مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: 451 ـ 460
(451)
أنزل الله والكتاب عزيز فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقاً ليس من كان مؤمناً عرف سوف يدعى الوليد بعد قليل فعلي يجزى بذاك جناناً في علي وفي الوليد قرآنا وعلي مبوّأ إيمانا الله كمن كان فاسقاً خوّانا وعلي إلى الحساب عيانا ووليد يجزى بذاك هوانا (1)
    أفهل يمكن لباحث حر ، التصديق بما ذكره ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر وفي مقدمتهم أبو زرعة الرازي الّذي هاجم المتفحّصين المحقّقين في أحوال الصحابة واتّهمهم بالزندقة.
     8. المسلمون غير المؤمنين
    إنّ القرآن يعد جماعة من الأعراب الذين رأوا النبي وشاهدوه وتكلّموا معه ، مسلمين غير مؤمنين وانّهم بعد لم يدخل الإيمان في قلوبهم قال سبحانه : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (2).
    أفهل يصح عد عصابة غير مؤمنين من العدول الأتقياء؟!
     9. المؤلّفة قلوبهم
    اتفق الفقهاء على أنّ المؤلّفة قلوبهم ممّن تصرف عليهم الصدقات ، قال
    1 ـ تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 115 ; « كفاية » الگنجي : 55 ; مطالب السؤول : 20 ; شرح النهج : 2 / 103 ، الطبعة القديمة; جمهرة الخطب : 2 / 23 ; لاحظ الغدير : 2 / 42.
    2 ـ الحجرات : 14.


(452)
سبحانه : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (1).
    والمراد من ( وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) : الذين كانوا في صدر الإسلام ممّن يظهرون الإسلام ، يتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم ، وهناك أقوال أُخرى فيهم متقاربة ، والكل يهدف إلى الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلاّ بالعطاء. (2)
     10. المولّون أمام الكفّار
    إنّ التولّي عن الجهاد والفرار منه ، من الكبائر الموبقة الّتي ندّد بها سبحانه بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) (3).
    إنّ التحذير من التولّي والفرار من الزحف ، والحثّ على الصمود أمام العدو ، لم يصدر من القرآن إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي في غزوة « أُحد » و « حنين ».
    أمّا الأوّل ، فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد ، قال : ثم أنّبهم بالفرار عن نبيّهم وهم يدعون ، لايعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال :
    1 ـ التوبة : 60.
    2 ـ تفسير القرطبي : 8 / 187. لاحظ المغني لابن قدامة : 2 / 556.
    3 ـ الأنفال : 15 ـ 16.


(453)
    ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُم ).
    وأمّا الثاني : فقد قال ابن هشام فيه أيضاً : فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من جفاة أهل مكة ، الهزيمة ، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة بن حنبل : ألا بطل السحر اليوم ... . (1)
    أفبعد هذا يصح أن يعد جميع الصحابة بحجة أنّهم رأوا نور النبوة عدولاً أتقياء؟!
    قال القرطبي في « تفسيره » قد فرّ الناس يوم « أُحد » وعفا الله عنهم ، وقال الله فيهم يوم حنين : ( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) ثم ذكر فرار عدة من أصحاب النبي من بعض السرايا. (2)
    هذا الإمام الواقدي يرسم لنا تولّي الصحابة منهزمين ويقول : فقالت أُم الحارث فمر بي عمر بن الخطاب ، فقالت أُم الحارث : يا عمر ما هذا؟ فقال عمر : « أمر الله » ، وجعلت أُم الحارث تقول : يا رسول الله من جاوز بعيري فاقتله. (3)
    هذه هي الأصناف العشرة من صحابة النبي ممّن لا يمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى ، أتينا بها في هذه العجالة مضافاً إلى الأصناف المضادة لها ، ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء
    1 ـ سيرة ابن هشام : 3 / 114 و 4 / 444. ولاحظ التفاسير.
    2 ـ تفسير القرطبي : 7 / 383.
    3 ـ مغازي الواقدي : 3 / 904. انّ تعليل الفرار عن الزحف بقضاء الله كتعليل عباد الأوثان شركهم به كما في قوله سبحانه حاكياً عن المشركين : ( لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَ لاَ آبَاؤُنَا ) ( الأنعام : 148 ) وتلزم من ذلك تبرئة العصاة والكفّار ، لأنّ أعمالهم كلّها بقضاء منه.


(454)
وغيرها من الآيات القرآنية ، فترى فيها أنّ الإيمان بعدالة الصحابة مطلقاً خطأ في القول ، وزلة في الرأي ، يضاد نصوص الذكر الحكيم ، ولم يكن الصحابة إلاّ كسائر الناس ، فيهم صالح تقي بلغ القمة في التقى والنزاهة ، وفيهم طالح شقي سقط إلى هوة الشقاء والدناءة ، ولكن الّذي يميّز الصحابة عن غيرهم انّهم رأوا نور النبوة وتشرّفوا بصحبة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأُمّ أعينهم ، ولأجل ذلك تحمّلوا مسؤولية كبيرة أمام الله وأمام رسوله وأمام الأجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم ، فإنّهم ليسوا كسائر الناس فزيغهم وميلهم عن الحق أشد لا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم ، وقد قال سبحانه في حق أزواج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( يَا نِسَاءَ النَّبي لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ ) (1) ، فلو انحرف هؤلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور ، ولمسوا الحقيقة ، وشتان الفرق بينهم وبين غيرهم.

الصحابة في السنّة النبوية
    إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد انّ أصحابها أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة ، إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم ، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر ستراً لمثالبهم ، وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحيحه في باب الفتن ، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض ، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطّلع القارئ على قضاء السنّة حول صحابة النبي الأكرم.
    روى أبو حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أنا فرطكم على
    1 ـ الأحزاب : 32.

(455)
الحوض من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم ... » قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدّثهم بهذا الحديث فقال : هكذا سمعت سهلاً يقول؟ فقلت : نعم. قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول : « إنّهم مني » ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : « سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي ». أخرجه البخاري ومسلم. (1)
    وظاهر الحديث أنّ المراد بقرينة « بدّل بعدي » أصحابه الذين عاصروه وصحبوه وكانوا معه مدة ثم مضوا.
    روى البخاري ومسلم أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال من أُمّتي ـ فيحلؤون عن الحوض ، فاقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ». (2)
    ثم قال : وللبخاري : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : « بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، فقلت : أين؟ فقال : إلى النار والله ، فقلت : ما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة أُخرى حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمّ ، قلت : إلى أين؟ قال : إلى الناروالله ، قلت : ما شأنهم؟ قال : إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم ، فلاأراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم ». (3)
    1 ـ جامع الأُصول : 11 / 120 ، الحديث 7972 ، كتاب الحوض في ورود الناس عليه. و « الفرط » : المتقدّم قومه إلى الماء ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال رجل فرط وقوم فرط.
    2 ـ جامع الأُصول : 11 / 120 ، الحديث 7973.
    3 ـ جامع الأُصول : 11 / 121. و « همل النعم » كناية عن أنّ الناجي عدد قليل.
    وقد اكتفينا من الكثير بالقليل ، ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره ، فليرجع إلى « جامع الأُصول ».


(456)
    وظاهر الحديث بقرينة « حتّى إذا عرفتهم » وقوله : « ارتدوا على أدبارهم القهقرى » أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه هم الذين يرتدون بعده.

الصحابة والتاريخ المتواتر
    كيف يمكن عد الصحابة جميعاً عدولاً والتاريخ بين أيدينا نرى أنّ بعضهم ظهر عليه الفسق في حياة النبي وبعدها كوليد بن عقبة.
    أمّا ظهور الفسق في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : فقد عرفت نزول الآية في حقّه.
    وأمّا ظهوره بعدها : فقد روى أصحاب السير والتاريخ أنّ الوليد بن عقبة أيام ولايته بالكوفة شرب الخمر ، وقام ليصلّي بالناس صلاة الفجر ، فصلّى أربع ركعات وكان يقول في ركوعه وسجوده : اشربي واسقني ، ثم قام في المحراب ، ثم سلم وقال : هل أزيدكم ، إلى آخر ما ذكروه. (1)
    وبعضهم ظهرت عليه سمة الارتداد عندما بدت علائم الهزيمة عند المسلمين فقال : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. (2) وقال الآخر : ألابطل السحر اليوم. (3)
    وهذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يخاطب ذي الخويصرة عندما قال للنبي في تقسيم غنائم حنين : اعدل بقوله : « ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ » ثم قال : « فانّه يكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ». (4)
    1 ـ الكامل : 2 / 42 ; أُسد الغابة : 5 / 91 وغيرهما.
    وقد أقام الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) عليه الحد في خلافة عثمان بإصرار من الناس وإلحاح منهم لئلاً تتعطّل الحدود.
    2 ـ سيرة ابن هشام : 4 / 86 ، والقائل أبو سفيان.
    3 ـ سيرة ابن هشام : 4 / 86 ، والقائل كَلَدة ابن الحنبل ، فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك.
    4 ـ سيرة ابن هشام : 4 / 139.


(457)
    وهذا أبو سفيان يضرب برجله قبر حمزة ( عليه السلام ) ويقول : إنّ الملك الّذي كنّا نتنازع عليه أصبح اليوم بيد صبياننا. (1)
    وهذا أبو سفيان عندما بويع عثمان ، دخل إليه بنو أبيه حتّى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان : أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا : لا ، قال : يا بني أُمية تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا جنة ولانار ولا بعث ولا قيامة. (2)
    أفهل بعد كلمات الردة الخبيثة هذه يصح لمسلم أن يعد هؤلاء وأمثالهم من صنف العدول وطبقة الصالحين ويعد جرحهم إبطالاً للكتاب والسنّة وتضعيفاً لشهود المسلمين؟!!

آراء الصحابة بعضهم حول بعض
    النظرة العابرة إلى تاريخ الصحابة تقضي بأنّ بعضهم كان يتهم الآخر بالنفاق والكذب ، كما أنّ بعضهم يقاتل بعضاً ، ويقود جيشاً لمحاربته ، فقتل بين ذلك جماعة كثيرة ، أفهل يمكن تبرير أعمالهم من الشاتم والمشتوم ، والقاتل والمقتول ، عدولاً ومثل للفضل والفضيلة ، وإليك نزراً يسيراً من تاريخهم ممّا حفظته يد النقل غفلة عن المبادئ العامة لأصحاب الحديث :
    1. روى البخاري مشاجرة سعد بن معاذ مع سعد بن عبادة سيد الخزرج في قضية الإفك ، قال : قام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاستعدا يومئذ من عبد الله ابن أُبي وهو على المنبر فقال : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في
    1 ـ قاموس الرجال : 10 / 89 ، نقلاً عن الشرح الحديدي.
    2 ـ الشرح الحديدي : 9 / 53 ، نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.


(458)
أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما يدخل على أهلي إلاّ معي » فقام سعد بن معاذ أُخو بني عبد الأشهل فقال : أنا يا رسول الله أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ، ففعلنا أمرك ، فقام رجل من الخزرج ـ وهو سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد : كذبت لعمر الله لاتقتله ولاتقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ، فقام أسيد بن حضير ـ وهو ابن عم سعد ـ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنّه ، فانّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان : الأوس والخزرج حتّى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتّى سكتوا وسكت. (1)
    اقرأ فاقض ، فإنّ هؤلاء يتهم بعضهم بعضاً بالكذب والنفاق ، ونحن نعتبرهم عدولاً صلحاء ، والإنسان على نفسه بصيرة.
    2. انّ الحروب الدائرة بين الصحابة أنفسهم وحتّى الثورة الّتي أقامها أصحاب النبي ومن اتّبعهم على عثمان بن عفان وجرّت إلى قتله أفضل دليل على أنّه لا يصحّ تعريف الصحابة وتوصيفهم بالعدالة والتقوى ، إذ كيف يصحّ أن يكون القاتل والمقتول على الحق والعدالة.
    وهذا هو طلحة وهذا الزبير قد جهّزا جيشاً جرّاراً لحرب الإمام علي ( عليه السلام ) وأعانتهما أُمّ المؤمنين ، فَقُتلت جماعة كثيرة بين ذلك ، فهل يمكن تعديل كل هذه الجماعة حتّى الباغين على الإمام المفترض الطاعة بالنص أوّلاً ، وبيعة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثانياً؟!
    
    1 ـ صحيح البخاري : 5 / 151 ـ 152 ، في تفسير سورة النور.

(459)
    وهذا معاوية بن أبي سفيان يعد من الصحابة وقد صنع بالإسلام والمسلمين ما قد صنع ممّا هو مشهور في التاريخ ، ومن ذلك انّه حارب الإمام علياً عليه الصلاة والسلام في صفين ، وكان مع علي كل من بقي من البدريين وهم قريب من مائة شخص ، فهل من حارب هؤلاء الصحابة جميعاً بما فيهم سيد الصحابة علي ( عليه السلام ) يعد من أهل الفضل والصلاح والعدالة؟! فاقض ما أنت قاض.
    نقل صاحب المنار : إنّه قال أحد علماء الألمان في « الاستانة » لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة : إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا « برلين » ، قيل له : لماذا؟ قال : لأنّه هو الّذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب ( الملك لمن غلب ) ولولا ذلك ، لعم الإسلام العالم كله ، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوربا عرباً مسلمين. (1)
    هذا خال المؤمنين الّذي يترحّم عليه خطباء الجمعة والجماعة ، فكيف حال غيره؟! أضف إليه ما له من الموبقات والمهلكات ممّا لا يمكن لأحد إنكاره ، والاعتذار منه في تبرير أعماله القاسية باجتهاده في ما ناء به وباء بإثمه من حروب دامية وإزهاق نفوس بريئة تعد بالآلاف المؤلفة ليس إلاّ ضلالة وخداعاً للعقل ، فإنّه اجتهاد على خلاف الله وضد رسوله ، وإلاّ يصحّ أن يعد جميع المناوئين للإسلام مجتهدين في صدر الإسلام ومؤخّره.
    هذا مجمل القول في هذا الأصل الّذي اتّخذه أصحاب الحديث أصلاً من أُصول الإسلام ، ثم أدخله الأشعري في الأُصول الّتي يتبنّاها أكثر أهل السنّة والجماعة.
    1 ـ تفسير المنار : 11 / 269 ، في تفسير سورة يونس.

(460)
التعذير التافه أو أُسطورة الاجتهاد
    وما أتفه قول من يريد تبرير عمل هؤلاء بالاجتهاد ، وأنّهم كانوا مجتهدين في أعمالهم وأفعالهم ، أهل يصحّ تبرير عمل القتل والفتك والخروج على الإمام المفترضة طاعته ، بالاجتهاد؟! ولو صحّ هذا الاجتهاد ( ولن يصحّ أبداً ) لصح من كل من خالف الحق وحالف الباطل من اليهود والنصارى وغيرهم من الطغام اللئام.
    أيّ قيمة للاجتهاد في قبال النص وصريح السنّة النبوية وإجماع الأُمّة. أيّ قيمة للاجتهاد الّذي أباح دماء المسلمين ودمر كيانهم وشق عصاهم وفكك عرى وحدته ، أيّ ، أيّ ، أيّ؟!!
    إنّ القائلين بعدالة الصحابة يتمسكون بما يروون عن النبي أنّه قال : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. (1) غير أنّ متن الحديث يكذب صدوره عن النبي ، إذ ليس كل نجم هادياً للإنسان في البر والبحر ، بل هناك نجوم خاصة موجبة للاهتداء ، ولأجل ذلك قال سبحانه : ( وَعَلاَمَات وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (2).
    ولم يقل « وبالنجوم يهتدون » ، ولو كان كل نجم هادياً للضال لكان الأنسب الإتيان بصيغة الجمع ، ولو افترضنا صحة الاهتداء بكل نجم في السماء ، أهل يمكن أن يكون كل صحابي نجمأً لامعاً في سماء الحياة ، هادياً للأُمّة؟!!
    هذا قدامة بن مظعون صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن
    1 ـ جامع الأُصول : 9 / 410 ، الحديث 6359 ، كتاب الفضائل.
    2 ـ النحل : 16.
مفاهيم القرآن ـ جلد الخامس ::: فهرس