن إبراهيم ، عن ابيه ، عن ابن ابي عمير ، عن حسين بن أحمد المنقري ، عن عيسى الضرير قال : قلت لابي عبد الله ( عليه السلام ) : رجل قتل رجلاً متعمداً ما توبته ؟ ... (3).
    وهذا الحديث لم يذكره في معجم الرجال في هذا المقام ، لكنه ذكره في ترجمة الحسين بن أحمد المنقري ، وربما يتخيل ان « الحسين » في الأخير هو المحسن بن أحمد كما في الفقيه (4). لكنه ضعيف ، لأن المحسن من اقران ابن ابي عمير ، ومن اصحاب الرضا ( عليه السلام ) ، ومن مشايخ أحمد بن محمد بن خالد ، الذي يروي عن ابن ابي عمير بلا واسطة ، وعندئذ كيف يصح نقل ابن ابي عمير عن « المحسن » ؟
    والجواب عن النقض يظهر بالاحاطة بكلمات النجاشي وابن الغضائري في حقه.
    قال النجاشي : « الحسين بن أحمد المنقري التميمي ابو عبدالله ، روى عن ابي عبدالله ( عليه السلام ) رواية شاذة لم تثبت ، وكان ضعيفاً ، ذكر ذلك
1 ـ الروضة : الحديث 561.
2 ـ الكافي : ج 5 ، كتاب المعيشة ، الباب 5 الحديث 9.
3 ـ الكافي : ج 7 ، كتاب الديات ، الباب 4 ، الحديث 4.
4 ـ الفقيه : الجزء 4 باب تحريم الدماء والاموال ، الحديث 206.


(245)
أصحابنا ( رحمهم الله ). روى عن داود الرقي وأكثر ، له كتب ».
    وقال الشيخ في الفهرست : « الحسين بن أحمد المنقري له كتاب رويناه » ( الفهرست : الرقم 216 ).
    وعده في رجاله من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) ( الرقم 25 ) ، ومن أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) قائلاً : « إنه ضعيف » ( الرقم 8 ).
    ان كون الرجل من أصحاب الباقر ( عليه السلام ) مع إكثاره النقل عن داود الرقي ، محل تأمل وقد توفي داود الرقي بعد المائتين بقليل بعد وفاة الرضا ( عليه السلام ) ( سنة 203 ).
    وعلى أي تقدير ، فالظاهر ان ضعفه راجع إلى العقيدة لا الرواية وذلك لأمرين :
    الأول : ان النجاشي وصفه بقوله : « روى عن داود الرقي وأكثر » وقد قال في حق داود : « ضعيف جداً والغلاة تروي عنه » ، فيمكن أن يكون هو أحد الغلاة الذين رووا عن داود.
    الثاني : ان الشيخ ذكر داود الرقي في أصحاب الكاظم ( عليه السلام ) ، وقال : « داود الرقي مولى بني أسد وهو ثقة ، من أصحاب ابي عبدالله ( عليه السلام ) » ، ومع ذلك نرى ابن الغضائري يقول في حقه : « داود بن كثير بن أبي خالد الرقي مولى بني أسد روى عن ابي عبدالله ( عليه السلام ) ، كان فاسد المذهب ، ضعيف الرواية لا يلتفت اليه ».
    فاتضح ان الطعن فيه لم يكن لاجل كونه غير ثقة في نقل الحديث ، بل الطعن لاجل وجود الارتفاع في العقيدة بقرينة اكثار النقل عن داود الرقي ، المتهم بالارتفاع في العقيدة ، ونقل الغلاة عنه ، والكل غير مناف للوثاقة في مقام النقل الذي كان ابن ابي عمير ملتزماً فيه بعدم النقل إلا عن الثقة.


(246)
    هذه النقوض هي التي ذكرها صاحب معجم رجال الحديث ، وقد عرفت مدى صحتها.
    ثم ان صاحب مشايخ الثقات جعل ثابتي الضعف منهم خمسة وهم :
    1 ـ الحسين بن أحمد المنقري.
    2 ـ علي بن حديد.
    3 ـ يونس بن ظبيان.
    4 ـ ابو البختري وهب بن وهب.
    5 ـ عمرو بن جميع.
    وبعد ان عرفت حقيقة الحال في الثلاثة الاُول ، فهلمَّ معي نبحث في الاخيرين منهم :
    ألف ـ ابو البختري وهب بن وهب العامي : قال النجاشي : « وهب بن وهب ابو البختري ، روى عن ابي عبدالله ( عليه السلام ) وكان كذاباً ، وله أحاديث مع الرشيد في الكذب. قال سعد : تزوج أبو عبدالله ( عليه السلام ) باُمّه ، له كتاب يرويه جماعة » ثم ذكر سنده اليه (1).
    وليس لا بن ابي عمير في الكتب الأربعة رواية عنه إلا ما ورد في صلاة الاستسقاء ، ورواها الشيخ بسنده عن محمد بن علي بن محبوب ، عن محمد بن خالد البرقي ، عن ابن ابي عمير ، عن ابي البختري ، عن ابي عبدالله ( عليه السلام ) ، عن ابيه ، عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : مضت السنة انه لا يستسقى إلا بالبراري ، حيث ينظر الناس إلى السماء ولا يستسقى في المساجد إلا بمكة (2).
1 ـ رجال النجاشي : الرقم 1155.
2 ـ التهذيب : ج 3 ، الحديث 325.


(247)
    أقول : يمكن التخلص من النقض بوجهين :
    الأول : كون الرجل ثقة عند ابن ابي عمير وقت تحمل الحديث ، وهذا كاف في العمل بالالتزام.
    الثاني : ان أبا البختري كان عامياً ، ومن المحتمل أن يكون التزام المشايخ راجعاً إلى ابواب العقائد والأحكام الشرعية ، وأما ما يرجع إلى أدب المصلّي في صلاة الاستسقاء ، فلم يكن من موارد الالتزام ، ولم يكن في نقل مثل ذلك أي خطر واشكال فتأمل.
    ب ـ عمرو بن جميع الزيدي البتري : قال النجاشي : « عمرو بن جميع الازدي البصري ، ابو عثمان ، قاضي الري ، ضعيف ، له نسخة يرويها عنه سهل بن عامر » ثم ذكر سنده إلى الكتاب (1).
    اقول : وليس لابن ابي عمير رواية عنه في الكتب الأربعة ، بل روى عنه الصدوق في معاني الأخبار ، ولا يتجاوز الروايتين :
    1 ـ روى الصدوق في معاني الاخبار عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني ، عن علي بن إبراهيم ، عن ابيه ، عن محمد بن ابي عمير ، عن عمرو بن جميع قال : قال ابو عبدالله ( عليه السلام ) : لابأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين (2).
    2 ـ وبهذا الإسناد أيضاً قال : قال ابو عبدالله ( عليه السلام ) : حدثني ابي ، عن ابيه ، عن جده قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا مشت اُمتي المطيطا ، وخدمتهم فارس والروم ، كان بأسهم بينهم. المطيطا :
1 ـ رجال النجاشي : الرقم 769.
2 ـ وسائل الشيعة : ج 4 ، الباب 8 من ابواب السجود ، الحديث 6 ، نقلاً عن معاني الاخبار للصدوق.


(248)
التبختر ، ومد اليدين في المشي (1).
    ان عمرو بن جميع مع ضعفه كان زيدياً بترياً ، وقد صرح بكونه بترياً ابو عمرو في رجاله ، في ترجمة محمد بن اسحاق صاحب المغازي (2).
    ومن استظهر من عبارة « العدة » بأن المشايخ التزموا أن لا يروون إلا عن إمامي ثقة يكون النقض هنا وفيما تقدم ، من جهتين : من جهة المذهب حيث ان ابا البختري كان عامياً ، وعمرو بن جميع كان بترياً ، ومن جهة الوثاقة ، لكون الرجلين ضعيفين ، وعلى المختار يكون النقض من جهة واحدة ، وعلى كل تقدير فإحدى الروايتين لا صلة لها بالأحكام الشرعية ، وانما هي نقل تنبؤ عن مستقبل الامة إذا ساد فيهم الكبر والتبختر. نعم الرواية الاُخرى تتضمن حكماً شرعياً. ولعل ابن ابي عمير كان يعتقد بوثاقته عند التحمل والنقل.
    ثم ان سيدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ أورد على القاعدة نقضاً بعدة أشخاص :
    1 ـ يونس بن ظبيان.
    2 ـ علي بن ابي حمزة.
    3 ـ علي بن حديد.
    4 ـ ابي جميلة.
    5 ـ عبدالله بن قاسم الحضري (3).
    وقد عرفت الحال في الثلاثة الاُول وسيوافيك الكلام في ابي جميلة عند البحث عن مشايخ صفوان الذي عدت روايته عن ابي جميلة نقضاً على القاعدة.
1 ـ وسائل الشيعة : ج 8 ، الباب 63 من ابواب آداب السفر ، الحديث 3 نقلاً عن معاني الاخبار.
2 ـ رجال الكشي : 332.
3 ـ كتاب الطهارة : ج 1 ، ص 191.


(249)
    واليك الكلام في الخامس أعني عبدالله بن قاسم الحضرمي.
    قال النجاشي : عبدالله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل : كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يُعتدّ بروايته ، له كتاب يرويه عنه جماعة (1).
    وذكره الشيخ في « الفهرست » وقال : له كتاب ، وذكر سنده اليه ، (2) وعنونه في رجاله في اصحاب الكاظم ( عليه السلام ) قائلاً : عبد الله بن القاسم الحضرمي واقفي (3).
    وقال ابن الغضائري : عبدالله بن قاسم الحضرمي كوفي ضعيف أيضاً غال متهافت ولا يرتفع به (4).
    روى محمد بن ابي عمير عنه عن الصادق جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) عن ابيه ، عن جده عن علي ( عليه السلام ) قال : « كن لما لا ترجو ارجى منك لما ترجو ، فان موسى بن عمران ( عليه السلام ) خرج يقتبس لأهله ناراً فكلمه الله عز وجل فرجع نبياً ، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان ( عليه السلام ) وخرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين » (5).
    يلاحظ عليه :
    أوّلاً : من المحتمل ، اعتماد النجاشي في تضعيفه إلى تضعيف ابن الغضائري ، يُعرب عنه تقارب العبارتين ، وقد عرفت قيمة تضعيفاته.
    وثانياً : ان ابن ابي عمير لم يرو عنه إلا رواية واحدة ولا صلة لمضمونها
1 ـ رجال النجاشي رقم الترجمة 594.
2 ـ فهرست الشيخ رقم الترجمة 465.
3 ـ رجال الشيخ رقم الترجمة 50.
4 ـ الخلاصة القسم الثاني باب « عبد الله » رقم الترجمة 9.
5 ـ الفقية ج 4 في النوادر ، الحديث رقم 850.


(250)
بالاحكام ولعله كان ملتزماً بأن لا يروي إلا عن ثقة فيما يمت إلى بالحكم الشرعي بصلة لا في الموضوعات الأخلاقية او التربوية كما هو مورد الحديث.
    ثالثاً : انه لم يرد في الفقيه توصيفه بالحضرمي فيحتمل كونه « عبدالله بن القاسم الحارثي وهو وان كان ضعيفاً حيث يصفه النجاشي بالضعف والغلو ويقول : ضعيف غال (1) لكنه اين هو من قوله في الحضرمي « كذاب » ، عندئذ يقوى ان يكون ضعفه لأجل غلوه في العقيدة لا لضعفه في لسانه ، وقد عرفت أن التضعيف بين القدماء لأجل العقيدة لا يوجب سلب الوثوق عن الراوي ، لأن أكثر ما رآهُ القدماء غلواً أصبح في زماننا من الضروريات في دين الامامية فلاحظ.
    هذا كله حول أسانيد ابن أبي عمير وحال النقوض التي جاءت في « معجم رجال الحديث » و « مشايخ الثقات » وغيرهما. غير ان النقوض لا تنحصر فيما ذكر بل هناك موارد اُخر ، ربما يستظهر منها ان ابن أبي عمير نقل فيها عن الضعفاء ، وستجيء الاشارة الكلية إلى ما يمكن الجواب به عن هذه الموارد المذكورة وغير المذكورة.
    وقد حان وقت البحث عن مشايخ عديله وقرينه وهو صفوان بن يحيى.

    2 ـ صفوان بن يحيى بيّاع السابُري ( المتوفّى عام 210 هـ )
    قد تعرفت من الشيخ ان صفوان ، احد الثلاثة الذين التزموا بعدم الرواية والإرسال إلا عن ثقة ، وقبل دراسة هذه الضابطة عن طريق أسانيده نأتي بما ذكره النجاشي في حقه.
    قال : « صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري ، كوفي ثقة ، ثقة ، عين ، روى أبوه عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) وروى هو عن الرضا ( عليه السلام ) ، وكانت له عنده منزلة شريفة ، ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسى ( عليه السلام ). وقد توكل للرضا وأبي جعفر ( عليهما السلام ) ، وسلم
1 ـ رجال النجاشي : برقم 591.

(251)
مذهبه من الوقف ، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة ، وكانت جماعة الواقفة بذلوا له أموالاً كثيرة ـ إلى ان قال : ـ وكان من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته ( رحمه الله ) ، وصنف ثلاثين كتاباً كما ذكر أصحابنا » ، ثم ذكر كتبه (1).
    وقال الشيخ في الفهرست : « أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث ، وأعبدهم ، وكان يصلي كل يوم وليلة خمسين ومائة ركعة ، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ، ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاثة مرات ».
    مشايخه
    فقد أنهى في « معجم رجال الحديث » مشايخه في الكتب الأربعة إلى 140 شيخاً ، وقد أحصاها مؤلف « مشايخ الثقات » فبلغ مشايخه في كتب الأبعة وغيرها 213 شيخاً ، والثقات منهم 109 مشايخ ، والباقون اما مهمل او مجهول ، وقليل منهم مضعف ، وهذا ان دل على شئ فانما يدل على جلالة الرجل وعظمته وإحاطته بأحاديث العترة الطاهرة. ومع ذلك فقد ادعي وجود ضعاف في مشايخه نأتي بما جاء في « معجم الرجال » أوّلاً ، ثم بما جاء في كتاب « مشايخ الثقات » ثانياً.
    1 ـ يونس بن ظبيان : روى الشيخ عن موسى بن قاسم ، عن صفوان وابن ابي عمير ، عن بريد ( يزيد ) ويونس بن ظبيان قالا : سألنا أبا عبدالله ( عليه السلام ) عن رجل يحرم في رجب أو في شهر رمضان حتى إذا كان أوان الحج ... (2).
    أقول : مر الجواب عنه بوجوه ثلاثة في البحث السابق فلا نعيد.
1 ـ رجال النجاشي : الرقم 254 ، ورجال الكشي : 433 ، طبعة الاعلمي.
2 ـ التهذيب : 5 / 32 ، الحديث 95 من ابواب ضروب الحج.


(252)
    2 ـ علي بن ابي حمزة البطائني : روى الكليني عن أحمد بن ادريس ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان بن يحيى ، عن علي بن ابي حمزة قال : قلت لابي عبد الله ( عليه السلام ) سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم ان الله جسم صمدي نوري ، معرفته ضرورة يمنّ بها على ما يشاء من خلقه. فقال ( عليه السلام ) : سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلا هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لا يحدّ ، ولا يحسّ ، ولا يجسّ ولا تدركه الابصار ولا الحواسّ ، ولا يحيط به شيء ، ولا جسم ولا صورة ، ولا تخطيط ولا تحديد (1).
    وليس لصفوان بن يحيى رواية عن علي بن ابي حمزة في الكتب الأربعة غير ما ذكر.
    والجواب من وجهين : الأول : ما عرفت ان وزان علي بن أبي حمزة ، وزان زياد بن مروان القندي ، فالرجلان قد ابتليا بالطعن واللعن ، وليس وجهه إلا الانتماء إلى غير مذهب الحق ، وهو لا يمنع من قبول روايتهما إذا كانا ثقتين في الرواية ، والنجاشي والشيخ وان صرحا بوقف الرجل وانه من عُمده ، ولكنه لا يضر باعتبار قوله إذا كان متجنّباً عن الكذب.
    الثاني : ان ابا عمرو الكشي روى مسنداً ومرسلاً يناهز خمس روايات (2). تدل على انحراف عقيدته ، كما روى الشيخ في غيبته ما يدل على انه تعمد الكذب (3) إلا ان هنا روايات تدل على كونه باقياً على مذهب الإمامية ، او انه رجع عن الوقف وصار مستبصراً. وهذه الروايات مبثوثة في غيبة النعماني ، وكمال الدين للصدوق ، وعيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) ، بل
1 ـ الكافي : 1 / 104 باب النهي عن الجسم والصورة ، الحديث 1.
2 ـ رجال الكشي : رقم الترجمة 310 و 332.
3 ـ غيبة الشيخ الطوسي : 46 ، طبعة النجف.


(253)
في رجال الكشي ما يدل على رجوعه عن الوقف ، ولأجل هذه المعارضة لا يمكن رمي الرجل بالبقاء على الوقف بقول قاطع.
    ولأجل إيقاف القارئ الكريم على هذه النصوص نأتي بها :
    الف : ما رواه أبو زينب في غيبته عن علي بن أبي حمزة ، قال : كنت مع ابي بصير ومعنا مولى لأبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) فقال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : منا اثنا عشر محدَّثاً ، السابع من ولدي القائم فقام اليه ابو بصير فقال : أشهد اني سمعت ابا جعفر ( عليه السلام ) يقوله منذ أربعين سنة (1).
    ب : روى الصدرق في كمال الدين بسنده عن الحسن بن علي بن ابي حمزة ، عن ابيه ، عن يحيى بن ابي القاسم ، عن الصادق جعفر بن محمد ( عليه السلام ) عن ابيه عن جده قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن ابي طالب وآخرهم القائم ، هم خلفائي ، وأوصيائي ، وأوليائي ، وحجج الله على امتي بعدي ، المقر بهم مؤمن ، والمنكر لهم كافر (2).
    ج : روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عن الحسن بن علي الخزّاز قال : خرجنا إلى مكة ومعنا علي بن ابي حمزة ، ومعه مال ومتاع ، فقلنا : ما هذا ؟ قال : هذا للعبد الصالح ( عليه السلام ) أمرني ان أحمله إلى علي ابنه ( عليه السلام ) وقد أوصى اليه (3).
    كل ذلك يدل على خلاف ما نسب اليه الكشي من القول بالوقف وقد نقل
1 ـ الغيبة للنعماني : 61 ، طبعة الاعلمي بيروت.
2 ـ كمال الدين وتمام النعمة : 1 / 259 الحديث 4 طبعة الغفاري.
3 ـ عيون اخبار الرضا : 1 / 19 الحديث 4 ، من الطبعة الحجرية القديمة.


(254)
الكشي نفسه ما يظهر منه عناية الإمام الرضا ( عليه السلام ) (1) به ويصد الانسان عن التسرع في القضاء. خصوصاً إذا وقف الانسان على ما رواه الشيخ بسند صحيح في « التهذيب » عن الحسن بن علي بن ابي حمزة ، الذي رمي بالوقف مثل أبيه ، روى انه قال لأبي الحسن ( الرضا ) ( عليه السلام ) : ان ابي هلك وترك جاريتين قد دبَّرهما ، وأنا ممن أشهد لهما وعليه دين كثير ، فما رأيك؟ فقال : رضي الله عن ابيك ، ورفعه مع محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قضاء دينه خير له ان شاء الله (2).
    ولو صحت هذه الروايات لما صح ما ذكره ابن الغضائري في حق ابن أبي حمزة ، انه اصل الوقف ، واشد الخلق عداوة للولي من بعد ابي إبراهيم.
    وقد قام الفاضل المعاصر الشيخ غلام رضا عرفانيان ، بتأليف رسالة في شأن الاعتبار الروائي لعلي بن ابي حمزة ، ونجله الحسن ـ شكر الله مساعيه ـ.
    والقضاء الصحيح في حق الرواة خصوصاً المشايخ منهم ، لا يتم بصرف المراجعة إلى كلمات الرجاليين ، خصوصاً رجال الكشي الذي فيه ما فيه من اللحن والخلط ، فلا بد من بذل السعي في الروايات الواردة في المجاميع الحديثية.
    هذا كله حول « علي بن ابي حمزة » ومن تتَّبع الكتب الفقهية يرى ان الاصحاب يأخذون برواياته ويعملون بها إذا لم يكن هناك معارض.
    واليك الكلام في باقي النقوض :
    3 ـ ابو جميلة المفضل بن صالح الأسدي : روى الكليني عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن ابي عبد الله ، عن صفوان بن يحيى ، عن ابي
1 ـ رجال الكشي : رقم الترجمة 310.
2 ـ التهذيب : 8 / 262 الحديث 953 ، ولا يخفى ان سؤال الحكم الشرعي عن أبي الحسن ( عليه السلام ) يعرب عن اعتقاده بإمامته وكونه كأبيه إماماً وقدوة.


(255)
جميلة ، عن حميد الصيرفي ، عن ابي عبدالله ( عليه السلام ) قال : كل بناء ليس بكفاف فهو وبال على صاحبه يوم القيامة (1).
    والمراد منه المفضل بن صالح الأسدي والّذي عده الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق ( عليه السلام ) قائلاً : « المفضل بن صالح ابو علي مولى بني اسد ، يكنى بأبي جميلة ، مات في حياة الرضا ( عليه السلام ) » (2).
    ولكن النجاشي ضعفه عندما ذكر جابر بن يزيد الجعفي ( المتوفّى عام 128 هـ ) وقال : « روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا ، منهم : عمرو بن شمر ، ومفضل بن صالح ، ومنخل بن جميل ، ويوسف بن يعقوب » (3).
    وقال العلاّمة في الخلاصة : « مفضل بن صالح ابو جميلة الأسدي النحاس مولاهم ، ضعيف كذاب ، كذاب ، يضع الحديث ، روى عن ابي عبد الله وعن ابي الحسن ( عليهما السلام ) ». (4)
    أقول : ليس لصفوان أية رواية عن المفضل في الكتب الأربعة إلا هذه الرواية (5) ومع ذلك كله فلم يثبت ضعفه ، اما ما ذكره العلاّمة فهو مأخوذ عن ابن الغضائري ، واليك نص عبارته : « المفضل بن صالح ابو جميلة الأسدي النحاس مولاهم ، ضعيف كذاب يضع الحديث ». وقد ذكرنا انه لا اعتبار بتضعيفاته وتعديلاته ، لعدم استناده فيهما إلى السماع بل إلى قراءة المتون كما مر غير مرة.
    واما ما ذكره النجاشي فمن القريب جداً ان تضعيفه لأجل الاعتقاد فيه
1 ـ الكافي : 6 / 531 كتاب الزي والتجمل ، باب النوادر ، الحديث 7.
2 ـ رجال الشيخ : 315.
3 ـ رجال النجاشي : الرقم 332.
4 ـ الخلاصة : 258.
5 ـ معجم رجال الحديث : 11 / 431.
كليات في علم الرجال ::: فهرس