مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: 161 ـ 170
(161)
مستباح العرض لا تحترم ، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك ، قال وهو المروي عن أبي مسلم كما روي عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمداً فيه ، فقال : لا أُقسم بهذا البلد وأنت حلّ بهذا البلد يريد انّهم استحلوك فكذبوك وشتموك ، وكان لا يأخذ الرجل منهم قاتل أبيه فيه ويتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليده إيّاه فاستحلوا من رسول اللّه ما لم يستحلوا من غيره فعاب اللّه ذلك عليهم. (1)
     ثمّ حلف بوالد وما ولد وللمفسرين في تفسيره أقوال أوضحها بأنّ الوالد هو إبراهيم الخليل والولد إسماعيل الذبيح وهذا يتناسب مع القسم بمكة ، لأنّ الوالد والولد هما رفعا قواعد البيت.
     وأمّا تفسيرها بآدم وذريته ، أو آدم والأنبياء ، أو آدم وكلّ من ولد عبر القرون تفسير بعيد.
     هذا كلّه حول القسم ، وأمّا المقسم عليه ، فقوله سبحانه : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسانَ في كَبَد ). (2)
     والكبد في اللغة شدّة الأمر ومنه تكبد البلد إذا غلظ واشتد ، ومنه الكبد للاِنسان ، لأنّه دم يغلظ ويشتد ، وتكبّد البلد : إذا صار كالكبد ، ومعنى الآية واضح ، فانّ الاِنسان منذ خلق إلى أن أدرج في أكفانه لم يزل يكابد أمراً فأمراً ، فمن حمله وولادته ورضاعه وفطامه وشبابه وكماله وهرمه كلّ ذلك محفوف بالتعب والوصب ، يقول الشاعر :
1 ـ مجمع البيان : 5/493.
2 ـ البلد : 4.


(162)
يا خاطب الدنيا الدَّنيّ دارٌ متى ما أضحكت وإذا أظلَّ سحابها غاراتُها ما تنقضى ـة إنّها شَرَكُ الرَّدى في يومها أبكت غدا لم ينتقع منه صدى وأسيرها لا يُفتدى (1)
     ويرثي التهامي ولده في قصيدة معروفة مبتدئاً بوصف الدنيا ، ويقول :
حكم المنية في البرية جار بينا يُرى الاِنسان فيها مخبراً طُبعتْ على كدر وأنت تريدها ومكلِّف الأيام ضدَّ طباعها وإذا رجوت المستحيل فإنّما فالعيش نوم والمنية يقظة ما هذه الدنيا بدار قرار حتى يرى خبراً من الاخبار صفوا من الاقدار والاكدار متطلب في الماء جذوةَ نار تبني الرجاء على شفير هار والمرء بينهما خيال سار (2)

1 ـ مقامات الحريري : 225 ، المقامة الثالثة والعشرون الشعرية.
2 ـ شهداء الفضيلة : 26.


(163)
     رحم اللّه شيخنا الوالد آية اللّه الشيخ محمد حسين السبحاني ( 1299 ـ 1392 هـ ) فقد كان في أواخر أيام عمره طريح الفراش فزارته ابنته « فاطمة » وكنت أرافقها فسألناه عن حاله فأنشدَ بيتاً من لامية العجم للطغرائي وقال :
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها فهل سمعت بظل غير منتقل
     أمّا الكلام حول الدنيا ومصاعبها وما احتضنت من التعب والوصب ، فيكفي في ذلك قراءة خطب الاِمام أمير الموَمنين ( عليه السلام ) ، ننقل منها هذه الشذرات :
     « أمّا بعد ، فإنّي أُحذركم الدنيا ، فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات ، وتحبّبت بالعاجلة. وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لا تدوم حبرتها ، ولا توَمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو ـ إذا تناهت إلى أُمنية أهل الرغبة فيها والرضاء ( الرضى ) بها ـ أن تكون كما قال اللّه تعالى سبحانه : ( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْض فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذروهُ الرياح وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتدراً ) (1) لم يكن امروٌَ ومنها في حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق في سرّائها بطناً ، إلاّمنحته من ضرّائها ظهراً.
     (2) ُاًوقال ( عليه السلام ) في خطبة أُخرى :
     « ألا وإنّ الدنيا قد تصرَّمت ، وآذنت بانقضاء ، وتنكَّر معروفها ، وأدبرت حذّاء ، فهي تحفز بالفناء سكّانها ( ساكنيها ) ، وتحدو بالموت جيرانها ، وقد أمرّ فيها ما كان حلواً ، وكدر منها ما كان صفواً ، فلم يبق ( تبق ) منها إلاّسملة كسملة الاِداوة أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع. فأزمعوا عباد اللّه الرحيل عن
1 ـ الكهف : 45.
2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة : 111.


(164)
هذه الدار المقدور على أهلها الزّوال ، ولا يغلبنّكم فيها الأمل ، ولا يطولنّ عليكم فيها الأمد ». (1)
     يقول العلاّمة الطباطبائي : فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلاّخالصة في طيبها ، محضة في هنائها ، ولا ينال شيئاً منها إلاّ مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة ، مضافاً إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان. (2)
     وربّما ينظر الاِنسان إلى من هو فوقه لا سيما الذين يتمتعون بالغنى والرفاه ، فيخطر على باله أنّ حياة هوَلاء غيرمشوبة بالكد والتعب ، ولكنّ هذا التصوّر غير صائب إذ أنّ تعبهم وكدَّهم أكثر بمراتب من الذين هم دونهم.
     وأمّا الصلة بين المقسم به ( والد وما ولد ) والمقسم عليه ( لقد خلقنا الاِنسان في كبد ) ، واضحة ، إذ لم تزل حياة إبراهيم وولده مقرونة بالتعب والوصب ، إذ ولد وقد أمضى صباه في الغاب خوفاً من بطش الجهاز الحاكم ، وبعد ما خرج منها وله من العمر 13 سنة أخذ يكافح الوثنيين وعبّاد الأجرام السماوية ، إلى ان حكم عليه بالرمي في النار والاِحراق ، فنجّاه اللّه سبحانه ، فلم يجد بداً من مغادرة الوطن والهجرة إلى فلسطين ولم يزل بها حتى أُمر بإيداع زوجه وابنه في بيداء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع ، يحكي سبحانه تلك الحالة عن لسان إبراهيم ( عليه السلام ) ويقول : ( رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيْر ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ). (3)
1 ـ نهج البلاغة ، الخطبة : 52.
2 ـ الميزان : 20/291.
3 ـ إبراهيم : 37.


(165)
    الفصل السادس عشر
القسم في سورة الشمس
     حلف سبحانه تبارك و تعالى في سورة الشمس إحدى عشرة مرّة بتسعة أشياء. (1)
     1. الشمس ، 2. ضحى الشمس ، 3. القمر ، 4. النهار ، 5. الليل ، 6. السماء ، 7. وما بناها ، 8. الأرض ، 9. وما طحاها ، 10. ونفس ، 11. وما سوّاها.
     وبما أنّ المراد من الموصول في الجمل الثلاث الأخيرة هو اللّه سبحانه فيكون المقسم به تسعة ، والأقسام إحدى عشرة ، قال سبحانه : ( وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَالنَّهار إِذا جَلاّها * وَاللَّيلِ إِذا يَغْشاها * وَالسَّماء وَما بَناها * وَالأَرْضِ وَما طَحاها * وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها ). (2)

    تفسير الآيات
     1 ، 2. ( الشمس وضحاها ) ، حلف بالنيّر الكبير الذي له دور هام في استقرار الحياة على الأرض وهو مصدر للنور والحرارة ، إلى غير ذلك من
1 ـ وما في تفسير الرازي من أنّه تعالى قد أقسم بسبعة أشياء غير صحيح ولعلّه أسقط قوله : ( وضحاها ) والموصول كلّه عن القسم. « انظر تفسير الفخر الرازي : 31/189 ».
2 ـ الشمس : 1 ـ 10.


(166)
المعطيات ، وهو سلطان منظومتنا ، وله حركة انتقالية وحركة وضعية ، ويعجز البيان واللسان عن بيان ماله من الأهمية ، ويكفيك هذا الأثر انّه ينتج في كلّ دقيقة 240 ميليون وحدة طاقة ، ولم تزل ترفد بهذا العطاء على الرغم من أنّ عمرها يتجاوز الخمسة آلاف ميليون سنة.
     هذه الشمس التي ما زالت أسرارها في الخفاء ، هي محور نظامنا السيّاري ومصدر حياتنا أيضاً ، هذه الشمس التي كلّ ما يكتشف عنها يزيدها غموضاً ، ولم تزح يد العلم بعد النقاب عن كلّ ما يجب أن نعلمه عن الشمس ، هذه الشمس التي تفقد أربعة ملايين طن من وزنها في الثانية من احتراقها ، ولم تزل تجدّد وزنها وحجمها ، والتي تبعث إلى العالم الخارجي طاقة تعادل خمسة آلاف بليون قنبلة ذرية في كلّ ثانية ، وهي آية من آيات الخالق ، وإن هي إلاّ آية صغيرة تزخر السماء بملايين من النجوم أضخم منها حجماً وأكبر سرعة وأكثر تألّقاً. (1)
     كما حلف بضحى الشمس ، وهو انبساط الشمس وامتداد النهار ، والأولى أن يقال الضحى هو انبساط نورها وضوئها ، فانّ لضوئها أثراً خاصاً في نشوء الحياة وبقائها والفتك بالأمراض وزوالها.
     3. ( وَالْقَمَر إِذا تَلاها ) حلف بالقمر إذا تلا الشمس في الليالي البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة منه ، وقت امتلائه أو قربه من الامتلاء حين يضيىَ الليل كلّه من غروب الشمس إلى الفجر.
     وفي الحقيقة هذا حلف بالقمر وضوئه فانّ ضوء القمر إنّما ينتشر ، إذا تلا الشمس وظهر بعد غروبها.
     وربما يقال بأنّ المراد تبعية القمر للشمس في تمام الشهر ، لأنّ نوره مأخوذ
1 ـ اللّه والعلم الحديث : 30.

(167)
من نور الشمس فهو يتبعها في جميع الأزمان ، ولكن المعنى الأوّل هو اللائح.
     4. ( وَالنّهار إِذا جَلاّها ) التجلي من الجلو بمعنى الكشف الظاهر ، يقال : أجليت القوم عن منازلهم فجلوا عنها أي أبرزتهم عنها ، وعلى ذلك فحلف سبحانه بالنهار إذا جلا الأرض وأظهرها ، والضمير يعود إلى الأرض المفهوم من سياق الآية ، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الشمس ، فانّ النهار كلّما كان أجلى ظهوراً كانت الشمس أكمل وضوحاً ، أي احلف بالنهار إذا جلّ ـ ى الشمس وأظهرها.
     ولكن المعنى الأوّل هو الظاهر ، لأنّ الشمس هي المظهرة للنهار ، دون العكس.
     5. ( وَاللَّيلِ إِذا يَغْشاها ) حلف بالليل إذا غطّى الأرض وسترها في مقابل الشمس إذاجلا الأرض وأظهرها ، وربما يتصوّر أنّ الضمير يرجع إلى الشمس ، فحلف سبحانه بالليل إذا غطّى الشمس وهو بعيد ، فانّ الليل أدون من أن يغطي الشمس وإنّما يغطي الأرض و من عليها.
     والأفعال الواردة في الآيات السابقة كلها وردت بصيغة الماضي ، ( تلاها ، جلاّها ) وإلاّ في هذه الآية فقد وردت بصورة المضارع ( يغشاها ) فما هو الوجه؟
     ذكر السيد الطباطبائي وجهاً استحسانياً وقال : والتعبير عن غشيان الليل الأرض بالمضارع بخلاف تجلية النهار لها حيث قيل : ( وَالنَّهار إذا جَلاّها * وَاللَّيل إِذا يَغْشاها ) للدلالة على الحال ، ليكون فيه إيماء إلى غشيان الفجور الأرضَ في الزمن الحاضر الذي هو أوائل ظهور الدعوة الاِسلامية. (1)
1 ـ الميزان : 20/297.

(168)
6 ، 7. ( وَالسَّماء وَمابَناها ) ، فحلف بالسماء وبانيها ، بناء على أنّ « ما » موصولة ، وليست مصدرية ، بقرينة الآية التالية حيث يحلف فيها بالنفس وخالقها ومسوِّيها ، وغلبة الاستعمال على « ما » الموصولة في غير العاقل لم يمنع من استعمالها في العاقل أيضاً ، قال سبحانه : ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ). (1)
     ولعلّ استعمال « ما » مكان « من » لأجل أنّ الخطاب كان موجهاً إلى قوم لا يعرفون اللّه بجليل صفاته ، وكان القصد منه أن ينزلوا في هذا الكون منزلة من يطلب للأثر موَثراً فينتقل من ذلك إلى معرفة اللّه تعالى ، فعبّر عن نفسه بلفظة « ما » التي هي الغاية في الاِبهام. (2)
     وفي ذكر السماء وبنيانها إلماع إلى أنّه يمتنع أن يكون رهن الصدفة ، بل لا يتحقق إلاّ بصانع حكيم قد أحكم وضعها وأجاد بناءها ، خصوصاً بناء الكواكب التي ترتبط أجزاوَها البعض بالبعض ، ولولا هذا الترابط لما كان لها تماسك.
     8 ، 9. ( وَالأَرْض وَما طَحاها ) حلف بالأرض وطاحيها والطحو كالدحو ، وهو البسط ، وإبدال الطاء من الدال جائز ، والمعنى وسَّعها.
     وقد أشار إلى وصف الأرض في آية أُخرى وقال : ( الّذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً ) (3) فحلف سبحانه بالأرض وبما جعلها لنا فراشاً.
     والأرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس وتتبعها في سيرها أينما سارت ، وهي الكوكب الخامس من حيث الحجم ، والثالث من حيث القرب من بين الكواكب التسعة التي تتكون منها المجموعة الشمسية.
1 ـ النساء : 3.
2 ـ تفسير المراغي : 30/167.
3 ـ البقرة : 22.


(169)
     والأرض تكاد تكون كرة ، إلاّ أنّها منبعجة قليلاً عند خط الاستواء ومفلطحة عند القطبين. (1)
     10 ، 11. ( وَنَفْسٍ وَما سَوّاها ) ، فالمراد من النفس هي الروح ، قال سبحانه : ( أَخْرِجُوا أَنفُسكُمْ ) (2) وقال : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما في أَنْفُسكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) (3)
     وقال : ( تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ). (4)
     فاذاً المراد من تسويتها إعطاوَها القوى الكثيرة الظاهرة والباطنة ، فتسوية النفس هو تعديل قواها من الظاهرة والباطنة ، ولو أُريد من النفس الروح والجسم فتسوية الجسم هو إيجادها بصورة متكاملة.
     وأمّا تنكير النفس ، فلأنّه أراد كلّ نفس من النفوس من دون أن يختص بنفس دون نفس ، وربما يحتمل أن يكون التنكير إشارة إلى نفس خاصة ، وهي نفس النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والمعنى الأوّل هو الأوضح بقرينة انّه أخذ يحلف بالكائنات الحيّة وغير الحيّة.
     إلى هنا تمّ بيان الحلف بأحد عشر أمراً ، وهذه الآيات تشتمل على أكثر الأقسام الواردة في القرآن الكريم.
     ثمّ إنّ بعض من ينكمش من الحلف بغير اللّه سبحانه يرى نفسه أمام هذه الآيات ، ويحس عجزاً في المنطق ، ويقول : المراد هو ربّ الشمس والقمر وهكذا ، ولكنّه غافل انّه لا يمكن تقديره في الآيتين الأخيرتين أي : ( وَالسَّماء وَما بَناها *
1 ـ اللّه والعلم الحديث : 25.
2 ـ الأنعام : 93.
3 ـ البقرة : 235.
4 ـ المائدة : 116.


(170)
وَالأَرض وما طَحاها ) إذ ينقلب معنى الآيتين أقسم بربّ السماء وربّ ما بناها أي ربّ بانيها ، وهكذا الحلف بربّ الأرض وما طحاها ، أي ربّ طاحيها.
     إلى هنا تمّ الحلف بهذه الموجودات السماوية والأرضية والحية وغير الحية.
     أخبر سبحانه بأنّه بعد ما خلق النفس وسوّاها واكتملت خلقتها ظاهراً وباطناً ، علّمها سبحانه التقوى والفجور ، وفهم من صحيح الذات ما هو الحسن والقبيح ، وقد تعلّم ذلك في منهج الفطرة ، وقد استعمل كلمة « ألهم » لأنّه بمعنى إلقاء الشيء في روع الاِنسان من دون أن يعلم الملهم من أين أتى ، والاِنسان يعلم من صميم ذاته الحسن والسيّء من دون أن يتعلّم عند أحد.
     وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية الباطنية في آيات أُخرى ، وقال : ( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين ). (1)
     ولما حلف بالموجودات السماوية والأرضية غير الحيّة والحيّة ، وانّه قد ألهم النفس الاِنسانية طرق الصلاح والفلاح ، أو طرق الشر والضلال ، أتى بجواب القسم ، وهو قوله : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها ) ، فجعل « زكاها » مقابل « دساها » فيعلم معنى الثاني من الأوّل ، فقال : ( وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها ).
     والتزكية هو التطهير من الآثام ، مقابل التدسيس ، وهي إخفاء الرذائل والذنوب.
     انّ قوله : ( دسّاها ) مشتق من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء من الشيء ، والتدسيس مصدر دسّس ، وهو من دسس يدسس تدسيساً ، ومعنى الآية فالاِنسان
1 ـ البلد : 10.
مفاهيم القرآن ـ جلد التاسع ::: فهرس