مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 281 ـ 290
(281)
الأَصنامَ ) (1) ، فلم تزل ناس من ذرية إبراهيم ( عليه السلام ) على الفطرة يعبدون اللّه تبارك وتعالى ، ويدلّ عليه قوله : ( وَجَعَلَها كَلِمة باقِيةً في عَقِبهِ ) (2) فإنّ الكلمة الباقية هي كلمة التوحيد ، وعقب إبراهيم ( عليه السلام ) هم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وآله الكرام ، قال بعض الأفاضل : اللّهم حل بيننا وبين أهل الخسران والخذلان الذين يؤذون رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنسبة ما لا يليق بأبويه الكريمين الشريفين الطاهرين ـ إلى أن قال ـ : فهما ناجيان منعّمان في أعلى درجات الجنان ، وما عدا ذلك تهافت وهذيان ، لا ينبغي أن تصغي له الأُذنان ولا أن يعتني بإبطاله أُولو الشأن. (3)
    إذا وقفت على ما ذكرنا تعرف قيمة كلمة ابن حزم الأندلسي في أحكامه (4) ، حيث نسب إلى والدي النبي الأكرم ما لا يليق بساحتهما ، ويكفي في سقوط هذه الكلمة أنّ راويها وكاتبها ابن حزم الذي أجمع فقهاء عصره على تضليله والتشنيع عليه ونهي العوام عن الاقتراب منه وحكموا بإحراق كتبه. (5)
    وقال ابن خلّكان في وفياته : وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه ، فنفرت عنه القلوب ، واستهدف فقهاء وقته ، فتمالأوا على بغضه ، وردّوا قوله ، وأجمعوا على تضليله ، وشنّعوا عليه ، وحذّروا سلاطينهم من فتنته ، ونهوا عوامّهم عن الدنو إليه والأخذ عنه ، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده حتّى انتهى إلى بادية « لبلة » ، فتوفي بها آخر نهار الأحد لليلتين بقيتا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وقيل إنّه توفي في « منت ليشم » ، وهي قرية ابن حزم المذكور. وفيه قال أبو العباس ابن العريف : كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج ابن يوسف شقيقين ، وإنّما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمّة. (6)
    1 ـ إبراهيم : 35.
    2 ـ الزخرف : 28.
    3 ـ الإتحاف بحب الأشراف : 113 ـ 118.
    4 ـ الأحكام : 5/171.
    5 ـ لسان الميزان : 4/200 ، وقد عرّفه الآلوسي في تفسيره : 21/76 بالضال المضل.
    6 ـ وفيات الأعيان : 3/327 ـ 328.


(282)
إيمان النبي الأكرم قبل البعثة
    كان البحث عن إيمان عبد المطلب وسيد البطحاء ووالدي النبي ، كمقدمة للبحث عن إيمان النبي الأكرم قبل البعثة ، فإنّ إيمانه برسالته وإن كان أمراً مسلّماً وواضحاً كوضوح الشمس غير محتاج إلى الإسهاب غير أنّ إكمال البحث يجرّنا إلى أن نأتي ببعض ما ذكره التاريخ من ملامح حياته منذ صباه إلى أن بعث نبياً ، حتى يقترن ذلك الاتفاق بأصح الدلائل التاريخية ، وإليك الأقوال :
    1 ـ روى صاحب المنتقى في حديث طويل : أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما تمَّ له ثلاث سنين ، قال يوماً لوالدته ( لمرضعته ) « حليمة السعدية » : « مالي لا أرى أخوي بالنهار؟ » قالت له : يابني إنّهما يرعيان غنيمات. قال : « فما لي لا أخرج معهما؟ » قالت له : أتحب ذلك؟ قال : « نعم » ، فلمّا أصبح محمد دهنته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يماني ، فنزعه ثم قال لأُمّه : « مهلاً يا أُمّاه ، فإنّ معي من يحفظني ». (1)
    وهذه العبارة من الطفل الذي لم يتجاوز سنّه ثلاث سنين آية على أنّه كان يعيش في رعاية اللّه ، وكان له معلم غيبي « يسلك به طريق المكارم » ويلهمه ما يعجز عن إدراكه كبار الرجال آنذاك ، حيث كانت أُمّه تزعم بأنّ في الجزع اليماني مقدرة الحفظ لمن علقه على جيده ، فعلى الرغم من ذلك فقد خالفها الطفل ونزعه وطرحه ، وهذا إن دلَّ على شيء فإنّما يدل على أنّه كان بعيداً عن تلك الرسوم والأفكار ... السائدة في الجزيرة العربية.
    1 ـ المنتقى الباب الثاني من القسم الثاني للكازروني ، وقد نقله العلاّمة المجلسي في البحار : 15/392 من الطبعة الحديثة.

(283)
    2 ـ روى ابن سعد في طبقاته : أنّ بحيرا الراهب قال للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ألاّ أخبرتني عمّا أسألك؟ فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « لا تسألني باللات والعزى ، فواللّه ما أبغضت شيئاً بغضهما » ، قال : باللّه إلاّ أخبرتني عمّا أسألك عنه؟ قال : « سلني عمّا بدا لك ... ». (1)
    3 ـ روى ابن سعد في طبقاته : عند ذكر خروج النبي إلى الشام للتجارة بأموال خديجة مع غلامها « ميسرة » : إنّ محمداً باع سلعته فوقع بينه ورجل تلاح ، فقال له الرجل : احلف باللات والعزى ، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « ما حلفت بهما قط ، وانّي لأمرُّ فأعرض عنهما » فقال الرجل : القول قولك ، ثم قال لميسرة : يا ميسرة هذا واللّه نبي. (2)
    وممّا يشهد على توحيده أنّه لم ير قط مائلاً عن الحق ، ساجداً لوثن أو متوسّلاً به ، بل كان يتحنّث في كل سنة في غار حراء في بعض الشهور ، فوافاه جبرئيل ( عليه الصلاة والسلام ) في بعض تلك المواقف وبشّره بالرسالة وخلع عليه كساء النبوة.
    وهذه الوقائع التاريخية أصدق دليل على إيمانه ، ولأجل اتفاق المسلمين على ذلك نطوي بساط البحث ونركّزه على بيان الشريعة التي كان عليها قبل بعثته ، وهذا هو الذي بحث عنه المتكلمون والأُصوليون بإسهاب.

الشريعة التي كان يعمل بها النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
    اختلف الباحثون في أنّ النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هل كان متعبّداً بشرع قبل بعثته
    1 ـ الطبقات الكبرى : 1/154; السيرة النبوية : 1/182.
    2 ـ الطبقات الكبرى : 1/156.


(284)
أو لا ؟ على أقوال نلفت نظر القارئ إليها :
    1 ـ لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً. نسب ذلك إلى أبي الحسن البصري.
    2 ـ التوقف وعدم الجنوح إلى واحد من الأقوال. ذهب إليه القاضي عبد الجبار والغزالي ، وهو خيرة السيد المرتضى في ذريعته.
    3 ـ إنّه كان يتعبّد بشريعة من قبله مردّدة بين كونها شريعة نوح أو إبراهيم أو موسى ، أو المسيح بن مريم ( عليهم السلام ).
    4 ـ كان يتعبّد بما ثبت أنّه شرع.
    5 ـ كان يعمل في عباداته وطاعته بما يوحى إليه سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم لا.
    6 ـ انّه كان يعمل بشرع نفسه.
    والأخير هو الظاهر من الشيخ الطوسي في عدته قال : عندنا أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن متعبداً بشريعة من تقدّمه من الأنبياء لا قبل النبوة ولا بعدها ، وانّ جميع ما تعبّد به كان شرعاً له ، ويقول أصحابنا : إنّه كان قبل البعثة يوحى إليه بأشياء تخصه ، وكان يعمل بالوحي لا اتّباعاً بشريعة. (1)
    وما ذكره أخيراً ينطبق على القول السادس ، والأقوال الثلاثة الأخيرة متقاربة ، وإليك دراستها واحداً بعد آخر ببيان مقدمة :
    1 ـ راجع للوقوف على الأقوال : الذريعة : 2/595 ، وذكر أقوالاً ثلاثة; وعدّة الشيخ الطوسي : 2/60 ، وذكر الأقوال مسهبة; البحار : 18/271 ، ونقل الأقوال عن شرح العلاّمة لمختصر الحاجبي; والمعارج للمحقّق الحلي : 60; المبادئ للعلاّمة الحلي : 30; القوانين للمحقّق القمّي : 1/494.

(285)
نظرة إجمالية على حياته
    إنّ من أطلّ النظر على حياته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقف على أنّه كان يعبد اللّه سبحانه ويعتكف بـ « حراء » كل سنة شهراً ، ولم يكن اعتكافه مجرّد تفكير في جلاله وجماله وآياته وآثاره ، بل كان مع ذلك متعبداً للّه قانتاً له ، وقد نزل الوحي عليه وخلع عليه ثوب الرسالة وهو متحنث (1) بـ « حرّاء » ، وذلك مما اتفق عليه أهل السير والتاريخ.
    قال ابن هشام : كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجاور ذلك الشهر من كل سنة ، يطعم من جاءه من المساكين ، فإذا قضى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جواره من شهره ذلك ، كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف من جواره ، الكعبة ، قبل أن يدخل بيته ، فيطوف بها سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته ، حتى إذا كان الشهر الذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثه اللّه تعالى فيها; وذلك الشهر شهر رمضان ، خرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه فيها برسالته ، ورَحِمَ العبادَ بها ، جاءه جبريلُ ( عليه السلام ) بأمر اللّه تعالى. (2)
    ولم تكن عبادته منحصرة بالاعتكاف أو الطواف حول البيت بعد الفراغ منه ، بل دلت الروايات المتضافرة عن أئمّة أهل البيت على أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حج عشرين حجة مستسراً. (3)
    1 ـ التحنث : هو التحنف ، بدّلت الفاء ( ثاء ) ، كما يقال ( جدف ) مكان جدث ، بمعنى القبر ، وربّما يقال : بأنّه بمعنى الخروج عن الحنث بمعنى الاثم ، كما أنّ التأثم هو الخروج عن الإثم ، والأوّل هو الأولى.
    2 ـ السيرة النبوية : 1/236.
    3 ـ الوسائل : 8/87 باب 45 ، استحباب تكرار الحج والعمرة; البحار : 11/280.


(286)
    روى غياث بن إبراهيم ، عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « لم يحج النبي بعد قدوم المدينة إلاّ واحدة ، وقد حج بمكة مع قومه حجّات ». (1)
    ولم تكن أعماله الفردية أو الاجتماعية منحصرة في المستقلات العقلية ، كالاجتناب عن البغي والظلم وكالتحنن على اليتيم والعطف على المسكين ، بل كان في فترة من حياته راعياً للغنم ، وفي فترات أُخرى ضارباً في الأرض للتجارة ، ولم يكن في القيام بهذه الأعمال في غنى عن شرع يطبق أعماله عليه ، إذ لم يكن البيع والربا والخل والخمر ولا المذكّى وغيره عنده سواسية ، وليست هذه الأُمور ونظائرها مما يستقل العقل بأحكامها.
    فطبيعة الحال تقتضي أن يكون ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عارفاً بأحكام عباداته وطاعاته ، واقفاً على حرام أفعاله وحلالها ، في زواجه ونكاحه في حلّه وترحاله ، ولولاه أشرف على اقتراف ما حرّمه اللّه سبحانه في عامّة شرائعه ، والاقتراف أو الدنو منه يناقض أهداف البعثة ، فإنّها لا تتحقّق إلاّ بعمله قبل بعثته بما سوف يدعو إليه بعد بعثته.
    وعلى ضوء هذه المقدمة يبطل القول الأوّل من أنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً ، لما عرفت من أنّ العبادة والطاعة لا تصح إلاّ بعد معرفة حدودها وخصوصيّاتها عن طريق الشرع ، كما أنّ الاجتناب عن محارم اللّه في العقود والإيقاعات وسائر ما يرجع إلى أعماله وأفعاله الفردية والاجتماعية ، يتوقف على معرفة الحلال والحرام ، حتى يتخذه مقياساً في مقام العمل ، وعند ذاك كيف يصح القول بأنّه لم يكن متعبّداً بشرع أصلاً؟ وإلاّ يلزم أن ننكر عباداته وطاعاته قبل
    1 ـ الوسائل : 8/88 باب 45 ، استحباب تكرار الحج والعمرة ، الحديث 4.

(287)
البعثة أو نرميه باقتراف الكبائر في تلك الفترة ، وهو يضاد عصمته قبل البعثة كما يضاد أهدافها.
    قال العلاّمة المجلسي : قد ورد في أخبار كثيرة أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يطوف وأنّه كان يعبد اللّه في حراء ، وأنّه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره ، وكيف يجوّز ذو مسكة من العقل ، على اللّه تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة؟! والمكابرة في ذلك سفسطة ، فلا يخلو إمّا أن يكون عاملاً بشريعة مختصة به أوحى اللّه إليه بها ، وهو المطلوب ، أو عاملاً بشريعة غيره. (1)
    نعم روى أحمد في مسنده ، عن سعيد بن زيد قال : كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمكة هو وزيد بن حارثة ، فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نفيل فدعوه إلى سفرة لهما ، فقال يابن أخي إنّي لا آكل مما ذبح على النصب ، قال : فما رؤي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد ذلك أكل شيئاً مما ذبح على النصب ، قال : قلت لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ أبي كان كما قد رأيت وبلغك ، ولو أدركك لآمن بك واتبعك فاستغفر له؟ قال : نعم ، فاستغفر له فإنّه يبعث يوم القيامة أُمَّة واحدة. (2)
    نحن لا نعلق على هذا الحديث شيئاً سوى أنّه يستلزم أن يكون زيد أعرف بأحكام اللّه تعالى من النبي الأكرم ، الذي كان بمقربة من البعث إلى هداية الأُمّة ، أضف إليه أنّ الحديث مروي عن طريق سعيد بن زيد الذي يَدّعي فيه شرفاً لأبيه ، وفي الوقت نفسه نقصاً للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ). ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفَواهِهِم ) (3).
    هذا كلّه حول القول الأوّل.
    1 ـ البحار : 18/280.
    2 ـ مسند أحمد : 1/189 ـ 190.
    3 ـ الكهف : 5.


(288)
نظرية التوقف في تعبّده
    أمّا الثاني : أعني التوقف ، فقد ذهب إليه المرتضى ، واستدل على مختاره بقوله : والذي يدل عليه أنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه اللّه تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي ، ولا يمتنع أن يعلم اللّه تعالى أنّه لا مصلحة للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل نبوته في العبادة بشيء من الشرائع ، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في ذلك مصلحة ، وإذا كان كل واحد من الأمرين جائزاً ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف. (1)
    وما ذكره محتمل في حد نفسه ، ولكنّه مدفوع بما في الأخبار والآثار من عبادته واعتكافه ، وقد عرفت أنّه كان يتعبد للّه ، وكانت له أعمال فردية واجتماعية تحتاج إلى أن تكون وفق شريعة ما.

نظرية عمله بالشرائع السابقة
    وهذا هو القول الثالث بشقوقه الأربعة : فيتصوّر على وجهين :
    الأوّل : أن يعمل على طبق أحد الشرائع الأربع تابعاً لصاحبها ومقتدياً به بوجه يعد أنّه من أُمّته; وهذا الشق مردود من جهات :
    أ. انّ هذا يتوقف على ثبوت عموم رسالات أصحاب هذه الشرائع ، وهو غير ثابت ، وقد أوضحنا حالها في الجزء الثالث من موسوعة مفاهيم القرآن. (2)
    ب. انّ العمل بهذه الشرائع فرع الاطّلاع عليها ، وهو إمّا أن يكون حاصلاً
    1 ـ الذريعة : 2/596.
    2 ـ لاحظ الجزء الثالث : 77 ـ 116.


(289)
من طريق الوحي ، فعندئذ يكون عاملاً بشريعة من تقدم ولا يكون تابعاً لصاحبها ومقتدياً به ، وإن كان عاملاً بالشريعة التي نزلت قبله ، وهذا نظير أنبياء بني إسرائيل فقد كانوا مأمورين بالحكم على طبق التوراة مع أنّهم لم يكونوا من أُمّة موسى قال سبحانه : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) (1) ، وإلى هذا الشق يشير المرتضى بقوله : إنّه غير ممتنع أن يوجب اللّه تعالى عليه بعض ما قامت الحجة من بعض الشرائع المتقدّمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع.
    وإمّا أن يكون حاصلاً من طريق مخالطة أهل الكتاب وعلمائهم وهذا مما لا تصدّقه حياته إذ لم يكن مخالطاً لهم ولم يتعلم منهم شيئاً ولم يسألهم.
    يقول العلاّمة المجلسي : لو كان متعبّداً بشرع لكان طريقه إلى ذلك إمّا الوحي أو النقل ، ويلزم من الأوّل أن يكون شرعاً له لا شرعاً لغيره ، ومن الثاني التعويل على اليهود ، وهو باطل (2).
    ج. انّ العمل بشريعة من قبله ما سوى المسيح بن مريم ، يستلزم أن يكون عاملاً بالشرائع المنسوخة فهو أشدّ فساداً ، فكيف يجوز العمل بشريعة نسخت؟
    قال الشيخ الطوسي : فإن قالوا : كان متعبّداً بشريعة موسى ، فإنَّ ذلك فاسد حيث إنّ شريعته كانت منسوخة بشريعة عيسى ، وإن قالوا : كان متعبّداً بشريعة عيسى فهو أيضاً فاسد ، لأنّ شريعته قد انقطعت واندرس نقلها ولم تتصل كاتصال نقل المعجزة ، وإذا لم تتصل لم يصح أن يعمل بها. (3)
    1 ـ المائدة : 44.
    2 ـ البحار : 18/276.
    3 ـ عدة الأُصول : 2/61.


(290)
    أضف إلى ذلك أنّه لم يثبت أنّ عيسى جاء بأحكام كثيرة ، بل الظاهر أنّه جاء لتحليل بعض ما حرّم في شريعة موسى ( عليه السلام ) قال سبحانه : ( وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَة مِن رَبِّكُم فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَطِيعُونِ ) (1) ، فلو كان النبي عاملاً بشريعة عيسى ففي الحقيقة يكون عاملاً بشريعة موسى المعدّلة بما جاء به عيسى.
    د. اتفقت الآثار على كونه أفضل الخلق واقتداء الفاضل بالمفضول غير صحيح عقلاً ، قال الشيخ الطوسي : إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من جميع الأنبياء ولا يجوز أن يؤمر الفاضل باتّباع المفضول ، ولم يخص أحد تفضيله على سائر الأنبياء ، بوقت دون وقت ، فيجب أن يكون أفضل في جميع الأوقات.
    وهذه الوجوه وإن كان بعضها غير خال من الإشكال لكن الجميع يزيّف القول بأنّه كان يعمل بشريعة من قبله.
    وأمّا دليل من قال بهذا القول فضعيف جداً حيث قال : كيف يصح أن يقال : انّه لم يكن متعبداً بشريعة من تقدّم مع أنّه كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر ويذكّي ويأكل المذكّى ويركب البهائم؟ (2)
    وفيه أوّلاً : انّ بعض ما ذكره يعد من المستقلات العقلية ، فتكفي فيه هداية العقل ودلالته.
    وثانياً : انّ الدليل أعم من المدّعى ، لأنّ عمله كما يمكن أن يكون مستنداً إلى شريعة من قبله ، يمكن أن يكون مستنداً إلى الوحي إليه ، لا اتّباعاً لشريعة ، وسوف
    1 ـ آل عمران : 50.
    2 ـ الذريعة : 2/596; العدة : 60 ـ 61.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس