نهاية الافكار القسم الثاني من الجزء الرابع ::: 166 ـ 180
(166)
على التخصيص ، لعدم اقتضاء الخاص المنفصل الأقصر حجية ظهور المدلول ورفع اليد عن البعض الآخر ( لا يبقى ) مجال دعوى انقلاب النسبة بين العام المخصص ، بالمنفصل بعد التخصيص وبين العام أو الخاص الآخر المنفصل ( ولا فرق ) في ذلك بين ان يكون المتكلم من عادته إفادة مرامه بكلامين منفصلين ، أو لم يكن كذلك ( فان ) مثل هذه العادة غير مغيرة للكاشفية النوعية التي عليها مدار دلالة الألفاظ على المراد الجدي ، بل غاية ما تقتضيه هو عدم ترتب الأثر على ظهور كلام مثله قبل الفحص عن القرينة المنفصلة على خلاف ما يقتضيه ظهور كلامه ( ولذا ) لا يكون الظفر بالقرينة على التخصيص الا رافعا لحجية ظهوره لا كاشفا عن عدم ظهوره من الأول ولا رافعا لظهوره بعد انعقاد ( نعم ) لو قلنا ان القرائن المنفصلة كالمتصلة منها تكون كاسرة لأصل ظهور الكلام ودلالته على المراد ( أو قلنا ) ان مناط الحجية في الظهورات على الكاشفية الفعلية عن المراد الجدي ( لاتجه ) القول بانقلاب النسبة في الموارد المذكورة ، لارتفاع الظهور النوعي العمومي للعام على الأول ، وارتفاع كاشفيته الفعلية عن المراد الواقعي عن الثاني بقيام القرينة المنفصلة على التخصيص ( ولكن ) المبنيين مع كونهما سخيفان في نفسهما لا يلتزم بهما القائل بالانقلاب ( ومن التأمل ) فيما ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الثاني ( إذ نقول ) ان التعارض في الأدلة وان كان بين الحجتين ، للزوم ان يكون كل من المتعارضين في نفسه مما يصح الركون إليه لولا المعارض ( ولكن ) الكلام في الظهور الذي هو موضوع الحجية وانه ليس ظهورا آخر وراء ما يقتضيه العام أولا من الظهور النوعي العمومي ( لما ذكرنا ) من أن نتيجة التخصيص بالمنفصل ليست الأقصر حجية ظهور العام ببعض مدلوله ورفع اليد عنه ببعضه الآخر ( ومن البديهي ) ان قصر حجيته ببعض مدلوله غير موجب لقلب دلالته النوعية على العموم ، ولا لأقوائية دلالته في مقدار حجيته ( لان ) ظهوره ودلالته في مقدار حجيته انما هو بعين ظهوره ودلالته على تمام مدلوله قوة وضعفا لا بظهور آخر غيره ( وحينئذ ) فإذا كان هذا الظهور مساويا أو أضعف من ظهور غيره ، فكيف يقدم ظهوره في مقدار الحجية على ما كان مساويا أو أقوى


(167)
ظهورا منه بصرف أخصيته ( وتوهم ) ان الخاص أينما وجد يقدم على العام ولو كان ظهوره مساويا أو أضعف من ظهور العام ( مدفوع ) بأنه على فرض تسليمه انما يتم في الخاص الحقيقي لا في الخاص الاعتباري الناشئ من طرو حد اعتباري على بعض مدلول العام لأجل قصر الحجية عليه ( نعم ) لو كانت الأخصية حاصلة من قرينة متصلة بالعام لكان لتقديمه على غيره مجال ( ولكن ) أين ذلك والقرينة المنفصلة غير الكاسرة لظهوره في العموم كما هو ظاهر ( وحينئذ ) فالتحقيق في جميع الموارد المذكورة هو ملاحظة النسبة الأولية الثابتة بين الدليلين أو أزيد ، من التباين أو العموم من وجه أو المطلق بفرض وجود المخصص من هذه الجهة كان لم يكن ثم العمل على ما تقتضيه النسبة الأولية من التعارض أو الترجيح.
تكملة
    ينبغي تتميم البحث بالإشارة إلى بيان النسبة بين أدلة ضمان العارية ( فنقول ) ان الأخبار الواردة في هذا الباب على طوائف أربع.
    ( الأولى ) ما يدل بعمومه أو اطلاقه على عدم ضمان العارية مطلقا من غير تقييد بشيء ، كصحيحة الحلبي عن الصادق (ع) : ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن ، وقريب منها صحيحة بن مسلم عن الباقر (ع).
    ( الثانية ) بهذا المضمون الا انه استثنى مطلق الذهب والفضة ، كرواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أو أبى إبراهيم عليهما السلام : قال العارية ليس على مستعيرها ضمان الا ما كان من ذهب أو فضة فإنهما مضمومان اشترطا أو لم يشترطا.
    ( الثالثة ) بهذا المضمون الا انه استثنى الدنانير ، كرواية عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (ع) لا تضمن العارية الا أن يكون قد اشترط فيها الضمان الا الدنانير فإنها مضمونة وان لم يشترط فيها ضمانا.
    ( الرابعة ) بهذا المضمون الا أنه استثنى الدراهم خاصة ، كرواية عبد الملك


(168)
عن أبي عبد الله (ع) قال ليس على صاحب العارية ضمان الا أن يشترط صاحبها الا الدراهم فإنها مضمونة اشترط صاحبها أو لم يشترط ( فهذه ) طوائف أربع من الاخبار قد توافقت على عدم ضمان العارية في غير جنس الذهب والفضة الا مع اشتراط الضمان فيها ( واما ) في جنس الذهب والفضة فقد اختلف فيها الأخبار المذكورة حيث إن مقتضى اطلاق صحيحة الحلبي هو عدم الضمان فيها أيضا ، ومقتضى البقية هو ثبوت الضمان فيها ( كما أن ) بين الطائفة الثانية وبين الطائفة الثالثة والرابعة أيضا اختلاف في مطلق الذهب والفضة ( فان مقتضى ) الطائفة الثانية ثبوت الضمان فيهما ، ومقتضى الطائفة الثالثة والرابعة نفي الضمان في عارية مطلق الذهب والفضة ، وبينهما العموم من وجه ( وأيضا ) بين الطائفتين الأخيرتين اختلاف آخر في ضمان الدرهم والدينار من حيث اقتضاء العقد السلبي في كل منهما نفي ما يثبته الآخر بالعقد الاثباتي ( فلا بد ) حينئذ من العلاج بالجمع بين هذه الأخبار ( فنقول ) اما الطائفتان الأخيرتان فالجمع بينهما انما هو بتقييد اطلاق العقد السلبي في كل منهما بالعقد الاثباتي في الآخر ، فتصير النتيجة هي عدم الضمان الا في عارية الدراهم والدنانير ( لان ) الروايتين حينئذ بمنزلة رواية واحدة نافية للضمان الا في عارية الدراهم والدنانير ( وبهاتين ) الطائفتين يخصص عموم نفي الضمان في العارية في صحيحة الحلبي ، فيصير نفي الضمان فيها مختصا بما عدا الدراهم والدنانير ( فيبقى التعارض ) بينهما ، وبين رواية إسحاق بن عمار في الذهب والفضة المسكوكين ( فان ) مقتضى رواية إسحاق بن عمار هو ثبوت الضمان في عارية مطلق الذهب والفضة وان لم يكونا مسكوكين ، ومقتضى العقد السلبي في روايتي الدراهم والدنانير هو عدم الضمان فيما عدا الدرهم والدينار مطلقا ، وبينهما العموم من وجه ، فيتعارضان في مجمع تصادقهما ، وهو الذهب والفضة غير المسكوكين ، ويكون المرجع بعد تساقطهما فيه ، عموم ما دل على نفي الضمان كصحيحة الحلبي المتقدمة من قوله (ع) ليس على مستعير عارية ضمان وصاحب العارية والوديعة مؤتمن ( وقد يتوهم ) بان النسبة بين عموم ما دل على نفى الضمان ، وبين ما دل على ثبوت الضمان في مطلق الذهب والفضة بعد


(169)
ما كانت على نحو العموم المطلق وجب تخصيص الأول بالثاني كتخصيصه بما دل على ثبوت الضمان في عارية الدراهم والدنانير ، لما تقدم من أنه إذا ورد عام وخاصان بينهما العموم المطلق وجب تخصيصه بكل من الخاصين ولو كانت النسبة بين الخاصين هي العموم المطلق ( ولكنه ) مدفوع بان عدم تخصيصه به انما هو من جهة عدم حجيته لابتلائه بالمعارضة مع ما دل على نفي الضمان فيما عدا الدراهم والدنانير ( إذ حينئذ ) يبقى عموم ما دل على نفي الضمان في العارية بالنسبة إلى الذهب والفضة غير المسكوكين على حاله ، فيكون مرجعا في مجمع التصادق عن تصادم الظهورين وتساقطهما في المجمع ( هذا ) على ما اخترناه من عدم انقلاب النسبة بين الدليلين بعد تخصيص أحدهما بدليل ثالث ( واما على القول ) بالانقلاب تكون النتيجة أيضا هي عدم الضمان في عارية غير المسكوك من الذهب والفضة ( لأنه ) بتخصيص عموم نفي الضمان في العارية في صحيحة الحلبي بما دل على الضمان في الدرهم والدنانير ، تنقلب النسبة بين العام المزبور وبين ما دل على ثبوت الضمان في مطلق الذهب والفضة إلى العموم من وجه وبعد تعارضهما في مجمع التصادق وهو الذهب والفضة غير المسكوكين ، يكون المرجع أصالة البراءة عن الضمان في حلى غير المسكوك من الذهب والفضة ، فتكون النتيجة على المسلكين هي عدم الضمان ( غير أن ) عدم الضمان على المختار يكون من جهة الأصل اللفظي وهو عموم نفي الضمان ( وعلى مسلك ) انقلاب النسبة من جهة الأصل العملي ( ثم إن ) ما ذكرناه من مرجعية عموم نفي الضمان في عارية الذهب والفضة غير المسكوكين ، أو مرجعية أصالة البراءة على المسلك الآخر مبنى على تصادم كلا الاطلاقين وتساقطهما ( والا ) فيمكن ترجيح تقييد اطلاق رواية الذهب والفضة بخصوص المسكوك منهما على تقييد اطلاق العقد السلبي في روايتي الحصر في الدرهم والدينار لأظهرية الثاني في العموم بملاحظة الاستثناء الوارد فيه من الأول في اطلاقه لمطلق الذهب والفضة ( واما ) توهم بعد تقييد اطلاق رواية الذهب والفضة بخصوص المسكوك منهما ، لكونه من التقييد بالفرد النادر المستهجن عرفا ( لان ) الغالب في عارية الذهب


(170)
والفضة هو عارية الحلي غير المسكوك ، لأنه هو الذي يستعار للزينة ، فيكون حمل اطلاق رواية ضمان عارية الذهب والفضة على المسكوك منهما حملا له على الفرد النادر ( فمدفوع ) أولا بمنع ندرة عارية المسكوك من الذهب والفضة خصوصا مع كثرة الحلي المتخذ منهما ( وثانيا ) ان حمل المطلق على الفرد النادر انما يستهجن إذا لم يكن المتكلم متكفلا لبيان الفرد النادر ، والا فلا استهجان فيه ، وبعد تكفل روايتي الدرهم والدينار لبيان حصر الضمان في العارية بخصوص المسكوك من الذهب والفضة أين يبقى المجال للتوهم المزبور ( ولا أقل ) من تصادم الاطلاقين في المجمع وعدم ترجيح أحدهما على الآخر ، فيكون المرجع فيه عمومات نفي الضمان في مطلق العارية التي لم يتصل بها استثناء الدراهم والدنانير ( هذا كله ) إذا كان لاحد المتعارضين مزية في الدلالة تقتضي الجمع العرفي بينهما ( واما ) إذا لم يكن لأحدهما مزية تقتضي ذلك بان كانا متكافئين في الدلالة ( ففيه ) يقع الكلام في مقامين ( الأول ) في حكم المتعارضين بالنظر إلى ما يقتضيه الأصل الأولى في المتعارضين بلحاظ عموم دليل الحجية من أنه هو التساقط وفرضهما كان لم يكونا أو هو التخيير ( الثاني ) في بيان حكمها بالنظر إلى ما يستفاد من الاخبار العلاجية من الترجيح أو التخيير.
اما المقام الأول
    فالبحث فيه يقع ( تارة ) على الطريقية في الامارات ( وأخرى ) على السببية والموضوعية فيها ( فيقول ) ان تحقيق الكلام في المقام ، هو أن يقال ان التنافي بين الخبرين أو أزيد ( اما ان يكون ) من جهة العلم الاجمالي بكذب أحد الخبرين مضمونا للواقع ، لتناقضهما أو تضادهما اما ذاتا أو غرضا ، كما في مثال وجوب صلاة الظهر ووجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة ، مع احتمال صدور الخبرين معا عن الإمام (ع) ( واما ان يكون ) التنافي بينهما من جهة العلم بعدم صدور كلا الخبرين


(171)
من الإمام (ع) ولو لاشتباه أحد الراويين في حكاية صدور مضمون الخبر عن الإمام (ع) ، مع احتمال مطابقة كلا المضمونين للواقع بعكس الفرض الأول ( فإنه ) لأجل العلم الاجمالي المزبور يقع التنافي بين الخبرين بلحاظ صدورهما عن الإمام (ع) لا بلحاظ مضمونهما لاحتمال مطابقتهما للواقع ( ولا يخفى ) ان مورد الكلام الذي انعقد هذا البحث لأجله من الحكم بالجمع أو الترجيح أو التخيير انما هو في خصوص الفرض الأول ( واما ) الفرض الثاني فهو خارج عن مصب هذه الأحكام ، فلا تجرى فيه الجمع العرفي بين الأظهر والظاهر ولا الترجيح والتخيير ( لان ) ذلك كله فرع تنافي الخبرين بمضمونهما للواقع ( بل الحكم ) فيه عند كون الخبرين نصين في المؤدى هو وجوب الاخذ بسند كل منهما والعمل على طبقه لعدم مخالفة عملية من اعمال كل من التعبدبن فيهما ( ومجرد ) العلم الاجمالي بعدم صدور أحد الخبرين عن الإمام (ع) ، لا يضر بالأخذ بالامر الطريقي في كل منهما بعد عدم سراية العلم الاجمالي من متعلقة الذي هو العنوان الاجمالي إلى الخارج ، وكون كل من الخبرين بعنوانه التفصيلي محتمل الصدور ( إذ في مثله ) لا قصور في شمول دليل السند لكل منهما بعنوانه التفصيلي وتتميم كشفه ( كما أن ) عدم شمول الامر الطريقي لما هو معلوم الكذب بنحو الاجمال ، لا يمنع عن شموله لكل منهما بعد كون كل منهما محتمل الصدق بعنوانه الخاص وقابليته لتتميم كشفه ( وحكمة ) الأوامر الطرقية التي هي غلبة الايصال أيضا غير مانعة عن شمولها لمثل الفرض ( وتوهم ) ان المدلول الالتزامي في التعبد بكل من السندين لما كان نافيا لصدور الآخر بمقتضى العلم الاجمالي ، امتنع دخولهما معا تحت دليل الحجية لأدائه إلى التناقض ، ودخول أحدهما بعينه تحته دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، فلا بد من الحكم بخروجهما معا عن تحت دليل السند ( مدفوع ) بأنه كذلك إذا كان الخبران متناقضي المضمون ( واما ) إذا لم يكونا متناقضي المضمون ، فلا اثر لمدلولهما الالتزامي خصوصا بعد كون الخبرين نصين في المؤدى ( إذ لا اثر ) حينئذ لمجرد عدم صدور الخبر عن الإمام (ع) كي يترتب ذلك على ما يقتضيه المدلول الالتزامي فيهما ( وانما ) الأثر العملي على مطابقة مضمون


(172)
الخبر للواقع ، وعدم مطابقته ( وبعد ) عدم اقتضاء المدلول الالتزامي فيهما نفي مطابقة مضمونهما للواقع ، لعدم التلازم بين عدم صدور الخبر عن الامام واقعا ، وبين عدم مطابقة مضمونه للواقع ، فلا محالة يسقط المدلول الالتزامي في الطرفين عن الحجية ويكون وجوده كعدمه ( فيصير ) حال الخبرين من هذه الجهة حال الاستصحابين الجاريين في طرفي العلم الاجمالي مع عدم استلزام جريانهما للمخالفة العملية ( إذ لا فرق ) بين أوامر الطرق ، وبين نهى لا تنقض من حيث كونهما أمرين طريقيين ( ومجرد ) اختلافهما في كيفية اللسان من حيث التعرض لتتميم الكشف في أوامر الطرق وعدم التعرض له في نهى لا تنقض لا يوجب فرقا بنيهما من هذه الجهة ( بل الامر ) في المقام ( أوهن ) لان فيه لا علم بمخالفة أحد المضمونين للواقع ، بخلاف الاستصحابين الجاريين في طرفي العلم.
    ( وبما ذكرنا ) ظهر انه يمكن الالتزام بشمول دليل التعبد للامارتين المعلوم كذب أحدهما مضمونا للواقع في فرض عدم حجية مدلولهما الالتزامي ( كما لعله ) من هذا الباب حجية الاقرار ، فيما لو أقر بعين لواحد ثم أقر بكونها للآخر ، فإنه يحكم باعطاء العين للأول ، وباعطاء القيمة للثاني مع فرض العلم بمخالفة أحد الاقرارين للواقع ( إذ بعد ) عدم حجية المدلول الالتزامي في الاقرارين من نفي استحقاق الغير للعين ، لكونه من الاقرار على الغير غير المسموع منه ( وعدم ) استلزامهما المخالفة العملية الموجبة لطرح تكليف ملزم في البين لا من الحاكم ولا المقر له لكونه من العلم الاجمالي بالتكليف بين الشخصين ( فلا جرم ) يؤخذ بكل من الاقرارين بمقتضى التعبد بهما بلا ورود محذور في شمول دليل التعبد لهما فيحكم الحاكم على طبق كلا المضمونين حتى على القول بطريقية الاقرار لا موضوعيته كما توهمه بعض ( كما أنه بما ذكرناه ) من شمول دليل التعبد بالسند لكل من الخبرين يظهر الحال فيما إذا لا يمكن العمل بمضمون كل واحد منهما من جهة العجز عن الجمع بينهما ( فإنه ) يصار إلى التخيير في العمل بكل واحد منهما برفع اليد عن اطلاق المنع عن جميع أنحاء الترك في كل منهما بقصره على بعضها الراجع إلى جواز ترك كل


(173)
منهما في ظرف الاتيان بالآخر ، وعدم جوازه في ظرف ترك الآخر كما هو الشأن في كل واجب تخييري على ما حققناه في محله ( هذا كله ) إذا كان الخبران نصين في المؤدى ( واما ) إذا كانا غير نصين في المؤدى بحيث يحتاج في ترتيب الأثر على التعبد بسندهما إلى تعبد آخر بالمؤدى ( ففيه ) يسقط الخبران عن الحجية ولكن لا بمناط تصادم الظهورين ( بل من جهة ) اقتضا التعبد بكل واحد من السندين بالالتزام نفي صدور الآخر الملازم شرعا لنفي التعبد بدلالته أيضا ( لوضوح ) ان التعبد بدلالة كل خبر فرع صدوره عن الإمام (ع) ، ومع اقتضاء المدلول الالتزامي للتعبد بكل من السندين طرح موضوع التعبد بالدلالة في الآخر ، فلا يعمهما التعبد بالدلالة ( ولازمه ) عدم شمول التعبد بالسند لهما أيضا ، لصيرورتهما حينئذ في عدم الانتهاء إلى الأثر العملي بمنزلة المجمل الذي لا ظهور فيه فلا يشملهما دليل التعبد بالسند ، للغوية التعبد بسند ما لا يكون له ظاهر متعبد به ( ولا فرق ) في ذلك بين ان يكونا متعادلين في الدلالة ، وبين ان يكون أحدهما أقوى من الآخر ( فان جهة ) الأقوائية في الدلالة غير مثمرة في هذا الفرض ( ولذا ) قلنا بخروج هذا الفرض عن موضوع الجمع العرفي بين الدلالتين ( لان ) المدار فيه انما هو في الكلامين الصادرين من متكلم واحد أو المتكلمين هما بمنزلة متكلم واحد كالاخبار الصادرة من المعصومين (ع) ( ومثله ) مما يقطع بعدمه في مفروض البحث ( لأنه ) على تقدير كون الصادر هو الظاهر فلا وجود الأظهر حتى يقتضي التصرف في ظهوره ( وعلى تقدير ) كونه هو الأظهر فلا وجود للظاهر حتى يتصرف فيه ( وهذا ) بخلاف ما لو كان الخبران نصين في المؤدى ( إذ في مثله ) لما لا يحتاج في الانتهاء إلى الأثر العملي إلى التعبد بالدلالة لفرض كونهما نصين في المؤدى ، فلا محالة يعمهما الدليل التعبد بالسند فيؤخذ بكل واحد من الخبرين ويعمل على طبقهما بلا اقتضاء المدلول الالتزامي فيهما شيئا ( وبذلك ) يظهر الحال فيما لو كان أحد الخبرين نصا في المؤدى والآخر ظاهرا فيه ( فإنه ) يؤخذ بالنص منهما ويطرح الآخر الظاهر ( هذا كله ) إذا كان التنافي بين الخبرين لأجل


(174)
العلم بعدم صدور أحدهما من الإمام (ع) واقعا.
    ( وأما إذا كان ) التنافي بينهما لأجل التنافي بين مدلوليهما اما على وجه التناقض أو التضاد ذاتا أو عرضا ( فالبحث فيه ) تارة يكون على القول بالطريقية والكاشفية في الامارات ، وأخرى على السببية والموضوعية فيها ( فنقول ) اما على الطريقية ، فلا ينبغي الارتياب في أن مقتضي الأصل في المتعارضين هو سقوطهما عن الحجية ( وذلك ) لا لما توهم من مانعية العلم الاجمالي ، لما تكرر منا غير مرة من عدم مانعية مجرد العلم الاجمالي عن شمول دليل الحجية لكل واحد من المتعارضين الا على مبنى سخيف وهو سراية العلم إلى الخارج ( بل ) من جهة ان الدليلين المتعارضين لما كان كل واحد منهما دالا على نفي الآخر اما بالمطابقة لو كانا متناقضي المضمون بالايجاب والسلب ، أو بالالتزام لو كانا متضادي المضمون كالوجوب والحرمة ، وكان اطلاق دليل حجيتيهما في المدلول المطابقي والالتزامي في عرض واحد ( يمتنع ) دخولهما تحت دليل الحجية ، لا داء التعبد بسند كل واحد منهما بما لهما من المضمون مطابقة والتزاما إلى التعبد بالنقيضين ، وهو من المستحيل حتى فيما كان التعارض بينهما عرضيا ، كوجوب صلاة الظهر ووجوب صلاة الجمعة ( واما دخول ) أحدهما بعينه تحت دليل التعبد دون الآخر ، فهو أيضا ممتنع لكونه ترجيحا بلا مرجح ( فلا بد ) من سقوطهما معا عن الحجية ( لا يقال ) انه كذلك إذا كانا نصين في المؤدى ( واما ) إذا كانا ظاهرين فيه فلا محذور في الاخذ بالمتعارضين بمقتضى عموم دليل التعبد بالصدور ثم الجمع بينهما مع عدم امكان العمل بهما ولو بضرب من التأويل كما في مقطوعي الصدور ( فإنه يقال ) أولا منع وجوب التأويل في مقطوعي الصدور بنحو يستخرج مراد المتكلم منهما ولو ببعض المحامل البعيدة التي لا يساعد عليها العرف وطريقة المحاورة فضلا عن مظنوني الصدور ( لان ) القطع بالصدور لا يقتضى التأويل حتى يجب ذلك في مظنونه ( بل اللازم ) في مثله ، هو الحكم باجمال المراد والتوقف محضا ( وعلى فرض ) وجوب التأويل في مقطوعي الصدور ، فإنما هو لأجل ان القطع بالصدور قرينة على عدم إرادة المتكلم ظاهر كل واحد منهما


(175)
( وفي المقام ) لا ملزم للاخذ بسند المتعارضين حتى يلتجئ إلى التصرف في ظاهرهما بضرب من التأويل ( فلا محيص ) حينئذ من القول بتساقطهما ، لعدم امكان دخولهما معا تحت دليل الحجية ، ولا دخول أحدهما المعين لعدم المرجح.
    ( واما توهم ) التخيير في الاخذ بهما بدعوى شمول عموم دليل الحجية للواحد منهما بلا عنوان القابل للانطباق على كل واحد ولو بتوسيط اختيار المكلف ، كما لو ورد من الأول التعبد بأحدهما المخير نظير التخيير في خصال الكفارة ( فمدفوع ) بان الوجوب التخييري غير متصور في مثل المقام المنتهى إلى التعبد بالنقيضين ولو باعتبار المدلول المطابقي والالتزامي ( لان ) مرجع الوجوب التخييري انما هو إلى الامر بكل واحد من الامرين في ظرف عدم وجود بديله ، وهذا انما يتصور إذا لم يكونا مانعتي الخلو بحيث أمكن اعمال المولوية بالنهي عن ترك مجموع الامرين ، لا في مثل النقيضين أو الضدين لا ثالث لهما مما يكون وجود الشيء في فرض عدم ضده أو نقيضه حاصلا قهرا ( نعم ) لو كان مفاد دليل التعبد وجوب الالتزام بمؤدى أحد الخبرين ولو مقدمة للعمل ( لأمكن ) تصوير الوجوب التخييري في مفاد دليل التعبد ، وأمكن أيضا استفادته من قضية اطلاق دليل التعبد بهما برفع اليد عن اطلاق كل من التعبدين في صورة الاخذ بالآخر ( ولكن ) المبنى فاسد جدا ( لوضوح ) ان متعلق وجوب التعبد في الامارات والأصول انما يكون هو العمل محضا ، ولا يجب الموافقة الالتزامية حتى في مورد الامارات غير المتعارضة ( ومعه ) لا يتصور الوجوب التخييري بعد انتهاء الامر في التعبد بالمتعارضين بمدلولهما المطابقي والالتزامي إلى النقيضين أو الضدين لا ثالث لهما من وجوب الشيء وعدم وجوبه أو حرمته ( هذا كله ) بالنسبة إلى خصوص مؤدى الخبرين.
    ( واما بالنسبة ) إلى نفي الحكم الثالث بمقتضى مدلولهما الالتزامي ( فلا اشكال ) في عدم سقوطهما في الجملة عن الحجية ( وانما الكلام ) في أن نفي الثالث هل يكون بهما معا ( أو انه يكون ) بأحدهما غير المعين ، حيث إن فيه خلاف ، منشئه الخلاف


(176)
المتقدم في سراية العلم إلى الخارج ومانعيته عن صلاحية دليل التعبد للشمول لكل من المتعارضين ( فعلى المختار ) من عدم منع مجرد العلم الاجمالي بالخلاف عن شمول دليل التعبد لأطرافه بعناوينهما التفصيلية المشكوكة كما مر مرارا ( فلا شبهة ) في أن لازمه هو القول باشتراكهما في نفي الثالث بالدلالة الالتزامية ( لعدم ) مانع حينئذ من الاخذ بمدلولهما الالتزامي بالنسبة إلى مالا يلزم منه مخالفة عملية للمعلوم بالاجمال واما على القول بمانعيته العلم الاجمالي ذاتا عن شمول دليل التعبد لكل من المتعارضين ، لمنافات التعبد بهما معا مع العلم بكذب أحدهما بنحو الاجمال ( فلازمه ) هو خرج معلوم الكذب منهما بنحو الاجمال من تحت دليل التعبد رأسا بما له من المدلول المطابقي والالتزامي ، فلا يكون الباقي تحته الا غيره المشكوك اجمالا بلا تعيين ولا عنوان ( ولازمه ) هو تخصيص نفي الثالث بأحدهما بلا تعيين لا بهما معا ( ولا مجال ) في مثله لما عن بعض من توهم لزوم استناد نفي الثالث إليهما معا ، بدعوى ان الدلالة التزامية فرع الدلالة المطابقية في الوجود لا في الحجية ، فلا يلزم سقوط المعارضين عن الحجية في المؤدى سقوطهما عن الحجية في نفي الثالث ( لان ) سقوطهما في المؤدى انما هو لأجل التعارض ولا تعارض بينهما في نفي الثالث ( إذ فيه ) ان ذلك انما يتم في فرض عدم مانعية العلم الاجمالي ذاتا عن شمول دليل الحجية لكل من المتعارضين ، فإنه بعد وجود مقتضى الحجية في كل من المتعارضين يقتصر في رفع اليد عنهما على مقدار المانع وهو تعارضهما في خصوص المؤدى ، فيؤخذ بهما بالنسبة إلى نفي الثالث الذي لا تعارض بينهما ( والا ) فعلى مسلك مانعية العلم الاجمالي ذاتا فلا يدخل معلوم الكذب بنحو الاجمال من الأول تحت دليل التعبد حتى يفكك بين مدلوله المطابقي والالتزامي ، ولا يبقى تحته الا غيره بنحو الاجمال بلا تعيين ( ولذلك ) يكون التعارض بينهما في المؤدى من باب اشتباه الحجة بغير الحجة لا من باب تعارض الحجتين ( ومعه ) كيف يمكن دعوى اشتراكهما في نفي الثالث مع البناء على هذا المسلك في الأصول التنزيلية ( ومن العجب ) شدة انكاره على المحقق الخراساني قده في مصيره إلى استناد نفي الثالث إلى أحدهما لا إليهما معا ( مع أن )


(177)
ما افاده قده على مبناه من خروج معلوم الكذب بالاجمال بلا تعيين ولا عنوان عن تحت دليل الحجية ، وبقاء الآخر كذلك تحته في غاية المتانة ( نعم ) يرد عليه قده بمنافاة ما افاده في المقام لما اختاره في الاستصحابين المثبتين من عدم اضرار العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما بجريانه في طرفي العلم ( إذ لا فرق ) في مانعية العلم الاجمالي وعدم مانعيته بين الأصول وبين الامارات ( هذا كله ) على القول بحجية الامارات من باب الطريقية.
    ( واما على القول ) بحجيتها من باب السببية والموضوعية ( فالمصرح ) به في كلام الشيخ قده هو ان الأصل في المتعارضين هو التخيير ( وتحقيق القول ) فيه هو ان السببية في الامارات تطلق على معان ( أحدها ) انحصار المصالح في حق الجاهل بالأحكام بمؤديات الامارات ، بلا مصلحة أخرى في البين تقتضي وجوب شيء عليه واقعا مع قطع النظر عن قيام الامارة ، وهذا هو التصويب الباطل الذي اتفق النقل والعقل على بطلانه واستحالته ( وثانيها ) ما ينسب إلى المعتزلة من أن قيام الامارة على وجوب شيء أو حرمته سبب لحدوث مصلحة أو مفسدة في المؤدى غالبة على المصلحة أو المفسدة الواقعية المقتضية لوجوب الشيء أو حرمته ( وهذا ) أيضا من التصويب الذي قام الاجماع على بطلانه ، لرجوعه إلى نفي الحكم الواقعي الفعلي في موارد قيام الامارة على الخلاف ( وثالثها ) اقتضاء الامارة بقيامها على وجوب شيء أو حرمته لحدوث مصلحة أو مفسدة في المؤدى تقتضي وجوبه أو حرمته ظاهرا في المرتبة المتأخرة عن الشك بالحكم الواقعي مع بقاء الحكم الواقعي الناشئ عن المصلحة الواقعية القائمة بذات العمل في المرتبة السابقة على الشك على حاله من الفعلية بلا مضادة بينهما ، ففي العمل الذي قامت الامارة على وجوبه اجتمع حكمان فعليان في مرتبتين أحدهما الحكم الواقعي المحفوظ بفعليته في مرتبة ذاته ( والآخر ) الحكم الظاهري الحادث بسبب قيام الامارة في المرتبة المتأخرة عن الشك بالحكم الواقعي بلا مضادة بينهما ( ولا يخفى ) ان الموضوعية بهذا المعنى امر ممكن في نفسه ولم يقم أيضا اجماع على بطلانه لبقاء الحكم الواقعي على فعليته بالنسبة إلى العالم والجاهل بلا


(178)
تغيير فيه ولا تبدل بقيام الامارة على خلافه ، ولا لزوم محذور اجتماع الضدين أو المثلين كما أوضحناه في الجزء الثالث من الكتاب في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ( رابعها ) ما ينسب إلى بعض الامامية من أن قيام الامارة على وجوب شيء لا يكون من العناوين المغيرة للمصالح والمفاسد الواقعية ، ولا يكون محدثا لمصلحة في المؤدى تقتضي وجوبه ظاهرا ( الا ان ) في سلوك الامارة والتطرق بها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع عند عدم إصابة الامارة للواقع ( وهذا ) أيضا أمر ممكن في نفسه ولم يقم اجماع على بطلانه لكونه ملائما مع مذهب المخطئة ( وبعد ما عرفت ) ذلك فاعلم أن مورد البحث في المقام انما هو على السببية بالمعنيين الأخيرين الملائمين للتخطئة.
    ( فنقول ) اما على السببية بالمعنى الأول الموجب لقيام المصلحة بالمؤدى عند الشك ( فملخص ) الكلام فيه هو ان تعارض الامارتين تارة يكون لأجل تضاد المتعلقين ، كما إذا كان مفاد أحد الدليلين وجوب شيء وكان مفاد الآخر وجوب ضده ( وأخرى ) يكون لأجل اتحاد المتعلقين ( وعلى الثاني ) فتارة يكون تعارضهما بنحو الايجاب والسلب ، كما إذا كان مفاد أحد الدليلين وجوب شيء كالدعاء عند رؤية الهلال ، وكان مفاد الآخر عدم وجوبه عنده ( وأخرى ) يكون على وجه التضاد ، كما إذا كان مفاد أحدهما وجوب شيء وكان مفاد الآخر حرمته ( وعلى الأول ) تارة تكون للامارة النافية للوجوب اقتضاء المصلحة في الترخيص في المؤدى ، نظير الاباحات الاقتضائية ( وأخرى ) اقتضاء عدم المصلحة فيه ( واما ) حكم هذه الأقسام ( ففي القسم ) الأول الذي كان التعارض بين الامارتين لأجل تضاد المتعلقين ( فلا شبهة ) في كونه من باب تزاحم الحكمين في مرحلة الامتثال ، وحكمه انه مع تساويهما في الاهتمام هو التخيير عقلا بين الامتثالين بتقييد اطلاق الوجوب التعييني في كل من الحكمين في مقام صرف القدرة على الامتثال بصورة عدم الاتيان بالآخر المنتج لعدم جواز تركهما معا ( واما ) في القسم الثاني الذي كان التعارض بينهما لأجل وحدة الموضوع والمتعلق فيهما ( فلا شبهة ) أيضا


(179)
في اندراجهما في تزاحم المقتضيين في أصل تشريع الحكم الفعلي على طبقهما ، لا في عالم الوجود والتحقق كما في الفرض الأول ( وحكمه ) انه مع وجود مزية لأحدهما على الآخر توجب أقوائيته يكون التأثير الفعلي في تشريع الحكم الفعلي لذي المزية منهما دون الآخر ( ومع ) تساويهما في الاقتضاء قوة وضعفا لا تأثير لواحد منهما في تشريع الحكم الفعلي على طبقه ، وتكون النتيجة بعد سقوطهما عن التأثير الفعلي هي الإباحة والتخيير بمعنى اللاحرجية في الفعل والترك ، لا الحكم التخييري ولو عقليا لوضوح ان الحكم التخييري شرعيا أو عقليا غير متصور بين النفي والاثبات ، وانما المعقول في مثله هو التخيير العملي محضا بمقتضى اللاحرجية العقلية في الفعل والترك ( وحينئذ ) فما يظهر من الشيخ قده من أن مقتضى الأصل على السببية في تعارض الامارتين هو التخيير بينهما منظور فيه ، الا ان يكون المقصود التخيير الناشئ من تقييد اطلاق التعبد بكل واحد منهما بصورة الاخذ به الراجع في الحقيقة إلى التخيير في المسألة الأصولية ( ثم لا فرق ) فيما ذكرنا بين أن يكون الاختلاف بين الامارتين على وجه التضاد ، كالوجوب والحرمة أو في الايجاب والسلب كالوجوب واللاوجوب ( بل ولا ) في الثاني بين أن يكون للامارة النافية للوجوب اقتضاء المصلحة في الترخيص ، كالإباحات الاقتضائية ، أو اقتضاء عدم المصلحة في المتعلق في قبال الامارة المثبتة لها فيه ( فإنه ) على جميع هذه الفروض يندرج باب تعارض الامارتين على السببية ووحدة المتعلق ، في كبرى تزاحمين المقتضيين في مرحلة التأثير في تشريع الحكم الفعلي على طبقهما ( وقد عرفت ) انه مع وجود المزية لأحدهما على الآخر يكون التأثير الفعلي لذي المزية منهما دون الآخر ( ومع ) تساويهما في الملاك لا تأثير لواحد منهما ، وتكون النتيجة هي الإباحة اللا اقتضائية والتخيير العملي في الفعل والترك لا الحكم التخييري ، حتى فيما كان التزاحم بين الامارتين من حيث اقتضاء المصلحة واقتضاء عدمها ( وتوهم ) ان المتيقن حينئذ هو العمل على طبق الامارة القائمة على الوجوب فإنه يكفي في وجوبه اقتضاء الوجوب فيه بعنوان قيام خبر العادل على وجوبه بلا منافاته مع الامارة النافية للوجوب لا في مقام العمل لكون


(180)
العمل به عملا أيضا على طبق الامارة النافية للوجوب من حيث كونه اختيار للفعل ( إذ لم يكن ) مفادها الا جواز الترك لا وجوبها ( ولا ) في مرحلة الحكم الشرعي ، لعدم التنافي بين ان يكون في الشيء اقتضاء الوجوب ببعض العناوين ولم يكن فيه هذا الاقضاء ببعض العناوين الاخر ( فمدفوع ) بأنه كذلك لولا اقتضاء الامارة النافية نفي اقتضاء الوجوب فيه خصوصا بملاحظة مدلولها الالتزامي الراجع إلى سببية الخبر لنفى المقتضى فيه والا فتقع المزاحمة قهرا بين مقتضى الوجوب ومقتضى عدمه ، ولازمه هو سقوط مقتضى الوجوب من التأثير في الحكم الفعلي ( ومعه ) لا ملزم على اختيار الفعل ، كما هو ظاهر ( هذا كله ) على السببية بالمعنى الأول.
    ( واما السببية ) بالمعنى الثاني الراجع إلى قيام المصلحة الملزمة في سلوك الامارات والتطرق بها إلى الواقع في مقام العمل ، فحكمه يظهر مما بيناه من أنه بعد وقوع المزاحمة بين المصلحتين في مقام السلوك وعدم امكان الاخذ بكلتا الامارتين لا محيص مع تساويهما في الملاك من التخيير عقلا في الاخذ بأي واحد منهما والعمل على طبق المأخوذ ( وفي فرض ) تعارض الامارتين من حيث وجوب المؤدى وعدم وجوبه يتخير بين الاخذ بالامارة المثبتة للوجوب ليصير الفعل متعينا عليه بعد الاخذ بها ، وبين الاخذ بالامارة النافية للوجوب ليصير الفعل مباحا لا اقتضائيا ( فكان ) التخيير بين الآخذين ، لا بين العمل بهما ليكون من التخيير العملي بين النفي والاثبات.
    ( وهم ودفع ) قد يورد على ما افاده الشيخ قده من ادراجه السببية بمعنى المصلحة السلوكية في باب التزاحم ( بان ) المصلحة السلوكية على القول بها انما تكون قائمة بالطريق بلحاظ ان سلوك الطريق يكون ذو مصلحة ملزمة ، فطريقية الطريق تكون بمنزلة الموضوع للمصلحة السلوكية ( ومع ) سقوط المتعارضين بالنسبة إلى المؤدى لا يبقى موضوع للمصلحة السلوكية حتى يقال بوقوع المزاحمة بين المصلحتين في مقام الاستيفاء ( ولكنه توهم ) فاسد ( فان ) لمقصود بالطريق الذي هو موضوع المصلحة السلوكية ( إن كان ) ذات الطريق ، فلا معنى لدعوى سقوطه
نهاية الافكار القسم الثاني من الجزء الرابع ::: فهرس