مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: 151 ـ 160
(151)
    الفصل الثالث عشر
القسم في سورة الطارق
     حلف سبحانه بأمرين : بالسماء والطارق ، ثمّ فسر الطارق بالنجم الثاقب ، حلف بهما بغية دعوة الناس إلى الاِذعان بأنّ لكلّ نفس حافظ.
     قال سبحانه : ( وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثاقِبُ * إِنْكُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظ ). (1)
     أمّا السماء فقد مرّ البحث فيه ، والطارق من الطرق ويسمّى السبيل طريقاً ، لأنّه يطرق بالأرجل أي يضرب ، لكن خصّ في العرف بالآتي ليلاً ، فقيل انّه طرق أهله طروقاً ، وعبر عن النجم بالطارق لاختصاص ظهوره بالليل.
     النجم الثاقب والثاقب الشيء الذي يثقب بنوره وإصابته مايقع عليه ، قال سبحانه : ( فأتْبَعهُ شِهابٌ ثاقِب ). (2)
     ( إِنْكُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظ ) فلفظة ( لما ) بمعنى إلاّ نظير قوله سبحانه : ( وإنَّ كُلاً لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعمالَهُم ) (3) ونظيره قولك : « سألتك باللّه لما فعلت ».
1 ـ الطارق : 1 ـ 4.
2 ـ الصافات : 10.
3 ـ هود : 111.


(152)
     والمراد من حافظ هم الموكلون على كتابة أعمال الاِنسان حسنها وسيئها ، يحاسب عليها يوم القيامة ويجزى بها فالحافظ هو الملك والمحفوظ هو العمل ، قال تعالى : ( وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظينَ * كِراماً كاتِبين * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُون ) (1) ويحتمل أن يراد من حافظ هو القوة الحافظة للاِنسان من الموت وفساد البدن ولعلّه إليه يرشد قوله سبحانه : ( وَهُوَ القاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَة ). (2)
     والقوى الظاهرية والمادية والمعنوية التي هي من جنود ربنا والتي وكّلت لحفظ الاِنسان من الشر إلى أن ينقضي عمره ، هم الحفظة ، ولكن المعنى الأوّل هو الأنسب.
     بقي هنا أمران :
     الأوّل : انّ المراد من النجم الثاقب هو كوكب زحل ، فانّه من أبعد النجوم في مجموعتنا الشمسية التي يمكن روَيتها بالعين المجردة وقيل لزحل عشرة أقمار يمكن روَية ثمانية منها بالناظور العادي.
     ولا يمكن روَية الآخرين إلاّ بالنواظير الكبيرة ، والظاهر انّ المراد مطلق النجم الذي يثقب ضوءه وإن كان زحل من أظهر مصاديقه.
     وأمّا المقسم عليه فهو قوله : ( إِنْ كُلّ نَفْسٍ لَمّا عَليها حافِظ ).
     وأمّا الصلة بينهما بالنحو التالي :
     هو انّ السماء العالية والنجوم التي تتحرك في مدارات منظمة دليل النظم والحساب الدقيق ، فليعلم الاِنسان بأنّ أعماله أيضاً تخضع للحساب الدقيق ، فانّ
1 ـ الانفطار : 10 ـ 12.
2 ـ الأنعام : 61.


(153)
هناك من يحفظ أعماله ويسجّلها إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشر ، وانّها لمسوَولية عظيمة يحملها الاِنسان ، إذ ما من أحد إلاّ وهو مراقب ، تكتب عليه كلّ أعماله من المهد إلى اللحد ، فليس من شيء يضيع في هذه الدنيا أبداً. هذا إذا قلنا بأنّ المراد من حافظ هو حافظ الأعمال ، وأمّا إذا فسرت من يحفظ الاِنسان من الحوادث والمهالك ، فالصلة بالنحو التالي :
     وهو انّ للنفوس رقيباً يحفظها ويدبر شوَونها في جميع أطوار وجودها حتى ينتهي أجلها ، كما أنّ للسماء مدبراً لشوَونها بما تحتويه من أنظمة رائعة ومعقدة ، فالفضاء الكوني فسيح جداً تتحرك فيه كواكب لا حصر لها ، بسرعة خارقة ، بعضها يواصل رحلته وحده ، ومنها أزواج تسير مثنى مثنى ، ومنها ما يتحرك في شكل مجموعات ، والكواكب على كثرتها يواصل كلّ واحد منها سفره على بُعد عظيم يفصله عن الكواكب الأُخرى.
     إنّ هذا الكون يتألف من مجموعات كثيرة من الكواكب والنجوم تسمّى مجاميع النجوم ، وكلّها تتحرك دائماً وتدور في نظام رائع.
     ومع هذا الدوران تجري حركة أُخرى وهي انّ هذا الكون يتسع من كلّ جوانبه ، كالبالون المتخذ من المطاط ، وجميع النجوم تبتعد في كلّ ثانية بسرعة فائقة عن مكانها ، هذه الحركة المدهشة تحدث طبقاً لنظام وقواعد محكمة بحيث لا يصطدم بعضها ببعض ولا يحدث اختلاف في سرعتها. (1)
1 ـ الاِسلام يتحدى : 58.

(154)
    الفصل الرابع عشر
القسم في سورة الفجر
     حلف سبحانه في سورة الفجر بأُمور خمسة :
     1. الفجر ، 2. ليال عشر ، 3. الشفع ، 4. الوتر ، 5. الليل إذا يسر
     وقال : ( وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ * واللَّيلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْر ). (1)

    تفسير الآيات
     اختلف المفسرون في تفسير هذه الأقسام إلى أقوال كثيرة ، غير انّ تفسير القرآن بالقرآن يدفعنا إلى أن نفسره بما ورد في سائر الآيات.
     أمّا الفجر : فهو في اللغة ، كما قال الراغب : شق الشيء شقاً ، قال سبحانه : ( وَفَجَّرنا الأَرض عُيُوناً ) وقال : ( وَفجّرنا خلالها نَهْراً ) ومنه قيل للصبح ، الفجر لكونه يفجر الليل ، وقد استعمل الفجر بصورة المصدر في فجر الليل ، قال : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيل وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (2)
    . ، وقال سبحانه : ( حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ
1 ـ الفجر : 1 ـ 5.
2 ـ الاِسراء : 78.


(155)
أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيل ) (1) وقال سبحانه : ( سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر (2) ).
     وعلى ضوء هذا فلو كان اللام للجنس ، فهو محمول على مطلق الفجر ، أعني : انفجار الصبح الصادق ، وإن كان مشيراً إلى فجر ليل خاص فهو يتبع القرينة ، ولعلّ المراد فجر الليلة العاشرة من ذي الحجة الحرام.
     ( وليال عشر ) فقد اختلف المفسرون في تفسير الليالي العشر ، فذكروا احتمالات ليس لها دليل.
     أ : الليالي العشر من أوّل ذي الحجة إلى عاشرها ، والتنكير للتفخيم.
     ب : الليالي العشر من أوّل شهر محرم الحرام.
     ج : العشر الأواخر من شهر رمضان وكلّ محتمل ، ولعل الأوّل أرجح.
     وأمّا الشفع : فهو لغة ضمّ الشيء إلى مثله ، فلو قيل للزوج شفع ، لأجل انّه يضم إليه مثله ، والمراد منه هو الزوج بقرينة قوله والوتر ، وقد اختلفت كلمتهم فيما هو المراد من الشفع والوتر.
     1. الشفع هو يوم النفر ، والوتر يوم عرفة وإنّما أقسم اللّه بهما لشرفهما.
     2. الشفع يومان بعد النحر ، والوتر هو اليوم الثالث.
     3. الوتر ما كان وتراً من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعاً منها.
     إلى غير ذلك من الأقوال التي أنهاها الرازي إلى عشرين وجهاً ، ويحتمل أن يكون المراد من الوتر هو اللّه سبحانه ، والشفع سائر الموجودات.
1 ـ البقرة : 187.
2 ـ القدر : 5.


(156)
     ( وَاللّيل إذا يَسر ) : أمّا الليل فمعلوم ، وأمّا قوله يسر ، فهو من سرى يسري فحذف الياء لأجل توحيد فواصل الآيات ، ويستعمل الفعل في السير في الليل ، كما في قوله سبحانه : ( سُبْحانَ الّذي أَسرى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرامِ إِلى الْمَسْجِدِ الأَقصى ) (1) ، فالليل ظرف والساري غيره ، ولكن الآية نسبت الفعل إلى نفس الليل فكأنّ الليل موجود حقيقي له سير نحو الأمام فهو يسير إلى جانب النور ، فاللّه سبحانه حلف بالظلام المتحرك الذي سينجلي إلى نور النهار.
     مضافاً إلى ما في الليل من عظائم البركات التي لا تقوم الحياة إلاّبها.
     هذا ما يرجع إلى مجموع الآية ونعود إلى الآيات بشكل آخر ، فنقول : امّا الفجر فقد حلف به سبحانه بصورة أُخرى أيضاً ، وقال : ( وَالصُّبح إِذا أَسْفَرَ ) (2)
     وقال تبارك وتعالى : ( وَالصُّبح إِذا تَنَفَّس (3) ) ، والمراد من الجميع واحد ، فإنّ إسفار الصبح في الآية الأُولى هو طلوع الفجر الصادق ، فكأنّ الصبح كان مستوراً بظلام الليل ، فهو رفع الستار وأظهر وجهه ، ولذلك استخدم كلمة أسفر يقال : أسفرت المرأة : إذا رفع حجابها.
     ويعود سبب تعاقب الليل والنهار إلى دوران الأرض حول الشمس ، فبسبب كرويّتها لا تضيىَ الشمس سائر جهاتها في آن واحد بل تضيىَ نصفها فقط ويبقى النصف الآخر مظلماً حتى يحاذي الشمس بدوران الأرض فيأخذ حظه من الاستنارة ، وتتم الأرض هذه الدورة في أربعة وعشرين ساعة.
     كما أنّ المراد من الآية الثانية أعني : ( والصبح إِذا تَنَفَّس ) هو انتشار نوره ،
1 ـ الاِسراء : 1.
2 ـ المدثر : 34.
3 ـ التكوير : 18



(157)
فعبّر عنه بالتنفّس ، فكأنّه موجود حي يبث ما في نفسه إلى الخارج ، أمّا عظمة الفجر فواضحة ، لأنّ الحياة رهن النور ، وطلوع الفجر يثير بارقة الأمل في القلوب حيث تقوم كافة الكائنات الحية إلى العمل وطلب الرزق.
     وأمّا الليالي العشر فهي عبارة عن الليالي التي تنزل فيها بركاته سبحانه إلى العباد ، سواء فسرت بالليالي العشر الأُولى من ذي الحجّة أو الليالي العشر من آخر شهر رمضان. فالليل من نعمه سبحانه حيث جعله سكناً ولباساً للاِنسان وقال : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ) (1) كما جعله سكناً للكائنات الحية حيث ينفضون عن أنفسهم التعب والوصب ، قال سبحانه : ( فالِقُ الاِِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً ). (2)
     وأمّا الشفع والوتر ، فقد جاء مبهماً وليس في القرآن ما يفسر به فينطبق على كلّ شفع ووتر ، وبمعنى آخر يمكن أن يراد منه صحيفة الوجود من وتره كاللّه سبحانه وشفعه كسائر الموجودات.
     وأمّا قوله : ( واللَّيل إِذا يسر ) أقسم بالليل إذا يمضي ظلامه ، فلو دام الليل دون أن ينجلي لزالت الحياة ، يقول سبحانه : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ان جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْل سَرْمداً إِلى يَومِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضياءٍ أَفَلا تسْمَعُون ). (3)
     فتبين مما سبق منزلة المقسم به في هذه الآيات وانّها تتمتع بالكرامة والعظمة. وأمّا المقسم عليه فيحتمل وجهين :
     أحدهما : انّه عبارة عن قوله سبحانه : ( إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد ). (4)
1 ـ النبأ : 10.
2 ـ الأنعام : 96.
3 ـ القصص : 71.
4 ـ الفجر : 14.


(158)
     ثانيهما : انّ المقسم عليه محذوف يعلم من الآيات التي أعقبت هذه الاقسام ، قال سبحانه : ( أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِماد * التّي لَمْ يُخْلَق مِثْلُها فِي البِلاد * وَثَمُودَ الّذِينَ جابُوا الصَّخرَ بِالواد * وَفرْعَونَ ذِي الأَوتاد * الَّذينَ طَغَوْا فِي البِلاد * فَأَكْثَروا فِيهَا الفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوطَ عَذابٍ * إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد ). (1)
     فالمفهوم من هذه الآيات انّه سبحانه حلف بهذه الأقسام بغية الاِيعاد بأنّه يعذب الكافرين والطاغين والعصاة كما عذب قوم عاد وثمود ، فالاِنسان العاقل يعتبر بما جرى على الأُمم الغابرة من إهلاك وتدمير.
     أمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فهو : انّ من كان ذا لبٍّ ، علم أنّ ما أقسم اللّه به من هذه الأشياء فيه دلائل على قدرته وحكمته ، فهو قادر على أن يكون بالمرصاد لأعمال عباده فلا يعزب عنه أحد ولا يفوته شيء من أعمالهم لأنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم خصوصاً بالنظر إلى ما أدَّب به قوم عاد وثمود مع ما كان لهم من القوة والمنعة.
1 ـ الفجر : 6 ـ 14.

(159)
    الفصل الخامس عشر
القسم في سورة البلد
     حلف سبحانه في سورة البلد بأُمور أربعة : البلد ، و من حلّ فيه ، ووالد ، وما ولد ، وقد حلف بالثاني كناية وبما سواه تصريحاً ، قال سبحانه : ( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا البَلَدِ * وَوالِدٍ وَما وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسان في كَبَد ). (1)

    تفسير الآيات
     حلف فيها سبحانه بمكة المكرمة كما حلف بالنبي « صلى الله عليه وآله وسلم » الحالِّ فيها ، ومقتضى التناسب بين الأقسام أن يكون المراد من الوالد والولد ، هو إبراهيم وإسماعيل اللذان بنيا البيت ، ودعا إبراهيم كلّراكب وراحل إلى زيارته.
     أمّا الحلف الأوّل فواضح ، لأنّ البيت مركز للتوحيد ولعبادة اللّه سبحانه ، وهو مطاف أنبياء اللّه العظام وأوليائه ، فقد بلغ من المكانة مرتبة صلح أن يحلف به سبحانه ، كيف وقد قال سبحانه في حق البيت : ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلَّذي بِبَكَةَ مُباركاً وهُدًى لِلْعالَمين ). (2)
     قال سبحانه : ( وَإِذْجَعَلْنَا الْبَيْت مثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً ) (3) وقال : ( جَعَلَ اللّهُ
1 ـ البلد : 1 ـ 4.
2 ـ آل عمران : 96.
3 ـ البقرة : 125.


(160)
الْكَعْبَة الْبَيْتَ الحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ ) (1) فلو حلف بالبلد ، فإنّما لأجل احتضانه أشرف بيوت اللّه ، ويزيد على شرفه انّ النبي الخاتم ، قطين هذا البلد ، ونزيله ، فزاده شرفاً على شرف ، والحل هو الساكن.
     وبذلك يعلم أنّ ذكره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا النحو هو في الواقع حلف ضمنيّ به.
     وهذا التفسير مبني على أنّ المراد من الحلِّ هو نزول النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » بهذا البلد ، ولكن ربما يفسر بالمستحلّ ، أي من استحلت حرمته وهتكت كرامته ، وعند ذلك ينقلب معنى الآية إلى شيء آخر ، ويكون معناها هو : لا أُقسم بهذا البلد المقدّس حال انّك مهتوك الحرمة والكرامة ، ويكون توبيخاً وتقريعاً لكفّار قريش حيث إنّهم يحترمون البلد ، ولا يحترمون من حلَّ فيه أشرف الخليقة.
     وعلى ذلك فيكون « لا » في ( لا أُقسمُ ) بمعنى النفي لا الزيادة ، ولا بمعنى نفي شيء آخر على ما قدمناه في تفسير سورة الواقعة.
     يقول الزمخشري : أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أنّ الاِنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق والشدائد ، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله : ( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا الْبَلَد ) يعني : ومن المكابدة أنّ مثلك على عظم حرمتك يُستحل بهذا البلد الحرام ، كما يُستحلّ الصيد في غير الحرم ، عن شرحبيل يحرّمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت من رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم في عداوته. (2)
     وقال الطبرسي : معناه لا أقسم بهذا البلد وأنت حلّ فيه منتهك الحرمة
1 ـ المائدة : 97.
2 ـ الكشاف : 3/338.
مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: فهرس