مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 291 ـ 300
(291)
يوافيك أنّه كان يوحى إليه قبل أن يتشرّف بمقام الرسالة وأنّ نبوّته كانت متقدّمة على رسالته ، وأنّ جبريل نزل إليه بالرسالة عندما بلغ الأربعين ، والاستدلال مبني على أنّ نبوّته ورسالته كانتا في زمان واحد ، وهو غير صحيح كما سيأتي.
    وعلى هذا الوجه الصحيح لا نحتاج إلى الإجابة عن الاستدلال بما تكلّف به المرتضى في ذريعته ، والطوسي في عدّته.
    قال الأوّل : لم يثبت عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قبل النبوّة حج أو اعتمر ، وبالتظنّي لا يثبت مثل ذلك ، ولم يثبت أيضاً أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تولّى التذكية بيده ، وقد قيل أيضاً : إنّه لو ثبت أنّه ذكّى بيده ، لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت ، « أن يستعان بالغير في الذكاة » (1) فذكّى على سبيل المعونة لغيره ، وأكل اللحم المذكّى لا شبهة في أنّه غير موقوف على الشرع ، لأنّه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل ، وركوب البهائم والحمل عليها ، يحسن عقلاً إذا وقع التكفّل بما يحتاج إليه من علف وغيره ، ولم يثبت أنّه ( عليه السلام ) فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله. (2)
    وقريب منه ما في عدّة الشيخ الطوسي. (3)
    ولا يخفى أنّ بعض ما ذكره وإن كان صحيحاً ، لكن إنكار حجه واعتماره وعبادته في حرّاء واتجاره الذي يتوقف الصحيح منه على معرفة الحلال والحرام ، ممّا لا يمكن إنكاره ، فلا محيص عن معرفته بالمقاييس الصحيحة في هذه الموارد ، إمّا من عند نفسه ، أو من ناحية الاتّباع لشريعة غيره.
    1 ـ يريد أنّ من أحكام الشريعة السابقة أن يستعين الرجل في تذكية الحيوان بالغير ـ وعلى ذلك ـ فالنبي ذكّى نيابة عن الغير ، ولأجله ولم يذكّ لنفسه.
    2 ـ الذريعة : 2/597 ـ 598.
    3 ـ عدة الأُصول : 2/63.


(292)
الوجوه الأخيرة الثلاثة المتقاربة
    إذا تبيّن عدم صحة هذه الأقوال الثلاثة تثبت الوجوه الأخيرة التي يقرب بعضها من بعض ، ويجمع الكل إنّه كان يعمل حسب ما يلهم ويوحى إليه ، سواء أكان مطابقاً لشرع من قبله أم مخالفاً ، وانّ هاديه وقائده منذ صباه إلى أن بعث هو نفس هاديه بعد البعثة.
    ويدل على ذلك وجوه :
    1 ـ ما أُثر عن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أنّه من لدن كان فطيماً كان مؤيداً بأعظم ملك يعلّمه مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ، وهذه مرتبة من مراتب النبوّة وإن لم تكن معها رسالة.
    قال ( عليه السلام ) : « ولقد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ». (1)
    إنّا مهما جهلنا بشيء ، فلا يصح لنا أن نجهل بأنّ النبوة منصب إلهي لا يتحمّلها إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس ، ولا يقوم بأعبائها إلاّ من عمّر قلبه بالإيمان ، وزوّد بالخلوص والصفاء ، وغمره الطهر والقداسة وأُعطى مقدرة روحية عظيمة ، لا يتهيب حينما يتمثل له رسول ربّه وأمين وحيه ، ولا تأخذه الضراعة والخوف عند سماع كلامه ووحيه ، وتلك المقدرة لا تفاض من اللّه على عبد إلاّ أن يكون في رعاية ملك كريم من ملائكته سبحانه ، يرشده إلى معالم الهداية ومدارج الكمال ، ويصونه من صباه إلى شبابه ، وإلى كهولته عن كل سوء وزلة. وهذا هو السرّ في وقوعه تحت كفالة أكبر ملك من ملائكته حتى تستعد نفسه لقبول
    1 ـ نهج البلاغة : 2/82 ، من خطبة تسمّى القاصعة 187 ، طبعة عبده.

(293)
الوحي ، وتتحمل القول الثقيل الذي سيلقى عليه.
    2 ـ ما رواه عروة بن الزبير عن عائشة أُمّ المؤمنين أنّها قالت : أوّل ما بُدئ به رسول اللّه من الوحي ، الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبّب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنَّث فيه ، ـ وهو التعبّد ـ الليالي ذوات العدد ، قبل أن يَنزعَ إلى أهله ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها حتى جاءه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ. (1)
    3 ـ روى الكليني بسند صحيح عن الأحول قال : سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن الرسول والنبي والمحدّث قال : « الرسول الذي يأتيه جبرئيل قبلاً ... وأمّا النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ( عليه السلام ) ، ونحو ما كان رأى رسول اللّه من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل من عند اللّه بالرسالة ». (2)
    وهذه المأثورات تثبت بوضوح أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل أن يُبعث ، كان تحت كفالة أكبر ملك من ملائكة اللّه ، يرى في المنام ويسمع الصوت ، قبل أن يبلغ الأربعين سنة ، فلمّا بلغها بُشّ ـ ر بالرسالة ، وكلّمه الملك معاينة ونزل عليه القرآن ، وكان يعبد اللّه قبل ذلك بصنوف العبادات ، إمّا موافقاً لما سيؤمر به بعد تبليغه ، أو مطابقاً لشريعة إبراهيم أو غيره ، ممن تقدمه من الأنبياء ، لا على وجه كونه تابعاً لهم وعاملاً بشريعتهم ، بل بموافقة ما أُوحي إليه مع شريعة من تقدّم عليه.
    ثم إنّ العلاّمة المجلسي استدل على هذا القول بوجه آخر ، وهو : انّ يحيى وعيسى كانا نبيّين وهما صغيران ، وقد ورد في أخبار كثيرة انّ اللّه لم يعط نبيّاً فضيلة
    1 ـ صحيح البخاري : 1/3 ، باب بدء الوحي إلى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ; السيرة النبوية : 1/234 ـ 236.
    2 ـ الكافي : 1/176.


(294)
ولا كرامة ولا معجزة إلاّ وقد أعطاها نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكيف جاز أن يكون عيسى ( عليه السلام ) في المهد نبياً ولم يكن نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أربعين سنة نبياً؟! (1)
    قال سبحانه حاكياً عن المسيح : ( قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَّاً ) (2) ، وقال سبحانه مخاطباً ليحيى : ( يَا يَحْيََى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) (3).
    ولازم ذلك أنّ النبي قبل بعثته في صباه أو بعد ما أكمل اللّه عقله كان نبياً مؤيداً بروح القدس يكلّمه الملك ، ويسمع الصوت ويرى في المنام.
    وإنّما بُعث إلى الناس بعد ما بلغ أربعين سنة ، وعند ذاك كلّمه الملك معاينة ونزل عليه القرآن وأُمر بالتبليغ.
    ويؤيد ذلك ما رواه الجمهور عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من أنّه كان نبياً وآدم بين الروح والجسد. (4)
    هذا كلّه راجع إلى حاله قبل بعثته ، وأمّا بعدها فنأتي بمجمل القول فيه :

حاله بعد البعثة
    قد عرفت حال النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل بعثته ، فهلمّ معي ندرس حاله بعدها ،
    1 ـ البحار : 18/279.
    2 ـ مريم : 30 ـ 31.
    3 ـ مريم : 12.
    4 ـ نقل العلاّمة الأميني مصادره عن عدة من الكتب ، وذكر انّ للحديث عدّة ألفاظ من طرق شتى. لاحظ الجزء 9/287.


(295)
وقد اختلفوا فيه أيضاً على قولين :
    فمن قائل : إنّه كان يتعبّد بشرع من قبله.
    ومن قائل آخر ينفيه بتاتاً.
    وقد بسط الكلام في هذا المقام السيد المرتضى في « ذريعته » وتلميذه الجليل في « عدّته » فاختارا القول الثاني وأوضحا برهانه. (1)
    غير انّ ـ ي أرى البحث في ذلك عديم الفائدة ، لأنّ المسلمين اتفقوا على أنّه بعد البعثة ، ما كان يقول إلاّ ما يوحى إليه ، ولا يصدر عنه شيء إلاّ عن هذا الطريق ، فإذا كان الواجب علينا اقتفاء أمره ونهيه ، والعمل بالوحي الذي نزل عليه ، فأي فائدة في البحث عن أنّه هل كان ما يأمر به وينهى عنه ، صدر عن التعبّد بشريعة من قبله ، أو صدر عن شريعته؟ إذ الواجب علينا الأخذ بما أتى به ، بأي لون وشكل كان ، وفي ذلك يقول المحقّق الحلّي : إنّ هذا الخلاف عديم الفائدة ، لأنّا لا نشك أنّ جميع ما أتى به لم يكن نقلاً عن الأنبياء ، بل عن اللّه تعالى بإحدى الطرق الثلاث التي أُشير إليها في قوله سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِه مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (2).
    فإذا كان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يصدر عنه شيء إلاّ عن طريق الوحي ، فلا تترتب على البحث أيّة فائدة ، فسواء أكان متعبداً بشرع من قبله أم لم يكن ، فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يأمر ولا ينهى إلاّ بإذنه سبحانه. (3)
    1 ـ الذريعة : 2/598; العدة : 2/61.
    2 ـ الشورى : 51.
    3 ـ لاحظ المعارج : 65 ، بتوضيح منّا.


(296)
    قال سبحانه : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) ، وقال عزّ من قائل : ( كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (2) ، وقال تعالى : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (3) ، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل بوضوح على أنّ كل ما يأمر وينهي ، مستند إلى الوحي منه سبحانه إليه ، سواء أمره بالأخذ من الشرع السابق أم أمره بما يماثله أو يخالفه.
    أضف إلى ذلك إنّه إذا لم يجز له التعبد بالشرع السابق قبل البعثة بالدلائل السابقة لم يجز له أيضاً بعدها.
    نعم هناك بحث آخر وهو حجية شرع من قبلنا للمستنبط إذا لم يجد في الشريعة المحمدية دليلاً على حكم موضوع خاص ، فهل يجوز أن يعمل بالحكمالثابت في الشرائع السماوية السالفة ما لم يثبت خلافه في شرعنا أملا؟
    فهذه مسألة أُصولية طرحها الأُصوليون في كتبهم قديماً وجديداً ، فاستدل القائلون بالجواز بالآيات التالية :
    1 ـ ( فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (4).
    2 ـ ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) (5).
    3 ـ ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً ) (6).
    1 ـ النجم : 3 ـ 4.
    2 ـ الشورى : 3.
    3 ـ الأحقاف : 9.
    4 ـ الأنعام : 90.
    5 ـ النحل : 123.
    6 ـ الشورى : 13.


(297)
    4 ـ ( إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ) (1).
    ولكن الكلام في دلالة هذه الآيات على ما يتبنّاه هؤلاء وهي غير واضحة ، وقد بسط المحقق الكلام في دلالة الآيات في أُصوله ، (2) ونقله العلاّمة المجلسي في « بحاره » (3) ، ونحن نحيل القارئ الكريم إلى مظانّه.

الآيات التي وقعت ذريعة لبعض المخطّئة
    هذا حال النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل البعثة ، وحال أجداده وآبائه وبعض أعمامه ، وقد خرجنا من هذا البحث الضافي بهذه النتائج :
    1 ـ انّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد ولد في بيت كان يسوده التوحيد وقد ترعرع وشب واكتهل في أحضان رجال لم يتخلّفوا عن الدين الحنيف قيد شعرة.
    2 ـ انّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منذ نعومة أظفاره كان تحت رعاية أكبر ملك من ملائكته سبحانه فيلهم ويوحى إليه قبل أن يبلغ الأربعين ، ويخلع عليه ثوب الرسالة.
    3 ـ انّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان مؤمناً باللّه ، وموحداً له ، يعبده ، ولا يعبد غيره ، ويتقرّب إليه بالطاعات والقربات ، ويتجنب المعاصي والمآثم.
    هذه هي الحقيقة الملموسة من حياته يقف عليها من سبر تاريخ حياته بإمعان ، وقد مرّ أنّ هناك آيات وقعت ذريعة لبعض المخطّئة لعصمته ، فدخلت لأجلها في أذهانهم شبهات في إيمانه وهدايته قبل البعثة.
    1 ـ المائدة : 44.
    2 ـ معارج الأُصول : 157.
    3 ـ البحار : 18/276 ـ 277.


(298)
    وهؤلاء بدل أن يفسروا الآيات على غرار التاريخ المسلّم من حياته ، أو يسلّطوا الضوء عليها بما تضافرت الأخبار والروايات عليه ، عكسوا الأمر فرفضوا التاريخ المسلّم الصحيح والروايات المتضافرة اغتراراً ببعض الظواهر مع أنّها تهدف إلى مقاصد أُخر تتضح من البحث الآتي ، وإليك هذه الآيات :
    1 ـ ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى ) (1).
    2 ـ ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) (2).
    3 ـ ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحَاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ) (3).
    4 ـ ( وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) (4).
    5 ـ ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ).
    وقد استدلت ال (5) مخطّئة بهذه الآيات على مدّعاها ، بل على زعم سلب الإيمان عنه قبل أن يبعث ، لكنّها لا تدل على ما يريدون ولأجل تسليط الضوء على مقاصدها نبحث عنها واحدة بعد واحدة.
    1 ـ الضحى : 6 ـ 7.
    2 ـ المدثر : 4 ـ 5.
    3 ـ الشورى : 52.
    4 ـ القصص : 86.
    5 ـ يونس : 16.


(299)
الآية الأُولى : الهداية بعد الضلالة؟
    إنّ قوله سبحانه : ( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى ) هل يتضمن هدايته بعد الضلالة؟
     وقد ذكر المفسرون للآية عدّة احتمالات أنهاها الرازي في تفسيره إلى ثمانية ، لكن أكثرها من مخترعات الذهن ، لأجل الإجابة عن استدلال الخصم على كونه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان ضالاً قبل البعثة ، غير مؤمن ولا موحد ، فهداه اللّه سبحانه ، ولكن الحق في الجواب أن يقال :
    إنّ الضال يستعمل في عرف اللغة في موارد :
    1. الضال : من الضلالة : ضد الهداية والرشاد.
    2. الضال : من ضل البعير : إذا لم يعرف مكانه.
    3. الضال : من ضل الشيء : إذا ضؤل وخفي ذكره.
    وتفسير الضال بأيّ واحد من هذه المعاني لا يثبت ما تدّعيه المخطّئة سواء أجعلناها معاني مختلفة جوهراً وشكلاً ، أم جعلناها معنى واحداً جوهراً ومختلفاً شكلاً وصورة ، فإنّ ذلك لا يؤثر فيما نرتئيه ، وإليك توضيحه :
    أمّا المعنى الأوّل : فهو المقصود من تلك اللفظة في كثير من الآيات ، قال سبحانه : ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) (1) ، لكن الضلالة بمعنى ضد الهداية والرشاد يتصور على قسمين :
    قسم : تكون الضلالة فيه وصفاً وجودياً ، وحالة واقعية كامنة في النفس ،
    1 ـ الحمد : 7.

(300)
توجب منقصتها وظلمتها ، كالكافر والمشرك والفاسق ، والضلالة في هاتيك الأفراد صفة وجودية تكمن في نفوسهم ، وتتزايد حسب استمرار الإنسان في الكفر والشرك والعصيان والتجرّي على المولى سبحانه ، قال اللّه سبحانه : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمْا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (1).
    فإنّ لازدياد الإثم بالجوارح تأثيراً في زيادة الكفر ، وقد وصف سبحانه بعض الأعمال بأنّها زيادة في الكفر قال سبحانه : ( إِنَّما النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (2).
    وقسم منه : تكون الضلالة فيه أمراً عدمياً ، بمعنى كون النفس فاقدة للرشاد غير مالكة له ، وعندئذ يكون الإنسان ضالاً بمعنى أنّه غير واجد للهداية من عند نفسه ، وفي الوقت نفسه لا تكمن فيه صفة وجودية مثل ما تكمن في نفس المشرك والعاصي ، وهذا كالطفل الذي أشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير من الشر ، والصلاح من الفساد ، والسعادة من الشقاء ، فهو آنذاك ضال ، لكن بالمعنى الثاني ، أي غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبيل الحياة ، لا ضال بالمعنى الأوّل بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في روحه.
    إذا عرفت ذلك ، فاعلم : أنّه لو كان المراد من الضال في الآية ، ما يخالف الهداية والرشاد فهي تهدف إلى القسم الثاني منه لا الأوّل : بشهادة أنّ الآية بصدد توصيف النعم التي أفاضها اللّه سبحانه على نبيّه يوم افتقد أباه ثم أُمّه فصار يتيماً لا ملجأ له ولا مأوى ، فآواه وأكرمه ، بجدّه عبد المطلب ثم بعمّه أبي طالب ، وكان
    1 ـ آل عمران : 178.
    2 ـ التوبة : 37.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس