مناظرات في الامامة الجزء الرابع ::: 226 ـ 240
(226)
شيء آخر.
    ومع احترامي للعلماء من الطرفين ، إلاَّ أنني أقول : العلماء ليسوا الأمّة كلّها ، قد يكونون على رأس الأمّة الإسلاميّة ، ولكنَّ ما يبلغ الناس العاديّين عن السنّة وعن الشيعة ليس بكثير ...
    أمَّا السنّة فكثرتهم أو كثرة توالي الحقب والعصور التي تولَّوا فيها الحكم في الدول الإسلاميّة المختلفة قد مكَّن للمذهب السنّيِّ في البلاد أو في كثير من البلاد الإسلاميّة.
    الشيعة ـ كما هو معروف ـ كانوا مضطهدين في كل الحقب الإسلاميّة إلاَّ قليلا ، حتى من بني عمومتهم بني العبّاس (1) كانوا مضطهدين أشدَّ الاضطهاد. إذن الذي أريده ، والذي أرجوه ، أن تكتبوا للرجل العاديِّ المسلم ، العاديِّ الذي يشكِّل تسعة وتسعين في المئة ( 99% ) من الأمّة الإسلاميَّة ، تسعة وتسعون في المئة ( 99% ) إن لم يكن من الأمَّة الإسلاميَّة فمن السنَّة ، والسنّة تجهل كثيراً ... إذا كتبتم لهؤلاء الكتاب الميسَّر السهل الذي يستطيعون فهمه من الممكن جدّاً أن يتبيَّن لأهل السنَّة حقيقة الشيعة ، من الممكن ـ بعد هذا ـ أن تمتلأ المكتبات بكتب الشيعة.
    فقد كان لي رأي قاطع أحببت أن أسوقه ، فسقته لبعض الصحاب ، وهو أن نبدأ بتنشئة جيل جديد يعرف حقيقة الشيعة ; من الطفل الصغير ، من الصبيِّ ، من الشابِّ ، أن نقدِّم لهم كتباً ميسَّرة سهلة ، نطلعهم على حقيقة الشيعة.
    إنكم تعلمون أن كثيراً من السنّة لا يجهلون ـ فقط ـ كل شيء عنكم ، بل
1 ـ غرضه : بني عمومة أئمتهم ( عليهم السلام ).

(227)
يتهمونكم اتّهامات أنتم منها براء ، يتهمونكم ـ أحياناً ـ بالكفر ، بالخروج عن الإسلام .. هذا ما يقال ، بالخروج عن الإسلام.
    يتهمونكم ـ مثلا ـ بأنكم تقولون : إن الرسالة نزلت خطأ من السماء على محمّد ، وكان مقصوداً بها علي.
    يتهمونكم بأشياء كثيرة جدّاً ، وترون في العامّة ، بل منهم من يتهمونكم بأنكم تؤلِّهون عليّاً ( عليه السلام ).
    سمعت هذا من أناس لا أقول : إنّهم جهلاء ، بل أقول : إنهم متعلِّمون ، وبعضهم يعتبر من المثقَّفين ، ماذا عليكم لو بدأتم وكتبتم قصصاً سهلة للأطفال الصغار ... لا للرجال العظام ، أيّ مشهد من المشاهد التي تعلِّم الطفل الصغير الذي يقرأ : إن الإسلام واحد ، كما هو في السنة هو في الشيعة.
    من السهل جدّاً أن تكتب هذه ، ومن السهل جدّاً ـ في سياق الكلام القصصي والروائي البسيط الذي يغري الطفل ويستهويه ـ أن تدرس المعلومات المطلوبة عن حقيقة الشيعة ، إني أرجو هذا رجاء منكم لا من أجل نشر المذهب الشيعيِّ ، وإنما من أجل التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة ، بين المذهبين الكبيرين الذين يعتبران جناحي الإسلام ...
    إذا تمَّ هذا ففي اعتقادي أنَّه من الممكن أن يتآخى المسلمون بزيادة اقترابهم بعضهم من بعض ، وبهذا يمكن أن يقف الإسلام على قدميه مرَّة أخرى ، ولربَّما نستطيع أن نستعيد عصر الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الذي أعتبره امتداداً لعصر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والسلام عليكم (1).
1 ـ مع رجال الفكر في القاهرة ، السيد مرتضى الرضوي : 179 ـ 181.

(228)
    المناظرة الحادية والخمسون
مناظرة
السيِّد مرتضى الرضوي مع الشيخ عبد الرحيم عرابي
في أمر الصحابة وعائشة
    قال السيِّد مرتضى الرضوي : زارني الشيخ حسن زيدان على عادته ، في مقرّي الكائن بفندق ميامي ، بشارع عبد العزيز ، أمام بناية عمر أفندي وقال : إنّي كنت قد حدَّثت الأستاذ الشيخ عبد الرحيم أحمد عرابي (1) عنك ، ويطلب مقابلتك ، وهذا الشيخ عبد الرحيم من الأساتذة والعلماء والمدرِّسين بوزارة التربية والتعليم ، ففي أيِّ وقت ممكن لك تعيينه أخبره وأحضر معه ، فأخرجت له
1 ـ قال السيِّد مرتضى الرضوي : الشيخ عبد الرحيم أحمد العرابي ، المدرِّس بوزارة التربية والتعليم ، ولد بقرية عرابة أبي دوس ، محافظة سوهاج ، في : 14/3/1924 م ، دخل الأزهر عام 1938 م ، وتخرَّج عام 1953 م ، في كلّيّة اللغة العربيّة ، عيِّن مدرِّساً في وزارة التربية والتعليم عام 1950 م ، ومفتِّشاً في اللغة العربية والدين عام 1973 م ، أهم آثاره : له مجموعة من الشعر قالها في مناسبات ، كتب رسالة عنوانها : بحث عن أبي نؤاس الزاهد المفترى عليه ، له مقالات منشورة قديماً في صحيفة ( الرابطة الإسلامية ) تعرَّفت إليه في القاهرة عام 1961 م ، من علماء الأزهر الشريف ، يتحلَّى بأدب المناقشة ، وطيب القلب ، ويحبُّ أهل البيت ( عليهم السلام ) ويقدِّسهم ، يتميَّز بالتسامح الخلقي وحرية الفكر والمرونة.
    مع رجال الفكر في القاهرة ، السيد مرتضى الرضوي : 2/227.


(229)
مجموعة من مطبوعاتنا بالقاهرة ، وكتبت عليها الإهداء له ، ودفعتها بيد الشيخ حسن زيدان على أن يوصلها إليه ، فأعطاه الكتب ، وبعد أيام جاءني الشيخ حسن وقال : إن الأستاذ الشيخ عبد الرحيم عرابي مشتاق إلى زيارتك ، ففي أيِّ وقت نحضر ، فأجبته : في الليلة القادمة بعد العشاء ، وجاء بصحبته الشيخ حسن زيدان في الموعد المحدَّد ، حيث إنه كان المعرِّف له ، وبعد أن جلسنا واستقرَّ بهما المكان توجَّه نحوي الأستاذ الشيخ عبد الرحيم وقال : هل أنكم تسبُّون الصحابة ؟
    فقلت : ليست هذه مسألة ـ على حدِّ تعبيركم ـ مما هو مسؤول عنه الشيعة ، ولا هو محسوب عليها ، ولا هو منبثق عنها ، بل يا ترى ماذا تؤدّي إليه هذه النصوص ، والحقائق التاريخية التي جاء بها أوثق المصادر ، بل وجاء بها الكتاب والسنّة ، وأعظم رجال المسلمين وأقدمهم.
    فهل تنكر حضرتك ما ورد عن النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : من آذى شعرة مني فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله (1) ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها (2) ؟
    وقال ابن قتيبة : قال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ، فإنّا قد أغضبناها (3) ، أليس هذا إحساس منهما بأنَّهما قد أغضباها وآذياها ؟ (4) ، قال الله
1 ـ تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 54/308 ، الجامع الصغير ، السيوطي : 2/547 ح 8267 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 12/95 ح 34154 ، فيض القدير ، المناوي : 6/24 ح 8267.
2 ـ راجع : الأمالي ، المفيد : 95 ، الأمالي ، الطوسي : 427 ح 11 ، كنز العمال المتقي الهندي : 2/111 ح 34237 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 2/56 ح 32 و 72 ح 24.
3 ـ الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : 1/31 وقد تقدَّم هذا النصُّ في الجزء الأول : 196.
4 ـ فقد روى أصحاب السنن أن فاطمة ( عليها السلام ) ماتت وهي غضبى على أبي بكر ، روى البخاري ، عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن فاطمة ( عليها السلام ) ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : لا نورِّث ، ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفِّيت.
    راجع : صحيح البخاري : 4/42 ، مسند أحمد بن حنبل : 1/6 ، السنن الكبرى ، البيهقي : 6/300 ، الطبقات الكبرى ، ابن سعد : 8/28 ، فتح الباري ، ابن حجر : 6/139 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 7/242 ح 18769.


(230)
تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) ، وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (2) ، وقال تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) (3).
    وقال الشهرستاني : الخلاف الثاني في مرضه أنه قال : جهِّزوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلَّف عنه (4).
    وفي سبر هذه النصوص نجد أن هناك لعناً قد يتذرَّع به من الكتاب أو السنّة في التعرية أو الاستنكار ، بيد أنه لم يكن الكتاب ولا السنّة ليتذرَّع بالسبِّ أو النبز أو الوصم والتعيير ، فهل تنكر حضرتك تخلُّفهم عن جيش أسامة ؟
    فابتسم ضاحكاً ثمَّ قال : ما رأيكم في أمِّ المؤمنين عائشة ؟
    قلت : قال الله تعالى : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا
1 ـ سورة التوبة ، الآية : 61.
2 ـ سورة الأحزاب ، الآية : 57.
3 ـ سورة الأحزاب ، الآية : 58.
4 ـ الملل والنحل ، الشهرستاني : 1/23 ، شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : 6/52.


(231)
وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (1) ، وعائشة في حرب الجمل سبَّبت قتل عشرين ألفاً من المسلمين (2).
    ثمَّ نقلت للشيخ عبد الرحيم كلام الدكتور طه حسين حولها (3) ، وقد تقدَّم في محادثاتنا معه ..
    فقام الأستاذ الشيخ عبد الرحيم عرابي مستأذناً ، وخرج مقتنعاً.
    قال ابن عبد ربِّه : دخلت أم أوفى العبديَّة على عائشة بعد وقعة الجمل ، فقالت لها : يا أمَّ المؤمنين ! ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً ؟ قالت : وجبت لها النار ، قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد ؟ قالت : خذوا بيد عدوَّة الله (4).
    وماتت عائشة في أيام معاوية ، وقد قاربت السبعين ، وقيل لها : تدفنين مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ قالت : لا ، إني أحدثت بعده حدثاً ، فادفنوني مع أخواتي في البقيع ، وقد كان النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال لها : يا حميراء ! كأني بك ينبحك كلاب الحوأب ، تقاتلين عليّاً وأنت له ظالمة.
    وقال ابن عبد ربِّه : أخرج أبو بكر بن أبي شيبة ، عن ابن أبزى قال : انتهى عبد الله بن بديل إلى عائشة وهي في الهودج ، فقال : يا أم المؤمنين ! أنشدك بالله ،
1 ـ سورة النساء ، الآية : 93.
2 ـ أخرج ابن عبد ربِّه عن سعيد بن قتادة قال : قتل يوم الجمل مع عائشة عشرون ألفاً ، منهم ثمانمائة من بني ضبّة كما في العقد الفريد : 3/105 ط. المكتبة التجارية بمصر.
3 ـ قال السيِّد الرضوي : كنت عند الدكتور طه حسين ، وكان معي الدكتور حامد حفني داود ، فسألته عن رأيه في عائشة فقال : كان أحد الأساتذة يقول : لو أدركت عائشة ... أقعدتها في بيتها ; لقوله تعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُْولَى ).
4 ـ العقد الفريد : 3/108 ط ، المكتبة التجارية بمصر ، عام 1353 هـ ـ 1935 م.


(232)
أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك : إن عثمان قد قتل فما تأمرينني فقلت لي : إلزم عليّاً ، فوالله ما غيَّر ولا بدَّل ؟ فسكتت ، ثمَّ أعاد عليها فسكتت ثلاث مرَّات ، فقال : اعقروا الجمل ، فعقروه ... إلخ (1).
1 ـ مع رجال الفكر في القاهرة ، السيِّد مرتضى الرضوي : 2/229 ـ 232.

(233)
    المناظرة الثانية والخمسون
مناظرة
السيِّد مرتضى الرضوي مع الأستاذ
عبد الهادي مسعود في مسألة المتعة وظلامة فاطمة
( عليها السلام )
    قال السيِّد مرتضى الرضوي : وفي إحدى زياراتي له (1) في داره قلت : أجد
1 ـ قال السيِّد مرتضى الرضوي دام مؤيَّداً : الأستاذ عبد الهادي مسعود الأستاذ بوزارة الثقافة والإرشاد القومي ، ومدير الفهارس العامة بدار الكتب المصرية ، ولد بمدينة الفيوم في 19/2/1924 م ، حصل على ليسانس الآداب عام 1946 م ، رائد دار المنتدى الثقافي ، وشعارها : الثقافة سبيل الحرّيّة ، اختير مديراً للمكتبات الفرعيّة بدار الكتب المصريّة عام 1955 م ، عيِّن وكيلا لدار الكتب المصريّة عام 1968 م ، أهم آثاره : شخصيات في السياسة والمجتمع ، والثورات الحديثة في الشرق ، وله مقدِّمة لكتاب حقيقة الفلسفات الإسلاميّة ، ومؤلَّفات أخرى مطبوعة ، تعرَّفت إليه عام 1958 م ، رجل الثقافة والعلم ، والأبحاث العميقة في مختلف حقول المعرفة ، له مقدِّمة لكتاب وسائل الشيعة ومستدركاتها ، تعرَّض بها لما يمتاز به الفقه الشيعي من الأصالة والدقّة والعمق ، كتب مقدِّمة أخرى لكتاب المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي ، استعرض فيها أوجه ضرورتها للمجتمع الإسلامي ، وأصالة تشريعها في الكتاب والسنّة ، كتب مقدِّمة ثالثة لكتاب علي ومناوئوه ، عرض فيها الأحاديث الدالة على أحقّيّة الإمام علي ( عليه السلام ) بالخلافة بعد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والإمام أميرالمؤمنين علي ( عليه السلام ) هو وزير النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخليفته من بعده ، ثمَّ ذكر معاوية بن أبي سفيان وأنَّه من شجرة الفساد بني أميّة ، وأن أمَّه آكلة الأكباد ، وهي التي نهشت جسد حمزة عمِّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولاكت كبده ... إلخ.
    مع رجال الفكر في القاهرة ، السيِّد مرتضى الرضوي : 2/267.


(234)
في كتبكم خلافاً بيننا في بعض المسائل والأحكام وغيرهما.
    فأجاب الأستاذ : ـ زي إيه ـ نظير أيِّ شيء ؟
    فقلت : أشياء وخلافات تاريخيّة وفقهيّة كثيرة.
    فأجاب قائلا : الحديث الذي تراه وفي نظرك أنه فيه خلاف أثبته لي بمنطق العلم ، وأنا أكتب عنه ، ولا يهمّني لو خالفت العالم كلَّه ، إنّما المهمُّ أن أقتنع به.
    فقلت له : ومنها مسألة المتعة ، فهي عندنا ـ أي الشيعة الإماميّة ـ جائزة (1) ، وعندكم محرَّمة ، وقد أحلَّها الله تعالى في كتابه العزيز فقال :
( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (2) ، وهذا هو نصُّ القرآن الكريم ، وأمَّا السنة النبويّة : فعن جابر : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر حتى نهانا عنها عمر (3) ، وأن ابن الزبير ولد من
1 ـ قال الراغب الإصبهاني في كتابه : المفردات في غريب الحديث : ص 461 في مادة متع : ومتعة النكاح هي : أن الرجل كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم ، فإذا انقضى الأجل فارقها من غير طلاق. انتهى.
    وقال زعيم الحوزة في جامعة النجف الأشرف السيِّد الخوئي عليه الرحمة : إن نكاح المتعة قد ثبت في الشريعة الإسلاميّة دون أن يثبت له ناسخ ، فلم يبق للقائلين بتحريمه غير اتّباع أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنّة رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ). البيان في تفسير القرآن : 584 ، الطبعة الثانية.
2 ـ سورة النساء ، الآية : 24.
3 ـ شرح معاني الآثار ، ابن سلمة : 3/27 ، فتح الباري ، ابن حجر : 9/173 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 16/523 ح 45732. وجاء في كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد الحفيد : 2/47 ، قال : واشتهر عن ابن عباس تحليلها ، وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) وفي حرف عنه : إلى أجل مسمَّى ، وروي عنه أنه قال : ما كانت المتعة إلاَّ رحمة من الله عزَّ وجلَّ رحم بها أمَّة محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولو لا نهي عمر عنها ما اضطرَّ إلى الزنا إلاَّ شقيٌّ ، وهذا الذي روي عن ابن عباس رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار ، وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : تمتَّعتنا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر ، ثمَّ نهى عنها عمر الناس.


(235)
المتعة (1).
    ووردت روايات كثيرة في الصحاح وغيرها مما تثبت حلّيّتها ، ولا يعرف سبب ذلك ، ومع ذلك تفتون بحرمتها.
    وأمَّا عندنا ـ نحن الشيعة الإماميَّة أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ـ فهي مشروعة بل مستحبّة.
    ثمَّ بعد هذا كلِّه طلب الأستاذ عبد الهادي منّي مدَّة ليراجع النصوص ، ووعدني بكتابة مقدِّمة عن هذا الموضوع بعد المراجعة ، وقد لبَّى سيادته هذا الطلب.

    في ظلامات فاطمة ( عليها السلام )
    وفي إحدى زياراتي له في داره قلت : وقد قيل : لأجل عين ألف عين تكرم ، نبيُّ الرحمة محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يخلِّف سوى ابنته فاطمة الزهراء البتول ( عليها السلام ) ، وقال في حقِّها أحاديث مستفيضة ، منها : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : فاطمة بضعة منّي فمن
1 ـ جاء في كتاب محاضرات الأدباء للراغب الإصبهاني : 3/314 ما نصه : إن عبد الله بن الزبير عيَّر ابن عباس بتحليله المتعة ، فقال له ابن عباس : سل أمَّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ، فسألها فقالت : والله ما ولدتك إلاَّ بالمتعة. وأمُّ عبد الله بن الزبير هي أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة ، وزوجها الزبير من حواري رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد تزوَّجها بالمتعة.

(236)
أغضبها أغضبني (1) ، وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو آخذ بيدها ـ أي بيد فاطمة ( عليها السلام ) ـ : من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي بضعة منّي ، وروحي التي بين جنبيَّ ، فمن آذاها فقد آذاني (2).
    وقد جعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً نفسه كما جاء بنصِّ القرآن الكريم ، قال الله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (3) ، وقال النيسابوري : ( نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ ) أي يدع كلٌّ منّا ومنكم أبناءه ، ونساءه ، ويأت هو بنفسه وبمن هو كنفسه إلى المباهلة ، وإنّما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ، ومن إحضار من هم أعزُّ من النفس ، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن الإنسان لا يدعو نفسه ، وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خير رجالكم علي بن أبي طالب ، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد (4).
    وأخرج الطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر قال : آخر ما تكلَّم به النبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اخلفوني في أهل بيتي (5) ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : عليٌّ خير البشر ، ومن أبى
1 ـ صحيح البخاري : 4/210 ، فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : 78 ، السنن الكبرى ، النسائي : 5/97 ح 8371 و 148 ح 8520 ، المعجم الكبير ، الطبراني : 22/404.
2 ـ راجع : كشف الغمّة ، الإربلي : 2/94 ، بحار الأنوار ، المجلسي : 43/54 ، الغدير ، الأميني : 3/20 ، الفصول المهمّة ، ابن الصباغ المالكي : 150 ، نور الأبصار ، الشبلنجي : 45.
3 ـ سورة آل عمران ، الآية : 61.
4 ـ تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 14/167 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 12/275 ح 788 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 12/102 ح 34191.
5 ـ المعجم الأوسط ، الطبراني : 4/157 ، الجامع الصغير ، السيوطي : 1/50 ح 302 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 2/438 ح 204.


(237)
فقد كفر (1) ، وصحَّ عن النبيَّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : من أحبَّ عليّاً فقد أحبَّني ، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن آذى عليّاً فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله (2) وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (3).
    وقال ( عليه السلام ) : عليٌّ منّي وأنا منه ، وهو وليُّ كلِّ مؤمن بعدي (4) ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لفاطمة ( عليها السلام ) : إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك (5).
    وعن محمّد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدِّه ( عليهم السلام ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : أتاني جبريل فقال : يا محمّد ! إن الله يحبُّ من أصحابك ثلاثة فأحبَّهم : علي ، وأبو ذر ، والمقداد بن الأسود ، يا محمّد ! إن الجنّة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان ( أخرجه أبو يعلى الموصلي ) (6).
1 ـ تأريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : 7/433 ، رقم : 3984 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 42/372 ـ 373 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 2/78 ح 80 و 81.
2 ـ المعجم الكبير ، الطبراني : 23/380 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 42/270 ـ 271 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9/182 ، وقال : رواه الطبراني وإسناده حسن ، الجامع الصغير ، السيوطي : 2/554 ح 8319.
3 ـ سورة الأحزاب ، الآية : 57.
4 ـ المصنّف ، ابن أبي شيبة الكوفي : 7/504 ح 58 ، الآحاد والمثاني ، الضحاك : 4/279 ح 2298 ، السنن الكبرى ، النسائي : 5/132 ـ 133 ح 8474 ، صحيح ابن حبان : 15/374 ، المعجم الكبير ، الطبراني : 12/78 ، البداية والنهاية ، ابن كثير : 7/381 ، الإصابة ، ابن حجر : 4/468 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 42/197 ـ 199 ، أسد الغابة ، ابن الأثير : 4/27.
5 ـ المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3/154 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، المعجم الكبير ، الطبراني : 1/108 ح 182 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 13/156 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9/203 ، وقال : رواه الطبراني وإسناده حسن ، أسد الغابة ، ابن الأثير : 5/522 ، الإصابة ، ابن حجر : 8/266 ، ذخائر العقبى ، أحمد بن عبدالله الطبري : 39.
6 ـ مسند أبي يعلى الموصلي : 12/143 ح 6772 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 12/412 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9/117 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 11/754 ح 33671.


(238)
    وحين وقف الأستاذ على هذه النصوص وتدبَّرها ، وأثارت فيه روح الحقِّ والإنصاف ، وتأثَّر بأقوال النبيِّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صرخ قائلا : أنا معك ، وسوف لا آلو جهداً لانتصار الحقّ ، فقدَّم لهذه الكتب بما يفرغ عن العقيدة الحقَّة (1).
1 ـ مع رجال الفكر في القاهرة ، السيد مرتضى الرضوي : 274 ـ 281.

(239)
    المناظرة الثالثة والخمسون
مناظرة
السيِّد مرتضى الرضوي مع الأستاذ محمود محمّد شاكر
في بعض المسائل وروايات أبي هريرة
    قال السيِّد مرتضى الرضوي حفظه الله تعالى : تعرفت إلى هذا الأستاذ ، والتقيت به مراراً عند المجلِّد الفنّيِّ الحاج سعد خضر ، وكان أحد علماء الأزهر الشريف جالساً عن شماله ، فجلست عن يمينه ، وبعد أن عرفني قال لي : هات المذكِّرة التي معك ، فأخرجتها من جيبي ودفعتها إليه ـ وكنت قد سجَّلت فيها بعض الحقائق التاريخيّة ـ وصار يقلِّب أوراقها ، وينظر في صفحاتها فوجد فيها ما يخالف رأيه وعقيدته وما يغيضه ، وبعد ذلك قال : سأغيضك الآن ، وأخذ يكتب عنوان داره في المذكِّرة ، وأول شيء كتبه : رسم خريطة موصلة إلى داره ، وأول ما كتب فيها : شارع أبو بكر الصدّيق.
    وفي أثناء ما كان يكتب قلت له : صدّيق إيه يا أستاذ ! وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأميرالمؤمنين علي ( عليه السلام ) : يا علي ! أنت الفاروق الأعظم ، وأنت الصدّيق الأكبر (1) ،
1 ـ المعجم الكبير ، الطبراني : 6/269 ، تأريخ دمشق ، ابن عساكر : 42/41 ـ 43 ، فيض القدير ، المناوي : 4/472 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 2/144 ح 398.

(240)
وقد قالهما في حقّ أميرالمؤمنين علي ( عليه السلام ).
    وبعد ذلك سجَّل في المذكِّرة رقم تليفون منزله بمصر الجديدة ، وقال : إذا ظللت الطريق تتصل بي بهذا الرقم وتنتظرني حتى أحضر.
    فأجبته فوراً ، وقلت : يا أستاذ ! نحن أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأتباع أهل البيت لا يضلّون.
    وعند ذلك رفع يده وضرب بها على فخذي ، وقال : هذا لا أقدر عليه.
    وبعد أن عرَّفته أن لي دار نشر في العراق سألني عن الكتب التي قمت بطبعها في القاهرة ، فذكرتها له ، ومنها كتاب : المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي للأستاذ المحامي توفيق الفكيكي.
    فقال الأستاذ : هل هناك متعة الآن ؟
    قلت : لا.
    قال : إذن طبعتها لمن.
    قلت : طبعتها للعقول المتحرِّرة ، لا المتحجِّرة ، فازداد غيضاً وسكت.
    وذهبت مرَّة أنا والأستاذ رشيد الصفار (1) إلى داره في مصر الجديدة ، فسألني عن أبي هريرة ، فقلت له : رجل يقول عنه النقّاد والمحقِّقون بأنه وضاع (2).
1 ـ قال السيِّد الرضوي في الهامش : من رجال التحقيق للآثار الإسلاميّة ، المعروفين في أنحاء العراق ومصر ، حقَّق كتباً نفيسة ، منها : ديوان الشريف المرتضى في ثلاث مجلَّدات ، طبع بمصر ، وجمل العلم والعمل للشريف المرتضى ، طبع في العراق ، ونسمة السحر فيمن تشيَّع وشعر ، وغيرها ، وكان رئيس ملاحظي الحقوق في المصرف الزراعي المركزي ـ بغداد.
2 ـ انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي : 2/106 ، ونصه : إن الصحابة أنكرت على أبي هريرة كثرة روايته حتى قالت عائشة : رحم الله أبا هريرة ، لقد كان رجلا مهذاراً ، وفي لسان العرب مادة هذر : الهذر هو الكلام الذي لا يعبأ به ، وهذر في كلامه كفرح : أكثر من الخطأ والباطل ، والهذر : الكثير الردي.
مناظرات في الامامة الجزء الرابع ::: فهرس